لجنة شؤون اللاعبين تحسم الجدل بشأن قضية (عجب والرشيد)    الاتحاد السوداني يعتمد اللاعبين رمضان عجب شريف ومحمد الرشيد محمود وبخيت خميس لنادي المريخ مع تغريمهم    أزمة تيغراي: رئيس الوزراء الإثيوبي يعلن الهجوم على عاصمة الإقليم    بنك الخرطوم والتعامل بازدواجية المعايير مع العملاء .. بقلم: موسى بشرى محمود على    إعلان الحداد بالبلاد على الإمام الصادق المهدي    في رحاب الرحمن الحبيب الإمام .. بقلم: نورالدين مدني    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    الكسرة والملاح في معرض الشارقة الدولي .. بقلم: نورالدين مدني    سمات الأدب المقارن .. بقلم: الطيب النقر/كوالالمبور- ماليزيا    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    وما فَقَدْ العلم اليوم، شيخا مثل زروق .. بقلم: بروفيسور/ تجاني الأمين    حادثة اختطاف الزميل خيري .. وبريق السلطة !! .. بقلم: د0محمد محمود الطيب    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    عن الجنقو والجنقجورا مع عالم عباس .. بقلم: د. خالد محمد فرح    لا تلاعب يا ملاعب .. بقلم: ياسر فضل المولى    كامالا هاريس: سيّدة بلون الزعفران والذهب هل ستصبح أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    الطاقة: الإخطار الذي تم توجيهه للشركة الصينية جزء تعاقدي وخطوة قانونية    إطلاق أكبر تجربة سريرية لعلاج كورونا في السودان    مذكرات الفريق أول ركن صالح صائب الجبوري العراقي وحكاية " ما كو أوامر!" .. بقلم: الدكتور الخضر هارون    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تعقيب على كتاب (الأستاذ محمود والمثقفون) معالم الدستور الإنساني في الفكرة الجمهورية
نشر في حريات يوم 24 - 02 - 2015


تعقيب على كتاب (الأستاذ محمود والمثقفون)
معالم الدستور الإنساني في الفكرة الجمهورية
د. محمد محمد الأمين عبد الرازق
يهدف هذا البحث إلى تصحيح خلاصات فكرية وردت في كتاب (صاحب الفهم الجديد للإسلام.. محمود محمد طه والمثقفون.. قراءة في المواقف وتزوير التاريخ)، لكنها لا تنسجم مع حقيقة ما تدعو إليه الرسالة الثانية من الإسلام بالرغم من أنها بنيت على دعامات نصية من كتب الأستاذ محمود.. وقد بذل مؤلف الكتاب الأستاذ عبد الله الفكي البشير جهدا مميزا في البحث عن الوثائق، لكي يكون دقيقا في تناوله لأفكار الأستاذ محمود ومواقفه، وقال إن بوابته على الأستاذ محمود كانت دار الوثائق القومية إلى جانب مؤلفاته.. ولقد عرض الكتاب مجموعة من كتابات الأستاذ محمود وتلاميذه، من الصحف عبر مراحل حركة الحزب الجمهوري منذ نشأته في عام 1945 وإلى المحاكمة الأخيرة في عام 1985م، وحقيقة لقد غطت تلك الوثائق الجديدة معظم المحطات المهمة في تاريخ حركة الجمهوريين..
المسألة التي أحب أن أناقشها، بهدف التوضيح والتصحيح، هي قضية الدستور الإسلامي حسب الفهم العلمي، فقد خلص الأخ عبد الله في كتابه إلى أن الدولة المدنية هي الحل حسب فهمه للنصوص التي أوردها هو من كتابات الأستاذ محمود ومن محاضراته، وإليك توثيق ذلك من الكتاب صفحة 488 -490:
" الشاهد أن الدعوة للدستور الإسلامي كانت موضع تأييد من كل الأحزاب الطائفية وجبهة الميثاق (الإخوان المسلمين). بينما كان الأستاذ محمود على الدوام ضد الدستور الإسلامي الذي طُرح، ووسمه بالدستور الإسلامي المزيف، وناهضه بقوة. كانت للأستاذ محمود رؤية خاصة وباكرة لدستور السودان، جاءت في كتابه: (أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فدرالية ديمقراطية اشتراكية(.
يضاف إلى ذلك فإن الأستاذ محمود كتب كثيرا عن الدستور في مجتمعات التنوع والتعدد الثقافي، وتحدث عن مفهومه والأسس والملامح التي ينبغي أن يكون عليها دستور السودان. ففي محاضرة قدمها عام 1969، وهي مسجلة بصوته، قال الأستاذ محمود:
(الدستور عبارة عن صياغة أمل الأمة.. وهو أمل كل الشعب، أقليته وأغلبيته… الكلام عن أن الدستور الإسلامي يعطي الأقليات حرية العبادة، هذا كلام ليس له قيمة بالمرة. لأنك حين تتكلم عن الدستور انت تتكلم عن الديمقراطية، والديمقراطية هي فرص التساوي بين المواطنين من حيث هم مواطنون).
وعن الرأي السائد بأن الدستور يجب أن يستمد من مذهب الأغلبية أو دين الأغلبية، قال الأستاذ محمود:
(هذا خطأ بحقيقة الدستور. الدستور يجب أن يستمد من الفكرة التي توحد الشعب كله. الدستور ليس فيه أغلبية أو أقلية، لكن في الإدارة والتنفيذ تأتي الأغلبية والأقلية. في الوضع الديمقراطي الدستور يجب أن يكون حق كل الناس وأمل كل الناس وتطلع كل الناس… بمعنى أن رئيس الدولة يمكن أن يترشح من أي جهة من الأقلية المسيحية أو الأقلية الوثنية أو أي جهة، حسب الديمقراطية هذا هو الوضع. هؤلاء الأغلبية يستطيعوا أن يفوِّزوا مرشحهم، لكن أولئك لا يمكن أن يحرموا دستوريا من هذا الحق على اعتبار أنهم هم أقلية.).
وعن أسس دستور السودان الدائم قال الأستاذ محمود: (إن أسس دستور السودان الدائم يجب أن تقوم على الأصول التي يلتقي فيها الناس وهي أصول الإنسانية..). انتهى نص الكتاب..
هذه نصوص صحيحة من الأستاذ محمود، لكن الأخ عبد الله الفكي غيب نصوص أساسية موثقة ليصل إلى خلاصات لا تتفق مع أفكار الأستاذ بل تشوهها إن أطلقت على خلفية نصوص من كتاباته كما فعل هو!!
إذن اقرأ خلاصته التي ساقنا إليها من كتابه في نفس الصفحات:
(الشاهد أن الدعوة لدستور إسلامي في بلد يعيش كظة التنوع والتعدد الثقافي، لا سيما التنوع الديني، ويبحث عن سبل التعايش السلمي بين مجموعاته وثقافاته، هي ليست دعوة قاسية وظالمة في حق غير المسلمين فحسب، وإنما في حق المسلمين أنفسهم. فالمسلمون أنفسهم جماعات وفرق ولكل منهم رؤيته وفلسفته ومدرسته الخاصة في فهم الإنسان، وهذا في حد ذاته يغني عن الحديث عن وضع غير المسلمين أمام الدستور الإسلامي. وخلاصة الأمر أنه ليس هناك فرصة في مجتمعات التنوع الثقافي كحال السودان سوى اعتماد الدولة المدنية على أساس المواطنة، بتساوي جميع المواطنين من حيث هم مواطنون.).. انتهى
اقرأ مرة ثانية قوله:
(وخلاصة الأمر أنه ليس هناك فرصة في مجتمعات التنوع الثقافي كحال السودان سوى اعتماد الدولة المدنية على أساس المواطنة، بتساوي جميع المواطنين من حيث هم مواطنون) !!
معلوم أن الدولة المدنية علمانية الدستور فهي تفصل الدين عن الدولة ولا تهتدي بهديه، وتاريخ نشأتها في مواجهة الدولة الكنسية التي كانت في القرون الوسطى معروف أيضا، وسأفصل فيه في الحلقة الثانية من هذا البحث..
واضح أن الأخ عبد الله الفكي استخدم بعض نصوص الأستاذ كمنصات اطلاق لرؤيته الخاصة، وغيب النصوص التي لا تدعم خلاصته، ليوهم القاريء بأن الأستاذ محمود كان يؤسس للدولة العلمانية المدنية!!
أين الأمانة العلمية في هذا !!؟؟
أنا لن أقول أنه تعمد تشويه فكرة الأستاذ لكني أرجح أنه يجهلها، فعلى الأقل من حق الأستاذ محمود عليه أن يورد نصوصه كاملة حتى لو تعارضت مع وجهة نظره الخاصة!!
ولو تابع المؤلف كتاب أسس دستور السودان نفسه، فقد ورد فيه ما يوضح أن الدستور الذي يتبناه الأستاذ ليس علمانيا وإنما هو إنساني مأخوذ من أصول القرآن، وإليه بعض النصوص:
أولا: جاء إهداء الكتاب هكذا:
الي الشعب السوداني الكريم
هذا دستور ((الكتاب)).. نقدمه اليك، لتقيم عليه حكومة القانون، فتخلق بذلك الأنموذج الذي على هداه تقيم الانسانية، على هذا الكوكب، حكومة القانون.. فانها الا تقم لا يحل في الأرض السلام، وليس من السلام بد..
ثانيا: جاء تحت عنوان (الدستور والقانون) ما يلي:
" يتضح من هذا أننا نتمسك بالتوحيد، ونستقي منه تشريعنا الفرعي بالقياس على تشريعي الحدود والقصاص، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الفرد وحاجة الجماعة، ونستقي منه تشريعنا الاساسي ((الدستور)) بتمثل روح القرآن – لا اله الا الله، حتى يجيء منسقا في اتجاه موحد لحاجة الحكومة المركزية، وحاجة أعضاء الاتحاد المركزي في مجتمعينا: المجتمع الصغير – السودان – والمجتمع الكبير – الكوكب الأرضي..
فنحن اذن نتخذ دستورنا من روح القرآن ولا نقيد تشريع هيئتنا التشريعية إلا بالتوحيد المنسق للحقوق، التي تبدو لدي النظرة الأولي متعارضة، لأنه إن لم يكن كذلك لا يكن قانونا.. وننظر إلى نصوص تشاريع القرآن، ونصوص تشاريع السنة في المعاملات، كوسائل لتحقيق روح القرآن، ونصر على التمسك بها، إلا إذا كانت المصلحة في تطويرها بحيث تتقدم خطوة أخري بمجتمعنا الحديث نحو تحقيق ذلك الروح، في مضمار الحياة اليومية.. وأما نصوص تشاريع القرآن ونصوص تشاريع السنة في العبادات، فهي باقية على ما هي عليه وليس لمشرع عليها من سبيل، فمن شاء أتاها على صورتها المأثورة عن النبي ومن شاء تركها و((لا اكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)) ذلك بأن الله تعالي حين شرع العبادات انما أراد بها إعانة الفرد على أن يحسن التصرف في الحرية الواسعة التي أعطاه إياها، من غير أن يتورط في العقوبات التي اشتملت عليها القواعد القانونية أو القواعد الأخلاقية، حتى يفضي به السعي، وهو موفور، إلى الاستمتاع بحقه الكامل في الحرية الفردية المطلقة، وبمعنى آخر، أن الله تعالي يضع الإنسان، من الوهلة الأولى، في طريق الحرية الفردية المطلقة، على شرط واحد، هو أن يتحمل مسئولية تصرفه فيها، ثم إستن له الأسلوب التعبدي الذي بلغ نهاية كماله في النحو المأثور عن النبي، ليستعين بممارسته على حسن التصرف في تلك المسئولية الباهظة التي قد تنقض ظهره إن لم يأخذ نفسه بتلك الرياضة الروحية الحكيمة.." انتهى..
ولمزيد من التوثيق أقدم هذا منشور الذي صدر في إطار مواجهة الدستور الإسلامي المزيف في يوم 9/3/1969م، جاء فيه حول مدنية الدعوة إلى الدستور أو علمانيتها ما يلي:
الدستور العلماني:
( هناك بعض المثقفين من المواطنين، يشعر بالخطر من قيام دستور إسلامي مزيف.. وقد جعلهم الخوف من هذا الخطر، يدعون إلى الدستور العلماني، وهذا عندنا خطأ من جهتين: أولاهما أن الدستور العلماني ناقص في حد ذاته، وأنه، بالغا ما بلغ من الكمال، لن يرقى إلى كفاية الدستور الإسلامي الصحيح.. وثانيهما أن الدعوة إلى الدستور العلماني تترك الميدان الإسلامي خاليا من الدعوة الواعية، الرشيدة.. ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية.. فكأن من يرون هذا الرأي، من قطاعات الشعب، قد اختارت أن تترك الشعب نهبا للتضليل المنظم، وفي هذا خيانة للشعب، وهروب من الميدان !!)..
لاحظ تحديد العبارت: "ولن يستجيب شعبنا لدعوة مدنية ويترك الدعوة الدينية"!!
ويواصل المنشور: ( الدستور الإسلامي لا يلتمس في الشريعة الإسلامية، وإنما يلتمس في القرآن على أن يفهم القرآن فهما جديدا، يبعث آياته التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم، وتنسخ آياته التي كانت ناسخة، وكانت هي صاحبة الوقت في القرن السابع، وعليها قامت الشريعة.. فإنه بغير ذلك، لا نصل إلى الحقوق الأساسية، ولا دستور بغير الحقوق الأساسية.. ذلك لأن آيات الحقوق الأساسية منسوخة بآيات الإكراه، وآيات الوصاية، فإذا انبعثت الآيات المنسوخة فقد ارتفعنا بالإسلام، من مستوى العقيدة إلى مستوى الإيقان.. وفي هذا المستوى، الناس لا يتفاضلون بالعقيدة، وإنما يتفاضلون بالعقل، والخلق، فلا يسأل الإنسان عن عقيدته، وإنما يسأل عن صفاء الفكر، وإحسان العمل.. ومن ههنا لا يقع تمييز ضد مواطن بسبب دينه، ولا بسبب عدم دينه.. وهذا الدستور لا يسمى إسلاميا، لأنه لا يسعى لإقامة حكومة دينية، وإنما يسعى لإقامة حكومة إنسانية يلتقي عندها، ويستظل بظلها كل البشر بصرف النظر عن ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، على قدم المساواة في الحقوق والواجبات، ولكن مصدره القرآن.. وهو إنما كان مصدره القرآن، لأن القرآن موظف لجلاء الفطرة البشرية من حيث هي بشرية، جلاؤها من أدران الأوهام، التي غطت عليها وشوهت نقاءها..
الإسلام في مستوى الإيقان، هو دين الفطرة البشرية من حيث هي بشرية، وهو المعنى الوارد في قوله تعالى: " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين.. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، كل حزب بما لديهم فرحون ".. ذلك الدين القيم المهيمن على الأديان، وهو الإسلام في مستوى الإيقان، لا في مستوى الإيمان.. الإسلام في مستوى العلم لا في مستوى العقيدة، وهذا يقتضي فهما للقرآن جديدا، يسحب النسخ على آيات، كانت في القرن السابع ناسخة، ويبعث، في الوقت الحاضر، آيات كانت منسوخة، لتكون هي صاحبة الوقت اليوم.. وبهذا تصان الحقوق الأساسية في قمة لا تجارى، ويجاز الدستور الذي به تتم كرامة الإنسان، من حيث هو إنسان: " ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ..)..
ختاما لا أظنني بحاجة لأن أذكر بأن من حق الأخ عبد الله الفكي أن يرى ما شاء من الأفكار كحلول لمشاكل المجتمع، لكن ليس من الأمانة أن يفعل ذلك على خلفية من كتابات الأستاذ محمود وأحاديثه، مع البتر والحذف لكل مل يتعارض مع رؤيته هو حتى يجعل منها منصات لإطلاق رؤاه الخاصة المخالفة لحقيقة فكرة الأستاذ محمود..
الغريب أن الأخ عبد الله بنى كتابه في الأساس على الزعم بأن معظم المثقفين، غيبوا وعزلوا وبتروا…الخ، وأكثر، شوهوا دعوة الأستاذ محمود، ودمغ بعضهم بأنهم تعمدوا ذلك، لكني، بخلاصاته هذه، أراه قد تورط في نفس الاتهامات، وكلي أمل ألا يكون فعل ذلك متعمدا!!
……………………………………………
(2)
لقد قررنا في الحلقة السابقة، وبالأدلة الموثقة حقيقة مهمة للغاية، وهي أن الأستاذ عبد الله الفكي استخدم بعض كتابات وأحاديث الأستاذ محمود كآلية لطلاق أفكار تخالف رؤية الأستاذ محمود المبدئية في ضرورة التوجه نحو الإسلام في مستواه العلمي لتأسيس الدستور الإنساني..أكثر من ذلك، فإن الأخ عبد الله، بكل أسف أفرغ الدعوة الجمهورية من محتواها الديني تماما، فهو عندما نقل النصوص التي أشرنا إليها إنما كان يهدف إلى طرح رؤيته هو في اعتماد الدستور العلماني، ولم يكن همه فيما يبدو، أن يقدم الفهم الجديد للأستاذ محمود.. ويلاحظ أنه بتر النصوص، وانتقى منها ما يدعم اتجاهه، واستبعد أي عبارات توضح الناحية الدينية لدى الأستاذ محمود، كالتوحيد، ولا إله إلا الله، والحدود والقصاص..الخ، الواردة في النص الذي أخذناه من نفس الكتاب (أسس دستور السودان) لتظهر نصوص الأستاذ بلا إشارة إلى القرآن والسنة!!
أنا أستغرب!! لماذا غيب، وبتر، وعزل، لهذه الدرجة!؟ وهل هذا التصرف يمكن أن يكون عن جهل أم عن قصد مبيت!!؟؟
وهل هناك فرق بينه وبين المثقفين الذين قال فيهم ما قاله مالك في الخمر، من حيث البتر والعزل والتغييب!!؟؟
على كل حال، نواصل قضية التعريف بالدولة المدنية التي يبحث عنها الأخ عبد الله لنعرف لماذا كان موقف الأستاذ محمود منها هو الرفض من الناحية المبدئية..
بين يدي مقتطفات من الأكاديمي غازي توبة، تعطي فكرة عن تاريخ نشأة الدولة المدنية، وإليك بعضها:
(من المعلوم أن أوروبا في العصور الوسطى كانت تحكمها الكنيسة، وكان أبرز مفهومين تقوم عليهما الديانة المسيحية هما: (المقدس) و(المدنس)، فكان المقدس هو الله والآخرة والروح، وكان المدنس هو الإنسان والدنيا والجسد والمرأة، لذلك يجب أن يتجه الإنسان إلى هذه المقدسات، ويفني ذاته فيها، ويترك كل ما عداها.. فيجب أن يوجه الإنسان عقله إلى الله ذكرا وثناء وتمجيدا وعبادة، ويلغي التفكير فيما سواه، وعليه أن يوجه قلبه إلى الآخرة ويهمل الدنيا ومتاعها وشهواتها وملذاتها، وعليه أن يقتل جسده ويدمر حواسه التي تكبل روحه لكي تنطلق هذه الروح وتتخلص من قيودها، والرهبنة خير وسيلة للانتقال من المدنس إلى المقدس، والرهبنة تعني عدم الزواج، واعتزال الحياة في دير من الأديرة، وممارسة طقوس متنوعة في تعذيب الجسد..
إن القيادة الكنسية التي تزعمت معركة المقدس مع المدنس في المجتمع الأوروبي، قادت معركة أخرى مع علماء أوروبا الذين طرحوا نظريات وأقوالا تناقض ما قالت به الكنيسة والكتب المقدسة من مثل: أن الشمس مركز الكون وهو الذي توصل إليه كوبرنيكوس، وهو يناقض ما تقول به الكنيسة وهو أن الأرض مركز الكون، وأدت هذه المعركة إلى عقد محاكمات ومحاسبات لكثير من علماء أوروبا بتهمة الكفر والزندقة والانحراف عن الدين، وأدت تلك المحاكمات إلى إعدام الكثيرين منهم..
قادت الكنيسة معركتين الأولى: مع الفطرة البشرية في كل ما تتوق إليه من الدنيا والشهوات والمتاع والملذات، الثانية: مع العقل البشري الذي كان يقرر حقائق واضحة وتأتي الكنيسة لتلغيها بكلام غير ذي قيمة علمية، وأدت هاتان المعركتان إلى انفجار أوروبا في وجه الكنيسة، وقامت ثورات متعددة لتصحح الوضع الخاطئ عند الكنيسة، فما الذي حدث؟
جعلت الثورات المقدس مدنسا، والمدنس مقدسا، أي إنها قلبت المعادلة!!
جعلت الثورات الأوروبية المدنس مقدسا، فنشأت "الدولة المدنية" التي اهتمت فقط بجسد الإنسان وشهواته ولذاته ومنافعه، واهتمت فقط بالدنيا وزراعتها واقتصادها وصناعتها، وجعلت الثورات المقدّس مدنسا، فنشأت "الدولة المدنية" التي اعتبرت الحياة مادة في أصلها ووجودها وتفرعاتها، واعتبرت كل حديث عن الروح وعن الجنة والنار والملائكة إنما هو حديث خرافة وأوهام، ومن الواضح أن هذه المواقف إنما جاءت ردود أفعال على المواقف الكنسية الخاطئة!!
وقد ولدت تلك الثورات التي قامت في القرن الثامن عشر نوعين من الدول في القرن العشرين جسدتا مقولة "تدنيس المقدس وتقديس المدنس" خير تجسيد وهما: الاتحاد السوفياتي ، والعالم الحر.
1/ الاتحاد السوفياتي والشيوعية: لقد جسد الاتحاد السوفياتي الشيوعي ثنائية الأزمة التي انتهت إليها أوروبا وهو "تدنيس المقدس وتقديس المدنس" خير تجسيد ، فأصبح الإلحاد هو الأصل الذي يقوم عليه، وأصبح يعلن أن الدين خرافة وأوهام، وأنه أفيون الشعوب، وأنه ليس هناك عالم غيب، وأن الملائكة والشياطين والجنة والنار أوهام من اختراع الأغنياء لاستغلال الفقراء..
ومن الجدير بالذكر أن المجتمعات البشرية لم تعرف مجتمعا قام على الإلحاد، صحيح أنها عرفت بعض الملحدين، لكنها لم تعرف مجتمعا خاليا من الإقرار بوجود إله، بغض النظر عمن هو الإله، فقد يكون كوكبا أو شجرة أو شخصا أو جبلا. ولم تعرف مجتمعا خاليا من دور العبادة، وربما كان المجتمع الأول الذي قام على الإلحاد في التاريخ هو المجتمع الشيوعي في الاتحاد السوفياتي، وهذا تعبير صارخ عن الشق الأول من الثنائية وهو "تدنيس المقدس" أن يصل مجتمع إلى هذا الوضع من الإلحاد والتنكر لركن أساسي وكبير من أسس الفطرة وهو ركن (التعبد)..
أما في مجال "تقديس المدنس" وهي الدنيا والمرأة والشهوات، فإن الشيوعية قد اعتبرت أن الحياة مادة وليس وراء المادة شيء، واعتبرت على لسان "إنجلز" أن ستر العورة طريقة صريحة لامتلاك النساء، واعتبرت كذلك أن ولادة الحجاب جاءت مترافقة مع ولادة الملكية الفردية، لذلك سينتهي الحجاب عند انتهاء الملكية الفردية، وستعود العلاقات الجنسية مشاعة كما كانت في المجتمع القديم: كل النساء لكل الرجال!!
2/ العالم الحر والرأسمالية: فإنه يقوم على نفس الأسس المادية التي يقوم عليها المعسكر الشيوعي في مجال "تدنيس المقدس"، فهو يتنكر للغيوب من: إله وملائكة وآخرة وروح… إلخ، ويستهزئ بها، ويرذّل الإيمان بها، ويسفّل كل القيم المتعلقة بها ويعدَّها خرافة وأوهاماً وشعوذة، أما في مجال (تقديس المدنس) فإن هذا المعسكر يعلي ويعظّم بل ويؤلّه كل مفردات المدنس من: الدنيا والجسد والمرأة والشهوة، ومما يؤكد ذلك حجم الإنفاق على الجنس في الإنترنت، والصورة التي تستغل بها المرأة في الدعاية والإعلان، وحجم العري الذي يسود المجتمع الغربي، والتشريع للشذوذ الجنسي بشقيه: اللواط والسحاق!!
هذه هي الظروف التاريخية التي ولّدت مصطلح "الدولة المدنية" مقابل "الدولة الكنسية" فأصبح مصطلح "الدولة المدنية" يعني التمركز حول الإنسان وجسده ولذاته وشهواته، مقابل التمركز السابق حول الله في "الدولة الكنسية"، وأصبح يعني الاهتمام بالدنيا وشؤونها وتطويرها في "الدولة المدنية" مقابل الاهتمام بالآخرة والروح في "الدولة الكنسية".
نكتفي بهذه الإضاءة حول تاريخ الدولة المدنية، فهي تأسست على العلمانية كفلسفة تقصي الدين من الحياة تماما، وتدار على أساس دستور علماني.. وقد كان السودان بعد الاستعمار دولة مدنية على هذا الأساس العلماني، وكانت الدولة لا تعبأ بهدي الدين في إدارتها، وفتحت الباب للمحرمات بصورة سافرة، كدور البغاء والبارات…الخ
ولذلك عندما سئل الأستاذ محمود أثناء مناهضته للدستور الإسلامي المزيف في الستينات من القرن الماضي: هل أنت مع إعادة العمل بالدستور العلماني 56 المعدل 64!!؟؟ كانت إجابته: لا .. (محاضرة الحقوق الأساسية بنادي أبناء أرض الحجر بموقع الفكرة alfikra.org)..
والجزئية التالية من محاضرة الحقوق الأساسية في الدستور، تشرح بوضوع موقف الأستاذ محمود من الدولة المدنية، فهو يدعو إلى مدنية جديدة تزاوج بين الروح والمادة، فتلقح الحضارة الغربية في عالمنا المعاصر، فلنستمع:
(الوجه التاني من الاسلام، هو دا الوجه الصحيح الفعلاً الناس محتاجين ليهو، البشرية كلها محتاجة ليهو، السودانيين، المسلمين، البشر كلو.. دا غريب على الناس هسع، غريب ومستنكر.. والواحد يعني من الدعاة الى الاتجاه دا قد يساورو شئ من اليأس، شئ من الشك، لشدة انصراف الناس عنو!!
لكن هو الراح ينتصر في الآخر، دا قولاً حتماً، قولاً واحد انو الاسلام الصحيح راح ينتصر.. والناس البتمسكوا بيهو بكونوا زي ما قال عنه نبينا (كالقابض على الجمر).. عليهم ان يصبروا..
قد يقول واحد، او يدور بباله، انو لخطورة موضوع الدستور الاسلامي المزيف، وانو عندو فرصة ليمر، قد يقوم ببال بعض الناس انو حتى مساندة الدستور العلماني احسن من الدستور الاسلامي المزيف.. نحن الجمهوريين عندنا الشعار اللي عرضناهو كتير ودايماً بنقوله (الدستور العلماني خير من الدستور الاسلامي المزيف).. الدستور العلماني، بنقول، خير من الدستور الاسلامي المزيف.. لانو الدستور العلماني باطل عريان، والباطل العريان يمكن للناس ان يتفقوا على بطلانه، لكن الباطل اذا اتلف في توب من قداسة الاسلام بيصعب تمييزو..
انا وإياك بنتفق على انو الدستور العلماني يجب ان نغيرو، لكن ما بنتفق على انو دا دستور إسلامي نغيرو.. ما بنتفق انو الدستور دا ما إسلامي.. وقد تجد انت من يساند الدستور العندو توب الاسلام اكثر من البعارضو، لكن هل معنى دا اننا نحن كمرحلة ندعو الى الدستور العلماني؟… لا………
و الاعتبار قايم بانو نحن في الحقيقة ما بننصر الحق باكثر من التزامو.. الناس البنصروا الحق بلتزمو الحق.. المسيح عندو عبارة قال (أعرفوا الحق وسيجعلكم الحق احراراً).. والحق ناصرو الله دايماً، والناس الموصوفين بنصرة الحق هم الناس الاستعملهم ربنا استعمال صالح في نصرة الحق، ادوات.. فإذا كنت انت عايز تنصر الحق انصرو في نفسك والتزمو واصبر عليهو، حتى ولا تستعجل..
يجي القرآن يقول (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ، فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ).. الحق جايي واستعجال الحق باطل الى الحدود دي…
لا يمكن لإنسان ان يقول اننا نحن مثلاً ندعو للدستور العلماني..لاسباب.. واحد منها اصيل، واحد من الأسباب اصيل، انو الدستور العلماني فعلاً باطل ودون المستوى.. الدستور العلماني فيهو الحقوق الاساسية.. دستورنا نحن البنتكلم عنو دستور صحيح.. يعني مثلاً دستورنا – دستور السودان المؤقت المعدل سنة اربعة وستين واللي في الندوة الفاتت كنا جبناهو هنا، قرينا ليكم منو الحقوق الاساسية.. الدستور دا دستور علماني وفيهو الحقوق الاساسية، هو دستور ديمقراطي.. والحقوق الاساسية قلنا هي حق حرية العقيدة وحرية الرأي، وديل فروع من حق الحياة.. حرية العقيدة عندنا في المادة 5/1 بتقول لكل مواطن الحق في حرية العقيدة.. المادة 5/2 بتقول لكل مواطن الحق في حرية الرأي..
أها دا الدستور، العلماني، هو في الناحية دي إسلامي لكن التفريع عليهو في الناحية العلمانية اقل جودة منو في الناحية الدينية، والسبب انو الدستور الديني بيستطيع ان يحقق الاشتراكية والديمقراطية في نظام واحد..) انتهى
ختاما..
لقد حذر الأستاذ محمود تلاميذه في جلسة مؤتمر عيد الفطر، التي أقيمت بمنزل الأستاذة فاطمة حسن بمدينة عطبرة، بتاريخ 18 أكتوبر 1975م من مثل هذا التشويه، فقال:
)الميدان الأساسى للعمل هو أنفسنا ..
الجمهوريين حيث وجدوا عليهم أن يعدوا أنفسهم الإعداد التام ، ليكونوا مراسى للفكرة، فلا تجتاح من بين أيديهم عندما يقبلوا الناس عليها بكثرة، ويكون هناك التحريف الآخر من النوع الثانى .. تحريف من ينتسب الى الجمهوريين!!
تحريف الأصدقاء ودا أسوأ من تحريف الأعداء !!
الفكرة غريبة وغرابتها راح تظل قايمة وراح يدخلوها ناس يتكلموا باسمها وما هم منها!!و ينسبوا لينا وما هم مننا!!
ودا ما ينجينا منه الا قوة حصاة الدعاة الجمهوريين، حتى يكون الأمر أنواره واضحة وحججه واضحه وعلمه مستعلى ..
وكنا دايما بنقول انه مافى خوف من عدم أقبال الناس علينا، الناس سيقبلوا ..
يمكن الخوف من التحريف البيجى من الناس البينتسبوا للجمهوريين ، ويتحدثوا بحديث غير حديث الجمهوريين ) انتهى ..
………………………….
(3)
قال الأستاذ عبد الله الفكي أنه يعتمد على منهجية (التفكيك) في كتابه الذي بين أيدينا، ودعانا لأن ننتظر حتى يخرج الكتاب، في اتجاه لإيقاف الحوار حول الأجزاء التي نشرت بالصحف حول مواقف المثقفين، وهذا هو قوله: (فميلي للتفكيك يتصل بتطور البحث في أحضان حركة ما بعد الحداثة Postmodernism ومنظريها. إنّ مفكري ما بعد الحداثة يرون أنّ النظريات الشمولية الكبرى والإيديولوجيات والتعميمات، التي أنتجتها حقبة الحداثة، أخفقت في الإجابة عن كثير من الأزمات خاصة في ادعائها بالتجانس والوضوح والتماسك والعلمية..)..
و(التَّفكيكيَّة (مذهب أدبيّ يعتبر كلّ قراءة للنَّصّ تفسيرًا جديدًا له، ويقول باستحالة التَّوصُّل إلى معنى نهائيّ وكامل لأيّ نصّ.. ويرتكز على أن (موت المؤلف) يجعل كتاباته متاحة للتفكيك ويحق للقاريء أن يفسرها حسب قراءته هو، لدرجة أنه يمكن أن يستخلص منها معاني لم تخطر على بال المؤلف.. وهو منهج غربي نشأ في فرنسا، ومؤسسه جاك دريد في الستينات من القرن الماضي.. ويبدو أن الأخ عبد الله فكك نص الأستاذ كقاريء، ثم استخدم الأجزاء المستقطعة ليصل إلى أن الحل في الدولة المدنية، وبالتالي خرجت رؤية الأستاذ محمود من المعادلة!!
على كل، الأخ عبد الله يعلم أن الأستاذ محمود قضى حياته في تعليم الناس المنهجية العلمية، والأخ عبد الله بدأ كصديق للفكرة وفيما أرى اقتنع بها، ولذلك لا أرى أي معنى لأن يقحم منهجية غير علمية، بهذا المستوى في التعامل مع نصوص الأستاذ محمود، وأيسر ما يقال عنها، أعني- التفكيكية، أنها تدفع القاريء لأن يتطفل على موائد الآخرين، ثم يقصي الثمرة التي أرادوا توصيلها للناس عن قصد مبيت، ويثبت ما يريده هو!! أين الأمانة العلمية!!؟؟
أرجو ملاحظة تحذير الأستاذ من التشويه المتوقع ممن ينسبون أنفسهم للجمهوريين:
(الجمهوريين حيث وجدوا عليهم أن يعدوا أنفسهم الإعداد التام ، ليكونوا مراسى للفكرة، فلا تجتاح من بين أيديهم عندما يقبلوا الناس عليها بكثرة، ويكون هناك التحريف الآخر من النوع الثانى ..
تحريف من ينتسب الى الجمهوريين!!
تحريف الأصدقاء ودا أسوأ من تحريف الأعداء !!
لقد تحدثنا عن ملابسات نشأة الدولة المدنية العلمانية في التاريخ، وقلنا أنها قامت كرد فعل لهيمنة الدولة الكنسية وتخلفها، وفي عالمنا اليوم برز الاتجاه في أوساط المسلمين نحو التطرف الديني، كرد فعل للتطرف في رفض الدين لدى الغرب عموما ولدى الدول الإسلامية التي سارت في ركب الغرب.. والحقيقة، لقد نتج عن الفراغ الروحي لدى الغرب فساد ولا مبالاة فيما يخص التصرف في الحرية الفردية لم يحدث في تاريخ البشرية، وقد علق الأستاذ محمود على ذلك في رده على د. مصطفى محمود، بقوله:
(مؤهلات المفسر العصري للقرآن تقوم على أمرين: أن يكون المفسر ملماً إلماماً صالحاً بحاجة العصر، وأن يكون عالماً علماً وافيا، ودقيقاً، بحقيقة القرآن ..
فأما حاجة هذا العصر فإلى الهداية.. فإن البشرية لم تكن يوماً في التيه كما هي اليوم.. وسمة هذا العصر هي القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر الثورات: الثورة الثقافية، والثورة الجنسية، وثورة الشباب، وكلها دليل على القلق، والحيرة، والاضطراب.. هذا عصر (الهيبيز).. جماعات من الشباب، من الجنسين، يزيد عددهم كل يوم، ويستطير شرهم كل يوم، حتى لقد عم جميع الأقطار.. يقوم مجتمعهم على الرفض، فهم قد وجدوا مجتمع الحضارة الغربية، الآلية، مجتمع إنتاج واستهلاك، فقد الإنسان المعاصر فيه روحه، وقيمته، وحريته، واستحال إلى آلة تنتج وتستهلك، فرفضوه، ورفضوا معه كل عرف، ودين.. وفزعوا إلى صور من مجتمعات الغابة، فهم يلبسون المرقعات، ويسيرون حفاة، ويرسلون شعورهم، ويبيتون على الأرصفة، والطرقات، ويستبيحون بينهم من العلائق الجنسية ما ظلت البشرية على صيانته حريصة خلال تاريخها الطويل.. هم يبحثون عن حريتهم، وعن إنسانيتهم، وعن فرديتهم، فلا يكادون يجدون غير الضياع، وغير القلق، وغير الاضطراب.. فهل عند مصطفى محمود إدراك واسع لهذه الظاهرة، واهتمام بها، وسعي لإيجاد الهداية لها من القرآن بتفسيره العصري؟؟) انتهى..
وبوحي من هذا الفراغ الروحي تدافع بعض الشباب من الجنسين نحو المتطرفين الإسلاميين، فصار حالهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، فالحل ليس في المستوى العقائدي من الدين حتى لو كان في أسمى صوره التي طبقت في الماضي، وإنما الحل الجذري في الدين في مستواه العلمي، فهو الكفيل بتوجيه الحياة المعاصرة، وهو ما تقوم عليه فكرة الرسالة الثانية من الإسلام ويمكن التوسع في معرفة التفاصيل من مراجعها..
وبوحي من الحاجة إلى التغيير، حاول بعض المسلمين من السلفيين، إصلاح الأمور باعتماد الدولة المدنية لكن على مرجعية دينية، والهدف من ذلك هو الحفاظ على إيجابياتها في توفير الحقوق الدستورية في الحياة والحرية، إلى جانب التشريعات المكملة، فكأنهم دفعوا من الواقع ليطوروا الشريعة فيما يختص بالحقوق والحريات..
لكن المشكلة هي أنهم لا يملكون سندا من القرآن والسنة لهذا التعديل، ولذلك تتعرض تجاربهم باستمرار تحت ضربات السلفيين، إلى الانتكاس إما إلى التطرف الديني كما حدث في مصر بعد الثورة أو إلى العلمانية كما هو الحال في تونس!!
إن الدستور الإنساني، يرتكز على التزام الأفراد بالمنهاج العلمي النبوي، في تربية أنفسهم ليترقوا نحو إنسانيتهم، فالبشر المعاصرون إنما هم مشروع نحو الإنسانية، ولا يمكن أن يحدثوا ترقية لأنفسهم في هذا الإطار إلا بممارسة المنهاج العلمي..
الدستور الإنساني يكفل الحقوق الدستورية لجميع المواطنين لا فرق بين مواطن وآخر على أساس العقيدة أو النوع أو العرق، والسند لذلك هو أصول القرآن المكية لا فروعه المدنية المعروفة في الشريعة، فالشريعة التي يتبناها الهوس الديني لا يمكن تطبيقها في عالمنا المعاصر عمليا، فهي لم تشرع أصلا لمعالجة مشاكله التي تختلف من جميع الوجه عن مشاكل مجتمع القرن السابع.. ولأن التطبيق مستحيل عمليا، تجد التطبيق الذي يتم أبعد ما يكون عن السنة وعن الشريعة نفسها، بل هو تشويه لكليهما لم يسبق له مثيل في التاريخ.. ولبشاعة ممارسات الهوس الديني، تتكاتف الدول الغربية والإسلامية في مواجهته بالسلاح، ولكنها تقف عاجزة عن إيقاف هجرة مواطنيها نحو التطرف، فإذن السلاح وحده ليس العلاج فلا بد من مواجهة قصور الثقافة الغربية في مواجهة حاجة الإنسان المعاصر، فالحلول لا تأتي من تجارب الماضي، ولو كان الأمر كذلك لما قامت الدولة المدنية لتصحح الكنيسة ولما قامت هيئة الأمم المتحدة والمواثيق الدولية.. فالبشرية في حاجة إلى مدنية جديدة تنفخ الروح في الحضارة الغربية التي ثبت فشلها، وعجزت عن تحقيق السلام على هذا الكوكب..
في ختام هذا البحث، أقدم هذا الجزء من ديباجة الدستور التي كتبها الأستاذ محمود داخل المعتقل، حسب الأرقام:
"14″
إن البيئة التي نعيش فيها إذن، إنما هي بيئة روحية، ذات مظهر مادي.. وهذه الحقيقة ستحدث ثورة في مناهج التعليم الحاضرة، التي ظهر قصورها، وإليها يرجع فساد الحكم، وقصور الحكام، والمحكومين..
ما هي الروح؟؟ هي الجسد الحى الذي لا يموت!!
وفي المرحلة، قبل ظهور الجسد الحي، الذي لا يموت، فإن الروح هي الطرف اللطيف من الجسد الحاضر.. الروح هي العقل المتخلص من أوهام الحواس، ومن أوهام العقل البدائي الساذج.. الروح هي العقل المتحرر من سلطان الرغبة – الهوى.. ونحن لا نصل إلى الروح إلا بالإيمان، وبتهذيب الفكر، ومن أجل ذلك قال النبي الكريم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به..)) وما جاء به هو الشريعة، والطريقة، والحقيقة.. هذا شرط أول الطريق..
"15″
يسمي كارل ماركس اشتراكيته: الاشتراكية العلمية.. في حين يسمي اشتراكية روبرت أوين: الاشتراكية المثالية.. والناس يتحدثون، في الوقت الحاضر، عن العلمية بتأثر كبير برأى كارل ماركس عن اشتراكيته، ولكنهم غير دقيقين في هذه التسمية.. اشتراكية ماركس علمانية، وليست علمية.. وكذلك كل ما يتحدث عنه الناس الآن، إنما هو علماني، وليس علميا..
الفرق بين العلمية، والعلمانية، أن العلمانية علم ناقص.. وتجيء العبارة عنه في القرآن: ((وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون!!))
سماه، ونفي عنه، أنه علم.. قال ((لا يعلمون)) ثم قال ((يعلمون ظاهرا)).. وهذا الظاهر إنما هو المادة كما تتبادر إلى حواسنا.. العلمانية تتعلق بالحياة الدنيا – الحياة السفلى – حياة الحيوان، وتغفل عن الحياة الأخرى.. الحياة العليا، وهي حياة الإنسان..
كارل ماركس ينكر الغيب، وينكر الحياة الأخرى، وتتعلق اشتراكيته بالسعي في الحياة الدنيا، وفي، ظاهرها، ومن ثمّ فهو علماني، وليس عالما..
العالم هو الذي ينسق بين الحياة الدنيا، والحياة الأخرى، على غرار العبارة النبوية: ((الدنيا مطية الآخرة)).. العالم ذكي، والعلماني شاطر.. والفرق بين الذكي والشاطر أن الذكي يملك ميزان القيمة، ويقيم الوزن بالقسط.. والشاطر لا يملك هذا الميزان، فهو يخبط كحاطب الليل.. الذكي يعرف الوسائل والغايات، وينسق بينها، فلا يصرف، في سبيل الوسيلة، من الجهد، ما ينبغي أن يصرف في تحصيل الغاية.. والشاطر قد يفني حياته في سبيل الوسيلة، لأنه لا يملك التمييز الدقيق بين الوسائل، والغايات.. الدنيا وسيلة الآخرة، فيجب أن تنظم بذكاء، وبعلمية لتتأدّى إلى الغاية المرجوة منها.. ولا يستطيع ذلك العلمانيون وإنما يستطيعه العلماء..
"16″
الحضارة الغربية الحاضرة بشقيها – الاشتراكي والرأسمالي – إنما هي حضارة مادية، قيمة الإنسان فيها مهدرة، وقيمة الحطام مرتفعة.. هي حضارة، وليست مدنية.. هي حضارة التكنولوجيا الهائلة، والآلات الرهيبة، ولكن الإنسان فيها ليس سيد الآلة..
لقد نمّت التكنولوجيا الثروة بصورة خيالية، ولكن، لغياب القيمة، لم يكن هناك عدل في توزيع الثروة، وإنما انحصرت في أيدي القلة، وأصبح الفقر نصيب الكثرة، فذُهل الغني، بالغنى، عن إنسانيته، كما شُغل الفقير، بالفقر، عن إنسانيته، فانهزم الإنسان، في هذه الحضارة المادية، الآلية الهائلة، المذهلة.. لقد وصلت هذه الحضارة إلى نهاية تطورها، ووقف طلائعها في نهاية الطريق المقفول – طريق المادية الخالية من الروحية.. ولابد للبشرية التي سارت في هذا الطريق العلماني حتى بلغت نهايته من أن تعود لتدخل من جديد، في الطريق العلمي..
"17″
من الأمم الإسلامية أمم متقدمة، بمقاس الوقت الحاضر، فدخلت خلف طلائع الحضارة الغربية في هذا الطريق العلماني، وقطعت فيه شوطا، به اعتبرت متقدمة، في الوقت الحاضر.. ومن الأمم الإسلامية أمم متخلفة، بمقاس الوقت الحاضر، فلم تصل حتى إلى مفترق الطريقين – الطريق العلمي والطريق العلماني – وهي بذلك اعتبرت متخلفة..
أما نحن- السودانيين- فإننا، بفضل الله علينا، نقف اليوم في مفترق الطريقين.. لقد دخل بعضنا في طريق الحضارة الغربية الحاضرة، تبعا لطلائع هذه الحضارة، ولكنه لم يوغل، ولم يبعد عن مفترق الطريقين.. أما الشعب فإنه بفضل الله علينا، وعلى الناس، يقف عند مفترق الطريقين، تماما، محتفظا بأصائل طبائعه التي قد قدّها الله تعالى له من شريحة الدين..
أما نحن- الجمهوريين- فبفضل الله علينا، وعلى الناس، قد امتد بصرنا حتى رأينا قافلة البشرية الحاضرة، وهي تقف حائرة، عند نهاية طريق العلمانية المسدود، وأصبح واضحا عندنا، أن علينا لأن ندخل بشعبنا طريق العلمية حتى نكون للبشرية – قل للإنسانية – طليعة جديدة..
طريق العلمية طريق مفتوح على الإطلاق، وسير الإنسانية فيه سير سرمدي.. فهو يحقق فيه، كل حين، قدرا من إنسانيته، ومن كرامته، ومن عزه، ومن كماله.. وليست لكمال الإنسان نهاية، لأن نهايته عند الله ((وأن إلى ربك المنتهى)) ولا منتهى لكمال الله تبارك وتعالى..
"18″
إن العلمية لا تستغني عن العلمانية، وإنما تضعها في موضعها، وهو موضع الوسيلة من الغاية، على غرار ((الدنيا مطية الآخرة)).. فمن استغنى بالدنيا عن الآخرة، فقد ضل ضلالا بعيدا.. ومن حاول أن يطلب الآخرة بدون الدنيا فقد ضل.. والقصد القويم هو أن تأخذ من دنياك زاد الراكب، لتسير إلى أخراك.. هذا هو المقصود بقولنا إن العلمية لا تستغني عن العلمانية..
الحضارة العلمانية، المادية الآلية، الحاضرة، حضارة عملاقة، ولكنها بلا روح، فهي تحتاج إلى مدنية جديدة تنفخ فيها هذا الروح، وتوجهها الوجهة الجديدة، التي تجعلها مطية للإنسان بها يحقق إنسانيته، وكماله..
وهذا ما علينا أن نقدمه نحن من الاسلام..
إن الطريق العلمي الجديد الذي على الشعب السوداني أن يدخله منذ اليوم، هاديه كتاب الأجيال – القرآن – ودليله محمد، النبي الأمي، الذي جسد القرآن، في اللحم والدم.. فمعرفة الأكوان – العلمانية – ومعرفة الله – العلمية – يجب التنسيق بينهما بعلم، لأن الأكوان إنما هي مطية الإنسان، في سيره إلى الله.. يقول تعالى: ((سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم، حتى يتبين لهم: أنه الحق.. أو لم يكف بربك، أنه على كل شيء شهيد؟؟)). ويقول: ((خلقت الأكوان للإنسان، وخلقت الإنسان لي)).. وهذا هو معنى قوله تعالى: ((ما وسعني أرضي، ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن!!))..
"19″
علينا أن نعلم أنفسنا، وأن نعلم شعبنا، وأن نعيد تعليم المتعلمين منا، من جديد، فنخرجهم من الطريق العلماني، إلى الطريق العلمي..
إن علينا لأن ننشئ التربية، والتعليم.. فأما التربية فببعث سنة النبي فينا معاشة.. وهي معنى "العدل": العدل بين العبد والرب، والعدل بين العبد ونفسه، والعدل بين العبد وأهله، والعدل بين العبد والناس، والعدل بين الناس.. وهذا كله وارد في الكتب الجمهورية – "طريق محمد" و"أدب السالك في طريق محمد" و"الرسالة الثانية من الإسلام" و"رسالة الصلاة" و"تعلموا كيف تصلون" الخ، الخ.. وسيكون مجال التربية التعليم الرسمي، في المدارس، والمنابر الحرة، في كل ميادين القرى، المدن، ومنابر المساجد، ومنابر المدارس، والمعاهد، والجامعات، وكل مجاميع الشعب..
وأما التعليم الرسمي سيكون مجاله المدارس، والمعاهد، والجامعات، وهو تعليم يقوم على العلم المادي التجريبي، حتى يتقن المواطن، والمواطنة، المقدرة على تصميم الآلة، وصنعها، واستعمالها، وصيانتها، لكي يكون نافعا لمجتمعه بتسخير العالم المادي لخدمته.. لقد قلنا: إن العلم المادي، والعلم الروحي، قد اتفقا على وحدة الوجود، وذلك يعني أن بيئتنا التي ظللنا نحاول التعرف عليها في الآماد السحيقة بوسيلة العلم المادي، والعلم الروحي، قد ظهرت لنا على حقيقتها، بفضل الله علينا، ثم بفضل هذين العلمين..
إن علينا لأن نعيد توجيه برامج تعليمنا حتى يجد الفرد منا المقدرة على المواءمة بين حياته وبيئته هذه الجديدة، ولما كانت هذه البيئة الجديدة، إنما هي بيئة روحية، ذات مظهر مادي، كما سبق أن قررنا، فقد أصبح على الحى أن يعلم مظهرها ومخبرها – خصائصها وكنهها – وهذا ما يوجب تعلم العلم المادي، التجريبي، والعلم الروحي، كليهما، لكي يتم تواؤم الحى مع بيئته هذه القديمة، الجديدة.. انتهى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.