الهلال ينتزع صدارة الدوري الرواندي من الجيش    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    جامعة الخرطوم تمنع لبس البنطال للطالبات والتدخين وتعاطي التمباك داخل الحرم    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    رافعًا شعار الفوز فقط... الأهلي يواجه النيل في ديربي مدينة شندي    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    الأهلي شندي يشكر المدرب النضر الهادي    وزير الطاقة يوجه بالعمل على زيادة التوليد الكهربائي    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    "إيغاد" ترحّب باستئناف السودان المشاركة في المنظمة    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



متحف السودان القومي أم متحف الفن السوداني القديم؟
بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، ونحو حساسية تشكيلية (12)
نشر في الصحافة يوم 26 - 07 - 2011

في التاسع عشر من شهر مايو الماضى, إحتفل العالم المتحضر باليوم العالمي للمتاحف . بهذه المناسبة، نزف التحية والتهنئة لكل العاملين في المتاحف، وكل المتحفيين في سائر أنحاء العالم ونستميحهم العذر على التهنئة المتأخرة، ونحني هاماتنا تقديرا وإجلالا، لمن يرجع لهم الفضل في إنشاء المتاحف – كل المتاحف – في بلادنا، من سودانيين وأجانب وعلى إختلاف أنواعها وإختلاف جنسياتهم، وعظيم إمتناننا للحادبين المخلصين من القائمين على إدارات المتاحف السودانية، لما يقومون به من دور وطني كبير، في صون وحماية وترويج تراثنا الفني المادي العظيم، وعلى أسس تقوم على العلم والخبرة، وعلى قدر إمكاناتهم ومواردهم المتاحة.
قد يتوقع القارئ - لهذا المقال- حديثا يُعرف بالمتاحف أو بمتحف معين؛ كمتحف السودان القومي؛ دوره وطبيعة عمله؛ إلا انني في - واقع الأمر- أرمي إلى غير ذلك، وما هو وارد تلخيصه أعلاه؛ في صيغة عنوان المقال الذي دفعني لكتابته، إعتقادي بأن لهذا الموضوع أهمية كبيرة تستحق الإهتمام، ولا أخفي عليكم أنه شغلني كثيرا و بحكم تخصصي في مجال وثيق الصلة بنوع وطبيعة ما تحويه المتاحف، ولا سيما متحفنا المذكور، وأعتقد أنه يمثل قضية تهمنا جميعا كسودانيين، لذا إستوجب مني الأمر إثارته وطرحه للتفاكر والنقاش، أما من شأنه التعريف بماهية المتاحف، دورها ، طبيعة عملها ونظامها، فهو أمر متروك لذوي الإختصاص من المتحفيين ولمساهماتهم المتوفرة في دوريات المتاحف ومجلاتها المعروفة.
إن مقالي في الواقع، يهدف إلى توطين تراثنا الثقافي الفني المادي وتجذيره في أذهانا وعقلنا الجمعي، وذلك بداية من المطالبة بإعادة النظر وإطلاق المسميات أو الأسماء الصحيحة على مؤسسات شعبنا الثقافية وعلى منجزاته التاريخية المبدعة، وعل ذلك يساعد في الإنتباه إلى فضاءات الثقافة السودانية العريضة وفنونها الذاخرة المتعددة وبخاصة فنونها المادية، ذلك الفضاء الذي يجد فيه الجميع أنفسهم، وبكل حقبه التاريخية .
ولكن .. هنالك ثمة معيقات تعترض ذلك، نلخصها في بضعة ملاحظات ؛ مضمونها يتمثل في بعض الوقائع والحقائق التى أعتقد أنها تقف حجر عثرة في طريقنا – كسودانيين – وتمنعنا من لوج فضاءات تراثنا الذاخر هذا، وهي:
• عدم فض الإشتباك ما بين حضارات وادي النيل – في السودان ومصر – والخلط ما بينها في مناهج ودراسات تاريخ الفن ومقرراته في معظم الكليات ذات الصلة، في معظم أنحاء العالم، والتي تركز فقط على الإنجازات الفنية المادية التي تمت شمال الوداي، بل يري واضعوها أن التاريخ الحضاري القديم للسودان، هو ظل وإمتداد للتاريخ الحضاري المصري، في حين أن حقائق التاريخ وكثير من الأدلة المادية تؤكد خلاف ذلك .
• نظام التعليم الحديث الذي خططه ووضعه المستعمر والذي على كنفه تربى أجيال من الخريجين ممن تسنموا قيادة العمل السياسي والإداري فيما بعد الإستقلال, يلاحظ في مناهجه, ومقرراته, الإستبعاد التام لكل ما يربط السودانيين بتاريخهم, وماضيهم الحضاري القديم, بل غياب ذلك التاريخ وذلك الماضى .
• الغريب في الأمر أن هذا الإستبعاد، تم حتى في مناهج ومقررات مؤسسات التعليم ذات الصلة الوثيقة بهذا النوع من الدراسة، ككليات الفنون؛ والهندسة؛ والمعمار؛ والتاريخ؛ والآداب !
• أنظمة التعليم الوطنية المختلفة (من الإستقلال وإلي الآن ) نجدها سارت على نفس نهج الإستبعاد والغياب المذكورين !!
• ضعف وندرة مساهمة المتخصصين السودانيين في التوثيق؛ والكتابة؛ والتأريخ في مجال الفنون المادية السودانية القديمة ( ومن منظور تشكيلي ) .
• إفتقار المنهج التعليمي في المدارس, لما يُعرف, ويربط الأطفال والتلاميذ بتاريخهم الحضاري القديم، وعدم إعتبار ذلك هوالأساس العميق للتربية الوطنية ولبث الشعور بالإعتزاز والإنتماء في نفوس النشء .
•إلغاء دروس وحصص الفنون بالمدارس؛ وغياب الدراسة والتربية الفنية العملية المبكرة للنشء؛ والتي تهدف فلسفتها إلى ربط مايقوم به عمليا, بكل ما يراه : في الحاضر؛ وفي إنجازات الماضي, وإدراك الرابط بينهما, وهذا إلى جانب ضعف الإهتمام بتنمية القدرات والمواهب، وتوقف التدريب والتأهيل في مجال الحرف والمهن ذات الطبيعة التشكيلية؛ مما ترتب عليه إندثار الكثير منها .
• ضعف الأداء الإعلامي؛ وعدم قدرته؛ وقصوره في تعريف المواطن السوداني بماضيه وتاريخه الحضاري العظيم؛ وبخاصة فنوننا المادية القديمة .
•ضعف العمل السياحي؛ قياسا بإمكانات السودان التراثية والحضارية؛ وبالرغم من ثرائها المتنوع بالموارد البشرية؛ والثقافية؛ والطبيعية؛ التي يتطلب إستثمارها : رؤية عميقة؛ وفكر خلاق مدرك لهذه الإمكانات الزاخرة؛ وله القدرة على تفجير طاقاتها الهائلة .
• ضعف تمويل المشاريع الكبيرة للعمل الآثاري والمتحفي ومتطلباته؛ في التنقيب؛ والصون؛ والحماية؛ والترويج .
• عدم أخذ القضايا الآنفة الذكر مأخذ الجد، بل ينظر إليها - دائما- كأمر أو أمور ثانوية؛ ليست من أولويات التنمية البشرية والإجتماعية، رغم أن الإنسان هو مورد التنمية الأول وهو المستهدف بها في ذات الوقت، ولعل في تلك النظرة نجد ما يفسر فشل وتقصير المتخصصين أو المختصين – من خبراء ومستشارين ثقافيين – في حمل السلطات التنفيذية الرسمية – وعلى مر أنظمة الحكم في بلادنا – على تبني مشروع مؤسسي ثقافي كبير (وبحجم ضخامة تراثنا ) وتكون أهدافه : صون؛ وترويج هذا التراث الفني المادي القديم؛ وعلى أساس من العلم والخبرة؛ والفاعلية المرجوة؛ التي تهدف الي تعريف وتوعية المواطن السوداني بتراثه الحضاري العظيم .
على مدى الثلاث عقود الأولي التي تلت تأسيس معهد بخت الرضا عام 1935م؛ ومن ثم كلية غردون التذكارية في أربعينيات القرن الماضي؛ وفي ما يعرف بنشأة التعليم الحديث؛ وحيث كانت اللغة الانجليزية – وكما هو معروف – هي اللغة الأساسية للدراسة والتعليم، علي مدي هذه العقود؛ ظلت الأجيال المتعاقبة لخريجينا من ذوي التخصصات المختلفة، تتمتع بقدر لا بأس به من المعرفة بالتاريخ والثقافة العالمية، والأوروبية منها بوجه خاص، في مجالاتها المختلفة وفي أزمنتها القديمة والحديثة، وذلك بحكم تعلم وإجادة لغة –ثانية – كاللغة الإنجليزية التي وسع إنتشارها بإتساع ( الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس )، مما أحدث وفرة كبيرة في مصادر الإطلاع؛ الأمر الذي لم يكن متاحا لهؤلاء المنتسبين الجدد لهذه الثقافة؛ ولا لغيرهم من قبل، مما أتاح – بطبيعة الحال- إمكانية توسيع آفاق المعرفة؛ لكل من حالفه الحظ في الإلتحاق بهذه المؤسسات الجديدة؛ والتعلم بلغتها، وما أفضي أيضا إلى تحقيق فرصة سانحة – لمن يلتقطها – لتحقيق قدر ما, من سعة الأفق؛ والتحلي بنظر ثاقب, ما بوسعه أن يساعد في الإفلات من حدود أهداف ذلك النظام التعليمي, الذي كان في غاياته القصوى، يخدم مصالح مؤسسية الأجانب و ثقافتهم .
لكن الغريب في الأمر – ومما يؤسف له – أن معظم الذين واتتهم فرصة الإفلات هذه؛ لم يفلحوا في إلتقاطها وتوظيفها -خارج المخطط الثقافي التعليمي المرسوم بدقة- بتوجيه أنظارهم وبصائرهم نحو المستويين الثقافيين, الإقليمي والمحلي؛ أي توجيهها إلى تاريخ الثقافة الأفريقية؛ وإلي المعرفة بالتاريخ الحضاري القديم لبلادنا التي ننتمي لها !، لكن ما هو أغرب والي درجة محيرة، هو كف البصر والبصيرة (تماما) عن التاريخ الحضاري القديم لبلادنا وبخاصة منجزاتنا التاريخية (الثقافية) العظيمة ,الأكثر قدما, ومن جنس الفنون المادية, أو ما يعرف بفنون التشكيل، مما ترتب عليه غيابها عن وعينا؛ وعدم إدراك قيمتها وأهميتها, وهذا فضلا عن عدم إدراك جوهرها التشكيلي؛ فما أفدحه من جهل؛ وغياب؛ وتغييب؛ حينما يصيب المتعلمين، والطليعة المثقفة !
لهذا ليس بغريب أن تضعف لدي هؤلاء المتعلمين : الرؤية السليمة؛ وأن يضعف إبصارهم للخيط الرابط بين حلقات تاريخ الثقافة الفنية المادية في بلادنا؛ وهنا تحضرني دعوة بعض الأصوات –قبل حوالي سبعة أعوام- وتناديها لإنشاء متحف للفن التشكيلي السوداني الحديث؛ وهي كانت بلا شك – دعوة ومبادرة عظيمة، لكن فات على أصحابها أن يسألوا أنفسهم : أين إذن فننا التشكيلي السوداني القديم ؟ وأين متحفه ؟ بل كان الأجدر بهم أولا : العمل علي تأسيس ذاك (القديم)، قبل هذا (الحديث) ولعدة أسباب موضوعية ومنطقية .
لذلك ليس بمستغرب أن يفتقر غير التشكيليين، للمعرفة والإدراك العميق فيما يخص المنجز التشكيلي القديم، قيمته، وصلة قرابته الثقافية بما يليه (أي المنجزالحديث)، والذي لا ينفصل عن المنجز الثقافي الأقدم تاريخا، أي جنس الفنون المادية (التشكيلية) القديمة؛ ليفضي الأمر وفي محصلته النهائية - لدي غالبية الناس- إلى نوع من الإهتمام الشكلي الفاقد للفهم العميق (أي عدم الإهتمام المطلوب) الذي نجده ملازما للواقع التشكيلي في السودان؛ ومنذ نشأة حركته الحديثة في الربع الأول من القرن الماضي؛ كما هو ليس غريبا أن يعاني عامة الناس من الأمية المعرفية التشكيلية؛ والتي منها ما يتعلق بتراثنا القديم، وخاصة إذا علمنا أن الذين أطلقوا الدعوة والمبادرة – الآنفة الذكر- كانوا من كبار الفنانين التشكيليين، ومن صفوة أهل التخصص !
وليس بغريب إذن, أن تطال (الجميع) إشكالية التغييب الثقافي، بل وتلقي بظلها المعتم على كل دعاوي ومشاريع التنمية وبناء الإنسان السوداني؛ التي نجدها لا تولي جانب الثقافة الإهتمام المطلوب، بل ليست من أولوياتها. بل نجدها تفتقر لرؤية عميقة ثاقبة، بسبب عجزها عن إبصار الناظم- الثقافي- الذي يصل الحاضر بالماضي والذي تشكل فنوننا المادية ( التشكيلية ) نسيجه الأساسي .
ولعل منشأ هذه الإشكالية نابع من نظرة الإستعلاء المزدرية لكل ما هو (شعبي) سوداني، ولكل ما هو فن نابع من مدرسة الحياة (الشعبية) السودانية؛ تلك النظرة ,المضمرة, المتخفية, التي كرسها وأزكي روحها المستعلية, نظام التعليم الوافد؛ المصمم بمكروحنكة؛ مكره في تغييب (المعرفة بتراثنا التشكيلي القديم ) وغضه النظرعن إنقطاعنا الطويل عن هذا التراث؛ وحنكته في أنه (أتي ليعمربلادنا بمعارف حضارته الأوروبية الحديثة) والتي منها وضعه منهجا ( مستزرعا ) لدراسة وتعليم الفنون في بلاد السودان، وبدون دراسة تاريخ فنون هذه البلاد ! وهذا ما نلمسه في إفتقارمناهج ذلك النظام التعليمي لمقررات دراسة تاريخ الحضارات السودانية وفنونها التشكيلية القديمة، وأضف إلي ذلك عدم إهتمامه بفنون الصناعات الصغرى والحرف التقليدية السودانية ذات الطبيعة التشكيلية، مما أدي إلى خلق فجوة كبيرة قوامها عدم وفراغ –هائل– من كل ما هو تراثي، ثقافي، سودانوي، في معارف معظم الطلاب السودانيين ولا سيما دارسي الفنون منهم، ممن حظوا بالدراسة في ظل ذلك النظام التعليمي –الآنف الذكر- وهذا الحال إن لم يكن قائما إلي الآن, فإن آثاره لاتزال باقية _وعلي مدى أجيال_ في ما أسفر عنه, من ضعف وإهتزاز وتشويش في الشعور الإيجابي، المفترض، بهوية ثقافية سودانية، أصلها ضارب بجذوره في أعماق التاريخ! الأمرالذي أدي –بطبيعة الحال- لفقدان الطاقة الشعورية, الديناميكية, المحفزة لما يمكن أن نسميه بالإعتزار الإيجابي بالهوية، الباعث للثقة في النفس، وللأمل، ولمشاعر التفاؤل، والإنتماء، والإخلاص في العمل، الذي يصلح حال العباد والبلاد، ومن شأنه أن يدفع للأمام، ولكن ترتب على هذا الحال ( المايل ) خطل في فهم الحاضر وإستشراف خاطئ للمستقبل، بسبب الجهل، والإستخفاف بمنجزات الماضي الخلاقة، والذي له تأثيره في إضعاف الحس الوطني وروح الإنتماء للأرض السودانية، ويحضرني –في هذا الصدد- ما أفادنا به الأستاذ والفنان التشكيلي ابراهيم الصلحي من حديث, فحواه : أنه في زيارة له للصين وضمن وفد رسمي ؛ طلب أن يقوم بزيارة إحدي كليات الفنون بالعاصمة بكين, وقد كان؛ ويقول أنه بعد أن قام بجولته في تلك الكلية طرح عليهم سؤالا, عن ماهية شروط قبول الطلاب للإلتحاق بهذه الكلية؛ وكان ردهم؛ أنه علي الطالب المتقدم أن يمضي عامين أو أكثر في التلمذة علي يدي حرفي ( صنايعي ) لتعلم أيا من الحرف الصينية الشعبية التقليدية, ولا يتم قبوله في تلك الكلية إلا بعد أن يجيزه معلم الحرفة المعينة؛ أي بعد أن يشهد بإجادة الطالب للحرفة التي إختارها, فتأملوا ماذا يعلمون طلابهم دارسى الفنون التشكيلية. هذا ما يقوم به الصينيون, ولعل آخرون غيرهم يفعلون نفس الشئ تجاه طلابهم, وتجاه تراثهم, وذلك الناظم الذي يربط هوية الفنان المعاصرة بتراث بلاده القديم .
لا جدال في أن الغد والمستقبل بالنسبة لنا كسودانيين؛ سيكونان أفضل بقدر ما إستطعنا معرفة وفهم إبداع ما كان بالأمس والماضي، الذي كان يتصف بمثل تلك العظمة الممثلة في تراثنا الفني المادي؛ وفي جوهرروائعه, الجمالي, التشكيلي؛ وتجلياته العديدة؛ في الرسم؛ والنحت؛ والعمارة؛ والخزف؛ والحلي؛ والآلات بأنواعها؛ وغيره مما يتجلي في كثير من الصنائع والحرف التقليدية ذات الطبيعة التشكيلية ؛ جوهره المغيب عن الأذهان, ومظهره الغائب عن (خلاوينا, رياض أطفالنا, مدارسنا، كلياتنا) وغياب تأثيره عن شتى فضاءات الأمكنة في بلادنا (مبانينا الدينية والسكنية؛ أسواقنا، ومياديننا، وشوارعنا) والمغيب عن أذهاننا؛ فتأملوا .
إن أي قراءة جائرة، تزيف أو تطمس تاريخ الثقافة المادية في بلادنا ومن مظان تنسب نشأة النشاط التشكيلي في السودان للعهد الكولونيالي الفيكتوري، ما هي إلا محض إفتراء وضرب من الظلم والإنكار المقيت الذي يتوجب علينا أن نشهر في وجهه أسنة الحقائق التاريخية حتى يتم تغيير (نظرية الفن!) الإستعمارية المختلة هذه، التي صممت خصيصا لناspecially designed for Sudan وليس لدينا فيها أية مصلحة, (بل العكس تماما), وذلك لأن فعل التشكيل في السودان وبمفهومه الواسع وممارسته في مجالاته وأجناسه المتعددة, أمرعرفه أسلافنا منذ آلاف السنين, وأبدعوا في ممارسته ذات الطابع والأساليب والطرز السودانية, المميزة, المعروفة, والماثلة في ما هو موجود حاليا بمتاحفنا ومتاحف غيرنا خارج السودان ك(المتحف المصري، اللوفر، الإرمتاج، ... الخ ) وفي مواقع آثارنا, وصناعاتنا الصغرى واليدوية ؛ المتداولة والمتوارثة ؛ وكما أسلفنا .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.