رئيس لجنة المنتخبات عطا المنان يتفقد البعثة ويتحدث للجهازين الإداري والفني    الهلال يختتم تحضيراته بمران خفيف استعدادًا لمواجهة "روتسيرو" غدًا لاستعادة الصدارة    لاعبو الدوريات الخارجية يتوافدون لجدة ويكتمل عقدهم فجراً    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب: جرد الحساب في إحالة العميد طبيب طارق كجاب    لأول مرة.. حكم يحمل إنستغرام ويوتيوب المسؤولية عن إدمان وسائل التواصل    النفط يصعد والذهب يستقر مع تقييم احتمالات وقف الحرب    "ChatGPT" تتيح مقارنة المنتجات بدل الشراء المباشر    ترتيبات بالشمالية لتنفيذ مشروع المبادرات المجتمعية المشتركة    ترتيبات لقيام مجمع تشخيصي متكامل لتوطين الخدمات الصحية بشرق الجزيرة    تقرير أمريكي يكشف استهداف مباشر لمستشفى الضعين في عيد الفطر    مقربون من محمد صلاح يرجحون وجهته القادمة.. إيطاليا أو أميركا؟    الزمالك يؤجل ملف تجديد عقد حسام عبد المجيد    موقف زيزو من الرحيل عن الأهلى فى الصيف المقبل    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    شيماء سيف تنشر فيديو طريف مع زوجها محمد كارتر على إنستجرام    طارق الدسوقي: اشترطت الإطلاع على السيناريو للموافقة على دوري في علي كلاي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    10 أطعمة يجب تناولها لعلاج نقص البوتاسيوم    10 ثوانٍ فقط للمستبدل .. فيفا يعلن تطبيق حزمة تعديلات تحكيمية في المونديال    وزير الخارجية ووالي الخرطوم يفتتحان مقر وزارة الخارجية بشارع عبدالله الطيب بالخرطوم ايذانا بعودة كامل الوزارة لممارسة عملها من العاصمة الخرطوم    السودان ومصر يوقعان بروتوكول مشترك لمكافحة بعوضة الجامبيا    شاهد بالصور.. السلطانة هدى عربي تخطف الأضواء بإطلالة مبهرة من حفلها الأخير بالرياض    أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    4 وجهات محتملة لصلاح بعد قرار رحيله عن ليفربول    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام السياسي السوداني بين الإبداع والإخفاق(6-6)
نشر في الصحافة يوم 20 - 07 - 2010

بعد رحلة طويلة من الكفاح السياسي تحقق الاستقلال ، ولم يجد قادته غضاضة في تبني دستور الحكم الذاتي ذي الصبغة العلمانية بعد تعديله ليكون أول دستور لدولة السودان المستقلة «دستور 1956» وظلت السياسة في ظله تمارس بين أهل السودان وفق الرؤى الزمنية البرغماتية حيناً من الدهر قليلا، لينتهي الأمر بعد ذلك في 1958 إلى المؤسسة العسكرية التي لم تتبدل هي الأخرى النهج السياسي الزمني، والملاحظ أنه بعد أن انتهى برنامج المقاومة الذي شغل الجميع وقتاً طويلا، اشتعل الصراع على السلطة والجاه والمال، وأصبح هذا الثالوث برنامجاً بديلاً لبرامج مقاومة الاستعمار،وفي ظل هذا الصراع الزمني المؤنسن ، تلفت بعض الساسة من أهل السودان إلى التاريخ والتراث لا ليستصحبوا ما فيه من إيجابيات ويطوروها لخدمة الشعب والبلاد، وإنما ليستعيروا منه وسائل الدهاء والمكر السياسي ،فوجد كثيرون منهم ضالته في استخدام الدين كوسيلة لإحراج الخصوم ولي أذرعتهم خاصةً بعد ثورة أكتوبر 1964م،وكان لهذا المنهج المخاتل أثره الضار على تطوير الفكر السياسي الإسلامي على نحوٍ علمي وموضوعي حتى أن الكتابات السودانية القليلة التي أنتجت من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا فيما يخص السياسة لم تكن تهدف في حقيقة أمرها إلى إنتاج دولة الإسلام بقدر ما أنها كانت بمثابة ردة فعل تبريرية لمجابهة الخصوم وإبعادهم عن مراكز القوى والنفوذ ويقف شاهداً على ذلك صراعات الجمهوريين «جماعة محمود محمد طه» والإخوان المسلمين ، وكذلك الصراعات الآيديولوجية التي دارت بين الأخيرين وبين ذوي التوجهات اليسارية من شيوعيين وناصريين وقوميين عرب،ولقد كان لهذه الصراعات الآيديولوجية أثراً سيئاً صرف الجميع عن البحث المعرفي الجاد لإنتاج فكر سياسي ناضج ينطلق من واقع الدولة السودانية ويسعى إلى إنتاج أفكار عملية تلبي متطلبات ذلك الواقع، ولا ادعي أنني قرأت كل إنتاج الفترة الممتدة من أكتوبر حتى تاريخ اليوم،ولكن فيما يتعلق بالأفكار السياسية العملية فيما يخص الفترة من الاستقلال وحتى اليوم لم أقف على أية فكرة سياسية عملية تزعم أنها تنطلق من مرتكزات إسلامية وتضع تصوراً لشكل الدولة وتُنَظِر لعلاقة الدولة بمواطنيها وكيفية حكمهم سوى فكرة أسس دستور السودان التي استوحاها محمود محمد طه من الدستور الأمريكي وطرح فيها الفيدرالية بعد إجراء تعديلات عليها تجعلها تتوافق مع الواقع السوداني.وبما أنني في هذا المقال مشغول بالفكر الإسلامي السياسي، فإن محمود محمد طه ليس ببعيد عن نطاق ما يشغلني ، ذلك أن أطروحته الفكرية ليست مقطوعة الصلة بمدارس الفكر الإسلامي،خاصةً أنه زعم الانطلاق فيما طرحه من مرتكزات إسلامية وأن أطروحته تمثل خلاصة ما قاده إليه اجتهاده ،وهو زعم يدخله في دائرة الفكر الإسلامي حتى لو اتهمه البعض بالشطط والجنوح في الاجتهاد إلى غير مألوف الناس.
المتأمل في مخرجات ثورة أكتوبر المتفجرة بسبب تأزم حرب الجنوب ، يلاحظ أنها أدخلت الدين بكثافة إلى حيز السياسة السودانية بعد أن ابتعد عن هذا النطاق طيلة فترة المقاومة الوطنية للحكم الثنائي،فبعد أكتوبر حاولت الأحزاب السياسية السودانية الكبيرة باستثناء قوى اليسار إيجاد نسب بينها وبين قضية الشريعة الإسلامية،وتحدثت جميع قوى اليمين عن الدستور الإسلامي،وبشرت به كحل لأزمات البلاد في شتى صورها وضروبها، لكن للأسف هذا التبشير لم يتجاوز حيز الخطب الحماسية التي ألهبت العواطف والمشاعر دون العقول، رغم الأسئلة الكثيرة التي طرحت بمناسبة الحديث عن الدستور الإسلامي والتي كان من المؤمل أن تكون الإجابة عليها حافزاً لإنتاج فكر سياسي إسلامي ناضج يلامس واقع الفضاء السوداني،إلا أنه بدلاً عن ذلك حاولت الأحزاب الكبيرة ممثلة في الأمة والاتحادي المزايدة على أمر الدين بعد أن جرهم إلى هذا الميدان الأخوان المسلمون الذين هم الآخرون قصر بهم اجتهادهم بل استقالت منهم في هذا الحيز العقول ،فلم ينتجوا فكراً سياسياً يقنع العقل الناقد، وظل دورهم منحصراً في إحراج الخصوم خاصةً من الأمة والاتحاديين وتصوريهم لمؤيديهم على أنهم لا يعنيهم أمر الدين ولا الدولة الإسلامية في شيء وبذلك انصرف الجميع عن التفكير الموضوعي الذي يبحث عن الحلول لمشكلات السياسية السودانية ، وأصبحت علاقة الدين بالدولة بذلك هي أم المشاكل والمعضلات التي أنتجها صراع الخصوم على مسائل زمنية تتعلق بالسلطة والجاه والمال، وكانت هذه العلاقة «علاقة الدين بالدولة « هي الصخرة الكأداء التي تحطمت عندها آمال السودانيين الذين اصطفوا وصفقوا للاستقلال. فالمتصارعون من ذوي النفوذ والطموح أنتجوا المشكلة لكنهم جميعاً وقفت عقولهم عن إبداع حلٍ لها، وقصرت بهم طاقاتهم الفكرية عن إنتاج فكرة إسلامية عملية شمولية تتنزل بمثال الدين الإسلامي إلى واقع الدولة السودانية.،وتولد عن ذلك أن أعتاد السياسيون والمفكرون الإسلاميون السودانيون العيش والتوافق مع المتناقضات ،وكان حصاد هذه الشيزوفرينيا السياسية أن أيدت جميع الأحزاب السياسية السودانية اليمينية و طاقاتها الفكرية مبادئ ثورة أكتوبر وكذلك أيدت مقررات المائدة المستديرة، مع أن تلك المقررات كانت ذات صبغة علمانية على الأقل فيما يخص علاقة الفرد بالدولة، فقد أسست تلك العلاقة على المواطنة لا الدين ،فضلاً عن أن الحلول التي اقترحت في ذلك المؤتمر لمشكلة الجنوب قاربت جميعها الزمنية والأنسنة والبرغماتية ،ولم يقل لنا ولا واحد من مفكري اليمين الإسلامي عن وجه الاجتهاد الإسلامي المبدع الذي استند إليه في تأييد تلك المقررات ذات الصبغة الزمنية ، بل إن جميع قوى اليمين بما في ذلك حركة الأخوان المسلمين ممثلة في جبهة الميثاق الإسلامي خاضت انتخابات ما بعد أكتوبر مما يعني وفق نظرية العقد الاجتماعي قبولها لهذا الوضع الزمني العلماني الذي أنتجته ثورة أكتوبر.
وعندي أن غياب الرؤية الشمولية فيما يخص أمر الدولة الإسلامية أدى إلى ارتباك قوى اليمين ووقوعها في أدواء الانقسام النفسي والفكري والتأرجح في المواقف السياسية بين النقيض ونقيضه،يدل على ذلك أن ذات القوى التي أيدت مؤيدات المائدة المستديرة وذات القوى التي صنعت أكتوبر المتفجرة بسبب أزمة الجنوب عادت هي الأخرى لتطرح في العام 1968م مشروع الدستور الإسلامي، الذي قصرت آلة الاجتهاد عند معديه ومقدميه عن بلوغ الغاية والمقصد، فقد تناسى القائمون على أمر الدستور الإسلامي الواقع القومي الذي يتصادم مع كثيرٍ من النصوص الشرعية ذات العلاقة بالولاية العامة ،وتلك التي تنظم علاقة غير المسلم بالدولة الإسلامية من مثل عقود الذمة والأمان ، وقد بلغ الحرج بمقدمي الدستور الإسلامي مبلغه عندما جابههم ذوو الانتماء القومي غير الإسلامي بأسئلة في هذا الصدد داخل جلسات البرلمان»فيليب غبوش»، هذه الأسئلة الكثيرة التي انفتحت بشأن مدى صلاحية الدستور الإسلامي للتطبيق في واقع الدولة السودانية كان المؤمل منها أن تفتح باباً للبحث والتفكير عن حلول واجتهادات مبدعة تجد لنفسها سنداً في الدين نفسه ، لكن للأسف تعامل الجميع مع الأمر وكأن شيئاً لم يحدث ،فلم نر كتابات جادة أو تفكير مستثار تشحذ همته قضية البحث عن حلول عملية للمشكلة،وما يحز في النفس أكثر،أن بعض مفكري العالم الإسلامي الذين لم يجابهوا في واقع بلدانهم بمثل هذه الأسئلة ،أعمل الكثيرون منهم عقولهم وفرضوا الفروض واستنبطوا حلولاً فيما يتعلق بإشكال الدولة الإسلامية ولا يعنينا في شيء أن نتفق أو نختلف مع تلك الحلول، وإنما الذي يعنينا أنهم أعملوا عقولهم في الوقت الذي استقالت فيه عقولنا عن التفكير ، ومن أولئك الذين تفتقت عقولهم عن اجتهادات في هذا الباب على سبيل المثال المفكر المغربي علال الفاسي الذي أبدع فكرة إجماع الأمة للعبور عن طريقها إلى فكرة الديمقراطية ، وقد حاول القائمون على أمر دستور 1998م الاستفادة من هذه الفكرة في صياغة المادة «65» من الدستور التي عالجت مسألة مصادر التشريع ،فقد نصت المادة «65» من الدستور المذكور على أن « الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاءً وعرفاً هي مصادر التشريع ..إلخ المادة « فإجماع الأمة عبر آلية الاستفتاء في هذا النص مصدر مساوٍ تماماً للشريعة الإسلامية ،ذلك أن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه، وإجماع الأمة في هذا المقام هو غير إجماع الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها،ونفس الشيء يقال عن العرف وهو هنا أيضاً العرف العام وليس عرف الشريعة الذي هو مصدر داخلي من مصادرها، والذي كما نعلم يتقيد إطلاقه بنصوصها ولا يجوز أن يخالفها،وكنت آمل أن يشير الذين اقتبسوا هذه الفكرة « فكرة إجماع الأمة»إلى صاحبها «علال الفاسي» ويقولوا إنهم مقلدة للرجل، وإلا وجب عليهم أن يبدوا للناس وجه إبداعهم واجتهادهم الذي قادهم إلى صياغة مثل هذا النص الدستوري «المادة 65» وسند ذلك من المنقول والمعقول .
من المبدعين أيضاً الذين تأملوا في مسألة الدولة الإسلامية أبو الأعلى المودودي الذي اصطدم بواقع دولة قومية يشبه واقع دولة السودان تماماً ، من حيث التعدد الديني والعرقي والثقافي، فالرجل قد عاش في ظل دولة الهند الكبرى ذات التباين الديني والعرقي والثقافي الواضح ، وحلم ليل نهار بإخراج فكرة الدولة الإسلامية إلى حيز الوجود ،إلا أنه اختار أن يكون أميناً مع سلفيته بغض النظر عن النتائج التي تقوده إليها فسعى إلى إقامة وطن خاص بالمسلمين وحدهم تكون نواته دولة «باكستان» ،وحاول بذلك أن يتحاشى الانقسام الفكري بعد أن اختار لنفسه أن يساير الدلالات اللغوية للنصوص الشرعية بطريقةٍ سلفية ، إيماناً منه بأممية الإسلام ودولته التي تحصر السلطة في المسلمين دون سواهم وتحدد علاقتها بغير المسلمين على نحو ما ورد في النصوص الشرعية بغير نقص ولا زيادة ونفس الشيء انتهجه في تفكيره بشأن تنظيم علاقة الدولة الإسلامية بالخارج وفق ما انتهت إليه نظرية دار الإسلام ودار الحرب المشهورة عند السلف،لا بل حين اصطدم بواقع الدولة القومية الباكستانية يفرض نفسه ،عنف كل التيارات الإسلامية التي تحلم ببناء دولة إسلامية عبر فكرة القومية، حتى إنه قال في كتابه نظرية الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور «ص92» من طبعة مؤسسة الرسالة،قال ما نصه ( ... ومن الناس من يقول بتأسيس دولة قومية للمسلمين ولو غير مستندة إلى قواعد الشريعة الغراء، يقولون به ويدعون إليه ويغتنمون هذه الفكرة في المرحلة الأولى،ويزعمون أنه إذا تم لهم تأسيس دولة قومية يمكن تحويلها تدريجاً فيما بعد إلى دولة إسلامية بوسائل التعليم والتربية وبفضل الإصلاح الخلقي والاجتماعي ،ولكن شهادات التاريخ والسياسة وعلوم العمران تفند مثل هذه المزاعم ،وإن نجح مشروعه فلا شك يكون معجزة (.....) فليت شعري كيف يمكن أن تكون دولة قومية مؤسسة على طراز الديمقراطية عوناً لنا ومساعداً في استكمال هذا الإصلاح السياسي وإنجاز مهمته). بمثل هذه الرؤية المودودية نظرت حركتنا الإسلامية السودانية إلى دستور ي 1956 و1973 ، فرأت فيهما علمانيةً سافرة وخروجاً على نصوص الشريعة واضح للعيان،وسعت ما أمكنها الجهد لتغيير هذا الوضع لكن بلا اجتهادٍ ولا رؤية وبلا منهجية شاملة أو مدروسة،فهي - أي الحركة الإسلامية السودانية -حين ساهمت في إعداد دستور 1968 الإسلامي اصطدمت فكرتها عن دولة الإسلام بواقع الدولة القومية السودانية وتباينات الدين والعرق والثقافة فيها، وكما قلنا لم يحفزها ذلك إلى إبداع حلول أو اجتهادات مبدعة فكان مآل الدستور الإسلامي الفشل وعدم القبول ،وفي عام 1983 تمكنت من فرض رؤية تجزيئية حين ساهمت في إنفاذ قوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ظلت الأمور معها على المستوى الدستوري من الدولة على ذات وضعها القومي ذي الصبغة العلمانية، ولما نالت البغية ووليت أمر الدولة في يونيو 1989م أرادت أن تفرض مشروعها الحضاري ،وفشلت في ذلك بسبب أن المشروع ذات نفسه كان أمراً هلامياً غير محدد المعالم،وبسبب القصور الاجتهادي المبدع ،وجدت الحركة نفسها مضطرةً إلى تجاوز النصوص الشرعية ذات العلاقة ببنية الدولة الإسلامية ولم تجد لنفسها من اجتهادٍ تركن إليه سوى القول بفقه الضرورة ،الذي ورطها في حرجٍ كثير بعد أن أصبح قاعدة عامة مع أن وضع الضرورة عند كافة فقهاء الإسلام هو استثناء عارض يقدر بقدره ثم يعود الأمر إلى أصله وأساسه، فقد رأينا هذه التجاوزات - تجاوزات النصوص الشرعية -في مشروع دستور 1998م الذي نَظَر له الإسلاميون وعلى رأسهم الدكتور حسن الترابي فأخرجوه إلى حيز الوجود ،وبه الكثير من الثغرات التي جعلته عرضة لنقد الجماعات الإسلامية السلفية ، خاصةً أن من قاموا على أمره بشروا الناس بأن منطلقهم إسلامي لكن عند الجد تضاربت نصوص الدستور المقيد بواقع القومية مع نصوص الشريعة على نحو ما أنذر أبو الأعلى المودودي في حديثه السابق ذكره، وقد ظهر هذا التضارب جلياً في فاتحة الدستور في المادة الأولى التي وصفت شكل الدولة ،وقد جاء فيها أن ( دولة السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراق والثقافات وتتسامح الديانات والإسلام غالب السكان وللمعتقدات العرفية أتباع معتبرون )، فهذا النص تضمن اعترافاً بالأمر الواقع بما في ذلك المعتقدات العرفية ،وهو أمر يتعارض مع ظاهر النصوص الشرعية فضلاَ عن أنه- أي النص - التف على شروط الذمة والأمان من غير أن يبين، أما المادة الرابعة من الدستور المذكور «دستور 1998» فقد تضمنت مصطلحات إسلامية لكن عند تدقيق النظر يتضح أنها لا تختلف عما ورد في دستوري 1965 ،1973 من تأسيس لأمر الدولة على القومية والمواطنة فقد نصت المادة الرابعة على أن ( الحاكمية في الدولة لله خالق البشر ،والسيادة لشعب السودان المستخلف يمارسها عبادة لله وحملاً للأمانة وعمارة للوطن وبسطاً للعدل والحرية والشورى وينظمها الدستور والقانون )، فهذا النص بالفعل تضمن اصطلاحات إسلامية إلا أن النتيجة سيادة قومية لا تختلف عن سيادة أي دولة قومية زمنية، فالحاكمية وفق هذا النص لله خالق البشر ،ولكن السيادة «الشأن الدنيوي» لشعب السودان المستخلف بكافة أطيافه الثقافية والدينية والعرقية ،وهذا فيه أيضاً التفاف على نظرية الاستخلاف الإسلامية ،وكنت بصدد هذا الالتفاف من الذين ينتظرون تخريجاً أو تأويلاً إسلاميا مبدعاً،ونقبت عن ذلك في مقالات الإسلاميين ولم أجده ،وبشرت نفسي بالظفر به عند صدور كتاب النظم السلطانية بين الأصول وسنن الواقع للدكتور حسن الترابي إلا أنني لم أظفر ببغيتي فيه،ولم أجد فيه ما يشفي الغليل،وأصابني بالإحباط أنه حتى فكرة إجماع الأمة التي طرحها الدكتور حسن الترابي في كتابه المذكور لم يتبعها بصناعة شرعية على طريقة علماء الأصول الذين إن قال أحدهم على سبيل المثال بتخصيص النص بالمصلحة على نحو ما فعل نجم الدين الطوفي أو برفض القياس على نحو ما فعل ابن حزم فإنه عادة ما يتبع هذا القول أو هذا الرفض بسند من المنقول والمعقول.
أما الدستور الأخير - دستور 2005- المستوعب لبرتوكولات نيفاشا ،فتدل غالبية نصوصه على التسليم للأمر الواقع في الدولة السودانية ،لا بل تمثل حالة إحباط لدى الإسلاميين تنذر بموت الإبداع والاجتهاد لديهم،خاصةً مع اجترارهم آراء الاتجاهات الفكرية التي فجروا معها في الخصومة واستصحابها في شئون الحكم والسياسة،والاكتفاء بالتبشير اللفظي بالدولة الإسلامية ،وهذا يؤخذ عليهم ويجعلهم محل اتهام فحواه أنهم لم يكونوا دعاة فكر وإبداع إسلامي بقدر ما أنهم كانوا برغماتيين سياسيين،بل يضعهم في مجابهة مع تهمة استصحاب الدين لغرض الوصول إلى السلطة ،فضلا عن ذلك فإنه يمكن القول بأن ندرة العقل الناقد في الحركة الإسلامية السودانية ، والانصراف عن إيجاد إجابات للتساؤلات المفتوحة بشأن الدولة الإسلامية ،أديا إلى ذبول فكرة الدولة الإسلامية وانتهائها إلى نوع من الإحباط أنتج لنا متطرفين دغمائيين يلوكون هم الآخرون مقولة دولة الخلافة الإسلامية من غير أن يقدموا تصوراً لانبثاقها وماكينزمات عملها في ظل هذه التشابكات التي تسود حياتنا المحلية والإقليمية والدولية في عالم اليوم،ومما يؤسف له أن الفرصة التي أتيحت للإسلاميين السودانيين لم تتح لغيرهم من المدارس الإسلامية على مدار التاريخ الإسلامي باستثناء شذراتٍٍ قليلة كانت القيادة الفكرية والسياسية فيها متحدة في يد مفكرٍ واحد أو إن شئت الدقة فقل في يد مدرسة فكرية واحدة مثل مدرسة ابن تومرت في دولة الموحدين ومهدي السودان في دولة المهدية ،،ونذكر في الختام بأننا زعمنا في صدر هذه المقالة وقلنا في الحلقة الأولى منها إن الاجتهاد والإبداع السياسي الإسلامي في باب الحكم والسياسة تخلف في العالم الإسلامي بسبب الكبت الفكري والهيمنة التي فرضها الساسة والأمراء على أهل الفكر والفقه والإبداع ،فيا ترى ما الذي أقعد العقل الإخواني الإسلامي السوداني عن الإبداع والاجتهاد بعد أن اتفقت له ثنائية الفكرة والسلطة،وما الذي أدى لاستقالته وهو الفقيه الأمير؟ إنها أسئلة مشروعة تبحث لنفسها عن إجابة.
والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.