أمجد فريد الطيب يكتب: حياة تجلت في وضوح المبادئ: وداعا فينك هايسوم    عثمان ميرغني يكتب: حرب السودان ومخطط شد الأطراف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبو الأسود الدؤلي (وقصيدته حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه)

٭ أبو الأسود الدؤلي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حليس بن نفاثه بن عدي بن الديل بن بكر ابن عبد المناة بن كنانة بن خديجة بن مدركة بن الياس بن حضر بن نزار، وهم أحوج قريش، لأن قريش تختلف في الموضع الذي افترقت فيه بين ابيه، والنسابون يقولون، إن من لم تلده فهو بن مالك بن النقر، فليس قرشياً.
فقد كان علماً من أعلام عصره. قال عنه الجاحظ أبو الاسود الدؤلي، معدود في طبقات من الناس، وهو فيها كلها مقدم ومأثور عنه الفضل في جميعها، كان معدوداً في التابعين والفقهاء والمحدثين، والشعراء والاشراف والفرسان والامراء والبخلاء، والدهاة والنحويين والحاضري الجواب أى لبقاً فطناً لست لفصل الخطاب.
ذكر البغدادي بأن حُكمه شفاء الصدور ودرر قلائد النحور علم بأنه لا يحوز ذلك إلا من له باع في الفصاحة ودراية اللسان وفصل البيان، وما ذاك عنه ببعيد، لذا كان أبو الاسود الدؤلي واضع لعلم النحو، بتعليم سيدنا علي رضى الله عنه، وانه كان اول من وضع تنقيط الحروف لازالة العجمة، كما ذكر في كتب الادب المتفرغة.
توفى سنة 96 للهجرة، وقيل بل سنة تسعة وتسعين والقول الاول هو الصحيح، وهو من الشعراء المجدين، وله مدائح وهجاء في معاصريه، كثر ما يتحدث عم ينبغي من الربط بين العلم الديني والعمل، فالعلم ان لم يقرن بالعمل لم يكن علماً، بل كان لهواً وعبثا، بل كان خيانة للعهد ونقصاً لقوله:
وما عالم يقتدي بكلامه بموقف بميثاق عليه ولا عهد
وهو عالم يشار اليه بالبنان، وشاعر فلذكيا يستحسن شعره ويستجاد، فيما يروم اليه محبي الشعر وطالبي الحكمة، حيث ان في شعره درر اخلاقية تهذب وتشذب محاسن الاخلاق والاداب الرفيعة، بما يتيح للمرء أن يتخلق بها إقتداء بقوله صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) أى اقتنص أحسنها واكملها أدباً وسلوكاً وعملاً وعلماً.
وبما أن قصيدته هذه تعد من عيون الادب الخالد فقد استجادها البغدادي في خزانته وهى:-
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً أنه لدميم
والوجه يشرق في الظلام كأنه بدر منير والنساء نجوم
وترى اللبيب محسداً لم يحترم شتم الرجال وعرضه مشتوم
وكذلك من عظمت عليه نعمة حساده سيف عليه صروم
فأترك محاورة البيضة فأنها ندم وعب بعد ذلك وخيم
اذا جربت مع السفيه كما جرى فكلاكما في جريه مذموم
وإن عتبت على السفيه ولمته في مثل ما تأتي فأنت ظلوم
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إذ فعلت عظيم
أبداء بنفسك وأنهها عن غيها فاذا انتهيت فأنت حكيم
فهناك يقبل ما وعظت ويقتدي بالعلم منك وينفع التعليم
ويل الخلى من الشجى فأنه نصب الفؤاد يشجوه مغموم
وترى الخلى قرير عين لاهياً وعلى الشجى كآبة وهموم
ويقول مالك لا تقول مقالتي ولسان ذا طلق وذا مكظوم
لا تكلمن عرض ابن عمك ظالما فاذا فعلت فعرضك المكلوم
وحريمه ايضاً حريمك فأحمه كي يباع لديك منه حريم
واذا اقتصصت من ابن عمك كلمة فكلومه لك إن عقلت كلوم
واذا طلبت الى كريم حاجة فلقاؤه يكفيك والتسليم
فأذا راك مسلماً ذكر الذي كلمته فكأنه ملزوم
وارى عواقب حمد ذاك وذمه للمرء تبقى والعظام رميم
فأرج الكريم إذ رأيت جفاءه فلعتب منه والكرام كريم
إن كنت مضطر وإلا فأتخذ نفقاً كأنك خائف مهزوم
واترك واحذر أن تمر ببابه دهراً وعرضك ان فعلت سليم
الناس قد صاروا بهئمكلهم ومن البهائم قاتل وزعيم
واذا طلبت الى لئيم جارحه فألح في رفق وانت مدين
والزم قبالة بيته وفناءه بأشد ما لزم الغريم غريم
وعجبت من الدنيا ورغبة أهلها والرزق فيما بينهم مقسوم
والحمق المرزوق اعجب من أرى من أهلها والعاقل المحروم
ثم إنقضى عجبي لعلمي أنه رزق مواف وقته معلوم
٭ فهذه القصيدة نفثت هوى لشاعر ذو بصيرة نافذة، تعلق بأسباب الحياة ومعرفة دقيقة لخبايا النفوس وخبثها ولؤمها واطماعها، وهو قد ذاق الامرين سواء كان ذلك من وصف الجاحظ له حيث كان من أهل النبوغ، وكان ذا نفس طموحة، تبوأت من المعالي، موطاً في مجالس العلم والادب، بارتياده لكيانات المجتمع المختلفة، فلاقت نفسه الحساسة صنوف من اصناف البشر وكثر من الاوصاف التي تمور في داخل المجتمع، من دخائل النفوس ورغائب الاطماع، وكل ذلك بما يمور في مسرح الحياة من صراع بين طبقات المجتمع وفيما يحاك من المكائد والدسائس علنية أو خفية.
فالحسد ينطوي على ما جبلت عليه النفس، التي لم تكن تطمع لمراقي السؤدد في همة لا تعرف الوهن، فان لابد أن تنطوي دواخلها على الشحناء، والخبث واللؤم، بكل من يروم المعالي، إذ كان ذا عزيمة وشكيمة لا تتوانى في جهده وإجتهادها، ان تصادف من ويلات المكائد والدسائس ما يثبط عزيمتها بالخور والانزواء.
وبما إن النفس جبلت على حب الرفعة، فهى لا تحب أن يعلوها جنسها، فاذا علاء عليها، شق ذلك عليها وكرهته واحبت زوال تلك لنعمة ليقع التساوي بينهما، وهذا أمر مركوز في الطبائع. قال تعالى ( أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله، فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة واتيناهم ملكاً عظيماً) النساء. وقال (ومن شر حاسد اذا حسد) الفلق. وقد انشد المرار بني متقد في هذا المعنى من صفة الحاسد قوله:
كم ترى من شأني يحسدني قد وراه الغيظ في صدره وغر
وذكر في المعجم الوجيز من معاني الحسد ما يلي:
(حسده) حسداً تمنى ان تزول نعمته عنه: ويقال حسده النعمة وحسده عليها فهو (حاسد) (ج) حساد وحسده (تحاسدا) حسد كل منهما صاحبه: وفي الحديث (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تتنابزوا وكونوا عباد الله اخوانا).
(الحسود) من طبعه الحسد ذكراً كان او أنثى (جمع) حسده (والمحسده) ما يحسد عليه الانسان من مال او جاه او نحوهما.
والحقد هو ثمرة الغضب، ومن نتائجه الحسد، الا ان له دواعياً واسباب ومن اسبابه العداوة، والبغضاء، والعجب وحب الرئاسة وخبث النفس، وبخلها، ومن اشد ذلك هى العداوة والبغضاء، وقد يقتضي الحقد التشفي والانتقام فالحقد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وأنما غاية التقي ان لا يبغي، وان يكره ذلك من نفسه، فاما ان يبغض انساناً، فيستوي عبده مسرته ومساءله، فهذا غير ممكن إذ إن في كظم الغيظ أدباً وتحلما. لذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم (ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وفي ذلك تربية للنفس والعفو عن الناس، وملك النفس عند الغضب، وردعها وكبحها فيما يسيء لها، ومن ذلك الابيات فيما عابه الشاعر بقوله:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها حسداً وبغياً انه لدميم
والوجه يشرق في الظلام كأنه بدر منير والنساء نجوم
٭ استهل الشاعر أبياته موجهاً خطابه بضمير الغائب على ان في القوم ثلة يضمرون له السؤ، وما زاك الا من دواعي الحقد، الذي يفت في كنانتهم، لما يرونه من حظوة به، لا يطلبونها من السعي والاجتهاد والحرص عليه. فأنهم يضمرون الحقد والزراية، بماله ناله وابتغاه بجهده واجتهاده وسعيه. فهم أشبه بالضرائر وغريماتهن. لنا بينهم من الختل والنكد والامتعاض بتجريد وانجاس ذوات الحظوة. سواء كان من نعمة حباهم الله بها أو غيرها. فأن ذلك سخرية منه لهم. وما اكثر ما يشاع من الشحناء بتشويه الاقران، ممن كان لهم حظوة لا ينالها الاخرون. وبما يتكنيه قرناء السوء من ترصيد واصطياد. مهما كانت المحاسن، فانها لا تساوي عندهم إلا قبح وشناعة. قال ابو العلاء المعري:
فإن حسدت فإن شكر فضيلة إلا تؤاخذ في الاساءة حاسداً
ومن الرزية أن تبيت مكلفاً إصلاح من صحب الغريزة فاسداً
فالتجاوز عن ذوي الصغائر تحلما يتصف به اصحاب العقول والالباب.
وقد استدرك الشاعر قائلاً:
وترى اللبيب محسداً لم يحترم شتم الرجال وعرضه مشتوم
وكذلك من عظمت عليه نعمة حساده سيف عليه صروم
وذلك جله لا يؤتى إلا من ثمرات الحقد والحسد الذي عميت بصيرته. بالتشفي والانتقام، فان ذلك هو الحقد المبغوض، عند الله الذي يأباه لخلقه، قال عنتر بن شداد:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب ولا ينال العلاء من طيعه الغضب
ومن يكن عند قوم لا يخالفهم اذا جفوه ويسترضى اذا عتبوا
٭ قال معاوية بني سفيان (ليس من خصائل الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل ان يصل للمحسود، ولله در القائل يصف الحقد الخبيث: ومطرق يرشح كما اطرق افعى ينفث السم.)
وينتقل الشاعر محذراً من الممارات والتهاتر، والجدل ومجاراة السفيه في سفاهته، إذ ان عصره قد شاعت وسادت فيه حلبات الجدل، بظهور الفرق، والكل مصر على ما يأتي به في مذهبه تعصباً له، فان هذه العصبية من أوهم الامور لأنها ستؤدي الى ما لا يحمد عقباه ولا يرجى منها طائل يؤتى بالنفع، لذا قال.
فاترك محاورة السفيه فأنها ندم وغب بعد ذاك وخيم
واذا جريت مع السفيه كما جرى فكلاكما في جريه مذموم
واذا عتبت على السفيه ولمته في مثل ما يأتى فأنت ظلوم
ولا شك فان السفه من مطية الجهل، والمرء الذي لا يرعوي صاحبه، فان في ذلك العياء، فالجهل هو عدم المعرفة وقرين للسفه، على ان في المعرفة علم ينتفع به. ويفاد من صاحبه، فان الجاهل لا يؤمل منه حصول علما، وهو يجهل، قال النابغة الذبياني:
ينبك ذو عرضهم عني وعالمهم وليس جاهل شيء مثل من علما
ولا سيما فان محاوزة السفيه لا طائل منها وبذا نهى الشاعر عن محاوزة السفهاء وأهل المراء واللجاج، وعدم مجاراتهم في غيهم. فإنهم يزادون عناداً وتمادياً فيما هم فيه من غي وأشار محذراً عن ملاحاتهم بالعتب والمعاتبة لامثالهم فقد يتساويا فيتشابهان، فيما كان بينهما من الظلم وكلمة الظلم تعني بالمتاهة والاغراق في شطط اللجاج، وهذا تشبيه بليغ للظلام الذي يتخبط فيه عديم الرؤية، دون أن يكون هنالك بصيص من النور. قال وابضة بن الاسدي:
أحب الفتى ينقي الفواحش سمعة كأن به عن كل فاحشه وقرا
سليم دواعي الصدر لا بسطأ أرى ولا مانع خيراً او قائل هجرا
ولا شك انه كان ينظر، لما يثار في منابر الجدل والمناظرة التي انبثقت في ذلك العصر الاسلامي، وماتلاه من قيام الاحزاب السياسية، وما كان يجول في الخواطر من الفكر اللجوج وافتعال الخصومة لغياب الرأى الشديد
ثم انبرى منشداً
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك اذا فعلت عظيم
وأبدأ بنفسك وأنهها عن غيها فاذا انتهيت فأنت حليم
وهنالك يقبل ما وعظت ويقتدى بالعلم وينفع التعليم
فهذه الابيات من المشهورات التي تردد على الالسن كثيراً ويتمثل به المتشهدين، لما فيها من عبرة تقتضي بأقتفاء ما اشتملت عليه معنيها من البساطة المحببة للفهم وبما يقصد اليه من الاخلاق الحميدة التي يحبذها ذوي الالباب، وأهل الصلاح، بالعلم الذي يقتدى به حيث تثمر فائدته ويشكل ذلك طابعاً من الاحترام لكل من تخلق بها واستوعب آدابها خلقاً وخلقاً.
وقد اوضح فيما يكون عليه الحال بين الخلي والشجي مستعيراً، ذلك المثل المشهور (ويل الخلي من الشجي) بما قالته العرب من امثالها قائلاً:
ويل الخلي من الشجي فأنه نصب الفؤاد بشجوه مغموم
وترى الخلي قرير عين لهياً وعلى الشجي كآبة وهموم
ويقول مالك لا تقول مقالتي ولسان ذا طلق وذا مكظوم
٭ فان ويل منادي حذفت يا النداء عنه، فان الخلي لا يشارك ذلك المغموم في همومه واوجاعه وآلامه، انما لاهياً حيث انه لا يكايد هما ولا غماً، ولسان حاله طلق، بما فيه من الملهاة وأما الشجي فأنه مشغول الفؤاد، بما إنتابه من مكروه، فان لسانه كأن به نسعه بما هو فيه من الغباء والحزن، على ان الخلي يسخر من الشجي. لما إنتابه من الالم وذلك قوله. مالك لا تقول مقالتي. وفي ذلك تبكيت إذدرداء به.
ثم استرسل الشاعر محذراً اشد التحذير من الايقاع بالملاحات لأبناء العمومة بالخصومة والقدح أو بالتجريح ظلماً وربما يكون هو الخاسر لذوي قرباه دون ان يستشعر جنايته قائلاً:
لا تكلمن عرض ابن عمك ظالما فان فعلت فعرضك المكلوم
وحريمه ايضاً حريمك فأهمه لكي لا يباع لديك حريم
وإن اقتصصت من ابن عمك كلمة فكلومه لك ان عقلت كلوم
قال الشريف في «أماليه العرض» هو موضع المدح والذم من الانسان فذا قيل ذكر عرض فلان، فمعناه ذكر ما يرتفع به او ما يسقط ذكره. ويمدح او يذم به، وقد يدخل بذلك ذكر الرجل نفسه، وذكر أبائه وأسلافه، لأن كل ذلك مما يمدح به ويذم والذي يدل على ان اهل اللغة لا يفرقون في قولهم شتم فلان عرض فلان، بين ان يكون ذكره في نفسه بقبيح أو شتم سلفه وأبائه، ويدل عليه قول مسكين الدرامي.
ورب مهزول سمين عرضه وسمين الجسم مهزول الحسب
فلو كان العرض نفس الانسان لكان الكلام متناقضا، لأن السمن والهزال يرجعان لاى شيء واحد لذا قال عبده بن الطيب لأبنائه في وصيته:
دعوا الضغنة لا تكن من شانكم إن الضغائن للقرابه توضع
واعصوا الذي يبدي انمائم بينكم منتصحاً ذاك السمام المنقع
يرجي عقاربه ليبعث بينكم حربا كما بعث العروق الاخدع
وقد اشار الشاعر مستوصياً بذوات الخدور من الحريم فان حريم ابن عمك فأحمها كما تحامي عن حريمك، ونافح عنها أشد المنافحة، حتى لا يستباح عرض حريمك بالسيء والسب، ولكن كما قال عوف بن عطية:
لعمرك انني لأخو حفاظ وفي يوم الكريهه غير غمر
او كما قال ابي محجن الثقفي:
وعندي علي شرب المدام حفيظة اذا نساء الحي ضاقت حلوقها
واعجلن عن شد المأذر ولها مفجعة الاصوات قد جف ريقها
قال ابن السكيت الحفيظة كل شيء يغضب لأجله
وقد اشار شاعرنا الى ان في حلمك وعفوك عن ابن العم إذ نالتك منه جائحة او عتب، فلا تشمت به الاعداء، وأحسن اليه بالضيع تواضعاً فذلك قدر الحلوم. قال النابغة:
ولست بمستبق اخاً لا تلمه على شعث أى الرجال المهذب.
واذا بالشاعر مستنصحاً في إبداء الادب الرفيع، فيما احوج من حاجة المحتاج، سوى كان ذلك من كريم أو أخ أو صديق أو قريب قائلاً:
واذا طلبت الى كريم حاجة فلقاؤه يكفيك والتسليم
فاذا رآك مسلما ذكر الذي كلمته فكأنه ملزم
وارى عواقب حمد ذلك وذمة للمرء تبقى والعظام رميم
فأرج الكريم ان رأيت حفاءه فالعتب منه والكرام كريم
وإن كنت مضطراً والا فاتخذ نفقا كأنك خائف مهزوم
واتركه واحذر ان تمر ببابه وحدك وعرضك ان فعلت سليم
وعلى ذا فان من آداب المسألة، ان يوفق صاحبها في بسطه وإيصالها من دون الالحاح والالحاق وأنما باللطف والروية. فإن في الناس تفاوتاً في الحلوم والاقدار والحظوظ، فالكريم قد لا تسعفه لحظته على كل حل، وربما يستجيب للحاجة عندما يحن قدر الوفاء بها، فالاعمال ان كانت خيراً أو شراً فهى بضاعة اصحابها، حين تصير الاجساد تحت الرمث رميما. فأنه لا يذكر صيت احداً الا بعمله في ذمه وحمده. كما نوه بأن من كانت له شدة من الاضرار فان الالحاح لا يجبر غرضاً لصاحبه. ولكن مع الصبر يؤتيي الفرج في السلامة. توقياً لشرفك من الاشانة فأنت عزيز النفس بما طابت به سلامتك، واطمأنت اليه روحك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.