مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رسالتي إلى السيد رئيس الجمهورية أن يحل مشكلة أرباب المعاشات المغتربين في أوروبا
رئيس رابطة دنقلا الكبرى بجدة ومسيو أرباب.. بوح جميل في موسم العودة إلى الشمال


٭ الاسم والميلاد والدراسة:
اسمي الكامل: حسن أرباب محمد على أرباب، وينتهي نسبي الى الشيخ أرباب العقائد الذي يقال إن أجداده من منطقة حفير مشو، هاجروا الى المحس وأقاموا خلاوى هناك، ثم هاجروا الى توتي، وهناك ولد الشيخ أرباب العقائد الذي عبر من توتي ليؤسس الخرطوم، وقد تزوج أحد أحفاده من آل النميري وأنجب أجدادي، وكان جدى النميري الكبير مشهورا بالهيبة ومضاء العزم.
وولدت في قرية ود نميري، ثم انتقلت الى جزيرة الأشراف «جزيرة لبب» للدراسة في خلوتها الشهيرة على يد بعض المشايخ، واشهرهم الشيخ فقير أحمد وشقيقه شيخ علي فقيرتود، وكانت هذه الخلوة بمثابة المرجع الأعلى لخلاوى المنطقة، ويؤمها طلبة العلم من شتى بقاع السودان، ولم استطع تكملة الدراسة وفق منهج الخلوة الصارم، فهربت منها ويممت شطر المحروسة مصر في عام 1933م
٭ الطريق الى القاهرة:
الانطلاقة إلى مصر كانت من المحطة النهرية بدنقلا العرضي، وفي زماننا كان مسار البواخر النيلية من كريمة جنوبا وحتى كرمة شمالا، وسافرت بالباخرة حتى كرمة، ومنها عبر اللوري الى حلفا، وكان هنالك لوري واحد فقط هو الذي يخدم المسافة من كرمة الى حلفا في أربعة أيام عبر طريق شديد الوعورة، ولا أذكر اسم صاحب اللوري لكنني اتذكر الشهر الذي سافرت فيه، يوليو من عام 1933م. وأنا وقتها صبي أحلم بفضاء أوسع وبعالم منفتح، وكنت كمن يعاني من ضيق ويريد أن يزيح عنه ما يكتم صدره وأنفاسه، ووصلت الى حلفا، وأذكر أنه في حلفا كان يوجد الشيخ عثمان عبد القادر، أحد ابناء الزورات الذين هاجروا الى حلفا وأسسوا لأنفسهم مكانة وجاها، وكان يمتلك بواخر لنقل الماشية الى اسوان بمصر، وعبر بواخره نقل كل أبناء المنطقة بالمجان الى مصر، وأذكر أنه كان رجلاً فارع الطول معتزا بأصله، ويسعى لخدمة أهله دون مقابل، وكان له ديم خاص بحلفا اسمه «ديم عثمان عبد القادر» عليه رحمة الله تعالى، ولم يكن السفر الى مصر وقتها يحتاج الى أوراق ثبوتية وتأشيرات، فكل ما في الأمر أن يمر المسافر على مكتب في حلفا للحصول على تصريح بالمرور، وأذكر أن المسؤول في المكتب كان شرطياً برتبة «شاويش» اسمه «الكاشف»، وكان في منتهى الجلافة، يشتم كل من يتقدم اليه بألفاظ بذيئة، فحين تقدمت اليه انتهرني قائلا «روح يا دنقلاوي يا ابن الكلب» فما كان منى إلا أن صفعته صفعة أطاحته أرضا وسجنت على إثرها لمدة ستة أيام في حلفا، ولم أخرج من السجن الا بواسطة أحد أقربائي يدعى «خليلي» كان برتبة «بكباشي» توسط لى عند المفتش الانجليزي الذي أفرج عني لصغر سني، وأذكر أن العسكري الذي استدعي للقبض على بعد صفع الشاويش مال على قليلا وقال لي بالدنقلاوية «عفارم عليك .. الذي فعلته لم يفعله أحد من قبلك».. وبهذا التصريح دخلت مصر وظللت بدون أوراق هوية الى أن افتتح «مكتب السنوسي» لتجنيد السودانيين في الجيش البريطاني في عام 1939م، وكان هذا المكتب يقوم بتسجيل السودانيين وتثبيت تواريخ ميلادهم واستخراج وثائق ثبوتية من ادارة حكومية تسمى «مكتب وكالة السودان». وكانت الوثيقة بمثابة جواز السفر، وفي هذه الوثيقة تم تقدير تاريخ ميلادي على أنه 15 أكتوبر 1926م.
٭ في مصر المؤمنة:
عند وصولى إلى القاهرة أقمت لدى عمي محمد خير معروف في جزيرة الزمالك، والتحقت بالكتاب في جامع السلطان أبو العائلة، وظللت هناك حتى قيام الحرب العالمية الثانية في عام 1939م.
٭ مكتب السنوسي:
كان الانجليز يهتمون بالسودانيين ويحبذون تجنيدهم في قواتهم المسلحة، لذلك افتتحوا مكتبا بالقاهرة باسم «مكتب السنوسي» لتسجيل السودانيين الراغبين في العمل في الجيش البريطاني والمشاركة في المعارك الدائرة في شمال فريقيا، وقد التحق العديد من السودانيين بالجيش، وكنت أنا من ضمنهم، وذهبت الى شرق ليبيا، الى طبرق وبنغازي في معسكر للتدريب العسكري، ولم يرق لي العمل العسكري هناك، الا أنني استفدت من تلك التجربة بتعلمي لمبادئ اللغة الانجليزية من خلال تعاملى مع الضباط الانجليز، وهربت من المعسكر التدريبي ورجعت الى مصر، والغريب في الأمر أنه لم تتم مساءلتي عن ذلك، وفي عام 1950 التحقت بالعمل سائقاً لدى رجل الأعمال اللبناني أكرم العجي، وتوثقت علاقتي به، وأكرم العجي رجل أعمال سوري حصل على الجنسية السعودية، ونفذ أعمالا تجارية عديدة في أوربا، وكانت معرفتي به وعملي معه هما المدخل الأهم في مستقبل أيامي وبداية الطريق لمحطات مهمة في حياتي، فقد انتقلت للعمل معه سائقاً في باريس، ومكثت هناك أربع سنوات متواصلة أتقنت خلالها اللغة الفرنسية، وتعرفت على معالم باريس وتغلغلت في أحشائها وتعاريجها المختلفة، وتكيفت مع أجوائها، الأمر الذي منحنى المؤهل المطلوب للبقاء في أوروبا لفترة أطول.
وعدت الى مصر مرة أخرى حين قرر العجي ادخال أبنائه في المدرسة الابراهيمية بمصر رغبة منه في أن يتعلم أبناؤه اللغة العربية وتفاديا لانغماسهم في الحياة الأوروبية، فقد كان رجلا شديد التمسك بأصوله العربية ولغته وعقيدته الإسلامية.
وخلال عملى مع العجي تعرفت على السفير العراقي نجيب الراوي، وكيل الملك فيصل بن الحسين، الذى كانت تربطه علاقة صداقة وأخوة بالعجي، وقد اصبح الراوي أول سفير عراقي في عهد ثورة يوليو فى مصر، بل ويعتبر من أفضل السفراء العرب إبَّان تلك الحقبة، وهو متزوج من سيدة فاضلة تنتمي الى أعرق الأسر العراقية، عائلة الداغستاني، وتمت بصلة الى الزعيم العراقي نوري السعيد الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق أربعة عشر مرة، الى حين مقتله في عام 1958م، والمهم ان الحياة في مصر لم ترق لى عند عودتي من فرنسا، وقد استهوتني الحياة الباريسية الى درجة الوله، وعملت كل ما بوسعي في العودة اليها، وانتهزت فرصة تعيين السفير نجيب الراوي سفيراً في فرنسا لأبدي له عن رغبتي في العمل معه في فرنسا، واستأذنت من السيد العجي، فوافق السيد الرواي وطلب مني أن اصطحب أثاث منزله إلى فرنسا عن طريق الباخرة، وهكذا ذهبت للمرة الثانية، وكانت الرحلة من الاسكندرية الى مارسيليا تستغرق أربعة أيام، ومن هناك الى باريس، كان ذلك في عام 1954م، وظللت أعمل معه الى عام 1956م، العام الذي شهد العدوان الثلاثي على مصر، وهي أصعب فترة عشتها في فرنسا، للعداء الشديد الذي كان يواجهه العرب وخاصة المصريون في أوربا، وفي ذلكم العام تم نقل الراوي سفيراً الى أنقرة بتركيا، وطلب منى مرافقته الى هنالك، لكنني رفضت وفضلت البقاء في باريس، وعندها طلب الراوي من السفير السويسري القائم بأعمال السفارة العراقية أن يستوصي بي خيرا، وأن أظل في المنزل المخصص لي من السفارة العراقية إلى أن استقر في عمل جديد.
وفي تلك الفترة كنا خمسة من أبناء دنقلا بباريس، نجتمع يوميا في مقهى اسمه «لامونت» في قلب باريس، أحدهم كان المرحوم زكي من أبناء مقاصر، وهو أول من فارق جمعنا ذاك بالانتقال للعمل مع الأمير عبد الله شقيق ملك المغرب الحسن الثاني، وقد ظل يعمل معه الى التسعينيات، وهو أول سوداني يعمل في القصور الملكية بالمغرب، وكان رجلا فاضلاً، وسمعت أنه حين توفي بالمغرب نقل جثمانه من المغرب الى السودان بطائرة ملكية خاصة، والثاني اسمه مصطفى دكومة من أبناء الخندق، والثالث من القولد والرابع عثمان مدني من ابناء ملواد، وكان معنا نوبي مصري اسمه النجار يعمل مع الأمير سعيد طوسون بباريس، وكانت السلطات الفرنسية تتعقب حاملي الجنسية المصرية، لذلك اصبح النوبي المصري أول الضحايا من شلتنا، فاعتقل وتم تسفيره الى مصر، واحتاج الأمير طوسون الى من يحل محله، وتقدمت أنا الى تلك الوظيفة بمساعدة دكومة الذي كان يعمل معه، وعملت سائقاً مع الأمير طوسون لمدة ثمانية اشهر، وطوال فترة عملى لاحظت أنه كان منشغلا بكتابة مذكراته، وكان حانقا جدا على الملك فارق، ويعتقد بأنه أضاع الملكية في مصر بحماقته وانسياقه وراء اغراءات النفس والمجون، وأذكر أن الملك فارق جاءه ذات مرة من ايطاليا للسلام عليه، ووقف عند باب منزله، وعلم الأمير طوسون بقدومه فأرسل اليه من يخبره بأنه غير موجود، فعلم الملك فاروق بأنه غير راغب في لقائه فرجع أدراجه، وكان للأمير سعيد طوسون أخوان آخران في باريس هما حسن وحسين، وكلهم أبناء الأمير عمر طوسون، وقد سمى ابنيه «حسن وحسين» على أخويه، وما يزال أبناؤه يعيشون في فرنسا الى الآن، الا أن أحوالهم المادية ليست على ما يرام، وأذكر أن الأمير سعيد كان شديد الاعجاب بوالده كثير التحدث عنه، وهو محق في ذلك، فقد كان والده ملء السمع في مصر، وصاحب اكتشافات تاريخية مهمة، ويولي السودان اهتماما خاصا، وكنا نحن السودانيين في مصر نحفظ له ذلكم الموقف، وقد توفي في عام 1944م عليه رحمة الله تعالى، أما نجله سعيد الذي عملت معه فقد كانت فيه حماقة وبعض العبط، وبوصفه مخدماً فقد كان يحصى تحركات العاملين معه، لذلك لم يكن العمل معه مريحا، فتحينت فرصة افتتاح السفارة السودانية عند نيل السودان استقلاله في عام 1956م، وعلمت أنهم يحتاجون الى سائق يعرف طرق وشوارع باريس، فقدمت اليهم أوراقي.
٭ العمل في الممثليات الدبلوماسية بأوربا:
أصبح بشير البكرى أول سفير للسودان في فرنسا، وتزامن وصوله مع وصول السفير عثمان عبد الله حامد «شقيق علي حامد الذى أعدم لاشتراكه فى محاولة انقلابية فاشلة ضد حكومة نوفمبر» الى ألمانيا لتسلم مهامه بوصفه أول سفير سودانى، وكانا من خيرة السفراء، وكان بحاجة الى رجل يعرف ألمانيا، فوقع الاختيار عليَّ، وهكذا ذهبت الى ألمانيا وساهمت في تأسيس أول سفارة سودانية، اختيار الموقع، وتأثيث السفارة، وظللت أعمل في السفارة السودانية بألمانيا لمدة عامين حتى جاء السفير محجوب مكاوي، ولم ترق لى ادارته، ولم أكن على وفاق معه، فتركت العمل بالسفارة السودانية والتحقت بالعمل سائقاً لدى أسرة الوزير المفوض بالسفارة الأمريكية بألمانيا، وكانت زوجته امرأة فاضلة، وعملت معهم لمدة عامين حتى تم نقل مخدمي الى أمريكا، فطلب منى الذهاب معهم والعمل لديهم بالولايات المتحدة الأمريكية، وقدم اليَّ اغراءات عديدة من ضمنها أنني لن أشعر هنالك بالتمييز العنصري، لكنني كنت مشدوداً الى أوروبا ولم أرد مغادرتها، فما كان منهما الا أن كتبا لي شهادة خبرة جميلة مفادها بأنني مؤهل للعمل في أية منظمة أمريكية، ثم علمت أن سفارة دولة توغو الأفريقية تحتاج الى سائقين، فتقدمت اليها، وتصادف أن السكرتير الأول بالسفارة كان مسلما يدعى إسحاق، فما أن رآني الا واستدعاني وتوسط في توظيفي بالسفارة، وكان على رأسها رجل من أشهر مواطني هذه الدولة الأفريقية يدعي «سافيه دو توغو»، لكنه استبدل بآخر يكن كراهية شديدة للسودانيين، فتركت العمل لديهم بعد سنتين ورجعت الى فرنسا في عام 1963م، بعد أن زودتني سنوات اقامتي بألمانيا بحصيلة وافرة من اللغة الالمانية، فأصبحت أجيدها واتحدث بها كأهلها تماما.
٭ فرنسا مرة أخرى:
عدت إلى فرنسا للعمل مع الملحق الثقافي في السفارة السودانية، وكان يسمى شفيق دسوقى، وكان متزوجا من ابنة السيد محمد صالح الشنقيطي، السياسي المشهور وأول رئيس للجمعية التشريعية، وقد قابلته مرارا عندما كان يزور باريس، وتنقلت معه في أحياء باريس وهو يبحث عن الكتب النادرة فيشتريها ويرسلها الى السودان، ورأيته يجيد كل اللغات الأوروبية وبطلاقة، كان يتحدث اللغة الفرنسية بشكل مدهش، عليه رحمة الله، وكذلك الأستاذ محمد أحمد محجوب، تجولت معه مرارا، وكان رجلا طويلا أنيقا في مظهره، لا يظهر الا بكامل هندامه، محبا للجمال، وصنوه الأستاذ جمال محمد أحمد، ما أن يراني حين قدومه الى باريس من لندن أو السودان إلا ويبادرني بتحيته النوبية «ايلو مسكاجرو»، ومبارك زروق، وغيرهم، اولئك كانوا عمالقة يشرفون السودان اينما حلوا وارتحلوا، عليهم رحمة الله تعالى.
وعملت مع الملحق الثقافي إلى أن قرر الذهاب الى السودان في عطلة، ومر بباريس الأستاذ أبو القاسم محمد بدرى الذي كان يعمل ملحقا ثقافيا في السفارة السودانية بلندن، وهو رجل مثقف وأديب وأول مدير لدار النشر السودانية، وله العديد من المؤلفات الأدبية، وهو من جزيرة مقاصر، وكان متزوجاً من عقيلة القاضي عطية ابنة خالته، ثم تزوج الثانية من آل «القوصي بدنقلا»، وتمسك بي أبو القاسم للعمل معه طوال اقامته بباريس، وكنت قد عزمت على ألا أواصل العمل مع الأستاذ شفيق عند عودتهم من الإجازة، وبالفعل أعلنت استقالتي من العمل، لكنهم طلبوا منى توصيل سيارة أبو القاسم من ألمانيا الى لندن، فانجزت المهمة، ثم عرجت على منزل السيد عثمان محمد يوسف «عثمان سفارة»، وهو من ابناء قرية أوربي، للسلام عليه في منزله بشمال لندن، وهو منزل تزين جدرانه الأوسمة والتذكارات التي حصل عليها من الرؤساء، ومنهم الملكة اليزابيث والنميري والبشير، وأنا أعرف عثمان سفارة منذ زمن فهو قد هاجر الى لندن منذ عام 1945م عندما كانت بريطانيا تشجع هجرة مواطني مستعمراتها للقيام بالأعمال الشاقة في المملكة المتحدة، وقد عاصر عثمان سفارة كل السفراء الذين تعاقبوا على سفارة السودان بلندن منذ السفير عوض ساتي والى يومنا هذا، وهو يستحق لقب سفارة، لأنه كان بمثابة بعثة دبلوماسية كاملة لعلاقاته التي أسسها مع الادارات الحكومية والمستشفيات ودور العلاج والمؤسسات التعليمية، واهم عمل كان يؤديه هو أنه كان يجهز الموتى هناك وفق متطلبات الشريعة الإسلامية، إما لتسفير جثامينهم الى السودان أو دفنهم، كما كان أحد الأركان الأساسية في بيت السودان الذي أهداه السيد عبد الرحمن المهدي الى الجالية السودانية بلندن، ولم أتمكن من مقابلة عثمان سفارة في زيارتي تلك لأنه لم يكن موجوداً بالمنزل، فعدت الى المانيا مرة أخرى للعمل مع السفير اللبناني، وكان متزوجا من سيدة بريطانية ثرية، وفي تلك الفترة عاد السيد أكرم العجي الى فرنسا وافتتح مكتبا تجاريا شراكة مع السيد عدنان خاشقجكي، وظل يسأل عني باستمرار حتى أرشده الى مكاني ابن خالتي السيد أمين، فألح على بأن أعمل معه، فأنهيت خدمتى مع السفير اللبنانى وعدت مرة أخرى الى باريس ومنها الى سويسرا فى عام1974م حيث قام بشراء قصر لسمو الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود ولي العهد ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام فى جنيف، كنت أقيم فيه وأقوم على خدمته وضيوفه عند زيارتهم، وقد تمكنت من خلق علاقات طيبة مع أناس من مختلف الجنسيات، وأصبحت أول رئيس للجالية السودانية فى سويسرا الى مجيء حكومة الانقاذ، حيث اكتفيت بالرئاسة الشرفية للجالية.
٭ شخصيات في محطة سويسرا:
أثناء عملي في جنيف، وبحكم موقع هذه المدينة وأثرها في السياسة العالمية، قابلت العديد من الشخصيات المهمة واقمت علاقات معهم، منهم الرئيس البشير، وقد زارنا مرة واحدة وقدمت إليه خطابا يحوى أهم طلبات السودانيين المقيمين بأوربا، وهي إزالة معاناتهم في صرف معاشاتهم عند عودتهم الى السودان، إذ يتطلب الأمر حضورهم بأنفسهم لصرف المعاشات، بينما الدول الأخرى استطاعت عبر دبلوماسيتها وعلاقاتها مع الغرب تحويل المعاشات الى مواطنيها في بلدانهم، وهذه قضية تؤرق المقيمين في أوروبا، كما أن الرئيس نميري بحكم قرابته لي كان يكثر من زيارتي والاقامة معي في جنيف.
ومن الشخصيات التي كانت تزورنا أيضا الشيخ الزبير حمد الملك أول ناظر خط في دنقلا، وهو الذي عرفني بعالم الآثار السويسري شارلي بونيه، الذي دعاني إلى منزله الريفي عدة مرات، وهو من أسرة تعمل في الزراعة ويعشق السودان ويتحدث اللغة النوبية.
ومن الشخصيات المهمة التي قابلتها عن طريق الصدفة في سويسرا، رجل الأعمال اليهودي نسيم ديفيد جاعون، فقد كنت ذات أمسية في أحد المراكز التجارية الكبيرة بجنيف، ففوجئت برجل يربت على كتفى، ولما التفت اليه سألني: أنت سوداني؟ قلت نعم، قال لي «أنا أيضا سوداني»، وعلمت فيما بعد أنه يهودي من مواليد الخرطوم في عام 1944م، وهو مليونير وصاحب شركة نوقا التي تمتلك سلسلة من الفنادق أشهرها فندق «نوقا هيلتون»، وهو من أشهر فنادق جنيف ويطل على بحيرة سويسرا، ويؤمه السياح خاصة الخليجيين، وهو أيضا ناشط في المنظمات اليهودية العالمية، ويحب السودان جدا، حتى أن معظم العاملين معه في فندق نوقا هيلتون كانوا من السودانيين، وأقام معنا علاقات طيبة، ولاحظنا أنه على الرغم من أن الفندق ليست به ساحة للصلاة، الا أنه كان يخصص لنا مساحة في بهو صالة الاستقبال لنصلى فيها عندما يحين وقت الصلاة.
٭ أوربا والوجدان الوطني:
الهجرة الى أوربا تختلف عن الهجرة الى المناطق الأخرى من العالم، لكون أوربا تتيح اقامة دائمة تفرض أحيانا اندماج الأبناء في المجتمع الأوربي، خاصة الذين من أمهات أوربيات، وفي عام 1958م ذهبنا الى معرض في بروكسل ببلجيكا، وهي المرة الأولى التي يشارك فيها السودان في معرض تجاري دولي بهذه المدينة، ورأيت أثناء تجوالي في المعرض سودانيا طويل القامة مملتئ الجسم في العقد السابع من العمر اسمه مسيو عثمان، يتميز بشلوخه الواضحة على خديه، فاستأذنت من السفير الذي كان برفقتي وذهبت اليه لأنني توسمت فيه بأنه من دنقلا، ووجدته بالفعل من أرقو، وتجاذبنا أطراف الحديث فقال لى إنه هاجر الى فرنسا في عام 1914م عن طريق مصر، وكان يعمل في الجيش البريطاني قبل مجيئه الى أوربا، وتزوج من فرنسية وأنجب منها ولداً، ثم رحل الى بلجيكا وتزوج من فتاة بلجيكية وأنجب منها ولداً آخر، أما ابنه من الزوجة الفرنسية فقد تدرَّج في الوظيفة الحكومية حتى بلغ درجة وكيل وزارة، وكانت تربطه علاقة صداقة مع سفير السودان بفرنسا السفير رحمة الله الذي كان يحرص على دعوته في كل المناسبات الوطنية السودانية بباريس، أما الآخر من أم بلجيكية فسمعت أنه سافر إلى أرقو بحثاً عن اقربائه ولم يعثر على قرابته، فعاد الى ألمانيا. وخلاصة الموضوع أن المسيو عثمان البلجيكي المشلخ استقر في بروكسل التي افتتح فيها متجراً كان يعمل فيه برفقه ابنه، وتوفي في العاصمة البلجيكية. ونموذج آخر لسوداني قابلته صدفة عند خياط يهودي، رجل مربوع القامة في العقد السابع أيضاً، ولم يطلعني على شيء من أصله سوى أنه سوداني على الرغم من أننا تقابلنا أكثر من مرة.
ورفضت جنسية أوروبا لأنني لم أرد تزوير تاريخي، وعلى الرغم من أن أولادي الستة وبناتي الخمس ولد بعضهم في ألمانيا والبعض الآخر في سويسرا، إلا أنني حرصت على أن يعودوا للعيش في السودان في وقت مبكر ليستقروا فيه، الأمر الذي يسر أمر عودتي إلى وطني دون أن تتوازعني رغبتي في العيش في وطني وانتماءات أبنائي، وعدت إلى السودان لأعيش على ربوة بأعلى قرية ود نميري، أطل منها على النيل الذي يشق طريقه وسط زحف صحراوي، فيبدو قصر جدي النميري شامخاً على الشاطئ، وأشعر بأنني كما ذلكم القصر استطعت أن أقاوم وبشدة الزحف الأوربي الذي حاول التسرب إلى حياتي وطوال تسعة وسبعين عاما هي عمر هجرتي.. وأشعر الآن بأنني حققت ما عجز عنه الكثيرون «كما قال جدنا تهراقا»، لأنني كنت على صلة دائمة بالسودان، أعود كما بدأت، وكل ما مرَّ بي من مناظر خلابة وانفتاح حياة ليس لها حدود وحرية رأي وتعبير وجمال طبيعة، استخلص منها ما ينفعني في هذا الوطن الذي تبدأ منه الأشياء وإليه تعود.
وهكذا الوطن يظل لحناً أبدياً لا يشوشه بعد وافتراق مهما طال الأمد، وهكذا أبناء الوطن في الخارج نجوم زاهرة ولآلئ متناثرة، فهلاَّ من غواص يجمع شتاتها ويبرز أصالتها ونفائسها لأبناء الجيل الحاضر، ليكونوا لهم نبراساً وأنموذجاً صادقاً، سواء قرروا تكرار رحلات الغربة كأسلافهم، أو البقاء معززين مكرمين وادعين في ربوع الوطن بين الأهل والأحباب..؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.