مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نحو مشروع ثقافي توا ثقي مستقبلي (1)
الحاجة للثقافي .. مقاربة أولية

يتحدد تطور وتقدم المجتمعات بقوة دفعها الثقافي من حيث القدرة المستدامة لقابلبات الإبداع والخلق التي تحملها ، وحيوية أنساقها في التفاعل والاستيعاب والتكامل لصنع الثقافة الإستراتجية الضامنة لمراحل تقدم وتنمية المجتمع ، والمحددة لطبيعة مهامه عبر التاريخ . ومن ثم فان أي تغير في الثقافة يتضمن فعلياً تغيراً في المجتمع من حيث أهدافه ورؤاه التنموية ... وعلية فان أي فعل تغييري حقيقي يبدأ من الثقافة ومكوناتها أن أراد أن يكتب له النجاح والاستمرارية .... هذا الفعل يجب إن تتكثف رؤاه عبر جدال فكري عميق يستشرف المستقبل ويتجاوز الماضي بأدوات نقد بمقتربات تمتلك صلاحية ملامسة واقع تاريخي متعين قصد إنتاج اسئله الحاضر للإجابة علي قضاياه الإنسانية المستقبلية .
مقاربة مفاهيمية :
ولما كانت البلدان النامية تعاني من أدواء ثقافية تطال كل أنساقها مما يجعل مجتمعاتها فاقدة للفاعلية معطلة الإرادة ، فان هم تصويب مسارها يجب أن ينصب علي مسألة التعبير الثقافي الذي سيحدث بدوره تغييراً في مجمل البناء الاجتماعي بلوغاً لمقاصد النهوض التنموي الشامل ... ولعل السودان يمثل نموذجاً هاماً تتضح فيه كل أو كثير من الأدواء الثقافية التي اشرنا إليها . ذلك إن المتأمل في السيرة الثقافية للمجتمع السوداني يجدها تفتقر إلى عوامل التحريك الذاتي الجماعي إلا من بعض الاجتهادات الفردية هنا وهنالك التي لم يسعفها الزمن في التبلور في شكل مشروع صيرورة ثقافية وطنية هادية للحركة المجتمعية.
ولعل مما فأقم من مظاهر هذه الأزمة عزوف النخبة المثقفة في المجتمع السوداني عن القيام بتبعات الدور التاريخي الثقافي وإرفاد حركة المجتمع الاقتصادية والسياسية به ، وربما يرجع ذلك إلي طبيعة التكوين النفسي والاجتماعي لهذه النخبة التي شكلت المسار السياسي للمجتمع السوداني الذي إعتاش فيه السياسي علي حساب الثقافي بشكل افقده فاعليته في صناعة مضامين التحولات الحقيقية وحوله إلي معايير رمزية لامثولات التعبئة والخطاب السياسي دون استيعاب لدوره في إحداث التنمية الاجتماعية بل إن خائب الرهان سيختزل الثقافي في السياسي والسياسي في السلطوي لينتهي المطاف إلي نمط ثقافي سلطاني بائس تتوسل تياراته السياسية الحياة بإدمان العشق الصوفي للسلطة دون التنظير الثقافي لها ولأبعادها المختلفة المتمثلة في الدولة أو مؤسساتها الإدارية المتباينة ، هذا فضلاً عن غياب مسالة التغيير الاجتماعي ذات المحمول الثقافي أصلاً عن أدبيات وممارسات هذه التيارات والأحزاب السياسية التي لم يسلم منها غالب المشهد السياسي السوداني الذي زادة إرباكاً ظاهره الاستلاب ( الإسلاموي) لصالح السياسي والتماهي المطلق مع أدواته السلطوية (التوليتاريه) التي حاصرت الطلاقة الإسلامية الإنسانية في أطروحات (ماضوية)عتيقة تعيد إنتاج تجارب تاريخية مأزومة (بالثيوقراطيه) و(الديكتاتوريه) الشئ الذي جعلها في حاله نشاز نافي لأصول المكونات الثقافية للمجتمع السوداني.
إن التوصيف (ألمفاهيمي) المبدئي لإشكالية الثقافي إذن في إطار هذا الواقع تدفع بصورة ملحة لطرح مغاير يتدارك مافات حركة الاجتماع والسياسية بإعادة التأكيد علي أهمية الفضاء الثقافي المجتمعي بمفاصله الفردية (النخب الثقافية) والجماعية (مؤسسات المجتمع المدني والوعي الثقافي) بإكسابها مزيد من الثقة بإمكانات فعلها في السياسية في سياقها الحديث و(المعولم) باعتبارها مجال تفاعل بين الفكر والاقتصاد والايدولوجيا والدين ، وبالمساهمة في تقوية تيار الفاعلية الاجتماعية التي تحرر الذات الثقافية لتجعلها ذات : ايجابية عارفة وليست فقط موضوعاً سالباً للمعرفة من خلال التواضع علي مشروع معرفي إنساني يؤكد علي رحابته العالمية ويمهد لمبادرة فكرية تجعل الإنساني مرجعاً عاماً لكل النخب الثقافية بكل انظومات اتجاهاتهم الفكرية والسياسية، فأولية المعرفة الثقافية هي الأداة الرئيسية للتحرر من طفيلية السياسي اليومي الراهن ومحدودية خياراته المفاهيمية والمنهجية بل وحتى الإجرائية ، وذلك لن يبلغ تمام كماله إلا :
* بإمتلاك منهج نقدي للتراث يخلع عنه الإسبال القدسي ويقدمه ضمن أطار رؤية إنسانية مستقبلية تبعده عن التوظيف ( الديمغاجوي ) السياسي السطحي وتضعه في سياقه التاريخي الثقافي ، واحدي الشرائط المحورية لانجاز هذه المهمة لاتنعقد إلا ببناء فكر إسلامي وطني مستقبلي يطرح الإسلام كفكر أنساني بصيغ جديدة للعلاقة بين : الوحي والوعي وبين الشرع والوضع وبين السياسة والدين وبين حق الله وحقوق الإنسان حتي ينتفي مابين أطراف هذه الثنائيات من تناقض ظاهري (مؤدلج). والانجاز ألمفاهيمي لهذه المهمة المعرفية سيساهم دون شك في تحرير الفكر السوداني المرتهن لهذه الرؤية من واحدة من أهم الكوابح الذاتية والتاريخية والاجتماعية وإظهار دورة الفاعل في رعاية التعددية الثقافية والاجتماعية وفي خلق جو تشاركي (ديمقراطي) حواري يضع حداً لظاهره الاستلاب الفكري والحركي للخطاب(الإسلاموي) بإخضاعه للمراجعة الجذرية في فروعه وأصوله ، ثم العمل علي تجاوزه بإرساء مشروع رؤية مغايرة لإنظومات الفكر والسياسية والتربية والتشريع والتنظيم.
* بالتواضع علي مشروع ثقافي وطني (ديمقراطي) يتأسس علي قيم التعددية والتنوع وحرية الفكر والمعتقد وبما يساهم في تجسير الهوة بين النخبة الثقافية والعامة في اتجاه أكثر شعبية من جهة وبتغير أنماط الوعي الاجتماعي من جهة أخرى لصالح محتوي نقدي تمثله إرادات حرة صانعة لأطرها الثقافية والسياسية التي تحتاجها بالانفتاح علي الأخر في إطار جدلي موضوعي مثمر دون الوقوع في إشراك الاستلاب أو التعثر في حبائل التضخيم (النرجسي) للذات .
والمقترب ألمفاهيمي الأولي للحاجة للثقافي هذا لاتكتمل عناصر بناءه إلا من خلال تجديد النظر وإعماله بمقتربين أخريين : منهجي وإجرائي حتي يستقيم الإدراك(الكلي) لحجم ما يتطلبه الوفاء بهذا الدور وتلك الوظيفة .
مقاربة منهجية :
يقول المؤرخ ارنولد توينبي : ( إن الثورة الثقافية تمثل نموذجاً كلاسيكياً لذلك الصراع النمطي بين معاملي الحداثة والتقليد في مجتمع تاريخي ما ) ... أو مايمكن أن نطلق عليه بصورة أخري إشكالية تثاقفية لتمثلات هذا الصراع . ذلك إن الحاجة للثقافي كاداه منهجية لصناعه التحولات الكبرى لاتتمثل فقط في مقدار ماتصبغه علي الهياكل السلطوية من شرعية بالمعني ( السياسوى) المحدود للمفهوم بل بالمقدار الأعظم بما تستطيع إن تحدثه من قدر(ديناميكي) من التغييرات الثقافية التحديثية ( التقدمية ) السابقة للفعل السياسي (موضوعاً وشكلاً) التي ستستخدم بوعي تاريخي لتشكيل الأنماط النفسية والاجتماعية .
إذا جاز لنا إن نقول أن الثورة الفرنسية والأمريكية هما ثورتان سياسيتان بالدرجة الأولي ،وان الثورتين الروسية والصينية هما عقائديتان بذات المستوي ، فإننا سنخلص من دون شك علي الرغم من نقاط المفارقة والتلاقي بين الحدود ألمفاهيمية والإجرائية لهذه الثورات الكبرى إلي إن منهجية التثوير الثقافي (بالمعني الشمولي لمصطلح الثقافي) تتأكد الحاجة الملحة لها في ظل التحديات المجتمعية الوطنية المتعاظمة بملامسة بعدين محوريين :
1. البعد التاريخي للمجتمع، وذلك من خلال النجاح في إدارة الحوار التثاقفي بين مكونات وعناصر هذه المجتمع التاريخية (التقليدية) وبين المتطلبات التحديثية التي تقتضيها ضرورات التفعيل الموضوعي لشرائط النهوض السياسي والاقتصادي المرتبط بالإجابة التي يقدمها هذه الحوار للعلاقة مابين الأصول التاريخية والحضارية والمستجدات الوافدة للمنتوج الحضاري الغربي بمستوييه : ألمفاهيمي والتقني .
2. الوحدة العضوية للمجتمع، فالفعل الثقافي التثويري ينبغي أن يأتي بمفهومات شمولية، لا تتعامل فقط مع عناصر ( البنية الفوقية) بل يطال الخطاب كل الروافد المجتمعية في اتجاه تقديم مشروع متكامل يساهم في تشكيل الذهنية النفسية والعقلية بنفس القدر الذي يسوق فيه السلوك الفردي والجماعي ، ويصنع أنماط المشروعية الاجتماعية والسياسية في تعاطيها مع ظاهره التنمية (المعولمة) مستدلة بالتاريخ لربط حركتيه بما يقابلها من بنيوية وظيفية للصيرورة التي يخوضها المجتمع خلال فترة ما من عمر تجربته السيوسيولوجية والسيكولوجية لبلوغ ماينشدة من كمالات .
إن العبرة المنهجية في الحاجة للثقافي تبقي في امتحان المسلمة التي تفترض إن التنمية هي حصيلة طبيعة لتطبيق التجربة الغربية في التحديث والتنمية، فالفعل الاجتماعي التنموي هو من صميم التجربة التاريخية للشعوب،وسبيلها الصحيح لذلك يبدأ من استنباط الأنماط المعيارية المناسبة لكل خصوصية مجتمعية من جهة وبالتخلي عن أسلوب التجريد الوصفي والتعميم (الايدولوجي) الذي ينطلق من مركزية ثقافية او إثنيه لتشيد منظومة ( توليتاريه) متجاوزة باسم المعرفية (الكاذبة) لشرائط الكسب الإنساني التاريخي .
والأهمية الكبرى التي يكتسبها المقترب المنهجي للحاجة للثقافي تتمثل في الدرس المتجدد الذي يرفد الإسهام النظري الكلاسيكي لسيوسيولوجيا التنمية كما تناول موضوعاتها مفكرون : كماركس ، ماكس فيبر، ماكس كلايكمان، بل انه يصوب من خلال المسير الواقعي للتجربة المجتمعية الكثير من المقولات التي تعالج في أطار مقاربات منهجية ومفاهيمية أكثر تجريبية (امبيريقية) لإشكالات العلاقة بين الحداثة والتقليد في مجتمعات العالم الثالث بما يساهم في الانطلاقة النهضوية من دون تحطيم او تشويه البنيات الحضارية لهذه المجتمعات أو إثارة مايستتبع ذلك من تناقضات في المفاهيم وغموضاً متعدد المظاهر : هل نحن أمام تصور تاريخي أم معياري ؟ ماهي فئات المجتمع التي تجسد هذه التصورات مؤسسياً ؟ وبإى تراث تدير هذه النخب صراعاتها ؟ وماهو دور الكتلة التاريخية العضوية (كما يصفها غرامشي) التي يقع علي عاتقها انجاز مهمة التغيير الثقافي لصالح الأهداف الإستراتجية الوطنية .
إن تجاهل المقاربة المنهجية للثقافي يمكن أن تقود إلي نتائج لا تتوافق مع ماوصلت إليه اليوم النتائج الواقعية لنماذج النهضة المعاصرة،بل إن الاتجاه التحليلي عوضاً عن ذلك سيوجه التفكير صوب المناظرة العقيمة بين معاملي الحداثة والتقليد بصورة سالبة ومجردة تعمل علي :
1 . نفي التاريخ، من خلال اعتبار النموذج التقليدي الثقافي ( = الذي ينبغي تجاوزه معرفياً لبناء النهضة التحديثية) ، نموذجاً تجريدياً كلياً يناظر مفهوماً سيوسيولوجياً عصرياً ، وهو منطق دائري ومغلق لا يعمل إلا علي إعادة إنتاج ذاته بتعامله السالب مع التجربة الاجتماعية التاريخية . ولاشك أن سيادة هذه التفكير في مجتمعات العالم الثالث سيؤدي بنا إلي تبني مركزية التجربة النهضوية الأوربية واستنساخها استنساخاً لاتاريخياً: ينفي النسبية التاريخية والاجتماعية لتجربة أوربية كانت نتاج تحولات ديناميكيه عرفتها هذه المجتمعات وعبرت عنها من خلال مؤسساتها الخاصة الأمر الذي يحصر دور المجتمع التقليدي في التلقي الميكانيكي الخارجي .
2. نفي المقولة السوسيولوجية، وهي نتيجة منطقية لاحقة للنفي الأول . ذلك أن الحصر التجريدي الوصفي لمجتمع ما بأنه تقليدي يعني القبول بكل منطلقاته السوسيولوجية والايدولوجية، والتعامل معها ككل غير قابل للتحليل والتغيير . وهذه يعني أيضا إن الظاهرة الثقافية التقليدية ظاهره مطلقة(=نفي شرطيتها التاريخية : الزمانية والمكانية)، في حين إن المنطق السوسيولوجي يقول بان ثقافة المجتمعات تتمتع بطبائع متحولة حسب كسبها التاريخي الاجتماعي وفقاً لعوامل تتحدد حسب الانتماء الطبقي الاقتصادي (نظام تراتب اقتصادي) ، وحسب المستوي الذهني الثقافي(نظام تراتب قيمي اجتماعي)،وأخيرا حسب نظم المؤسسات والقيم السياسية والاجتماعية (نظام تراتب مؤسسي يراعي التوازن الايدولوجي والاجتماعي للنموذج الكلي) .
منهجية الحاجة للثقافي ينبغي لها أن تعبر عن كل ذلك مجتمعياً في شكل ايدولوجيا إصلاحية سياسية تفكك أسس النظام الاجتماعي التقليدي الراهن لتستصنع منه التكامل التوحيدي : الوظيفي (الموضوعي) والمؤسسي (الشكلي) لنظام اجتماعي تحديثي مكتسب لمشروعية تواثقية ثقافية جديدة لإدارة الغايات والأهداف والوسائل والمناهج ليتم بها توجيه أو إعادة تشكيل الشخصية الوطنية (=خلق ذات إنسانية فردية وجماعية جديدة ) وربطها بعملية بناء دولة موحدة تشدد علي إمتلاك المعرفة بالتقنيات والنظم والمؤسسات المرتبطة بالحركية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بعقلانية إبداعية نشطة متجاوزة ومنفتحة علي سياقها الإنساني العالمي ،مستلهمًة البناء ألقيمي والأخلاقي، رافضةً اعتبار أن التحديث يقف عند حدود بناء مجتمع عصري(صناعي) علي أنقاض مجتمع تقليدي (ماقبل صناعي) منغلق من دون اعتبار أن المهمة الماثلة هي بالدرجة الأولي ثقافية تركز علي كيفية اعتماد خيارات مستقلة لانتقاء أفضل النماذج من مجموع ما يعرضه الغرب المتقدم، وماهية مايجب الاحتفاظ به وما يجب الاستغناء عنه من تقاليد . ذلك أن المجتمع التقليدي لا يعرف كموناً إلا علي المستوي القريب ،أما علي المستوي البعيد فان هذه الكمون السطحي يمكن قراءته بمنهجية لا تعتمد (أحادية نموذج التغيير).
منهجية التثوير الثقافي، هي امتداد تغييري مستمر علي الصعيد التاريخي .لا يمكننا معه أذن الحديث عن إعادة إنتاج دائري للتقليدية بقدر ما يمكننا الحديث بصفة أكثر موضوعية عن نسبية أشكال الفعل ألتغييري التي تعتمدها كل مرحلة . فالتوترات التي تشهدها المجتمعات التقليدية تنفي أكذوبة وحدة هذه المجتمعات التي تقول بها الايدولوجيا التعميمية التي تسعي للتقاضي عن عناصر التناقض السوسيولوجي بدعوي الحفاظ علي الوحدة الشاملة لعناصر البناء الاجتماعي ... سيقودنا التحليل بصورة محورية إلي انه وبخلاف مفهومي: الثورة (= بمعناه الشمولي الراديكالي المحطم لكل الهياكل الاجتماعية السابقة) والتمرد (= بمعناه الجزئي ذو البعد التوتري للتصارع الاجتماعي الذي يتيح أمكانيه للتعديلات الجزئية) . فإن المقاربة المنهجية للثقافي المنشود بعد هذا التوصيف الأولي هي الأقرب إلي مايمكن إن نصطلح عليه بمفهوم دينامية الفعل الثقافي الشامل الذي لا يمس مشروعية النظام الاجتماعي القائم (بصورة مطلقة ) ولكنة لا يؤدي أيضا إلي تعزيز المشروعية الاجتماعية القائمة (بصورة مجانية ) إلا بالقدر الذي تنجز به المهمة الإصلاحية الاجتماعية وفق نمطية تدريجية، بطيئة ، غير مقصودة ، ولا شعورية ، ولكن في فضاء تاريخي تأويلي بزخم معرفي وتقني لا تنقصه المشروعية : الحضارية التاريخية ولا الإجرائية : المفاهيمية والمنهجية، لتقدم لنا الدرس الجدير بالتأمل في علم اجتماع التنمية الذي يحتاجه المجتمع السوداني ما بعد الحرب الأهلية .
المنطلقات الإستراتيجية (2)
(إن المحير حقاً ليست حيرة الإنسان ،بل الإنسان الذي بلا حيرة) ... هذه الحيرة التي تملك طموحاً نحو إكتساب وعي تاريخي لا يمكن بناؤه بالمنطق (الدوغمائي) أو بالوقوف فقط أمام تقديس الماضي . ولعل لبعض من دواعي استلهام هذه اللحظة تنبعث أهمية تأسيس مشروع المنبر التواثقي الإنساني الثقافي المنشود في إطار علاقة تتناصر فيها أبعاد ثلاث : التراكم التاريخي الإنساني والواقع الموضوعي الوطني المجتمعي وإرادة الذات الإنسانية ببعدي فعاليتها الثقافية الفردي والجماعي لصناعة ظاهرات حركية التغيير الثقافي المستقبلي .
والمشروع بهذه المعاني سيستولد في حرية تامةعن وعائي السلطة الثقافية والاجتماعية بآلياتها المتنفذة وخطابها الايدولوجي، والرهان اليومي سيعايش مخاض مرحلة وطنية وعبر وطنية إنسانية حاسمة تجاذب ظروف تشكلها وتطارحها أشكالا من السجال ألمفاهيمي والمؤسسي لفرض أنماط التجاوز البناء لمعيقات الماضي وقواه المستحكمة باِستصناع وعي جديد يؤشر للترابط العضوي بين الإصلاح التديني والإصلاح السياسي ،او بلغة أكثر مباشرة بين الفكر التديني التحرري والأفكار السياسية التحررية في سياق عملية تحديثية مجتمعية تفاعلية تعيد الاعتبار الإنساني لهذه العلاقة .
والمشروع الثقافي الإنساني بهذا الوجه تجاوز لمظاهر الأزمة العميقة التي أوقعتها فيه (السياسوية) المحرفة بتخيل مجرد لمجالات أممية (مثالية) تصرفه احياناً عن مواجهة حقائقه (الجيوبلوتيكية) ومحتواه (السوسيولوجي) الوطني بالوقوع في فخ اللعبة الأممية دون امتلاك مقدراتها المستقبلية .
والمشروع الثقافي المستقبلي بهذا الخيار دعوة واقعية ألي إعادة توطين مفاهيمه الأساسية باستنباتها في فضائها المحلي الوطني من جديد وصولاً لعالميتها المرجوة وانفتاحاً علي تراثها الإنساني المشترك ، وبما يقتضيه ذلك من منطلقات ومتطلبات تنتظم في خيارات إستراتجية وأهداف نهائية تصاغ بها ديباجة وأدب المشروع المنبري المأمول .
المنطلقات التواثقية هي عناصر مفتاحيه ترد باعتبارها عواصم كلية (= او أصولية) لابد من التذكير بها واِغناؤها بالمفردة الخاصة بأدب المشروع التواثقي :
1. الحرية والمساواة ، أصول وقيم مطلقة يتم التأكيد عليها والسعي لضمان تمثلها برحابة لامتناهية، دون أي قيد معرفي او ايدولوجي سالب للفاعلية الثقافية للدور الإنساني المجتمعي بمختلف أبعاده .
2. البحث عن الحقيقة ، قيمة متنزلة (او نسبية) : فهي التمثل التاريخي لمجموعة الأصول والقيم المطلقة ، او مايمكن الاصطلاح عليه بالفعل الثقافي التاريخي : والذي هو نسبية الكسب المعرفي في البحث عن الحقيقة في مجالي تمظهر سلطتي الاحتكار المعرفي التي تبددهما: الحرية الإبداعية التقنية والجمالية، والحرية الدينية الاِعتقادية .
3. الأبعاد (الإنسانوية )، خصيصة توحيدية مجسدة في كمالات ما يمكن الاصطلاح عليه (بالنظرية الثقافية الإنسانية) والتي إذا لم ننجح تماماً في بناء منظومة مفاهيمية متكاملة لها، فلا اقل من تقديم مؤشرات قوية علي النزوع الإنساني لمشروعها التواثقي . فالإنسان هو الهدف والوسيلة والغاية الكلية : إعادة تأكيد البعد الإنساني الذي حطمته (اليوتوبيا) الثورية و(الثيوقراطيه) الدينية، سواء كانت تحت عناوين الأخلاق أو (الميتافزيقيا) والتي تدعو الفرد للتماهي مع كل جماعي(تنظيمي ،حركي) يدعي الوصاية والتعالي وتحت ستار الأهداف الكبرى تضيع الأفعال الإنسانية الثقافية التاريخية : كالشفافية والمؤسسية والديمقراطية والحق الفردي غير القابل للتصرف في القيام بها لتحقيق إنسانية :الفاعل والمجتمع والنظرية والتاريخ.
4. الحرمة الإنسانية، حق طبيعي (بالفطرة المطلقة) يكتسبه الإنسان كذات ثقافية فاعلة (بالوعي والضمان الاجتماعي ) الحصين علي كل انتهاك او تعدي علي هذا الحق سواء : بالتهميش الثقافي أو القهر الايدولوجي الاستعلائي والاستلابي أو الإذلال الإنساني المادي والمعنوي ألارتهاني ، والذي لاتكتمل حلقات الخروج من دوائره إلا بتعظيم البعد الإنساني بكل مستوياته : فهو بعد إنساني علي مستوي الذات الفردية والجماعية الذهنية والنفسية أولاً ثم المجتمعي ثانياً بمتمثلاتها الاقتصادية ثم السياسية . الإنسان بهذا المعني هو هدف وغاية التحول والتغير (التقدمي) في النظرية الثقافية المجتمعية للمشروع التواثقي .
5. الديمقراطية الثقافية والاجتماعية، ضرورة حيوية والمناداة بهما شرط مطلبي عاصب،لكل المكونات النظرية لمشروع النهوض المرتجي ، باعتبارهما الآليتان اللتان سيتم بهما تحقيق حرمة الذات الثقافية الإنسانية وسياجها الموضوعي الذي تتخطي به الانحراف عن الأهداف التثويريه لمجتمع تاريخي ما بكل محمول خصوصية تجاربه المستقلة .
6. الأخلاق الإنسانية، هي الروح الدافع والطاقة المجددة لحافزات ووازعات مشروع التحول المأمول ،ولكن في أفق ما يمكن الاصطلاح عليه بحقائق الأخلاق الإنسانية الشاملة التي تتعامل مع المكونات الطبيعية الإنسانية دون تمييز ايدولوجي او اثني او ديني بإزاحة الفواصل والحواجز المصطنعة او بمعني آخر:مناقشة الأزمة الأخلاقية لمشكلات الفكر السياسي المعاصر بانجاز القطيعة المعرفية مع تطبيقات هذه النظريات التي توقعها في مشكلات خطيرة عندما يتم اكتشاف إن هذه القيم الأخلاقية تم تصميمها لأطر عرقية ودينية وايدولوجية وحضارية نسبية علي الرغم من ادعاءاتها التعميمية الإنسانية ، فالديمقراطيات الليبرالية الرأسمالية مثلاً لا تعترف علي الأقل في شكلها التطبيقي بإنسانية هذه القيم وما يترتب عليها من حقوق وواجبات :فهي مكفولة فقط داخل إطارها الحضاري الثقافي التاريخي إما خارجها فهو مجرد موضوعات للتجربة السياسية والاقتصادية والعسكرية والانتهاك الأخلاقي المادي والمعنوي .
.7 التعددية الثقافية الاجتماعية، ظاهرة إنسانية مدنية تكفل باحترام الحق في التنوع والتعددية المدنية وبالانفتاح الايجابي وقبول الآخر ، تأسيساً علي قاعدة الحق المتساوي في الامتلاك ألمعلوماتي الذي يتيح الإدارة الرشيدة لهذه الظاهرة بالانتقال بها من الإعلام (المؤدلج) إلي المعلوماتية (المعرفية) ومن الثقافة ( المهيمنة) إلي المثاقفة (التشاركية) ، استبصاراً لحقائق التعدد علي صعيديه المحلي والعالمي،واستدراكاً لاستحقاقات القيام بتبعاته دون إبخاس لما تتمتع به أطرافه من مزايا تعبر بها عن ما تريد الوصول إليه من غايات .
8 . التداول الثقافي السلمي الحر، هو السبيل الموضوعي المنشئ للآراء والصانع للتغيير : فالتلاقح الحر الطليق هو الذي يميز إرادات صنع النموذج الإنساني لأفراد ومجتمعات الفاعلية الثقافية: في إطار المفاعلة الثقافية الوطنية داخل المجتمعات الواحدة ،وفي إطار المثاقفة الحضارية داخل التجربة الإنسانية المتعددة . وهو سبيل نافي لمناهج التغيير ألقسري السلطوي بالمجتمعات المحلية الوطنية والعالمية (عبر الوطنية) ولكل أدواته : الوطنية التي تقوم علي عناصر القهر السياسي والاستعلاء الايدولوجي الثقافي والمجتمعي ،وعبر الوطني الذي يقوم علي مقومات الهيمنة الإستراتيجية السياسية والاقتصادية والعسكرية .
9. التنوع والاختلاف الإنساني الثقافي، سنة كونية تتطلب تحديد الموقف من ظاهرتي العنف والاحتراب الوطني وعبر الوطني ، هل هي ظواهر مجردة ومتعالية وموضوعية ؟ أم لها أساس ديني وأخلاقي تمييزي يقود إليها ! ! وهل هنالك حرب وعنف عادلين ؟ والمقصود تحديداً هنا : العنف والاحتراب الوطني وعبر الوطني لحسم الصراع حول اكتساب العقول والثروات والمصالح .
* والمدخل للتعامل مع الاختلاف الثقافي الإنساني لأيتم قطعاً بالتعانف العدواني بل بالتسالم ألتدافعي : الذي هو حركة المدافعة الإنسانية التي تجد جذرها في التباين في الآراء والاختلاف في المواقف والتي هي في حدها الآقصي تتم عبر المجاهدة التدافعية التي لاتتجاوز مقاديرها لدفع الضرر الذي لايمكن مقابلته بالحوار والحسني. والتسالم ألتدافعي لايقوم أبداً أمام الخطر المشكوك فيه او الذي لا يتناسب حجمه مع حجم ما وقع من ضرر اجتماعي بسببه،وهو لايقوم أبداً بدافعات الوقاية الظنية او الاستباق التآويلى. ويسقط مبرره (الأخلاقي والموضوعي) أمام التعانف العدواني ألعدمي او ألتدميري الذي يهدف الإقصاء المادي والمعنوي للفردية والجماعية الثقافية ، كما تسقط حجيته (المعنوية والشرعية ) تماماً أمام دعوات المجادلة والمحاورة بالحسنى.
* والمجاهدة التدافعية لايمكن تصورها إلا في إطار سلطة شرعية اجتماعية ديمقراطية: تحترم الحق في الاختلاف الإنساني وتنزع عنه قداسة الوصاية الايدولوجية( الثيوقراطيه واللائكية) علي حد سواء.والتي تتم تحت عناوينها مصادرة الحق في الاختلاف الإنساني.
الاختلاف الإنساني في إطار المشروع الثقافي التواثقي يقوم علي قاعدة التدافع التسالمي الإنساني،هذا التدافع التسالمي هو الذي يحاصر ظاهرات التعانف العدواني ويعطي مضامين وشروط المجاهدة التدافعية الإنسانية جوهرها (الأصولي) :التي يقام قسطاسها في محتوي ومضمون التسالم ألتدافعي باستصحاب خلاق لقدر مايقتضيه كل حال وزمان من تصريف وقياس .
* كاتب صحفي و باحث في مجال دراسات السلام و التنمية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.