قبل ثلاثة أسابيع فقط وفي مؤتمر حضره عدد كبير من المستثمرين في عاصمة جنوب السودان، أعلن الرئيس سلفاكير ميارديت، أن البلاد أصبحت "أخيراً آمنة"ومنفتحة على الأعمال، كان التصريح جريئاً بالنسبة لدولة لم تحصل على استقلالها إلا في 2011 وبعد عقود من الصراع. والمعنى الضمني هو أن الوقت قد حان للاستفادة من جهود دولية ضخمة لبناء دولة، لكن ثبت أن التوقيت كان سيئاً للغاية. ففي 15 ديسمبر الجاري, نشب القتال في العاصمة جوبا وسرعان ما امتد خارجها على أساس عرقي فكشف عن فشل جهود المصالحة الوطنية والتَّأثير المحدود للرعاة الأجانب الذين قدموا الأموال ببذخ وإحجام مقاتلين عن التخلي عن أساليب القتال في الأحراش بعد أن تحولوا إلى رجال دولة. ويتوقف انزلاق جنوب السودان في حرب عرقية أوسع أو نجاته من الصراع إلى حدٍّ كبير على رجلين يتصارعان على السلطة منذ وقت طويل وهما الرئيس المنتمي إلى قبيلة الدينكا ونائبه الطموح د.ريك مشار الذي أقيل في يوليو والمنتمي إلى قبيلة النوير. الموجة الأخيرة وبتشجيع من زعمائهم، اشتبك أبناء القبيلتين في الماضي، مما جعل الموجة الأخيرة من العنف حتمية على نحو محبط بالنسبة للكثير من أبناء جنوب السودان الذين يتوقون للتنمية في بلادهم. وقال تشيو ويعمل في إصلاح الدراجات النارية في جوبا "لا يهتم الاثنان كثيراً بشعبيهما، وبدلاً من ذلك يركزون كثيراً على الضغائن الشخصية- الباقية من أيامهم الخوالي". وسارعت الولاياتالمتحدة وداعمون غربيون آخرون للدولة الوليدة مع دول أفريقية أخرى للتوسط في محادثات، لكنها تملك نفوذاً محدوداً لإنهاء القتال الذي راح ضحيته مئات القتلى وجعل 40 ألف شخص يلجأون إلى قواعد تابعة للأمم المتحدة طلباً للمأوى. وقد يكون للفشل في وقف التصعيد بجنوب السودان تداعيات أكبر في منطقة مضطربة بالفعل. فقد يجر السودان إذا تعرضت حقول النفط في الجنوب التي تدر عليه دخلاً حيوياً نظير مرور النفط الخام عبر أراضيه للتهديد، كما يخشى جيران آخرون لجنوب السودان الانزلاق في الفوضى، وأرسلت يوغندا بالفعل قوات إلى جوبا. استعداد للحوار " المجتمع الدولي قدم مساعدات بمليارات الدولارات وأرسل عدداً كبيراً من المستشارين لبناء الدولة الجديدة، لكنه لم يتمكن من إصلاح الخلل الذي تفاقم في أعلى درجات الحكومة ووصل إلى أوجه في الصيف عندما أقال كير (62 عاماً) نائبه مشار " ويقول الزعيمان كير ومشار إنهما مستعدان للحوار إلا أن التخلص من العادات القديمة ليس سهلاً. وقال كير إنه وقع ضحية "انقلاب فاشل"، وألقى القبض على خصومه لكن مشار نجا بنفسه وحشد قوات مليشيا. وقال مشار (61 عاماً) الذي حصل على درجة الدكتوراة من جامعة برادفورد البريطانية ل"رويترز" في اتصال متقطع عبر الهاتف المحمول من مكان غير معلوم "أنا في الأدغال وأفعل ما بوسعي لتحسين موقفي التفاوضي". وقدم المجتمع الدولي مساعدات بمليارات الدولارات وأرسل عدداً كبيراً من المستشارين لبناء الدولة الجديدة، لكنه لم يتمكن من إصلاح الخلل الذي تفاقم في أعلى درجات الحكومة ووصل إلى أوجه في الصيف عندما أقال كير (62 عاماً) نائبه مشار. وقال جون برندرقاست العضو في مجموعة من الأساتذة الأميركيين الذين أقنعوا واشنطن بدعم انفصال جنوب السودان عن الشمال "أهدرت فرص بالتأكيد في سبيل انتهاج دبلوماسية وقائية أقوى على مدى الشهور القليلة المنصرمة بينما كانت الأزمة السياسية تكتسب زخماً". مواجهة تستعر ورغم تصريحات كير الواثقة وهو يطلق مؤتمر الاستثمار الذي انعقد يومي 4 و5 ديسمبر، كانت المواجهة تستعر منذ وقت طويل مع مشار الذي لا يخفي طموحه في تولي الرئاسة. وقال جوك مادوت جوك الذي كان وكيلاً لوزارة الثقافة وترك منصبه في أبريل الماضي، إن العلاقة بين الرجلين في السلطة اتسمت لقرابة عام تقريباً قبل إقالة مشار "بسوء الاتصال أو انعدام الثقة أو الصمت". وسببت المنافسة جموداً في الحكومة وعرقلت جهوداً لوضع برنامج للمصالحة الوطنية بين جماعات عرقية أكبر مثل الدينكا والنوير من ناحية وعشرات الجماعات الصغيرة الأخرى التي تشتبك منذ وقت طويل للسيطرة على الموارد الشحيحة في الجنوب من ناحية أخرى. ووصف جوك الذي يرأس حالياً مؤسسة "سود" الفكرية كيف شكل مشار لجنة لوضع خطة "عملية وعلمية" لترميم العلاقات العرقية وكيف اتخذ كير قراراً بحلها وجعل زعماء الكنائس مسؤولين عن "التركيز على درء أوجاع جنوب السودان بالصلاة ولا شيء غير ذلك". وتحدث آخرون ممن يعرفون الرجلين بطريقة مشابهة عن الشخصيتين اللتين يعتمد الكثير عليهما. يدير الجنوب " كثيرون إن كير يفتقر إلى الرؤية التي كان يتمتع بها سلفه الرَّاحل في المنصب د.جون قرنق الذي قتل في تحطم طائرة هليكوبتر عام 2005 في نفس عام توقيع اتفاق السلام مع السودان " فكير الذي تعلم الكثير في الأدغال عمل على رأب الصدع بين المليشيات حتى يصمد اتحاد الحركة الشعبية لتحرير السودان/ الجيش الشعبي لتحرير السودان الذي حارب السودان ويدير الجنوب الآن. لكن كثيرين يقولون، إن كير يفتقر إلى الرؤية التي كان يتمتع بها سلفه الرَّاحل في المنصب د.جون قرنق الذي قتل في تحطم طائرة هليكوبتر عام 2005 في نفس عام توقيع اتفاق السلام مع السودان. ويقول المقربون من مشار، إنه خصم شديد الذكاء تغلب طموحاته السياسية على أي أجندة وطنية. وقاد مشار جماعة منشقة عن الجيش الشعبي لتحرير السودان عام 1991 وذبحت قوات النوير التابعة له أبناء الدينكا في بلدة بور في نفس العام، وفي 1997، وقع اتفاقاً منفرداً مع الخرطوم تولى بموجبه منصباً رسمياً في السودان. وقال جوك "كل ما هو دون جلوس الرجلين معاً ومحاولة الوصول إلى حل لن يجدي نفعاً". لكن باءت بالفشل حتى الآن جهود عقد لقاء بين الرجلين، ورفضت حكومة كير إطلاق سراح مجموعة من الخصوم السياسيين الذين اعتقلهم، ويقول مشار إنه يجب الإفراج عنهم لأنهم هم من سيديرون أي مفاوضات. تغيُّر الولاءات قد يعتمد جزء كبير من الحل على سمعة كير كمصلح يجمع بين المليشيات المتناحرة حتى وإن كان هذا يعني وضع النفوذ السياسي قبل التنافس في الحكومة. وقال وزير خارجية جنوب السودان برنابا ماريال بنجامين "يقول كير دائماً إنه لا يريد أن يعود شعبه إلى الحرب، مجدداً"، في إشارة إلى محادثات أجراها كير سابقاً مع معارضيه، وأضاف "تحدثنا إليهم واندمجوا في حكومتنا". وقال أريك ريفز وهو ناشط أميركي مهتم بشؤون جنوب السودان وزميل لبندرقاست، إن مشار بحاجة إلى الاقتناع بأن إطالة أمد أي صراع عرقي ستعني أن يفقد الدعم الأميركي أو غيره من الدعم الغربي، وأضاف "لكن ليس ثمة نفوذ حقيقي". وتعتزم الأممالمتحدة تعزيز قوة حفظ السلام التابعة لها في جنوب السودان بعد اقتحام النوير لقاعدة أكوبو التابعة لها ونهبهم لها، ويتهم النوير بقتل 11 من أبناء الدينكا لجأوا إلى القاعدة. الطبيعة المختلطة لكن الطبيعة المختلطة للجيش الشعبي لتحرير السودان وتغير الولاءات ينتقصان من فرص تحول بعثة الأممالمتحدة في جنوب السودان إلى قوة تدخل قوية مثل الكتيبة التي قمعت تمرداً في جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة. وقال ريفز "إذا لم تكن تعلم من أين سيأتي عدوك أو من هو عدوك فلا يهم حقاً أن تكون مدججاً بالسلاح". وقال الرئيس الأميركي باراك أوباما يوم السبت الماضي، إن أي جهود عسكرية لانتزاع السلطة ستؤدي إلى وقف الدعم الأميركي. وأجرى دونالد بوث مبعوث أوباما محادثات مع كير في جوبا يوم الاثنين. ووصل القتال بالفعل إلى حقول النفط القريبة من الحدود مع السودان وانخفض الإنتاج بمقدار 45 ألف برميل يومياً وتدنى إجمالي الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً. ويضر هذا بتدفق النفط الذي يمثل مصدراً بنسبة 98 في المئة من عوائد جنوب السودان. وينطوي الأمر على أهمية كبيرة أيضاً بالنسبة للسودان الذي فقد الحقول النفطية بعد انفصال الجنوب، لكنه يعتمد على رسوم مرور النفط عبر أراضيه في خط الأنابيب وصولاً إلى البحر الأحمر. وكاد خلاف حول رسوم الحدود ورسوم مرور النفط والأمن أن يؤدي إلى اندلاع حرب بين البلدين العام الماضي. تحرك للسيطرة " القتال وصل بالفعل إلى حقول النفط القريبة من الحدود مع السودان وانخفض الإنتاج بمقدار 45 ألف برميل يومياً وتدنى إجمالي الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً، ويضر هذا بتدفق النفط الذي يمثل مصدراً بنسبة 98 في المئة من عوائد جنوب السودان " وقال أستاذ أكاديمي من جنوب السودان -طلب عدم ذكر اسمه- إن السودان قد يتحرك للسيطرة على حقول النفط، إذا بدأ انحسار العوائد يزداد واستشعر القلق من نشر قوات من يوغندا التي سبق أن دعمت الجيش الشعبي لتحرير السودان أثناء الحرب مع الخرطوم. وقالت مصادر في جيش يوغندا إن قواته ستساعد في تأمين جوبا. وقال جوك إن واشنطن وحلفاءها كان يمكن أن يضعوا جنوب السودان على مسار أكثر أمناً لو كان التعجل في دعم الدولة الجديدة قد سبقه المزيد من معطيات بناء الدول. وأضاف "بل إنه يمكن القول إنهم (المجتمع الدولي) بالغ في ترك مساحة لهؤلاء الزعماء دون محاسبة عن مسؤوليتهم في توجيه البلاد نحو الاستقرار". لكنه ذكر أن المسؤولية تقع إلى حد كبير على عاتق الزعماء الذين فشلوا في التحول من مقاتلين من أجل التحرير إلى سياسيين فأضاعوا النوايا الدولية الطيبة. وقال بيتر وهو من أبناء النوير ذكر اسمه الأول فقط لأنه لجأ إلى قاعدة تابعة للأمم المتحدة في جوبا "ظننا أن مشاكلنا انتهت بعدما حصلنا على حريتنا من السودان، إنها الآن مشكلة قتل أبناء جنوب السودان لأبناء وطنهم".