المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    اللجنة التمهيدية لنادي القضاة تطرح مبادرة لحل الخلافات بين النائب العام ونادي النيابة    لجنة الأطباء تستنكر طلب وزارة الصحة من المنظمات دفع استحقاقات كوادر عزل كورونا    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    حركة المستقبل للإصلاح والتنمية: غياب المحكمة الدستورية خصم على العدالة    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    سفيرة السلام والتعايش المجتمعي .. بقلم: نورالدين مدني    القتل بالإهمال .. بقلم: كمال الهِدي    (خرخرة) ترامب... و(خزا) جو بايدن .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الامين    المريخ يستجيب لطلب الفيفا    الهلال في ضيافة فايبرز الأوغندي ضمن الدور التمهيدي لدوري أبطال أفريقيا    ما شفت عوض ؟ .. بقلم: البدوي يوسف    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    بنك الخرطوم والتعامل بازدواجية المعايير مع العملاء .. بقلم: موسى بشرى محمود على    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    الكسرة والملاح في معرض الشارقة الدولي .. بقلم: نورالدين مدني    حادثة اختطاف الزميل خيري .. وبريق السلطة !! .. بقلم: د0محمد محمود الطيب    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    كامالا هاريس: سيّدة بلون الزعفران والذهب هل ستصبح أول رئيسة في تاريخ الولايات المتحدة؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    الطاقة: الإخطار الذي تم توجيهه للشركة الصينية جزء تعاقدي وخطوة قانونية    إطلاق أكبر تجربة سريرية لعلاج كورونا في السودان    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





حول دعوة د. عبد الله أحمد النعيم 8 التناقض


بسم الله الرحمن الرحيم
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا).. صدق الله العظيم..
حول دعوة د. عبد الله أحمد النعيم
8. التناقض
عدم التناقض هو المبدأ الأساسي في المنطق، وفي العلم، وفي التفكير المستقيم.. وعدم التناقض يعني أنه يستحيل وجود الشيء وعدمه في نفس الوقت، أو صدق القضية وكذبها في وقتٍ واحد.. عدم التناقض، بهذا المعنى، هو المبدأ الأساسي للتفكير المنطقي، كما أن التناقض بالمعنى المذكور، هو ما تقوم عليه دعوة عبدالله أحمد النعيم، في أساسياتها، وفي تفاصيلها، الأمر الذي يجعلها لا علاقة لها بالتفكير المنطقي السليم، لا من قريب ولا من بعيد.. بل أكثر من ذلك، هذه الدعوة، أساساً لا وجود لها.. وهذا ما سنوضحه بصورة وافية، وقاطعة.
لأهمية الموضوع، ولإيضاح مدى التناقض، سأضع تحت بعض الكلمات، والعبارات، خطوطاً.. فأينما وُجِدت خطوط تحت الكلمات، في هذه الحلقة، وما بعدها، فهي من وضعي.
صفة صاحب الدعوة:
هل عبدالله أحمد النعيم، في كتاباته، وأحاديثه، في دعوته، ينطلق من أنه صاحب دعوة خاصة به؟! أم ينطلق بصفته تلميذاً للأستاذ محمود محمد طه؟
يقول عبدالله، من كتابه Islam and the secular state: (هذا الكتاب تتويج لمجهود حياتي.. إنه الكلمة النهائية التي أود أن أدلي بها في مواضيع ظللت مهموماً ومشغولاً بها منذ أن كنت طالباً في جامعة الخرطوم بالسودان في أواخر ستينات القرن الماضي)..
وقال في مؤتمر بالأسكندرية: (أتعامل مع الأفكار التي طرحتها أمامكم، بوصفها رسالة يتعين عليّ النضال الفعال والدائم من أجل تأكيد صحتها)..أبريل 2006م..
ويقول من الترجمة العربية لكتابه (الإسلام وعلمانية الدولة) 2010م: (أول ما أبدأ به هو تقرير أن ما أقول به في هذا الكتاب هو على مسؤوليتي الشخصية، وهو من ديني الذي أحاسب عليه أمام الله وأتحمل تبعاته بين الناس)..
وهو يقول عن نفسه إنه صاحب أصالة داخل إطار التقليد.. ويقول من الطبعة العربية لكتابه (الإسلام وعلمانية الدولة): (ومن هذا المنظور أتجه الآن لأبين ما آمل أن يكون نظرية جيدة بوسعها أن تحرك وتحفز المسلمين، في كل مكان، للعمل على التحول الاجتماعي الإيجابي المنشود)..علمانية الدولة..ص 62.. هذه النظرية الجيدة، هي مفهومه عن إعادة تفسير الشريعة، وقد تحدثنا عنه، وهو يقدمه كبديل لمفهوم (تطوير التشريع عند الأستاذ محمود)!!
مقابل هذا، هو يقول إنه تلميذ للأستاذ محمود، وهذا يجري بصورة دائمة.. وقد عُرف في جميع الأماكن التي تحدث أو كتب فيها، بصفته تلميذاً للأستاذ محمود.. ويمكن أن يُقال، بحق، إنه أكثر من اشتهر في العالم بأنه تلميذ للأستاذ محمود، ويتم التعامل، والتحاور معه على هذا الأساس.. ولم يقل في أي يوم من الأيام إنه في دعوته هذه الخاصة ليس تلميذاً للأستاذ.. وقد جرت معه مقابلات صحفية عديدة جداَ بصفته تلميذاً للأستاذ محمود، وهو يجيب نيابة عن أستاذه.. وقد أشرنا الى لقاء باولا بيرنانديني، حيث يقول: (أستاذي وأنا...) وفي ميثاقه، الذي طرحه قال: (أنا تلميذ الأستاذ محمود محمد طه في جميع أحوالي وفي كل ما أدعو إليه في أمور الحياة العامة)..مارس 2011م..
ويقول في ندوة مركز الخاتم عدلان ديسمبر 2008 إنه جمهوري منذ 1968م، فطوال الوقت الذي هو فيه جمهوري، هو أيضاً صاحب دعوة خاصة!! فالدعوة الخاصة، بدأ الانشغال بها، حسب قوله، منذ أواخر ستينات القرن الماضي.. والفكرة انتمى اليها منذ أواخر ستينات القرن الماضي.. والأمر مستمر حتى 2011م!!
وعندما يقول عبدالله، إنه تلميذ للأستاذ محمود، في جميع ما يدعو له من أمور الحياة العامة، يجعل المستمعين يعتبرون أفكاره هي أفكار الأستاذ، يعبر عنها أحد تلاميذه.. وبذلك ينسب لدعوة الأستاذ كل مفارقات، وأخطاء، وتناقضات، دعوته الخاصة.. وهذا ما ظل يجري بالفعل، بل، هذا هو الهدف الأساسي!!
نحن هنا نحب أن نقرر أن كل التناقضات، ترجع الى هذه الازدواجية، بالإضافة الى ازدواجية أخرى، هي ازدواجية الإسلام والعلمانية.. فعبدالله، يزعم أن مجال تفرده هو أنه يدعو الى العلمانية، من منظور إسلامي.. ومن هذا المنظور، هو يجعل العلمانية، متمثلة في ما أسماه (المنطق المدني)، وحقوق الإنسان هي الميزان الذي يزن به الإسلام.. وفي الواقع لا علاقة لدعوته بالإسلام، إلا علاقة تشويه، كما بينا بالتفصيل.. بل هو شوه العلمانية نفسها!!
المنطق المدني والعقيدة:
رأينا، أن المنهج عند عبدالله، هو ما يسميه المنطق المدني، وهو منهج كما بينا لا علاقة له، بالمنطق، وصاحبه يفترض فيه أنه عام ومشترك بين كل الناس، في حين أنه يقوم على ذاتية مفرطة، ولا أحد غيره، حسب ما هو مطبق عند صاحبه، يعمل به.. وهذا المنطق، كما رأينا يستبعد العقيدة والدين، فصاحبه يقول عنه: (المنطق المدني هو الخطاب الذي يعتمد على مرجعية المواطنة، وليس المرجعية الدينية العقائدية، التي يختلف فيها الناس بالضرورة).. وبالطبع (المواطنة) مصطلح سياسي لا علاقة له بالمنطق، حتى يكون مرجعية له.. ويقول: (الغرض من وراء هذا المنهج هو مقدرة كل منا إقناع الآخرين بالحجج، ووسائل الخطاب التي لا تعتمد على العقيدة دائماً، حتى لدى من يتجاوزون مستوى العقيدة من خلال الاعتماد عليها).. واضحٌ أن من مقومات المنطق المدني الأساسية، إبعاد العقيدة.. فهذا شرط ضروري بالنسبة للمنطق المدني.. ولكن هذا الشرط، صاحبه يلزم به الآخرين، ولا يلتزم به هو!! فهو كثير الحديث عن عقيدته!! فهو يقول مثلاً: (إيماني بإمكانية التعاضد الإنساني لدرء مخاطر ضعفنا الإنساني المشترك تجاه ما يهدد حيواتنا ومعيشتنا).. علمانية الدولة ص 444..
أولاً: لماذا تحدثنا عن إيمانك، في حين تنهانا عن الحديث عن إيماننا!! هذا تناقض.. ثم موقفك من الطبيعة البشرية يجعل هذا التعاضد غير ممكن، فأنت ترى بصورة مبدئية أن البشر لا يمكن لهم الاتفاق، والاختلاف والصراع هو ما جبلوا عليه.. فمن أين يأتي إيمانك هذا؟! لا يوجد أي سند موضوعي له.. هذا في حين أنك تستبعد الإيمان الذي يقوم على الوعد الإلهي.. وفي الوقت الذي فيه تستبعد الدين، تقول إن منطلقك ديني!!
وعندك الفكر الديني ذاتي، وليس موضوعياً.. وعندك، الدين يفرِّق ولا يجمع.. فهل هذا ينطبق على منطلقك الديني؟! وإذا كان لا ينطبق، فلماذا؟ هل لأن دينك، فيما يتعلق بالدولة، يقوم على العلمانية؟! هذا تفكير عقيم.. ولكن لنفترض أنه صحيح، فهو يتناقض مع رأيك المبدئي في الطبيعة البشرية.. فأنت تقرر، بصورة حاسمة، أن الاختلاف والصراع هو سنة الله في خلقه، وأنه سيستمر الى يوم القيامة!!
يقول عبدالله: (أؤمن أنه من الضروري أيضاً أن نتحدى فوقية الشعار التجريدي للمنطق العلماني الخالص على المنطق الديني، حيث يصور الأخير كشكل جدلي أقل تماسكاً وسلامة)..علمانية الدولة ص 444.. هذا مجرد تناقض، فأنت تؤكد في كل طرحك فوقية المنطق العلماني، على المنطق الديني.. أكثر من ذلك فأنت تستبعد المنطق الديني بصورة نهائية، الأمر الذي لا يفعله غيرك من العلمانيين.. فأنت من زعم أن التفكير الديني هو تفكير ذاتي، وليس موضوعي!! وأنت من زعم بأن المنطق الديني لا يصلح لمعالجة تعقيدات الدولة الحديثة.!!
لقد سبق لنا أن أوردنا، قول عبدالله، الذي جاء فيه: (وهذا القول ينطبق على ما أعتقد بأنه شريعة الرسالة الثانية.. فعقيدتي في الرسالة الثانية لا تجعلها قانوناً للدولة).. هذا النص يلخص طبيعة فكر عبدالله _إذا صح أنه فكر_ وما يقوم عليه من تناقض.. فالرسالة الثانية، كما هي في الواقع، تقوم على تشريع للدولة، واضح ومفصل، في كل الجوانب: السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتعليم، وهو أمرٌ موثق، فلا مجال لإنكاره.. ومن الجانب الآخر، طرح عبدالله، يقوم على رفض مبدئي، لأي تشريع للدولة، باسم الإسلام، بل هو يرى أن هذا أمر مستحيل.. فموقف الرسالة الثانية، كما هو في الواقع، وموقف طرح عبدالله، كما هو في الواقع، بينهما تناقض مبدئي، يجعلهما لا يلتقيان.. فالوضع الطبيعي أن يقول: أنا ليست لي عقيدة في الرسالة الثانية لأنها تقوم على تشريع إسلامي للدولة، وهذا عندي خطأ ومستحيل.. ولكنه يريد أن يحتفظ بانتمائه، للرسالة الثانية، وفي نفس الوقت يحتفظ بموقفه المناقض لها، ومن أجل ذلك قال عبارته العجيبة!! وهذا يوضح بصورة جلية، انقسامه، وتناقضه الداخلي.. فهو يريد للرسالة الثانية أن تكون عكس ما هي عليه، ليؤمن بها، أو هو يؤمن بها بصورة تقوم على عكس ما هي عليه!! ولقد سبق لنا أن نبهنا لتعامله مع الواقع، فهو دائماً يتعامل مع الواقع، ليس كما هو وإنما كما يريده هو أن يكون، ثم يعتبر تصوره هذا المناقض للواقع، هو الواقع نفسه.
الطبيعة البشرية:
الإجماع واستحالة الاتفاق:
لعبدالله رأي مبدئي في الطبيعة البشرية، يجعل الإنسان شريراً بطبعه، ولا يمكن أن يتخلص من نقائصه، وقد عرضناه.. وهو يرى أن الصراع والاختلاف _عدم الاتفاق_ أمر أصيل في الطبيعة البشرية، فهو ما جبل عليه الناس، وهو سنة الله في خلقه!! فهو يقول: (الاختلاف هو سنة الله سبحانه وتعالى في البشر، ولن ينتهي بحكم نصوص كثيرة في القرآن.. وقد بدأ الاختلاف بين المسلمين يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم)..الصحافة لقاء صلاح شعيب.. واضح أنه لا يتحدث عن الاختلاف في الخصائص!! ويقول: (الصراع الإنساني والاختلاف هو الصفة اللازمة للطبيعة البشرية، وستبقى كذلك حتى يوم القيامة).. المصدر السابق.. ويقول: (وحدة المسلمين لم تتحقق منذ أن التحق النبي عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى).. المصدر السابق.. هو يقول (بحكم آيات كثيرة) ولكنه لم يورد ولا آية واحدة منها!! وعن المسلمين تحديداً يقول: (لو كانت الدولة مكونة من المسلمين بنسبة 100%، فإنهم لن يكونوا مسلمين على نهج سواء.. المسلمون كانوا دائماً على اختلاف، وسيظلون دائماً على اختلاف، وليس هنالك إجماع ديني)!! من لقاء باولا بيرنانديني..
لاحظ: 1. كانوا دائماً على اختلاف 2. وسيظلون دائماً على اختلاف 3. وليس هنالك إجماع ديني!!
وعن دعوته، يقول: (بالمدى الذي تسمح به صحتي، ومقدراتي، سأكون مستعداً للذهاب الى أي مكان للتحدث للناس حول هذا الموضوع.. ولكن لا يمكن أن أتوقع أن أنجز الكثير بمفردي، ولهذا من المهم تحقيق إجماع)!! مقابلة أجرتها ايموري ان ذي ورلد.. فهو يريد تحقيق إجماع، مخالفاً لما يعتبره سنة الله التي جبل عليها البشر!! ويقول: (يمكن الإجماع على قيم إنسانية مشتركة، رغم الاختلاف حول مصادر تلك القيم بين مجتمع وآخر)..علمانية ص 54.. (إجماع على قيم)!! وهو الذي حكم بأن الاختلاف ماضٍ إلى يوم القيامة، كما حكم باستحالة تغيير الطبيعة البشرية، والتخلص من الهوى، والفساد والظلم.. وهو القائل عن البشر: (هم مجبولون على الخطأ والهوى والاختلاف فيما بينهم مع إصرار كل منهم على أن الحقّ معه هو؛ والباطل بالضرورة واقع على من يخالفه الرأي)..علمانية ص 394.. لاحظ (مجبولون)!! ويقول: (الدولة العلمانية قادرة على توحيد المجتمعات المتباينة عقائدياً، عملياً، في محتمع سياسي واحد)..الصحافة 13 مايو 2008م حوار صلاح شعيب..
فهو في الوقت الذي يقول فيه (ليس هناك إجماع ديني)، يجعل (الإجماع) هو المصدر الأساسي، حتى أنه يقول: (وكل ما يدركه المسلمون اليوم من تصورات للشريعة، حتى تلك التي ينعقد حولها إجماعهم، ما هي إلا نتاج آراء بشرية عن معنى القرآن والسنة)..علمانية الدولة ص 51.. ويقول: (فإن القداسة التي يضفيها البعض على الكثير من الآراء المتعلقة بأحكام الشريعة قد أصبحت كذلك بحكم ما لاقته معظم هذه الآراء من إجماع من قبل المسلمين).. وفي مكان آخر يقول: (ليس هناك إجماع ديني).. فمن جانبٍ (المسلمون كانوا دائماً على اختلاف وسيظلون دائماً على اختلاف) ومن الجانب الآخر، المسلمون ظلوا دائماً على إجماع حول القرآن والسنة.. وحتي ينفي عن الشريعة، أنها وحي منزل، يقرر: (إن أي فهم للشريعة هو بالضرورة ناتج عن الاجتهاد، ففهم معاني القرآن والسنة لا يتم إلا عبر التفكير الإنساني)..علمانية ص 43.. ويقول: (والحق أن تعريف الاجتهاد، وتحديد شروط المجتهد، هما بالضرورة نتاج للفكر والتقدير الإنساني، وليس للوحي المنزل)..علمانية ص 43.. ويقول: (فإن معرفتنا بالقرآن والسنة هي محصلة إجماع أجيال متعاقبة، منذ القرن السابع الميلادي)..علمانية الدولة ص 42.. وهو يتحدث عن الإجماع، في مواقع عديدة، فهو يقول: (الشرعية الثقافية خطوة أولى لتحقيق عالمية أصيلة، عبر إجماع حول تلك المفاهيم)..علمانية الدولة ص 58.. ويقول: (ومع ذلك فإن إدراكنا باستحالة الحياد الثقافي، لا يعني أنه يستحيل عقد إجماع، على معايير أو أطر عالمية)..علمانية ص 57.. وهو يصل إلى الحد الذي يقرر فيه أن الاجماع _الغير ممكن عنده_ هو أساس قبول القرآن والسنة، إذ يقول: (الإجماع هو أساس قبول القرآن والسنة)..علمانية الدولة ص 43.. وهو يدعو الى إجماع جديد حول إعادة تفسير الشريعة، وهذا يمثل دعوته الخاصة _وقد سبق أن عرضناه_ فهو يقول: (ليس هناك ما يمنع أو يبطل تكوين إجماع جديد، حول تقنيات التفسير، أو حول تفسيرات جديدة للقرآن والسنة)..علمانية ص 43.. بل هناك ما يمنع، وهو الطبيعة البشرية، حسبما تزعم!! أولست أنت من يقول إن الخلاف والصراع هو سنة الله في خلقه، وأن الاتفاق، بين البشر، مستحيل، خلّ عنك الإجماع..
التناقض حول الشريعة:
ما هي الشريعة؟ يقول عبدالله: (غير أن الشريعة في الحقيقة هي الباب والممر لأن يصبح المرء مسلماً، ولكنها لا تشمل كل امكانيات المعرفة الإنسانية والتجربة المعاشة للإسلام)..علمانية الدولة ص 463.. هذا صحيح، فالشريعة هي الباب.. ووفق هذا التعريف نظرية عبدالله، في إعطاء الشريعة تفسيراً جديداً _على خطئها_ هي ليست أكثر من أمر يتعلق بالباب!! وهو أمر _كما هو الشأن دائماً_ يقوم على تناقضات أساسية، فنظريته الخاصة بإعادة تفسير الشريعة، تقوم على الاجتهاد.. والاجتهاد لا يكون إلا فيما ليس فيه نص.. والشريعة تقوم على النصوص القطعية.. هذا ما يفهمه جميع المسلمين، وهو ما يقول به عبدالله أيضاً، مناقضاً لنفسه!! وقد سبق أن أوردنا قوله الذي يقرُّ فيه أن الاجتهاد إنما يكون فيما ليس فيه نص.. وهو يقول، المحكم في القرآن، ليس محدداً، وأن الشريعة فهم بشري، كما سبق أن أوردنا.. ويناقض قوله هذا، بقول صريح هو: (إن الاجتهاد في إطار الشريعة غير كاف لأن معظم مباديء وقواعد الشريعة محل الخلاف والمتعلقة بالقانون الدستوري والعدالة الجنائية والقانون الدولي وحقوق الإنسان تقوم على نصوص واضحة قاطعة من القرآن والسنة)..نحو تطوير ص 82..
هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، يقول عن الشريعة إنها لا تقوم على نصوص واضحة وقاطعة، وإنما على فهم بشري، يدعو هو الى إيجاد البديل له، عبر الاجتهاد الذي يقر أنه لا يكون إلا فيما ليس فيه نص!! إذ يقول: (كل ما يدركه المسلمون اليوم من تصورات للشريعة، حتى تلك التي ينعقد عليها إجماعهم، ما هي إلا نتاج آراء بشرية عن معنى القرآن والسنة)!! فهو يدعو إلى نظرية، هو نفسه، يعتبر جميع أركانها باطلة!!
باختصار عبدالله يدعو إلى: 1. الاجتهاد، وفي ما فيه نص، بينما يقر كتابة أنه لا اجتهاد فيما فيه نص 2. إعادة تفسير نصوص الشريعة، ليتجاوز بها، ما يعتبره هو نفسه (نصوص واضحة قاطعة من القرآن والسنة)!!
يقول عبدالله: (القرآن هو مصدر إيمان المسلمين بأن الشريعة هي أمر الله المباشر والشامل. وبالتالي فإن كافة المصادر والمناهج الأخرى، وكذا أي مبدأ أو قاعدة في الشريعة، ينبغي أن تقوم على أساس قرآني، أو على الأقل، أن يوضح اتفاقها مع أحكام القرآن)..نحو تطوير التشريع ص 48.. إذن، الشريعة هي أمر الله، وليست مجرد فهم بشري، كما زعم.. والقرآن هو المصدر الأساسي، وليس الإجماع.. وهو يعرف، وضع الإجماع، وترتيبه بصورة واضحة، فهو يقول: (المصادر الأربعة للشريعة هي القرآن وسنة النبي عليه السلام والإجماع والقياس. وثمة إشارات في بعض الروايات القديمة الى الاجتهاد باعتباره مصدراً آخر)..نحو تطوير ص 47.. رغم ذلك، في كتابة (علمانية الدولة) عكس الأمر، وقدم الاجتهاد والإجماع وجعل القرآن والسنة يخضعان للاجتهاد والاجماع!!
ثم إنه يقول: (أصبح للروايات المتناقلة عن الصحابة والتابعين وضع أدنى، وإن بقيت قائمة في صورة (إجماع) هو المصدر الثالث للشريعة)..نحو تطوير ص 50.. والاجتهاد، اصطلاحاً، حسب قوله هو: (استفراغ الفقيه الوسع لاستنباط حكم فقهي في أمر لم يرد فيه نص من القرآن والسنة)..نحو تطوير 54.. إذن فهو يعلم تماماً، خطأ نظريته التي تقوم على الاجتهاد فيما فيه نص.
دولة المدينة:
بين الدين والسياسة:
إن قول عبدالله أن (دولة المدينة سياسة وليست دين) هو حكمٌ على عمل المعصوم العام، في الدولة، بأنه ليس دين، ولكنه في مكان آخر يقر بأن مثل هذا القول مستحيل في حق المعصوم، فهو يقول: (فكما قال فضل الرحمن (بحق) الصعوبة أمام العلماني الحقيقي في (العالم الإسلامي) هي اضطراره الى إثبات المستحيل، وهو أن محمداً حين يسلك مسلك المشرّع أو الزعيم السياسي، إنما يسلك مسلكاً علمانياً خارج نطاق الدين).. (مسلكاً علمانياً خارج نطاق الدين)!! إن هذا النص، الذي يقره عبدالله، يقطع باستحالة القول بأن النبي يمكن أن يسلك مسلكاً غير ديني في أي شأن من شئون تصريف الدولة، ولكن عبدالله يعود ويعتبر ما كان مستحيلاً عنده، هو ما عليه الأمر في حق المعصوم، فيقول بأن عمل النبي، كرئيس لدولة المدينة (سياسة وليس دين)!!
الشريعة والدستور:
من الأمور البديهية، أن الشريعة الإسلامية، كما جاءت في القرن السابع الميلادي، تقوم على الوصاية بصورة لا لبس فيها.. فالنبي، صلى الله عليه وسلم، وصي على الأمة.. والمسلمون أوصياء على غير المسلمين.. والرجال أوصياء على النساء.. وحقوق غير المسلمين، ليست مساوية لحقوق المسلمين.. وحقوق النساء ليست مساوية لحقوق الرجال.. ولذلك، النظام حسب الشريعة، ليس نظاماً ديمقراطياً، ولا يقوم على الدستورية.. بل آيات الشريعة ناسخة لآيات الديمقراطية في القرآن، وهي آيات الأصول.. يقول عبدالله: (أنا لا أقول إن الشريعة غير متسقة بطبيعتها مع الحكم الدستوري وحقوق الإنسان والديمقراطية)..علمانية الدولة ص 452.. بل تقول!! فأنت بعد صفحة واحدة فقط تقول: (أقترح، من وجهة النظر هذه، إعادة تفسير بعض الوجهات التفسيرية التاريخية المعينة للشريعة، وهي قوامة الرجل على المرأة، واستعلاء المسلمين على غير المسلمين (نظام الذمة) والجهاد العدواني العنيف)..علمانية الدولة ص 453.. فهل (القوامة، واستعلاء المسلمين على غير المسلمين، والجهاد العدواني العنيف)، حسب قولك، ينسجم مع الديمقراطية، والعمل الدستوري، وحقوق الانسان؟! من المؤكد لا!! وقولك، هذا الأخير، يعني ذلك.. وإذا كان الأمر خلاف ذلك، فلماذا تقترح إعادة تفسيره؟! ما تسميه أنت هنا (تفسير تاريخي للشريعة) هو الشريعة، وليس مجرد تفسير تاريخي لها، وأنت تعلم ذلك، وتقوله في غير هذا الموضع.. فأنت تقول مثلاً: (في اعتقادي أنه إذا استمر المسلمون في تمسكهم بإطار الشريعة التقليدية، فلن يحققوا أبداً ذلك القدر الضروري من الإصلاح، الذي يجعل القانون العام الإسلامي قابلاً للتطبيق في زماننا هذا)..نحو تطوير ص 65.. فأنت هنا تقول (إطار الشريعة) وهناك تقول (التفسير لبعض الوجهات التفسيرية للشريعة)!!.. وتقول: (إن الاجتهاد في إطار الشريعة غير كاف لأن معظم مباديء وقواعد الشريعة محل الخلاف والمتعلقة بالقانون الدستوري والعدالة الجنائية والقانون الدولي وحقوق الإنسان تقوم على نصوص واضحة وقاطعة من القرآن والسنة)..نحو تطوير ص 82.. (نصوص واضحة وقاطعة من القرآن والسنة)، وليست مجرد تفسير تقليدي!! و(الاجتهاد في إطار الشريعة غير كاف)!! والآن تجعله منهجك البديل للتطوير!! وتقول في موضع آخر: (فيما يتصل بالدستورية والعدالة الجنائية والقانون الدولي، فإن أساليب الاصلاح التقليدية في إطار الشريعة لا تكفي لتحقيق الدرجة اللازمة من الإصلاح)..نحو تطوير ص 226..
وعن علاقة الشريعة بحقوق الإنسان، يقول عبدالله: (النزاعات بين الشريعة وحقوق الإنسان تتضمن قضايا حقوق النساء وغير المسلمين)..علمانية الدولة ص 162.. ومع ذلك، يقول إن الشريعة، بطبيعتها، متسقة مع حقوق الإنسان.. في مكانٍ، يوجد (بينها وبين حقوق الانسان نزاعات)، وفي مكانٍ آخر هي (متسقة، بطبيعتها، مع حقوق الإنسان)!!
حياد الدولة تجاه الدين:
من مباديء عبدالله الأساسية، التي يدعو لها، هي حياد الدولة تجاه الدين، فهو يقول: (الحياد المقترح للدولة تجاه الدين مطلوب بالتأكيد للتنمية المستقبلية للشريعة نفسها. كما قلت سابقاً فإن الإجماع واحد من المصادر والمناهج التأسيسية الأولى للشريعة. نحن قبلنا اليوم عبر الإجماع المتواصل من الأجيال المسلمة السابقة، بأن القرآن هو التمثيل الصحيح للوحي الإلهي الذي تلقاه النبي، عليه الصلاة والسلام، قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. مصداقية مصادر السنة في أنها التمثيل الصحيح لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام أو أقره أيضاً مبنية على الإجماع. أياً كان ما هو مقبول عند بعض المسلمين كجزء من الشريعة فإنه مبني على إجماعهم ببساطة).. علمانية الدولة ص 465.. لاحظ: (القرآن هو التمثيل الصحيح للوحي الإلهي)!! ليس هو الوحي، وإنما تمثيل له تم قبوله، واعتماده، عن طريق الإجماع!! لاحظ الدور الخطير للإجماع في الماضي، وفي المستقبل!!
ومع كل حديثه هذا عن الإجماع، وأهميته في الماضي والمستقبل، فهو يقرر، بصورة حاسمة، ما يلي: (المسلمون كانوا دائماً على اختلاف وسيظلون دائماً مختلفين)!! وأن (الخلاف هو سنة الله تعالى في البشر ولن ينتهي...) وأن (الصراع الإنساني والاختلاف، هو الصفة اللازمة للطبيعة البشرية، وستبقى كذلك حتى يوم القيامة)!!
ما يعنينا هنا، هو حياد الدولة، الذي يشكل بعداً أساسياً، من أبعاد، دعوة عبدالله.. فإلى جانب المبدأ العام، حول حتمية الاختلاف والصراع، يخص عبدالله الحياد، بموقف محدد منه، يقضي باستحالة تحقيق الحياد عبر أي مؤسسة بشرية.. فهو يقول: (لا يمكن لأي مؤسسة بشرية تحقيق الحياد والمساواة وحقوق المستضعفين)..أجراس الحرية 2008م.. فما معنى، وقيمة أن تدعو، لما تعتبره، أنت نفسك مستحيلاً؟!
التناقض وحقوق الانسان:
أولاً: من هو الإنسان في نظر عبدالله؟ يقول: (القاعدة العالمية فيما يخص الإنسان هي أنه ليس هناك وجود لإنسان عالمي (كوكبي)، ولذلك فإننا نواجَه بمشكلة عندما نحاول إيجاد تعريف مفهومي لحقوق الإنسان العالمي).. من ندوة أقيمت بجامعة هارفارد عن: Who is the Human in Human Rights .
من المؤكد أنه إذا لم يكن هناك تعريف للإنسان، يشمل الإنسان من حيث هو، فلا يوجد إنسان عالمي، أو إقليمي، أو تاريخي.. وقد حسم عبدالله موقفه بقوله: (ليس هناك وجود لإنسان عالمي (كوكبي)...)، وبذلك، أصبح، عنده، مشكلة حقوق الإنسان غير محلولة، طالما لا يوجد إنسان كوكبي.. فهو يقول: (إننا نواجه بمشكلة عندما نحاول إيجاد تعريف مفهومي لحقوق الإنسان العالمي).. ولذلك، بحسب عبدالله، فإن مشكلة حقوق الإنسان، لا مجال لتجاوزها، إلى أن يتم التوصل إلى مفهوم معلوم للإنسان الكوكبي.. وقد رأينا، تصور عبدالله للطبيعة البشرية، وهو تصور يقوم على الاختلاف والصراع: (الصراع الإنساني والاختلاف هي الصفة اللازمة للطبيعة البشرية، وستبقى كذلك حتى يوم القيامة) و (الاختلاف هو سنة الله تعالى في البشر، ولن ينتهي...) و (لا يمكن تحقيق الحياد والمساواة وحقوق المستضعفين) و (لا يمكن أن تكون هنالك دولة خالية من الفساد والغرض)!! وقد سبق أن نقلنا نصه، ونعيده هنا فهو يقول: (لا يمكن لأي مؤسسة بشرية أن تحقق الحياد والمساواة وحقوق المستضعفين وهذا هو خطأ جوهري في زعم الدولة الدينية.. هنالك من يدعي أن الدولة الدينية خالية من الفساد والغرض والهوى، وأنا (عبدالله أحمد النعيم) أقول من يزعم هذا إما مضلل لنفسه أو مخادع للناس، لا يمكن أن يتم ذلك لبشر، وأنا أصر على الاحتفاظ بالطبيعة البشرية للدولة).. عبارة (وأنا أصر على الاحتفاظ بالطبيعة البشرية)، تعني أن البشرية، لن تتحول لمرحلة الإنسانية.. فهذه هي الطبيعة البشرية، عند عبدالله، وهي طبيعة، لا يمكن التحول عنها، عنده..
إذن، بحسب تصور عبدالله هذا، يصبح الباب، أمام تحقيق حقوق الإنسان، مسدوداً تماماً.. فحقوق الإنسان، في حقيقتها، هي عملٌ في نصرة المستضعفين وحمايتهم من جور الأقوياء، وهذا، بحسب عبدالله، غير ممكن، والقول به خداع للناس.. ثم إن حقوق الإنسان تقتضي، إقامة العدل، وتحقيق المساواة، ومنع الفساد.. وهذا كله، بحسب عبدالله، مستحيلٌ ابتداء، بحكم الطبيعة البشرية.. إذن، بحسب هذا التصور، فإن حكم القانون نفسه غير ممكن.
وبعد هذا كله، يأتي عبدالله، ليقول لنا: (يمكن لمفهوم حقوق الإنسان أن يكون أداة قوية لحماية كرامة الإنسان والترويج لرفاهية الأفراد في كل مكان، لقوته السياسية، والأخلاقية العظيمة المستمدة من النفوذ الأخلاقي لهذه الحقوق، بحكم الإجماع العالمي عليها. حقيقةً هذه الحقوق توفر (المثل الأعلى المشترك) الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كما هو مذكور في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948م)..علمانية الدولة ص 158.. ها هو، مرةً أخرى، يتحدث عن الإجماع (العالمي)!! ومواصلة لنفس هذا النص هو يقول: (لكن لكي تصبح هذه الحقوق معياراً عالمياً فذلك يتطلب بناء عملية من التوافق العالمي، بدل افتراضها أو فرضها. وبما أن جميع مجتمعات البشر تدين أيضاً بمعاييرها الخاصة، التي تشكلت بالضرورة عن طريق سياقاتهم وتجاربهم الخاصة، فإن أي مفهوم عالمي لا يمكن اعتماده كمعطى جاهز)!! رغم كل التناقض، كيف يمكن الوصول الى إجماع، والاختلاف والصراع بين البشر قائمٌ إلى يوم القيامة، كما تقرر؟!
وطالما أنه رجع، وأنكر الإجماع، يصبح الحديث عن القوة الأخلاقية، لهذه الحقوق، قول غير صحيح، لأنها مبنية على الإجماع.. بل هو عملياً غير صحيح، إذ لا توجد أي قوة أخلاقية لحقوق الإنسان.. فالأمثلة شاهدة على أن حماة حقوق الإنسان، من الدول الكبرى، ينتهكون حقوق الغير، من المستضعفين، باسم حقوق الإنسان، وأنت تقول إن الصورة القائمة لحقوق الإنسان، ليست هي النموذج الوحيد، وإنها (قابلة للتغيير عبر نفس عملية إعادة النظر في الفهم وتأسيس إجماع جديد، على الفهم الحديث)..علمانية الدولة ص 156 - 157..
ولكن، الإجماع، عندك، غير ممكن، بصورة مبدئية، ونهائية!! فعلى أي أساسٍ يقوم التغيير الذي تنادي به؟!
ما أراه أن أي تغيير لا يقوم على مفهوم مشترك للإنسان لا معنى له، ولا جدوى منه.. وأنت ترى أن هذا المفهوم غير موجود، ولا وجود لإنسان كوكبي.. وحتى إذا تم تعريف مشترك للإنسان، فإنه لا يساعد على تحقيق حقوق الإنسان، إلا إذا قام هذا التعريف على طبيعة إنسانية، يمكن أن تستجيب لحقوق الإنسان بطبيعتها.. وأنت قد حكمت، نهائياً، بثبات الطبيعة البشرية، كما تراها، بكل ما جبلت عليه من نقص وقصور واختلاف، كما تزعم، وبالتالي فهي لا تستجيب لحقوق الإنسان، لأن حكمك عليها يقضي بأن السلبيات التي عددتها في تسبيبك لهذا الحكم _وهي بطبيعتها ضد حقوق الإنسان_ غير قابلة للتغيير!!
إن قولك، بأن حقوق الإنسان، كما هي في الميثاق العالمي (توفر المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم) قولٌ صحيح، على الأقل في المرحلة، ولكنك، أنت نفسك، على عادتك في التناقض مع نفسك، تعترض عليه، وتقول: (أنا اعترض على إشارة أن النموذج الوحيد لعالمية حقوق الإنسان قد تم وضعه من جانب المجتمعات الغربية، أو غيرها من المجتمعات..)..علمانية الدولة ص158.. وأنت تقول: (الكثير من المواد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد تم نقلها حرفياً من بنود الحقوق الأساسية في دستور الولايات المتحدة بالذات)..علمانية الدولة ص 159.. ومع ذلك تقول _كديدنك في التناقض: (من ناحية أخرى فإن المسلمين الذين يزعمون أنهم يرفضون حقوق الإنسان لأنها غربية يجب عليهم أيضاً أن يرفضوا فكرة الدولة الجغرافية، والتجارة الدولية، والعلاقات الاقتصادية وغيرها، التي تقدمها النماذج الغربية. إن كانوا غير قادرين أو راغبين في فعل ذلك، إذن فعليهم قبول حقوق الإنسان كأدوات ضرورية وفعالة لتقليل الانتهاكات وإصلاح الاضرار التي تحصل عادة تحت هذه النماذج الغربية)..علمانية الدولة ص 159.. فماذا تريد أن تقول بالتحديد؟؟
أولاً: لا يوجد رفض، من حيث المبدأ، لحقوق الانسان..
ثانياً: الرفض لحقوق الإنسان القائمة، هو رفض لإطار التوجيه الذي تقوم عليه.. مثلا: لا أحد يرفض حق الحياة، وحق الحرية، لكن المفهوم الغربي لهما، يسمح بالإجهاض، وبزواج المثليين كحقوق أساسية من حقوق الإنسان، وأنا كمسلم أعتبرهما جرائم.. نعم، هنالك حد أدنى لحقوق الإنسان، يمثله ما ورد في الميثاق العالمي، يمكن أن يتفق عليه.. ولكن، حتى في هذه الحدود، ستظل مشكلة التفسير، ومشكلة التطبيق، قائمة، كما هو الحال اليوم.. إن ما يرفضه المسلمون، وغيرهم من دول العالم الثالث، هو المعايير المزدوجة، في تطبيق حقوق الإنسان.. أما قولك: (هذه النظرة لا تجعل حقوق الانسان كمبدأ يقف في مواجهة الإسلام نفسه، ولكن فقط تقترح أن هذه الحقوق تشكل الإطار المناسب للفهم الإنساني للإسلام وتفسير الشريعة)..علمانية الدولة ص 156..
إن قولك هذا الذي أوردناه أعلاه، قولٌ منكر، وهو عكس ما ينبغي!! حقوق الإنسان لا تشكل (الإطار) للفهم الإنساني للإسلام، وتفسير الشريعة، وإنما الإسلام هو الذي يحدد المفهوم الإنساني لحقوق الإنسان.. فالإسلام، لا يمكن أن يقوم على مرجعية خارجه، هي في الأصل تقوم على مرجعية الحضارة الغربية، كما تقرر أنت بنفسك، وإنما هو المرجعية لكل شيء.. واضحٌ أنك بقولك هذا تريد أن تجعل الإسلام تابعاً للعلمانية، بحيث تكون العلمانية، هي التي تحدد له إطار التوجيه، متمثلاً في حقوق الإنسان.. إن ما نزعمه، نحن، هو أن تحقيق حقوق الانسان، أمر مستحيل، بغير الإسلام، ولاعتبارات أساسية، وموضوعية، من أهمها:
1. حقوق الإنسان لا يمكن أن تتحقق إلا إذا قامت على مفهوم للإنسان، ينطبق على جميع الناس.
2. حتى هذا المفهوم لا يمكن أن يكون صالحاً، إلا إذا كان يقضي بأن الطبيعة الإنسانية مجبولة على الصلاح والخير، بحكم الفطرة.
3. وحتى مع توفر الشرطين، السابقين، لا يمكن تحقيق حقوق الإنسان، ما لم يكن هنالك منهاج علمي وعملي، عن طريقه يستطيع كل إنسان أن يحقق إنسانيته، ويتجاوز مجالات القصور البشري.. وهذه الشروط، غير موجودة إلا في الفهم الإسلامي، وفق المنهاج الذي يقدمه الأستاذ محمود، والذي يدعي عبدالله إمكانية استبداله بمنهاج آخر..
من المؤكد أن الحضارة الغربية، لا تملك أن تقدم هذه الشروط.. فهي قد فشلت تماماً، في هذا المجال، نظرياً وعملياً، وبعد التجربة الطويلة.. وفي إطار الواقع الرأسمالي السائد، لا يمكن تطبيق حقوق الإنسان بصورة عادلة.. فهي، حسب هذا الواقع، لابد أن تطبق بالصورة التي تحفظ للأقوياء قوتهم وامتيازاتهم، وتبقي الضعاف في إطار ضعفهم.. وهذا ما تقوم عليه فلسفتك أنت بالذات، خصوصا حين تحكم باستحالة تحقيق حقوق المستضعفين، وعدم إمكانية بسط العدالة والمساواة!!
من المؤكد أن النضال والصراع البشري، سوف يخفف من التجاوزات في حقوق الإنسان، ولكن الصراع وحده، لن يستطيع القضاء على هذه التجاوزات.. كما أنه من المؤكد، حسب مفهومك أنت للطبيعة البشرية، أن حقوق الإنسان مهزومة، بصورة نهائية.. فلا أنت، ولا أساتذتك العلمانيون، يملكون أي إمكانية لتحقيق حقوق الإنسان.. فواقع الحضارة الغربية، اليوم، هو الواقع المطلوب، التحول عنه، وليس التحول إليه، كما تدعو أنت.
وأنت تقول: (وكمسلم، فلو خيرت بين الإسلام وحقوق الانسان لاخترت قطعاً الإسلام.. لكن إن تبين لي أن كليهما متسقان، لرحبت بسعادة بحقوق الإنسان، كتعبير عن قيم دينية لا بديل لها)..علمانية الدولة ص 159.. هذا قولٌ لا قيمة له.. فأنت بالفعل اخترت حقوق الإنسان، في مفهومها الغربي، على الإسلام.. بل إنك تدعو الى جعلها إطاراً للإسلام الإنساني!! وفي الواقع، أنت لم تختر حقوق الإنسان، على الاسلام، فحسب، بل إنك تشوه الإسلام، أسوأ تشويه يمكن أن يقوم به إنسان من داخل الإسلام.. أكثر من ذلك أنت اخترت لنفسك أن تشوه الفهم الإسلامي، الذي يملك التعريف الواضح للإنسان، ويوظف كل شيء لتحقيق إنسانية الإنسان، والذي يتمثل في الفكرة الجمهورية، التي ما طرحك هذا، في جملته وتفاصيله، إلا تنكرٌ لها، وتشويهٌ منكر لها، وباسمها!!
إن طريق العلمانية، لتحقيق، حقوق الإنسان، طريقٌ مسدود، وهذا أمر واضح، وهو ما يخبر عنه الواقع، بصوتٍ عالٍ.. ولذلك لا يمكن تحقيق، حقوق الإنسان، وتحقيق إنسانية الإنسان، إلا بتجاوز سلبيات العلمانية _الحضارة الغربية_ وإيجاد البديل الذي يصححها.. وهذا البديل، عندنا، وبصورة لا شك فيها، هو الاسلام، الذي تنكرت أنت له، لصالح العلمانية.
إن التناقضات في طرح عبدالله، تستعصي على الحصر.. بل حتى موضوع الحوار حول دعوته، هو يتناقض فيه!! فمن جانب هو داعٍ للحوار.. وهذا هو الوضع الطبيعي.. فهو يقول، في المقابلة التي أجرتها، أيموري ان ذي ورلد: (بالقدر الذي تسمح به صحتي ومقدرتي، سأكون مستعداً للذهاب الى أي مكان للتحدث، والتقاش حول هذا الموضوع).. ولكنه، في حواره مع بعض الإخوان الجمهوريين، في أمريكا، يقول: (البحب أوكده إنه ما في فرصة لحسم المسألة دي ذاتها.. أنا رأيي كده.. أحمد دالي، ولا غيرو من الأخوان، رأيو كده .. دي مسألة حتفضل كده.. أنا رأيي ما مختلف.. عبدالله فضل الله أو عمر أو أي زول رأيه أنو أنا مختلف.. كويس خلاص!! ما في فرصة لحسم الموضوع ده..)!!
هو في مكان يسعى إلى تحقيق الإجماع، ويقول: (لا يمكن أن اتوقع أن أنجز الكثير بمفردي، ولهذا من المهم تحقيق إجماع حول هذا الأمر..).. لاحظ: (من المهم تحقيق إجماع حول هذا الأمر)!! ولكنه في جلسة الحوار مع الإخوان الجمهوريين، يقول: (بعدين الموضوع ده، في النهاية، أنا ما محتاج أقنع بيه أي زول، لأنه حقيقته، وبطلانه يعلم بيه أستاذي ويعلم بيه ربي)!! واضحٌ أن قوله عن استحالة إقناع البشر لبعضهم البعض، هو مجرد إسقاط.. فهو أخذ حالته الخاصة، وأسقطها على جميع البشر.. وعلى كل أنت نفسك، لم تُجمع على طرحك، فكيف تريد أن يُجمع عليه الآخرون.
ليس من الضروري متابعة تفاصيل كل تناقضات عبدالله، فهي لا حصر لها، كما أسلفتُ.. ولذلك، ولكن لابد من تناول التناقض في أساس دعوته.
التناقض في أساس دعوته:
التناقض الأساسي بالنسبة لي، هو التناقض في مجال الإسلام، وفي مجال الطبيعة البشرية.. لكن بالنسبة له، فهو يعتبر قضية الدولة الدينية _الإسلامية_ قضيته المحورية.. ونحن هنا بسبيل توضيح التناقض الأساسي في هذا المجال.
لقد جعل عبدالله، قضية فصل الدين عن الدولة، قضيته الأساسية.. وهي قضية، لا وجود لها، لا من حيث الواقع الحضاري الفعلي، ولا من حيث المباديء الأساسية التي يقوم عليها طرحه هو.. فعملياً الاسلام، غائب من حياة الناس، إلا في المظاهر الشكلية.. فما يوجه قيم المسلمين، اليوم، هو الحضارة الغربية.. والإسلام يحتاج لبعث.. لكن في نظر عبدالله، الاسلام يحتاج إلى فصل من الدولة، وهذه، يعتبرها، هي قضية المسلمين الأساسية!! ولكن، حتى من وجهة نظره هو، فهو يحكم بأنه لا توجد دولة إسلامية، ولا يمكن أن توجد.. فدولة المدينة، سياسة وليست دين.. والدولة، منذ سيدنا أبوبكر وإلى اليوم، عنده، دولة سياسية، وليست دينية.. وهو يلخص القضية بقوله: (أنطلق من العلم بأن الدولة الدينية لم تقم أصلاً، وأن الدولة المدنية هي قائمة فعلاً)..علمانية الدولة ص 424.. أكثر من ذلك، عنده الدولة الدينية لن تقوم في المستقبل، فالموضوع كله يقوم على خطأ في المفهوم، وإلا فلا وجود لدولة دينية.
إذا كان لا يوجد وصل بين الدين والدولة، ولا يمكن أن يوجد، فلماذا كل هذا التعب، في الحديث عن فصل الدين عن الدولة؟! كيف تفصل بين أمرين، لا يمكن الوصل بينهما؟! لا يمكن أن يكون هنالك خطر من شيء مستحيل، فلماذا كل هذا التعب لمحاربة الدولة الدينية، وهي مستحيلة؟!
يبدو أن كل هذا المجهود السبب فيه إظهار الحرص على الشريعة، التي يبشر بمستقبلها الباهر!! فالدولة العلمانية شرط ضروري لصحة التدين.. وعنوان الفصل الأول، من كتابه (الإسلام وعلمانية الدولة)، هو: (الدولة المدنية وسيلة التدين في المجتمع).. أكثر من ذلك هو يقول: (أنا كمسلم، بحاجة للدولة المدنية من أجل أن أعيش وفقاً لتعاليم الشريعة كالتزام شخصي واختيار حر، فردياً وفي المجتمع مع بقية المواطنين، وهي الطريقة الوحيدة الصالحة والشرعية لأن أكون مسلماً بحق)..علمانية الدولة ص 436.. فبدون الدولة المدنية، لا يستطيع الإنسان، بحسب عبدالله، أن يكون (مسلما بحق).. وهو يقرر أيضاً: (جدليتي تحديداً هي أنه ليس هناك شيء (غير إسلامي) فيما يتعلق بمفهوم الدولة المدنية)..علمانية الدولة ص 435.. فعمله كله، إذن، هو من أجل أن يعيش المسلمون الإسلام، فيكونوا مسلمين بحق، ومن أجل المستقبل الباهر للشريعة.. ولكن، العقبة الأساسية، بل الوحيدة، أمام معيشة الإسلام، ومستقبل الشريعة، عنده، هي الدولة الإسلامية الغير ممكنة حسب طرحه!؟
ولكنك تقول إن الدولة الاسلامية، وهم، وهي غير موجودة، ولا يمكن أن تكون موجودة، والدولة العلمانية هي الواقع، فلماذا محاربة الوهم؟! وطالما أن شرط الدولة المدنية الضروري لصحة التدين، متوفر الآن، فما الذي يحول بين المسلمين وبين أن يكونوا متدينين، بحق، كما تريد لهم؟! وما ضرورة طرحك هذا اذا كان الشرط متوفراً.. والأمر لا يمكن أن يكون خلاف ذلك؟!..
على كل حال، إن التدين، حسب الإسلام، هو الأخلاق، يقول المعصوم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. فهل الدولة المدنية تستطيع تحقيق مكارم الأخلاق؟! إجابة عبدالله هي في قوله التالي: (إلا أن مقدرة مفهوم العلمانية تتناقص، كلما حاولنا فرض حلول وإجابات محددة لمختلف القضايا الأخلاقية المتعددة. فكلما ارتفع مستوى المحتوى الأخلاقي في المسألة المطروحة، ضعف التأييد والقبول للعلمانية إذا حاول دعاتها فرض رأي أو إجابة معينة في المسألة)!! وهذا يقتضي، عنده، أن نجعل سقف المطالب الأخلاقية منخفضاً، من أجل الدولة العلمانية، ومن أجل الوحدة السياسية، على حساب الأخلاق!! وقد سبق أن نقلنا عنه حديثه عن مقدرة الدولة العلمانية على توحيد المجتمعات، بسبب قلة متطلباتها الأخلاقية، والذي يقول فيه: (بعبارة أخرى، فإن الدولة العلمانية قادرة على توحيد المجتمعات المتباينة عقائدياً، عملياً، في مجتمع سياسي واحد لأن متطلباتها الأخلاقية قليلة، ومحدودة، ولذلك هي أقل عرضة لأن تكون مصدر اختلاف رئيسي بين المواطنين)!!الصحافة 13 مايو 2008م حوار صلاح شعيب..
ولكن، عند الأستاذ محمود، التحدي العملي، الذي يفرضه الواقع الحضاري اليوم يقتضي ارتفاع سقف الأخلاق إلى مستوى لم يحدث في التاريخ، بالصورة التي تعين الناس في الكوكب الأرضي على أن يعيشوا في سلام، مع أنفسهم، ومع غيرهم.. والوحدة البشرية، من المستحيل أن تتم إلا بتضافر حكم القانون مع قيم الأخلاق الفردية، وتكاملهما.. وكما تقرر أنت، العلمانية واقع، وأزمة الأخلاق واقع، فالعلمانية، عملياً، فشلت في حل أزمة الأخلاق، كما فشلت في توحيد الناس، وما كان لها إلا أن تفشل، لقصورها في مجال تحقيق الأخلاق الرفيعة، التي لا مجال لتوحيد الناس من دونها.
على أن السؤال المحوري هو: هل الدولة الدينية _الاسلامية_ ممكنة؟! أم غير ممكنة؟
طرح عبدالله، في كتابه (الإسلام وعلمانية الدولة)، والذي قام عليه نشاطه العام مؤخراً، يقرر بصورة حاسمة، أنها غير ممكنة، ولم تكن أصلاً موجودة، وهي مجرد خطأ مفهومي.. وهذا محور طرحه. ولكنه في كتابه (نحو تطوير التشريع)، وهو كتاب معتمد عنده حتى اليوم، ولم يقل في أي يوم من الأيام أنه تخلى عن الأفكار الواردة فيه، في هذا الكتاب يؤكد عبدالله الدولة الدينية، بل ويدعو الى تحقيقها!! ولنبدأ بالتفاصيل..
فهو يقول: (الحقيقة التاريخية هي أنه لم تكن هناك أبداً دولة إسلامية، منذ أبي بكر، الخليفة الأول.. إيران والسعودية ليستا دولتين إسلاميتين)..علمانية الدولة ص 450..
عندما يقول منذ الخليفة الأول، يعطيك انطباع بأنه يخرج دولة المدينة، من أن تكون غير إسلامية، مع إنه يقول بالنص إنها (سياسة وليست دين)!! ولكن لنرى الآن ماذا قال عن إيران؟ يقول: (فإن الشريعة لا تعطي لحاكم دولة إسلامية سلطة معاقبة مواطن دولة غير إسلامية)..نحو تطوير ص 230.. وهو يتحدث عن موقف الخميني من سلمان رشدي، فيقول: (أما الأمر الأشد مدعاة للقلق فهو أن يقوم زعيم دولة مسلمة، هو الإمام الخميني في إيران بدعوة المسلمين إلى مطاردة واغتيال مواطن دولة أخرى)..نحو تطوير ص 230.. هناك إيران (ليست دولة إسلامية) وهنا (دولة مسلمة)!! وعن إقراره بوجود الدولة الإسلامية يجيء قوله: (نهضت حكومات غالبية الدول الإسلامية بنوعين من الإصلاحات)..نحو تطوير ص 76.
لقد نقد دكتور عبدالله في كتابه (نحو تطوير التشريع الإسلامي)، على عبدالرازق في دعوته للعلمانية.. ثم عاد ليتبنى نفس طرح علي عبدالرازق عن الدولة العلمانية، دون أن يعتذر للرجل، أو يعترف بفضله عليه!! يقول عبدالله، في نقد علي عبدالرازق: (ومن بين الجهود الفكرية البارزة في سبيل نشر العلمانية كتاب علي عبدالرازق: (الإسلام وأصول الحكم)..) إلى أن يقول: (وفي رأي علي عبدالرازق أنه من المحال أن يرث أحدٌ سلطان النبي الديني الذي انقضى بوفاته. ولذا فإن ما حدث بصدد تأسيس الدولة الإسلامية منذ عهد الخليفة الأول أبي بكر كان شكلاً مختلفاً وسياسياً بحتاً من أشكال الزعامة والسلطة. وهكذا فإن علي عبدالرازق لم يكتف بالدعوة الى إقامة دولة علمانية، وإنما ذهب أيضاً الى أن الدولة (الإسلامية) كانت في واقع الأمر، ومنذ بداياتها، علمانية لا دولة دينية..) نحو تطوير ص 75.. وهذا، عين ما ذهبت إليه أنت أيضاً، وفي تطرفٍ أكبر، حين زعمت أن القول بالدولة الدينية خطأ في المفهوم.. بل إن ميزة علي عبدالرازق عليك، هي أنه لم يزعم أن دولة المدينة سياسة وليست دين، كما فعلت أنت، وإنما قال: (إن زعامة النبي عليه الصلاة والسلام كانت دينية وروحية محضة، لا زعامة سياسية)، حسبما أوردت أنت بنفسك.. نحو تطوير ص 75..
وقد ذهب عبدالله، في كتابه (نحو تطوير..) إلى نقد رؤية علي عبدالرازق، برؤية واضحة، فقال: (غير أني أذهب الى أن مقولته لا تحل المشكلات التي تثيرها بعض النصوص الواضحة القاطعة في القرآن والسنة حول وضع النساء ووضع غير المسلمين وحقوقهم. وبصرف النظر عما إذا كانت الدولة إسلامية أو علمانية، فإن السؤال يبقى قائماً: هل المسلمون ملزمون بتطبيق القواعد المفصلة الخاصة بالنساء وغير المسلمين بمقتضى نصوص القرآن والسنة الواضحة؟ إن لبعض هذه القواعد دلالات خطيرة للغاية تتصل بالدستورية وحقوق الإنسان والعلاقات الدولية. بيد أن مقولة علي عبدالرازق لا توضح كيفية تجنب تطبيق هذه القواعد من الشريعة حتى فيما يزعم أنها دولة علمانية)!! نحو تطوير ص 75.. هذا قول، على النقيض تماماً، من قولك الذي سبق أن نقلناه عنك من أن الآيات المحكمة في القرآن غير محددة.. وأن الشريعة مجرد فهم بشري، ولا تقوم على نصوص واضحة ومحددة، وإنما على تفسير تقليدي، الى آخر ما قلت.. ثم إنك هنا تعترف بصورة واضحة، أن نصوص الشريعة القائمة على القرآن والسنة، هي نصوص واضحة وقاطعة، لا تتفق مع الدستورية، وحقوق الإنسان والعلاقات الدولية!!
المهم في الأمر، أن عبدالله، يعترف بوضوح أنه يعلم بأن هنالك (نصوص واضحة وقاطعة في القرآن والسنة حول وضع النساء ووضع غير المسلمين وحقوقهم).. وهذا الاعتراف، يجعل تحريفه لنصوص الشريعة، هذه، الواضحة والقاطعة، تحريفاً باطلا، ومتعمداً، في آنٍ معاً.. ثم، أين يمكن أن نضع قول عبدالله أعلاه، من قوله هذا: (الشريعة استحدثها وطورها الفقهاء)!!
ثم إن عبدالله يقرر، بوضوح: (إن بعض قواعد الشريعة الخاصة بالأحوال الشخصية والمواريث تنتهك حقوق المرأة الأساسية والدستورية)..نحو تطوير ص 75.. وهي كما يقول تقوم على نصوص واضحة وقاطعة من القرآن والسنة.
النقطة الثانية، في رفض عبدالله للدولة الإسلامية، هي قوله بأنه لا يمكن تقنين الشريعة، وأن طبيعة القانون والشريعة مختلفتان، الى آخر هذه الأباطيل، التي أوردنا أقواله حولها.. وهذا الجانب هو قمة تناقض طرح عبدالله.. فهو في كتاب (نحو تطوير)، على النقيض من كتاب (الإسلام وعلمانية الدولة)، يدعو بوضوح تام، إلى وضع قانون عام من الشريعة، يشمل العدالة الجنائية، والدستورية، والعلاقات الدولية، ويستجيب لحقوق الإنسان، وذلك من خلال تطوير التشريع الإسلامي بالانتقال من آيات الفروع، التي كانت ناسخة، إلى آيات الأصول التي كانت منسوخة. وهو يقول: (وفي اعتقادي أنه من الأفضل أن نقوم بتقييم القانون العام في الشريعة والتجربة التاريخية وتطبيقها، وأن نسعى إلى وضع مباديء إسلامية بديلة للشريعة في القانون العام تطبق في عصرنا الحديث. وهذا هو الهدف من هذا الكتاب)..نحو تطوير ص 76..
فما هو الهدف من كتاب نحو تطوير، أصبح مستحيلاً في كتاب (الإسلام وعلمانية الدولة)!! وصاحب الدعوة يحتفظ بالنقيضين، في دعوته!! فهو لم يقل إنه غير رأيه في الكتاب الأول، بل وكد تمسكه به من خلال جعله ضمن مراجع الكتاب الثاني، كما سبق أن أشرنا!!
والفصل الثالث من كتاب (نحو تطوير التشريع الإسلامي)، مخصص للدولة الإسلامية، التي يدعو لها صاحب الكتاب.. وهنالك تفاصيل عن تقنين الشريعة، في مستوى الأصول كقانون عام.. وهذا الأمر أصبح في كتاب (الإسلام وعلمانية الدولة) مستحيلاً!!
وقد جاء الفصل الثالث المذكور تحت عنوان (نحو منهاجية مناسبة للتطوير).. وهو يتناول موضوع الكتاب الأساسي.. وفي الكتاب الثاني، تخلى عن مفهوم التطوير، واستبدله بمفهومه الجديد الذي يقوم على التخلي عن التفسير التقليدي للشريعة، وتقديم تفسير جديد لها!! ولقد سبق أن تناولنا الموضوع.. بل ذهب أبعد من ذلك، ليقرر استبعاد المنطق الديني من حيث هو، وهو يقول في ذلك: (وتتطلب طبيعة ودور قانون الدولة، في الدولة الحديثة، تداخل عدد كبير من المشاركين والعوامل المعقدة، التي من غير الممكن احتواؤها بمنطق إسلامي عقيدي)..علمانية الدولة ص 456..
بعد أن شرح عبدالله موضوع تطوير التشريع، وكد أنه السبيل الأوحد للإصلاح!!، اسمعه يقول: (فيما يتصل بالدستورية والعدالة الجنائية والقانون الدولي، فإن أساليب الاصلاح التقليدية في إطار الشريعة لا تكفي لتحقيق الدرجة اللازمة من الإصلاح. أما تحقيق تلك الدرجة منه فيستوجب تمكننا من تنحية حكم نصوص واضحة قاطعة من القرآن والسنة تنتمي إلى الفترة المدنية بوصفها أنها أدت الغرض الانتقالي منها.. ومن تطبيق نصوص القرآن والسنة التي تنتمي إلى الفترة المكية التي كانت في الماضي غير مناسبة للتطبيق العملي، وهي الآن السبيل الأوحد للإصلاح)..نحو تطوير ص 226.. ويقول عن الغرض الأساسي لكتابه: (إن الغرض الأساسي من هذا الكتاب هو تدشين عملية إصلاح جذري للقانون الإسلامي يمكن المسلمين من السعي إلى نيل حقهم في تقرير المصير في إطار هويتهم الاسلامية (سنية أو شيعية أو ما تفرع من السنية أو الشيعية من فرق متنوعة)، بما في ذلك تطبيق القانون الإسلامي، دون انتهاك لحقوق الآخرين في تقرير المصير)..نحو تطوير ص 232.. وفي هذا الكتاب، يرفض عبدالله، عن مبدأ، تجاهل الشريعة في الشئون العامة!! فهو يقول: (إما أن نستمر في تجاهل الشريعة في الشئون العامة، أو أن نطبق مباديء الشريعة دون اعتبار للاعتراضات المتصلة بالدستور، أو القانون الدولي، أو حقوق الإنسان. فأما الخيار الأول فأرفضه، عن مبدأ، ولا أحسبه سيظل متاحاً لفترة طويلة من الناحيتين الواقعية والعملية. أرفضه، عن مبدأ، لأنه ينتهك التزام المسلمين بتنظيم كافة مظاهر السلوك في حياتهم العامة والخاصة على هدى تعاليم الإسلام. كذلك فإنه في ضوء الصحوة الإسلامية المتصاعدة، لا أحسب هذا الخيار سيظل متاحاً لفترة طويلة من الناحية العملية)..نحو تطوير ص 91.. ما يرفضه عن مبدأ تجاهل الشريعة في الشؤون العامة أصبح هو المبدأ، في الموقف الجديد!! تتناقض المباديء، والشخصية واحدة!!
إن جميع قضايا طرح عبدالله، في كتابه (الإسلام وعلمانية الدولة) تجد لها ردوداً واضحةً في كتابه النقيض (نحو تطوير التشريع الإسلامي).. وصاحب الدعوة، داعيةٌ للنقيضين في نفس الوقت!!
في وقت ما، بعد 1994م، استدار عبدالله أحمد النعيم، مائة وثمانين درجة، وأصبحت قبلته الغرب، بدل الشرق.. وهذا في حد ذاته ليس فيه مشكلة، فمن حقه أن يولي وجهه أي قبلة يراها، ولكنه احتفظ بالقبلة القديمة، مع القبلة الجديدة، رغم كل هذه التناقضات الأساسية.. وهذا أيضاً، ليس مشكلة، إذا حصر موضوعه في إطاره الشخصي.. ولكن، المشكلة هي أنه مصر على نسبة كل مفارقاته الفكرية، والدينية، وكل تناقضاته، هذه، إلى دعوة الأستاذ محمود؟! وعلى الرغم من أنه أصبح يدعو للنقيض تماماً، من دعوة الأستاذ محمود، هو لا يزال مصراً على أن يعلن للناس، أنه تلميذ للأستاذ محمود في كل أحواله، وكل أقواله العامة؟! كما أنه يعقد المقابلات الصحفية، التي يتحدث فيها باسم الاستاذ، ويقدم رؤيته الخاصة، وينسبها له!!
إذا كان هذا، الذي يطرحه عبدالله أحمد النعيم فكراً، فماذا يكون غياب الفكر؟ إن طرح عبدالله، لاهو علمانية، ولا هو إسلام، ولا هو حتى فكر مستقيم.. فالتفكير المستقيم، لا يقبل الشيء، ونقيضه، في نفس الوقت.. للأسف، إن تعامل عبدالله مع قضية الإسلام والعلمانية، يتم على طريقة البصيرة أم حمد.. ذبحُ بقرة الإسلام، ثم هشم جرة العلمانية!! خطر ببالي، أن الكلمة السودانية الدارجة: (مبوجَن)، تصلح لتصف طرح عبدالله، ولكن على الرغم من أن (البوجان) حاصل، إلا أن الأمر أكثر تعقيداً، وخطورته الحقيقية، على صاحبه، تأتي من المبالغة، في العمل، على تشويه الإسلام، بصورة عامة، والفكرة الجمهورية بصورة خاصة.. أراد د. عبدالله أن يسلك طريقين مختلفين، فوقع فيما وقع فيه من تناقض.. ربما أكثر ما يناسب وضعه، قول أهلنا الغبش:ركاب سرجين وقيع، ومساك دربين ضهيب!!
هذا الأمر الخطير، لا أجد له تبريراً حقيقياً.. لماذا حدث هذا التحول من النقيض الى النقيض؟! ولماذا يريد أن يحتفظ بالنقيضين في نفس الوقت؟! ما هو السر في الإصرار على تشويه دعوة الأستاذ محمود، بهذا القدر من التشويه؟!
أنا شخصياً عاجز عن معرفة الدافع الحقيقي، ولكني سوف أورد بعض الدوافع، في الحلقة الأخيرة، من كتابتي هذه، وأنا سلفاً أعتقد أنها غير كافية لبيان حقيقة الأمر.
وقبل هذا، ستكون الحلقة قبل الأخيرة، عن التناقض الحاد، بين دعوة عبدالله، ودعوة الأستاذ محمود، الذي يزعم أنه تلميذ له في جميع أحواله وأقواله العامة.
خالد الحاج عبدالمحمود


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.