الوعي الطبقي في أمريكا وسر محبة الأبجيقات للبليونير ترمب    تمديد إعلان حالة الطوارئ بالنيل الأزرق لمدة ثلاثة اشهر    شاهد بالفيديو.. "لون الهدوء والنقاء والتجدد" المطربة السودانية الحسناء أفراح عصام تستعرض جمالها داخل محلها التجاري بالقاهرة بإطلالة أنيقة    شاهد بالفيديو.. بسبب العربات.. ناظر قبيلة في دارفور برتبة لواء يهاجم قائد الدعم السريع ويهدد بسحب قواته والإنضمام للجيش    بنك السودان يسمح بتمويل التشييد العقارى وشراء سيارات النقل    شاهد بالفيديو.. ظهرت بسيارتها الفارهة الجديدة بالقاهرة.. التيكتوكر السودانية "سحر كوكي" تثير الجدل بسبب الثروة الطائلة التي جمعتها في مصر خلال فترة وجيزة    ما سبب تواجد "FBI" في مباراة الجزائر والكونغو الديمقراطية؟    حملة أمنية كبرى بشرق النيل تضبط منتحلي صفة القوات النظامية وتغلق 18 مكتباً غير قانوني    شاهد بالفيديو.. الناشط عثمان ذو النون يجري حوار مثير مع "شيخ بدران" ويحاصره بالأسئلة الساخرة: (هل تقصد أن يحفظ الله حميدتي في قبره؟)    المريخ يواجه السهم في الثالثة والربع من عصر الخميس بملعب بربر    وزير الصحة يطمئن على الأوضاع الصحية بالولاية الشمالية    حملة أمنية كبرى بشرق النيل تضبط منتحلي صفة القوات النظامية وتغلق 18 مكتباً غير قانوني    المركزي يعلن إعادة تشغيل نظام المقاصة الإلكترونية    علماء يلتقطون الآثار الأوضح لكائنات فضائية.. ماذا شاهدوا؟    مواعيد مباريات اليوم الثلاثاء في كأس أمم أفريقيا والقنوات الناقلة    الرومان يحسمون القمة أمام السهم    حسن إسماعيل: بقية مشهد السفارة    بعثة الميرغني كسلا تحط رحالها في بورتسودان استعدادًا لمنافسات مجموعة الشرق    بنك السودان المركزي يقرّر بشأن سقف التحويل    تجار سوق الصاغة في كسلا يعلنون إضراباً شاملاً ويغلقون متاجرهم    كامل إدريس يؤكد حرص حكومة الأمل على تعزيز التعاون مع جمعيات الهلال والصليب الأحمر العربية    التاريخ السري للتدخل الأمريكي في تغيير أنظمة الحكم حول العالم    الكاميرون تهزم جنوب أفريقيا وتضرب موعداً نارياً مع المغرب    مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات يستقبل مأمورية الإسناد لجهود المكافحة بولايتي نهر النيل والشمالية    كيف نصنع وعيا في زمن الترند؟    ترامب يوجه "رسالة حادة" لإيران    مسيرات استراتيجية في مروي والجيش يتصدى    رزان المغربي تخطف الأنظار في أحدث ظهور.. شاهد    جابر يؤكد عودة كردفان ودارفور قريباً إلى حضن الوطن    حسين خوجلي يكتب:مادورو آخر رموز التحديات الثائرة    جعفر : خسرنا التأهُّل وكسبنا منتخبًا محترماً ونثمن دعم الدولة    سر نجاح إنقاص الوزن في العام الجديد    من 4 ألف.. استلام 400 محوّل كهرباء في الخرطوم    ترامب يعلنها: ضربنا فنزويلا واعتقلنا مادورو مع زوجته    عبده فايد يكتب: السعودية تقوم حاليًا بعملية تكسير عظام للإمارات في اليمن..لكن القصة أكبر بكثير جدًا من ذلك..    السودان..زيادة جديدة في تعرفة الكهرباء    لماذا تجد صعوبة في ترك السرير عند الاستيقاظ؟    عبده فايد يكتب: تطور تاريخي..السعودية تقصف شحنات أسلحة إماراتية علنًا..    التحالف: نفذنا ضربة جوية استهدفت دعما عسكريا خارجيا بميناء المكلا    الفنّانُ الحق هو القادر على التعبيرِ عن ذاتِه بما لا يخرج عن حدود خالقه    السودان..مسيرات في الشمالية والسلطات تكشف تفاصيل المداهمة    5 أطعمة تخفف أعراض البرد في الشتاء    الحقيقة.. كرة القدم تجرّنا جرّاً    الوطن بين احداثيات عركي (بخاف) و(اضحكي)    منى أبو زيد يكتب: جرائم الظل في السودان والسلاح الحاسم في المعركة    شرطة محلية بحري تنجح في فك طلاسم إختطاف طالب جامعي وتوقف (4) متهمين متورطين في البلاغ خلال 72ساعة    «صقر» يقود رجلين إلى المحكمة    كيف واجه القطاع المصرفي في السودان تحديات الحرب خلال 2025    إبراهيم شقلاوي يكتب: وحدة السدود تعيد الدولة إلى سؤال التنمية المؤجَّل    شرطة ولاية نهر النيل تضبط كمية من المخدرات في عمليتين نوعيتين    مسيّرتان انتحاريتان للميليشيا في الخرطوم والقبض على المتّهمين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    الصحة الاتحادية تُشدد الرقابة بمطار بورتسودان لمواجهة خطر ماربورغ القادم من إثيوبيا    الشتاء واكتئاب حواء الموسمي    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    ما الحكم الشرعى فى زوجة قالت لزوجها: "من اليوم أنا حرام عليك"؟    حسين خوجلي: (إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار فأنظر لعبد الرحيم دقلو)    حسين خوجلي يكتب: عبد الرجيم دقلو.. إن أردت أن تنظر لرجل من أهل النار!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اختيار الأستاذ السمؤال خلف الله وزيراً للثقافة
نشر في الصحافة يوم 09 - 07 - 2010


يمم وجهك شطر شعبنا وكن كما أنت مبدعاً
قدمت الموسوعة البريطانية السيد جواهر لال نهرو بأنه «براغماتي.. باني دولة» وكانت مجحفة في حقه كمناضل وثوري اختلفت طريقته في مقاومة الاستعمار البريطاني بأن اعاد لبلاده هويتها من خلال الثقافة التي كرس لها «المهاتما غاندي» حتى خرجت الهند امة متقدمة بين الامم، ومن هذا المثال، فان الاستاذ السمؤال خلف الله «براغماتي.. باني منهج تجريبي لادارة التنوع الثقافي في بلادنا» من خلال قدرته الفذة على «العمل تحت ظل الاختلاف» الذي لو لم يكن موجودا لسعى لاستزراعه منذ اوائل الثمانينيات مرورا بمختلف التجارب حتى تاريخ اللحظة.
شروط الاختلاف الجذرية التي مثلت بدايته مع العمل الثقافي العام ابتدأت من «وضعيات صراع آيديولوجي» عنيف في داخل عصب مواعين الثقافة في السنوات الاخيرة لنظام مايو في 3891م وكان من الصعب جدا الحديث عن «ثقافة اسلامية او فنون اسلامية» لطغيان العلمانية على المشهد الثقافي بالبلاد حتى رسخت تلك المفاهيم القائمة بمبدأ علمانية الثقافة والفنون التي تمت ادلجتها في معاقلها بمؤسسات ومرافق التعليم العالي والعام، وكانت التجربة الموسيقية ذات الخصائص العلمية المتقدمة:
مؤسسة نمارق للثقافة والفنون:
تميزت هذه المؤسسة الموسيقية بارتباطها العضوي بالمعهد الموسيقي والمسرح ليبدأ تساقط المفاهيم والاحكام الآيديولوجية ذات الصوت الداوي، في ان لا جنس للموسيقى ولا آيديولوجيا، والاهم من ذلك:
«الاسلام الوسطي بالسودان لا يتعالى على معارف الشعوب ولا يستهجن فنونها بقدرما يسعى لعرضها بما يوائم وقدرتها على الاضطلاع بادوار انسانية تلامس الوجدان وترتقي بالذوق».
بالرغم من الاختلاف الذي يظهر حينما تذكر هذه المفاهيم الا ان الرهان الذي طرحته تلك المؤسسة كان صعبا لهذه الاسباب:
1 جدية الطرح الفكري والتنظيري الذي صاحب هذه التجربة وتقديمه لافكار واضحة حول «الممارسة العملية لاداء الاعمال الموسيقية من خلال التأليف والكتابة الموسيقية المتكاملة الاطراف بما ينفي الرجعية والتقليد في فكره لاتساع الذاكرة وتراكم الخبرات المعرفية الواعية بمكامن الضغط الاجتماعي وميكانيزم التغير في شكله السياسي الواعي»، مع اعتماد نمط حداثي في التراكيب اللحنية زائدا المفردات المغناة وتساوت في مضمونها العميق اختصارا مع مقولة الشاعر الدكتور محمد عبد الحي:
«حينما ذهبنا لنغني ذواتنا وجدنا ان نغني اهلينا واوطاننا
.. وحينما نغني اهلينا واوطاننا وجدنا انا نغني ذواتنا»
2 العمل داخل الثقافة الاخرى والمغايرة:
اقتحام ميادين العمل الثقافي المصبوغ بالصبغات الكونية والقارية البعيدة عن التجنيس والتبعية المقيتة بمفهوم دفاعي متقدم من خلال مواجهة «مضمون العمل الثقافي عند الآخر وتحليله» واستيعابه ومن ثم اعادة انتاجه بنفس القوالب الفنية ليخضع «لنظام لغوي وفني تعبيري متجدد» وهذه الطريقة في اقتحام التجربة المغلقة والمنمطة باوصاف آيديولوجية وتنظيمية يعيدها كظاهرة لاصولها الاولية ليكون معيار التنافس هو قدرة الافراد في المجتمع المعين على ادارة معاركهم الثقافية الخاصة، لان الواقع ان تأثيرات الآيديولوجيا على سلك الغناء والموسيقى في بلادنا منذ مطلع السبعينيات طالت كل شيء، وبات من العسير حتى مجرد التفكير في الفكاك منه كقيد تم تعميمه، وتوالت التجارب:
مؤسسة أروقة للثقافة والعلوم:
وهي التجربة الناضجة للممارسة الادارية للتنوع الثقافي بتنمية جذور الاختلاف الثقافي عن ادراك دونما الغاء للآخر والعمل علنا وتحت الضوء الساطع، فكانت المنبر الاكثر توغلا في «الاسناد المعنوي لمفهوم الانتشار الثقافي بالمجتمع من خلال استهداف شريحة الشباب من الجنسين ولسنوات طويلة» اكثر منه كحالة مكانية، وتعمقت التجربة الاقتحامية في تأكيد فرضية ان «اجيال الثقافة لا تتوقف عند حدود زمانية او بقيود ارتباط اسمانية وشخصية» في زمان ومكان معينين، وهي الصورة المعدولة لكيفيات العمل الثقافي العام الذي بدأ الاستاذ السمؤال خلف الله في مواجهته في مطلع الثمانينيات، واصالة التجربة تنطلق من كونه مارس بالفعل عمليات التلاقح الثقافي وتبادل الخبرات على هذا النحو:
1 قام باسترجاع الموروث الثقافي والراهن الابداعي المنتج في الوقت نفسه من خلال برامج اتاحت لعدد كبير من الشعراء والكتاب لعرض اعمالهم على نطاق واسع، طوال الفترة الممتدة منذ منتصف الثمانينيات «شعراء الجامعات باختلاف آيديولوجياتهم» والآخرين الذين عرفوا باسهاماتهم الفكرية والسياسية الواضحة.
2 عمل على نشر ذلك المنتج وتسويقه داخليا وخارجيا وولج سوقا غير رابحة في مجال النشر وطباعة الاعمال من داخل مؤسسة اروقة نفسها.
3 قام باستحداث منبر اروقة المنتدى والمسرح المفتوح لكل مكونات الثقافة السودانية بدءا من تنظيرات الاستاذ شول دينق ومرورا بقراءات اشعار الاستاذ عالم عباس وصولا لطرح القصائد المطولات لكل من الشاعر الاستاذ فراج الطيب والاستاذ مصطفى سند وسيف الدين الدسوقي والاستاذ مهدي محمد سعيد، ولم ينته بتقديم مدائح اولاد الشيخ البرعي الاوائل واولاد حاج الماحي، حتى الجيل الاخير من الشباب امثال اسامة تاج السر وابو عاقلة ادريس.
4 تفرد بمبادرته الثورية في برنامج او مهرجان «ميلاد الاغنيات» الذي هو واحد من «ادوات رهانه القديم» على قدرة الفرد في المجتمع السوداني على التعبير عن ذاته كلما وجد ذاته قادرا على العطاء، واتيحت له الفرصة السخية في ان يقدم ما لديه من ابداع، ولتتكرر نفس المقولة في ان «رحم هذا البلد لا يفرق بين ابنائه بمسميات الآيديولوجيا او الطائفة الا من اراد ان يدس سم السياسة في دسم الثقافة» وانما في معيار العمل السوي والواضح حتى ولو كان مختلفا سياسيا، وكان هذا المهرجان انطلاقة مبكرة لجيل يستشرف زمانه من خلال التدريب والمعرفة العلمية، ليكون ميدان السباق قد اعد على اساس الكسب النزيه، ولاي مهتم بمآلات التخطيط الثقافي في بلادنا تكون هذه التجربة التي استعادت شكل مهرجانات الثقافة السابقة في السبعينيات، هي الاكثر تخصصا في ازالة الاحتقان والغبن الاجتماعي لدى المبدعين، وبالتالي البديل المواتي في ازمة مكان العرض والمسرح في عالم متغير وسريع الايقاع.
ذكرت هذه النماذج في مدخل المقال، لابحث وبعمق في واقع المواجهة الثقافية التي يتصدى لها الاستاذ السمؤال خلف الله وهو وزير اتحادي للثقافة هذه المرة، من خلال هذه التفصيلات:
«1» افرزت التغيرات الاجتماعية التي نتجت بفعل الحرب في الجنوب ودارفور منذ سنوات خلت واقعا ثقافيا لا يمكن قياسه بمعايير التقنين النمطية للثقافة من حيث «انه منتج لاشخاص هامشيين في قلب المركز» او «بظاهرة انتقال الريف للخرطوم» وانما بشكل مباشر «ثقافة التعاطي مع الامر الواقع على هدى الخبرات الاصيلة للجماعة السكانية»، ولان التعبير وضرورته تنبع من الغريزة البشرية، فان الثقافة الشعبية التي شقت طريقها عنوة الى قلب المركز، تتحرك كما الجنين في الرحم وترفس على جداره، وتخيف من لا يدرك ان «الحراك الثقافي مهما تضاءل حجمه وضعفت ادوات التعبير فيه هو دليل حياة الجماعة وبشارة التئامها مع بعضها الآخر في المكان»، الخرطوم الولاية والمدينة بملايينها الثلاثة عشر وفقا لآخر تعداد سكاني تمضي باتجاه هضم ذلك الحراك الثقافي لتقننه بطريقتها الخاصة منذ ان كانت قرية في 1830م ومن ابرز ملامح هذه الثقافة الشعبية:
نموذج الاغنية الشعبية التي تأخذ ملامح الايقاعات القبلية وتتجنس بلغة الوسط، الصورة المشهدية التي يسميها الدكتور الماحي سليمان بتغول اغنية الدوائر الثقافية في الغرب والجنوب والشرق على اغنية الوسط، ووجه الاختلاف يكمن في اننا نتعاطى مع «مفردة منفلتة من اي رقابة فنية او لغوية» ليكون التعبير عن الذات البكر والفطرة هو السائد، وقد صدم هذا النمط من انماط التعبير شرائح عديدة من المجتمع المحافظ وصار الناس ما بين مستهجن له وآخر منظر لاستمراره باسم حرية التعبير ومقولات ثورة الهامش، وفي الحالتين: لا يستطيع الذي يدافع عنه او يرفضه ان يغير شيئا او ان يضيف جديدا، لان غريزة البقاء لدى الجماعات السكانية هي من يفعل ذلك، والسياسي المرن هو من يستدرك قبل الآخرين ان «بروز وعلو هذا الصوت الذي يعبر عن وجود الجماعة السكانية هو دليل وجودها ومن ثم يكون عربون تواصلها مع الآخرين، لان الطبيعي في كل المجتمعات ان تبدأ فنونها بسيطة ومشتتة لتتقنن بفعل التجربة والتعايش، والاغنية ليست كل شيء لدى تلك الجماعات السكانية في قلب واطراف الخرطوم وبعض المدن الكبيرة بولايات السودان الاخرى وانما هناك فنونهم الشعبية التي تسترجع ذاكرة المكان الذي تركوه بفعل الحرب والتدمير، ليكون حيا في ذاكرتهم، لذلك فان:
1 سماع هذا الصوت الغائب عن الاعلام الرسمي ومحاولة دراسة مشكلاته التعبيرية ومعالجتها من داخل نفس الثقافة البسيطة والعفوية بالحفاظ على تكوين الجماعات من خلال التدريب والجمعيات الثقافية والتوسع في الاندية وتخصصاتها الاجتماعية وفتح المناطق بحيث لا تبقى بالمركز اي منطقة ثقافية مغلقة.
2 وتوظيف الموروث الشعبي في حل الازمات الراهنة في ان يكون التخطيط الثقافي مرادفا في عمقه لفعالية التخطيط العمراني بحيث ان يكون الايواء لاولئك الفارين من جحيم الحرب هناك بمناطقهم ايواءً كاملا، بمعنى ان السلامة النفسية للافراد والجماعات في البيئات المتماثلة لا تتم الا من خلال تواصلهم بطرق تعبيرهم الخاصة والتي تصبح عامة ومطلقة في حال تكوين تلك الصلات بين مناطقهم والمركز الاعلامي للثقافة المعينة.
3 العناية بمؤسسات الثقافة القومية ونخص بالذكر هنا: الفرقة القومية للموسيقى، وادارة الفنون الشعبية والاستعراضية والمسرح القومي وما يشابهها من حيث الاهمية التخطيطية والاجتماعية في المرحلة التي تمر بها بلادنا الآن، هذه المؤسسات تستطيع ان تمتص اي متغير طارئ على الممارسة الثقافية المحددة وبالتالي اعادة انتاجها لتدخل «كخبرات جديدة في التراكم الثقافي العام بالبلد». وحاجتنا لهذه المؤسسات وهي في حالة نضج وقدرة ملحوظة على تمثيل هذه المجتمعات داخليا وخارجيا في ان «الفردية في القيام بدور تمثيل البلاد ثقافيا بالخارج لم تعد تجدي على صعيد نوع المنتج الثقافي الذي يقدم خارجيا»، واثبتت التجربة قدرة هذه المجموعات والعناصر الفنية التي تعمل في هذا القطاع على تثبيت مفاهيم ورؤى ايجابية عن واقع الحياة في مجتمعاتنا المحلية التي انهكتها «الصورة المشوهة لآثار الحرب في الخارج من خلال اعلام لا يقدم سوى صور الضحايا والقرى المدمرة بصورة انتقائية هناك بدارفور او الجنوب».
4 العمل على توسيع دائرة التنسيق بين وزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي في تطوير البنيات التحتية للثقافة من خلال هذه المؤسسات:
- كلية الموسيقى والدراما والكليات الأخرى بجامعة جوبا وشعب الموسيقى بالجامعات والمعاهد العليا في أن يتم تطويرها على أساس الارتقاء بالمناهج والتجهيزات المرفقية والمادية التي تتصل بأدوات الدراسة والتدريب وتوفير الآلات الموسيقية ومعدات المسرح ومعامله، لأن المهمة الجوهرية لوزارة الثقافة - كجسم يهتم بالمادة الثقافية من حيث قدرتها على تمثيل الوجود الاجتماعي التاريخي للبلد - تقضي بأن نتبنى منهجاً عليماً في تطوير هذه المؤسسات لكي تخرج من دائرة التمثيل الجزئي للحالة القطرية بأداة وذراع طويل يوفره العلم للاشتراك والتفاعل مع ما يستجد ويتغير بشكل مستمر في العالم الخارجي، وقد أذنت الحركة الثقافية في مجال الغناء والموسيقى والمسرح بانتشار ظاهرة البرامج التلفزيونية التي تعرض أعمال المواهب (إستديو النجوم بتلفزيون السودان، ونجوم الغد بالنيل الأزرق، وبرنامج مسابقة المبدعين بقناة الشروق) وغيرها في أن تستحدث هذه المؤسسات (كورسات ونظم دراسة مستمرة) للموهوبين بدرجات مختلفة في أن تكون حصيلة التدريب والإحتكاك بالخبرات الأكاديمية بعضاً من نجاح في ضبط حركة الممارسة الثقافية، ومثلما كان الآسيويون أكثر قدرة على التعاون مع بلدان العالم الثالث في مجال النفط والاقتصاد سيكونوا أكثر سخاء في تقديم خبراتهم الموسيقية والسينمائية كما فعل الكوريون في الثمانينيات بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح.
- ونفس هذه الاشارات يمكن إلتقاطها في مجال الفنون التطبيقية والجميلة بكلية الفنون بجامعة السودان، حيث يمكن إيقاظ حلم بناء أكاديمية الفنون (والتي تشمل دراسة السينما بمختلف فنونها أيضاً) لمواكبة الطفرة الاعلامية التي تنتظم البلاد - سيشهد العام 2012م إفتتاح المدينة الاعلامية بالخرطوم - وما يفرضه ذلك من حاجة لأيدي عاملة ماهرة ان صح التعبير من خريجي هذه المؤسسات والسعي لافتتاح غاليريهات متخصصة وذات سعات كبيرة تدعم السياحة والتبادل الثقافي وتقدم مواداً اعلامية ذات خصوصية سودانوية عالية، وسبب هذه الاشارة تحديداً هو تنامي حجم اتحاد التشكيليين وتمدد أنشطتهم التي تتغول على المراكز الثقافية الاجنبية الامر الذي يترتب عليه في احيان كثيرة ضجرهم من الواقع الثقافي بالبلاد وهجرتهم التي تطول بأوربا وأستراليا، ولغياب السينما بالرغم من توفر مدخلاتها البشرية والتكوينية من سيناريو ومواقع تصوير ومخرجين وعدد كبير من الممثلين فإن الطريق إليها يكون سالكاً لو أن أمعنا النظر فيما لدينا من قدرات وزرعنا الثقة في نفوس أبناء هذا البلد ليخوضوا التجربة (بدلاً من المرة الواحدة عشر مرات) في مجال الانتاج السينمائي لما لها من أهمية قصوى كأداة من أدوات الاعلام أولاً لدينا والترفيه ثانياً، وتتوقف تجربة السينما في بلادنا على هذه البداية التي هي مغامرة على مستوى التمويل فقط، لكنها مطلوبة لأهداف تنموية وبحثية مستقبلية على صعيد بناء القدرات والخروج من أسر استهلاك انتاج الآخرين السينمائي لنكون منتجين باسمنا وبالأصالة في هذا المجال.
- الاهتمام باتحادات الكتاب والدراميين والعمل على تطوير أنشطتها وخلق شراكات ذكية بينها ومؤسسات وزارة الثقافة، ووضع برامج تستهدف وصول المنتج والمتراكم الثقافي للفئات الشعبية في مواقعها لتكون فاعلة وقادرة على نقد ممارساتها الثقافية ذاتياً وإنتاج خطابها الحر والمستقل مما يحقق وجودها ويكسبها احترام الآخر، ولتتطور بالممارسة اليومية القدرة على الحوار بين المبدع ومجتمعه وتتحقق معادلة الانتماء وشفافية الاداء تجاه قضايا الانسان المختلفة في بلادنا، الأمر الذي يشكل على المدى الطويل مناعة قوية لدى الفرد الاجتماعي بالبلاد تجاه أية مؤثرات سالبة خارجية تطرأ عليه، والقيام بنشر هذا المنتج في الكتب والبرامج التلفزيونية والاذاعية والعمل على تسهيل مهام دور النشر للكتاب، ودعمه ليتمكن الفرد البسيط من الحصول عليه.
- الاهتمام باتحاد المهن الموسيقية واتحاد الغناء الحديث (موسيقى الجاز)، واتحاد الغناء الشعبي ودار فلاح بإتاحة فرصة تمليكها لدور ثابتة ومؤسسة في أماكن مهمة بالعاصمة الخرطوم وأم درمان وبحري، لتتمكن من أداء رسالتها الوطنية الكبيرة في حفز الهمم وحفظ التراث الوطني والاستعداد الجيد لاحداث الثورة الحقيقية في عالم التعبير الموسيقي والغنائي الذي يعول عليه كثيراً في استيعاب الأجيال الجديدة التي تنطلق بقوة لأخذ مكانها في ساحة الغناء، فإذا كان الواقع أن هذه المجموعات الغنائية تشق طريقها وحدها وفي ظروف صعبة وأحياناً قاسية فإنها لن تكون مضطرة للأخذ بأي تقاليد وطنية أو علمية لفنها إلا حينما تكون هذه المؤسسات - بالتنسيق بينها وسلطات الوزارة المختصة - قادرة على استيعابها وانزالها في المكان الذي يليق بها، لتكون مرحلة اسكان واستقرار هذه الاتحادات في مواقعه الثابتة أولوية تمليها أية استراتيجية تخطيط للثقافة.
أخيراً، وإن وقفت في هذا المقام محتفياً بالأستاذ السموأل خلف الله، ما كان ذلك إلا لأنه احترم قيم ومقدرات شعبنا، وارهق نفسه ولسنوات طويلة في ان يبرز صوت بلادنا الثقافي داخلياً وخارجياً، ويمتد تقديرنا واحترامنا لكل من يضع طوبة في سبيل بناء السودان الكبير الموحد.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.