كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    ((نار فلوران ولاجنة ريجيكامب؟؟))    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    المريخ يكثف درجات إعداده ويتدرب بالصالة    النخبة بالخرطوم.. كيف؟    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ليبيا بين الدولة والميليشيا.. فوضى النشأة وسيناريوهات الخطر
نشر في حريات يوم 22 - 11 - 2013


عبد الستار حتيتة
اثنان من الأخطاء الجوهرية ارتكبهما كلٌ من العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، والقادة الجدد الذين جاؤوا من بعده. ولهذا يمكن أن تتحول ليبيا اليوم إلى صومال جديد. ويمكن أن تتحول إلى مركز للرعب على البحر المتوسط حيث جنوب أوربا ودول الجوار الأفريقي الملتهبة أصلا.
هذان الخطآن يخصان بالأساس "جيش ليبيا"، وتسببا في تحويل هذا البلد الكبير من "حكم الدولة" إلى "حكم الميليشيات". وفي التاريخ لا يمكن أن يمر تصرفٌ يمسُّ "جوهر الحكم" مرور الكرام.
يتشابه وضع الميليشيات المسلحة التي أصبح عددها بالمئات في عموم البلاد هذه الأيام، مع نظام الكتائب العسكرية الذي اعتمده العقيد الراحل في السنوات العشرين الأخيرة من حكمه. وإذا كان بعض العسكريين يرى أن القذافي أخطأ بتهميشه لجيشه لصالح الكتائب، فإن الخطأ الذي يقر به الليبيون هو عدم إسراع الحكام الجدد، منذ عام 2011، بإصلاح ما أفسده النظام السابق، وترك الميليشيات المسلحة، التي هزمت كتائب القذافي، تنمو وتكبر على حساب جيش وطني موحد. ومثلما كان يوجد في عهد القذافي كتائب قوية وجيش هش، يوجد حاليا أيضا ميليشيات قوية ووزارة دفاع ضعيفة.
الوضع ليس سهلا كما قد يعتقد البعض. هنا فوهات المدافع أكبر ومواسير البنادق أطول ووجوه الشبان المتأهبين أكثر قسوة مما قد يدور في المخيلة. وعلى دروب ممتدة فوق حواف المرتفعات السوداء من جبل الزنتان غربا حتى العاصمة طرابلس، ترى بين يوم وآخر قوافل من خليط من قوات عسكرية، كأنها الحرب.
وإلى الشرق قليلا من العاصمة، حيث مدينة مصراتة التي ترتدي ملابس عسكرية متباينة الألوان، تصد حواجز الميليشيات الطرقات في حالة تأهب.
وفي مدن إقليم برقة في أقصى الشرق، الذي يوجد فيه ثلثا إنتاج ليبيا من النفط، يبدو الوضع عصيبا حيث المتشددون الإسلاميون والقبليون والفيدراليون.
أما على الطرق الواصلة بين مدن الشمال ومدن الجنوب، فالترقب والخوف مما هو مقبل، سيد الموقف.
من كتائب العقيد إلى ميليشيات الثوار:
كان حكم القذافي الذي استمر، بالحديد والنار، طيلة نحو 42 عاما، هو الأسوأ بالنسبة لغالبية الليبيين، لكن، ونحن في سنة 2013، فإنه حين تنفجر طلقات المدافع من عيار 14.5 على واجهات البيوت في وسط العاصمة ذات المباني البيضاء، فلابد من إدراك أن الأمور، بعد عامين من مقتل العقيد، انقلبت رأسا على عقب، وأن البلاد أصبحت تعاني من وجود الآلاف من القادة الصغار الذين يشبهون القذافي نفسه في "العند" و"التهور" وفي فنون سحق الخصوم السياسيين.
كيف تبدل الحال بليبيا من حكم الدولة إلى حكم الميليشيات؟ الخطأ الأول الذي ارتكبه القذافي يرجع إلى مطلع تسعينيات القرن الماضي حين بدأ في إهمال الجيش والاعتماد على كتائب عسكرية منفصلة لا رابط بينها، وتطعيم كل كتيبة، بجنود من بعض الدول الأفريقية. ووضع على رأس كل كتيبة قائدا يثق فيه، كان غالبيتهم من أقاربه.
واتضحت الصورة أكثر قبل أربع سنوات، حين كان الليبيون يمرون بجوار الأسلاك الشائكة الممتدة على الجانب الغربي من طريق مطار طرابلس الدولي؛ هنا توجد "كتيبة خميس". ماذا يعني هذا؟ هل هو تابع لوزير الدفاع؟ بالطبع لا!
وبالطلع لم تكن هناك أحزاب ولا سياسة ولا أحد يستطيع أن يجهر بمثل هذا السؤال ولا بمثل تلك الإجابة.
ومع ذلك كانت الصورة تبدو للجميع ملتبسة في ذلك الوقت، حتى بالنسبة لقادة الجيش التاريخيين الذين شاركوا القذافي في الاستحواذ على حكم البلاد منذ عام 1969 وكانوا ما زالوا يقبعون في الظل تحت سلطانه لكن بدون صلاحيات تذكر، مثل وزير الدفاع نفسه، آنذاك، أبو بكر يونس.
ومثلما هو الحال مع الميليشيات في ليبيا الجديدة، كان قادة كتائب القذافي يتصرفون باعتبار أن كلا منهم قائد لجيش قائم بذاته يعمل على تسليحه بالأسلحة الحديثة بقدر الإمكان، بينما كانت الآلاف من صناديق الأسلحة والذخيرة والمركبات والمعدات العسكرية الأخرى التي جلبها القذافي من الاتحاد السوفييتي في السابق، مهملة في المخازن الشاسعة لوزارة الدفاع قرب بلدة ودان في منطقة الجفرة، جنوب شرق سرت، وعلى جانبي الطرق المتفرعة من هناك إلى الشمال الشرقي والشمال الغربي والجنوب. ويوجد هناك أيضا مقر أول معسكر للأسلحة الكيماوية.
لكن كل هذا أُهمل، وقامت ميليشيات "الثوار" قبيل سقوط النظام بالاستيلاء على الصواريخ والمدفعية والدبابات، وتقاسمت الباقي بينها بعد انهيار حكم القذافي، وما زالت تلك الترسانة في حوزتها حتى الآن، مضافا إليها ما كان قادة كتائب النظام السابق قد جلبوه من أسلحة متقدمة من أوربا وغيرها.
أما الأسلحة الكيماوية (سوائلها مخزنة بطريقة بدائية في براميل) فظلت محط أنظار بعض المغامرين من الثوار دون أن تكون لديهم القدرة على التعامل معها، إلى أن تمكنت الأمم المتحدة من تأمينها لاحقا.
ما هي مبررات القذافي لإهمال جيشه وإحلال كتائب بدلا منه. ببساطة كان يخشى منذ مطلع التسعينيات من وجود قائد قوي على رأس جيش مركزي يمكن أن ينقلب عليه كما فعل هو نفسه قبل أربعين عاما. ولازمه هذا الهاجس منذ وقت مبكر أيضا فأنشأ ما عرف باسم "الشعب المسلح"، بحيث انتهى المطاف لأن تكون قطع الأسلحة لدى الليبيين مثلها مثل كؤوس الشاي في كل بيت.
أما عملية تطعيم كتائب القذافي بجنسيات عسكرية أفريقية، فالمبرر كان وفقا لنظريات القذافي، أن أفريقيا ستصبح دولة واحدة تحكمها حكومة واحدة، وأن هذه الكتائب هي نواة لجيش القارة، وكان "خميس" مرشحا لقيادة هذا الجيش الافتراضي.
وتوجد حكايات مضحكة ومبكية في آن عن طريقة تعامل الكتائب مع بعضها بعضا، في تلك الفترة التي استمرت من التسعينيات وازدادت في العقد الأول من الألفية الجديدة، والغريب أن الميليشيات في ليبيا الجديدة تتصرف بنفس الرعونة القديمة، تقول واحدة من تلك الحكايات أنه في شتاء عام 2010 كان خميس القذافي يمر وسط حراسة عسكرية من طريق تشرف على مقر كتيبة الجويفي التي كان يقودها قريب للقذافي يدعى عبد القادر في بلدة شحات التابعة لمنطقة البيضا في شرق البلاد.
وفكر خميس في الاستراحة والمبيت وتموين سياراته من هنا، لكن الحراس نفذوا تعليمات قائدهم العسكرية وطلبوا منه إذنا بالدخول، وتصادف أن هاتف القائد عبد القادر لم يكن متاحا في تلك الليلة.
وشعر خميس أنه أمام نِزال، فقرر استدعاء قوات إضافية من معسكرات يقودها أصدقاء له في الجوار، ودخل مقر الكتيبة عنوة قبل الفجر، ما أدى إلى سقوط قتلى وتدخل القذافي في الأمر.
بالإضافة إلى كتيبة خميس وكتيبة الجويفي كانت هناك كتائب أخرى وصل عددها لحوالي عشر كتائب رئيسة، كان منها كتيبة "إمحمد المقريف" في طرابلس و"حمزة" في مصراتة و"الساعدي" و"المعتصم" في سرت و"سحبان" في غريان، بالإضافة إلى أشهر كتائب الشرق في بنغازي وهي كتيبة "الفضيل بو عمر".
اتضحت الصورة أكثر بشأن خطأ العقيد الراحل في إهمال جيشه والاعتماد على كتائب منفصلة، وذلك حين بدأت الثورة المسلحة ضد حكمه. وبدأت الشكاوى تصل في رسائل من قادة عسكريين على جبهات قمع الثورة شرقا وغربا، إلى مكتب القذافي بحثا عن أي معلومات مما تبقى من وزارة الدفاع للاستعانة بها في التحرك عبر الطرق والوديان والجبال.
على سبيل المثال، وفي شهر أبريل (نيسان) من عام 2011 توجد رسالة من قائد كتيبة برية يقول فيها إنه كان متوجها بجنوده وأسلحته لصد تحركات الثوار في الجبل الغربي، إلا أنه فوجئ بقائد كتيبة بحرية تركت مهامها على الساحل، وتوغلت لصد الهجوم نفسه، ووقع نزاع عمن يقود العمليات. إلا أن الاثنين تعرضا لقصف حلف الناتو وانسحبا بخسائر فادحة. وعلى مشارف سرت كانت توجد كتيبة "المعتصم"، التي تعرضت لأشهر لضربات حلف الناتو من أعلى ولهجمات الأسلحة الثقيلة من الثوار من الجبهة الشرقية، إلى أن اضطر من تبقى منها إلى الاعتصام داخل سرت لحماية القذافي بعد فراره من طرابلس.
وفي ما عدا كتيبة خميس التي عرفت أيضا باسم "اللواء 32 المعزز" والتي كانت مجهزة بشكل جيد ولديها القدرة على التنقل، بمعداتها الثقيلة، عبر الدروب الصحراوية، بدا أن تحركات باقي الكتائب كانت تجري في معظم الوقت دون خطط واضحة. ولجأ عدد كبير من قادتها وجنودها في أواخر أيام الاقتتال المسلح في 2011 لترك الميدان وخلع الملابس العسكرية والعودة للبيوت، وبهذا بدأ انهيار حكم القذافي حين وجد نفسه وحيدا مع ابنه "المعتصم" في سرت.
وبدا أن قليلون فقط من قادة العهد الجديد في تلك البلاد البالغ مساحتها نحو مليوني كيلومترا مربع، كانوا يدركون أن تجربة الاعتماد على الكتائب لا الجيش، أمر يؤدي إلى التهلكة. وكان العقيد عبد الفتاح يونس أحد هؤلاء القادة. ففي صيف 2011 حاول الرجل مع عسكريين مخضرمين مثل "العقيد حفتر"، تأسيس نواة لجيش ليبي قوي، وكان يونس نفسه رئيس أركان هذا الجيش الذي بدأ ينظم صفوفه انطلاقا من بنغازي للاتجاه غربا من أجل إسقاط حكم القذافي. لكن الرجل قتل في ظروف غامضة بعد استدعائه من على الجبهة، وإن كانت بعض المؤشرات تقول إن إسلاميين متشددين وراء التخلص منه للحيلولة دون وجود جيش وطني مستقبلا. وجرى تهميش حفتر حتى يومنا هذا.
وفي تلك الأثناء، أي في صيف 2011 كان "الثوار" يتحركون في مجموعات مسلحة تحمل كل منها اسم "كتيبة" انخرط فيها عسكريون منشقون من كتائب القذافي ومن جيشه المُهمَل، كما انخرط فيها متطوعون مدنيون من الإسلاميين المتشددين ومن غيرهم من القوى الرافضة لحكم العقيد الراحل.
الميليشيات وثلاث مراحل
ومر هذا النوع من "الكتائب" -التي أصبح يطلق عليها اليوم "ميليشيات" -بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: استمرت من بداية الانتفاضة المسلحة في فبراير (شباط) 2011، حتى مقتل القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه. وكان الهدف الوحيد أمامها هزيمة النظام السابق. والمرحلة الثانية بدأت من مقتل القذافي حتى الآن. فبدلا من تقنين وضع "كتائب الثوار" وتكوين جيش قوي وصرف المتطوعين المدنيين إلى أعمالهم، اعتمدت الدولة الجديدة على هذه الكتائب، وما فيها من خليط "عسكري – مدني"، في حفظ الأمن داخل المدن وعلى حدود البلاد.
المرحلة الثانية: مع مطلع عام 2012 بظهور المئات من الكتائب العسكرية التي تشكلت بعد مقتل القذافي وبعد التخلص من النظام القديم، وذلك حين رأى خليط واسع من المغامرين في مختلف البلاد، السطوة والرفاهية التي أصبحت تتمتع بها الكتائب السابقة، بداية من السكن في الفنادق الكبرى وفي قصور القذافي وأبنائه، وحتى فرض الشروط على القائمين على شئون الحكم للحصول على مكاسب لهم وللجات المنتسبين إليها سواء كانت جهوية أو قبلية أو أيديولوجية أو غيرها.
ويتكون مثل هذا الخليط من شبان عاطلين عن العمل وآخرين من الجيش والأجهزة الأمنية التي تفككت ممن لم يحسموا أمرهم مبكرا بالانضمام ل"الثورة"، يكفي أن تكون لديك كتيبة لتصل إلى ما تريد من سيارات وأموال ونفوذ. ومنحت هذه الكتائب الحق لنفسها في توقيف كل من يشتبه في انتمائه للنظام السابق ومصادرة أملاكه لصالحها، والزج به في سجون تابعة لها، وهو أمر أصاب منظمات حقوق الإنسان بالرعب.
المرحلة الثالثة: وفيها جرى ما هو أسوأ، فبمرور الوقت انخرطت بعض هذه الكتائب أو الميليشيات في تنفيذ عمليات بالأجر لصالح أطراف ضد أطراف أخرى، ثم انتهى المطاف بأغلبها إلى تبادل المصالح مع قوى سياسية في المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت) والحكومة، وكذا الضغط على دول أجنبية وإرسال رسائل لدول أخرى، كان من أبرزها الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي وقتل السفير الأميركي وثلاثة من رفاقه في خريف 2012، ومحاصرة مبنى البرلمان لإجبار نوابه على إقرار قانون العزل السياسي في أبريل (نيسان) الماضي، واختطاف رئيس الحكومة المؤقتة الدكتور علي زيدان، قبل شهر.
قامت "ثورة 17 فبراير" أساسا من أجل التخلص من حكم القذافي الديكتاتوري، وتأسيس نظام ديمقراطي يضمن الحرية والعدالة والكرامة والأمن، في دولة موحدة وعصرية، لكن الغالبية العظمى من الليبيين اكتشفوا أن ما هبوا من أجله وضحوا في سبيله بأكثر من خمسين ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى، لم يتحقق منه شئ.
وبدا أن النتيجة الوحيدة للقضاء على "كتائب القذافي" العشر ولجانه الثورية والأمنية المنفلتة، هي ظهور المئات من الميليشيات المسلحة لتحل محلها في قمع الليبيين بانفلات غير مسبوق. وبسبب تدهور الوضع الداخلي ما زال نحو مليون ليبي، أي نحو سدس عدد السكان، يعيش خارج البلاد. ولأن الحالة تزداد تدهورا بدأت بعض القيادات السياسية المخضرمة التي ساهمت في إسقاط النظام السابق، تغادر للإقامة في دول أخرى طلبا للأمان.
شعب ينتفض ضد الميليشيا:
انتفضت بنغازي، أواخر العام الماضي، ضد استباحة المسلحين للمدينة واحتلال الميليشيات للمباني العامة، وتمكن آلاف المواطنين من طرد ثلاث كتائب رئيسة من المدينة في ما سمي وقتها ب"جمعة إنقاذ بنغازي".
لكن هذه الميليشيات ما زالت موجودة على حدود المدينة، وتواصل عمليات التصفية الجسدية والتوقيف والاحتجاز خارج نطاق القانون، كما هو الحال في عشرات المدن الأخرى، بل تزداد عناصرها قوة وسطوة وتصعِّب الأمر أمام الحكومة المطَالبة بالقضاء على مظاهر التسلح الذي ينذر بالخطر في البلاد.
وبعد ذلك بنحو سنة، أي منذ نحو أسبوع، خرج سكان طرابلس في جمعة مماثلة لجمعة بنغازي، مطالبين بخروج الميليشيات من العاصمة، فرد عليهم المسلحون بإطلاق النار عليهم من أسلحة ثقيلة ما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات.
المشكلة الآن هي أن الميليشيات المسلحة التي كانت قد تحالفت في السابق مع بعضها بعضا للتخلص من القذافي، أصبحت تتنافس بضراوة وتحت قوة السلاح على مناطق النفوذ في العديد من المدن. واتسعت الهوة بين الميليشيات الإسلامية المتشددة والميليشيات الجهوية والقبلية، وأدى ذلك إلى إغلاق إحدى الميليشيات لأربع موانئ نفط رئيسة في شرق البلاد، أدت لخسائر بأكثر ستة مليارات دولار. وفي الأيام الأخيرة تزايدت عمليات الشحن والتسخين والتهديد والوعيد في الغرب بين ميليشيات طرابلس ومصراتة والزنتان.
وبدلا من اسم "كتائب الثوار" الذي كان يحمله نحو مائتي ألف مقاتل ضد القذافي، تفرق الاسم الموحد إلى أسماء عديدة أصبحت تعكس قوى متنافسة على الأرض لديها تسليح جيد من مختلف الأنواع ومقاتلون متمرسون، وحالة عامة من التربص، تجد هذا بين ميليشيات "طرابلس" و"مصراتة" و"ورفلة" و"تاورغاء"، و"الزاوية" و"ورشفانة" و"زوارة" و"رقدالين"، و"الزنتان" و"المشايشة".
يجري هذا في ظل وجود وزارة للدفاع، لا تريد لها هذه الميليشيات أن تقوى أو أن تحل محلها في فرض هيمنتها على البلاد. وهذا أمر بدأ يقلق جيران ليبيا في البحر المتوسط (أوربا) ويقلق جيرانها الأفارقة في الشرق والغرب والجنوب.
ويقلق المجتمع الدولي، خاصة مع تنامي نفوذ الميليشيات التابعة للجهاديين الإسلاميين وتنظيم القاعدة، خاصة في منطقتي درنة شمالا وسبها جنوبا (تضم هذه المعسكرات مقاتلين من جنسيات مختلفة بينهم جزائريون وماليون وأفغان وشيشان.. الخ)، وتوجد معلومات عن زيارات قام بها قادة لتنظيم القاعدة في شمال مالي إلى معسكرات تابعة لميليشيات الإسلاميين داخل ليبيا.
وفي الوقت الحالي تبدو طرابلس وما حولها على شفا مواجهات دامية بين ما يمكن تسميته ب"ميليشيات" المناطق وهي ميليشيات تتدرج في التطرف الإسلامي وفي درجات التشدد. يوجد في العاصمة، منذ طرد القذافي من مقر الحكم في باب العزيزية في أغسطس (آب) 2011 ثلاثة أنواع رئيسة.. ميليشيات طرابلس، وتتكون من عناصر تابعة للجماعة الإسلامية المقاتلة (التي نشأت قبل عشرين سنة في أفغانستان) وجماعة الإخوان المسلمين وجماعات الجهاديين. وكتائب مصراتة (القادمة من المدينة الواقعة على بعد نحو مائتي كيلومتر شرق طرابلس) وهي ذات ميول إسلامية جهوية متشددة أيضا، وكتائب الزنتان (القادمة من المناطق الواقع غرب طرابلس)، وذات ميول جهوية وتتسم بالتهور.
المؤشر الخطير يكمن في أن ميليشيات طرابلس الرئيسة تريد، حاليا، إبعاد مقاتلي مصراتة الأقوياء عن العاصمة، وهي تعتقد إنها إذا فعلت هذا سيسهل عليها طرد باقي الميليشيات القادمة من الزنتان وغيرها، بعيدا عن العاصمة.
ويعتقد مقاتلو طرابلس أن فرض نفوذهم على العاصمة سيجعلهم الحكام الفعليين على كل ليبيا، بغض النظر عن الحكومة والبرلمان. إذا حدث هذا، فإن تقوقع ميليشيات مصراتة في مدينتها الواقعة على البحر المتوسط، وعودة ميليشيات الزنتان وغيرها إلى مناطقهم، سيفتح الباب واسعا أمام فرصة إعلان الشرق الليبي الحكم الذاتي في فيدرالية برقة، بينما يترك الجنوب لهيمنة المعسكرات المفتوحة للمتشددين والمطاردين القادمين أفريقيا خاصة من مالي.
لجان المصالحة:
حاولت الكثير من القيادات الليبية السيطرة على هذه الحالة ومنعها من التفاقم أو التحول إلى خطر الاقتتال الأهلي، كما تحركت لجان المصالحة القبلية المشكلة منذ عهد المجلس الانتقالي الذي كان يرأسه المستشار مصطفى عبد الجليل، لرأب الصدع بين الفرقاء، وينتمي غالبية أعضاء اللجنة لقيادات قبلية من الشرق الليبي، لكن إمكاناتهم تبدو متواضعة.
بدأ عمل اللجنة لإجراء صلح بين النظام الجديد والمناطق التي يتركز فيها وجود موالين للنظام السابق يملكون أسلحة وصواريخ ودبابات في مناطق جنوب وجنوب غرب وجنوب شرق طرابلس. وهؤلاء ما زالوا موجدين حتى الآن، وما زال بعضهم يرفع رايات القذافي الخضراء.
وتمكنت لجنة المصالحة من وقف الاقتتال على حدود عدة بلدات وقبائل، لكنها وجدت في الأشهر الأخيرة أن مشكلة الخصوم تتفاقم بدخول خلافات الميليشيات العسكرية على الخط. ويبدو أن طريق الحوار بين الليبيين أصبح مسدودا أو كاد.
ولهذا يجري الحديث في الوقت الراهن حول إمكانية عقد مؤتمر إقليمي أو دولي، مثل مؤتمر الطائف، الذي أنهت به السعودية الحرب الأهلية بين اللبنانيين عام 1989، بحيث يضم قيادات الميليشيات الليبية التي تملك القوة على الأرض، ويشترط البعض أن يكون هذا المؤتمر خارج ليبيا، حتى لا يكون الحوار تحت ضغط السلاح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.