وزير الشباب والرياضة يهنئ نظيره المصري بمناسبة توليه منصب وزير الشباب والرياضة    قرار مثير لرئيس وزراء السودان    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    عثمان ميرغني يكتب: إثيوبيا والسودان: تشابكات الحرب والأمن الإقليمي    مجلس السلم والأمن بالاتحاد الإفريقي يجري مشاورات غير رسمية بشأن ملف السودان    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    وزير صحة القضارف يقف على مشروع المحرقة الطبية    المريخ يواصل تدريباته بقوة بكيجالي والدامر    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات ووكيل الوزارة يشهد ختام دورة شهداء السريحة بولاية الجزيرة    رشيد الغفلاوي يلتقي قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم    ماساة قحت جنا النديهة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بروفسير الطيب زين العادبين : لا أتوقع اصلاحاً داخلياً لان كوادر الاسلاميين تحولوا الى موظفين
نشر في حريات يوم 17 - 03 - 2011

هناك دلائل تشير الى خلافات وسط الاسلاميين ، استطلعت (حريات) عدداً من الاسلاميين المعروفين باستقلال الرأي ، وتنشر شهاداتهم تباعا ، ونبدأ اليوم بافادة البروفسير الطيب زين العابدين .
افادة البروفسير الطيب زين العابدين :
مصطلح صراع مصطلح كبير،وإذا أردنا إعطاءه معني محدد فسنتحدث عن صراعات الإسلاميين داخل الحركة الإسلامية الحديثة،التى كانت تسمى في وقت ما الجبهة الإسلامية القومية،ثم صارت تسمى المؤتمر الوطني،وذلك لأن هناك تيارات إسلامية اخرى ، فالأحزاب التقليدية يمكن تسميتها بالتيارات الإسلامية، حزب الأمة تيار إسلامي، الختمية تيار إسلامي، أنصار السنة أيضا تيار إسلامي.
لذلك سنحصر حديثنا عن صراعات الحركة الإسلامية التى إستولت على السلطة في إنقلاب 30 يونيو 1989م.
وأقول أن المصطلح لا يجب أن يأخذ مصطلح (الصراعات)، بل يأخذ صيغة الإختلافات والتي اذا تصاعدت تصل الى درجة الصراع والإنقسام.
بداية الاختلافات بعد انقلاب 30 يونيو :
كان هناك إختلاف حول أن الحركة الإسلامية يجب الا تستمر كما كانت، وإنما يضاف إليها الذين أخذوا مناصب دستورية،والعساكر الذين تولوا السلطة ،وهذا أدى عملياً الى حل مجلس شورى الجبهة الاسلامية كمجلس منتخب لكل السودان. وأصبح البديل لهذا المجلس مجلسا معيناً، بواسطة الأمين العام (الترابي) وبعض مساعديه ، فدخل فيه عدد من الأشخاص الغير منتخبين وبعد ذلك صارت هذه سمة ملازمة حيث لم تعد هناك إنتخابات من قبل قواعد الحركة الإسلامية لقياداتها . وحتى عندما حدثت مؤخراً كانت ديكورية .
و تجمدت الحركة الإسلامية الآن وليس لها نشاط معلن ، سواء كان نشاطا فكريا أو سياسياً أو ثقافيا و وهذا على اساس ان المؤتمر الوطني استلم هذه المهمة ،.وحقيقة لم يستلمها بالطريقة المطلوبة حتى يومنا هذا.
جذور الاختلافات سابقاً :
كانت هذه بداية الإختلافات ، وكان يوجد قبلها خلاف بين دعاة تقوية التربية فى التنظيم وبين دعاة الإهتمام بالناحية السياسية أكثر، مما خلق إنشقاقاً في مؤتمر فبراير ، 1969م بين مجموعة يترأسها الدكتور جعفر شيخ إدريس ومعه المرحوم محمد صالح عمر والدكتور مالك بدري والدكتور الحبر يوسف نور الدائم وآخرين ، وكانوا يركزون على موضوع التربية، وبين مجموعة اخرى تركز على العمل السياسي كأساس وعلى رأسهم الدكتور الترابي، وفي مؤتمر فبراير 1969 كسب الترابي الجولة وأصبح الأمين العام للحركة الإسلامية.
بعد ذلك جاء إنقلاب مايو1969م لتتجمد الحركة الإسلامية، لكن نشاطها في المعارضة إزداد وهذا هو الذي أعطى وزناً أكبر للنشاط السياسي ، ومن أهم الأشياء التي قامت بها الحركة الإسلامية في ذلك الوقت تكوين الجبهة الوطنية مع حزب الأمة والإتحادي الديمقراطي ، وقامت بحركة شعبان 1973م لتأتي بعد ذلك المصالحة الوطنية مع نميري في العام 1977، و كانت محل إختلاف .
هناك من كان ضدها ، لكنهم من ناحية العدد كانوا قلة ، لكن الموضوع خضع لشورى واسعة وتصويت ، لذلك قبل المخالفون النتيجة ، وأنا أحدهم، حيث كنت ضد دخول الإتحاد الإشتراكي والإشتراك في الحكومة ، لأنني لا أؤمن بأن الحكومات العسكرية يمكن أن تعكس قيم ومفاهيم الإسلام،لكن قبلنا النتيجة ، لأننا هزمنا وفقاً لتصويت ديمقراطي من الأجهزة المنتخبة.
النظم العسكرية لا يمكن ان تعكس القيم الاسلامية :
إنقلاب 1989م نفسه كان ضد إتجاه الحركة الاسلامية ، وكان حوله نقاش ، لكن فى النهاية الاغلبية وافقوا على الإنقلاب ، وأيضاً كنت معترضاً على مبدأ الإنقلاب ، لنفس السبب الذي رفضتُ لأجله دخول أجهزة الإتحاد الإشتراكي ، ذلك أن النظم العسكرية لا يمكنها أن تقيم أنموذجا إسلامياً للحكم ، إطلاقاً.
ولكن الغالبية الساحقة قبلت الحجج والمسوغات التي بُرر بها إنقلاب 1989، وينبغي أن تذكر الآن : وهى أن الحكومة ضعيفة،وهناك تمدد للحركة الشعبية حتى في شمال السودان كالكرمك وقيسان،والحكومة لا تستطيع المقاومة ، والجيش لا يملك الإستعداد والإعداد الكافيين للمقاومة.
والسبب الآخر ، أن هناك حركات إنقلاب موجودة فى القوات المسلحة، بعضها يتبناها البعثيون وقطعوا شوطا كبيراً فى تنفيذ إنقلابهم، اضافة لبعض العناصر المايوية، و جبهة بها عدد من الأقليات العرقية المشتركة.
بمعني أن الحديث كان (ياناس الحركة الإسلامية إذا ما عملتوا إنقلابكم فسيقوم آخرون بعمل إنقلاب ،وبعد ذلك لن تجدوا لا الدنيا ولا الآخرة) .
و كان ذلك مقنعاً .والمعلومات حول الانقلابات الاخرى كانت دقيقة لأن العناصرالعسكرية للحركة الإسلامية كانت مخترقة للمجوعات الأخرى ومشتركة معها، ولذلك رغم التحفظات الكثيرة فقد رجحت المسوغات كفة الإنقلاب،وليتنا لم نفعل..حيث كانت هذه إحدي نقاط الإختلاف.
مواصلة الاختلافات بعد 30 يونيو :
نقطة الخلاف الثانية كانت حول حل الحركة الإسلامية ولكن الأمين العام وقيادة الحركة قاما بفرض الأمر الواقع ، فبعد ان إستلمت الحركة مقاليد السلطة صار هناك هم جديد، هناك إنقلاب ووضع إقتصادي ضعيف،وهناك مواجهة مع حركة تمرد جنوبية قوية، وأنت إلى حد ما معزول من العالم الخارجي وليس لديك تأييد، وأصبح الاسلاميون في همهم وفي كيفية المحافظة على الدولة التى إستلموها، وأصبحت بالتالي الهموم الأخرى ثانوية .
الأمر الذي كان محبطاً لكثير من الناس ، وأنا منهم أن الأنموذج العسكري في الحكم – رغم نجاح إستلام السلطة والإستمرار فيها، ورغم المعارضة الداخلية والعداء الخارجي – إلا أن النموذج هذا كان محبطاً ، ويشبه أى أنموذج يمكن أن نتوقعه من أي نظام عسكري آخر،سواء كان نظاماً عسكرياً إسلامياً أو غير إسلامي، تحول النظام إلى نظام مستبد، إنعدمت فيه الحريات ، ومكن لعناصر الحركة من أهل الثقة الذين يوافقون على رغبات القيادة، وتم ابعاد العناصر التى لديها قدر من الإستقلالية والحرية .
ولان الأجواء لا تساعد المبعدين – حصار داخلي وخارجي – فأصبح كل من لا يعجبه هذا الحال يقف بعيداً.
وبدأ الفساد ينتشر في جسد النظام،وإعترف به الأمين العام نفسه ( د. الترابي) ،وكانت واحدة من المواجهات .
خلافات بين العسكريين والمدنيين :
وحدثت مشكلة بين العسكريين والمدنيين،لأن التخطيط كان أن يستمر الحكم العسكري لمدة ثلاثة سنوات فقط، ليحدث تنازل بعد ذلك عن السلطة وتقوم إنتخابات وتكون هناك منافسة،وتكون الحركة الإسلامية قد قطعت شوطاً في ضمان التأييد الشعبي بصورة إنتخابية.
وهذا لم يحدث،كان الحصار شديداً، والمعارضة الداخلية شديدة، ولم تجد الحركة الإسلامية المجال لتقدمُ على الخطوة، إضافة إلى ان الذين كانوا على رأس السلطة لم يكونوا حريصين على التنازل عنها بسهولة .
وكان حل مجلس قيادة الثورة مشكلة ، حيث لم يقبل العسكريون بحله، وحتى عندما قبلوا رفض الرئيس البشير خلع الرداء العسكري،رغم أنه قيل له بوجوب خلعه، بواسطة الأجهزة، ولكنه إستمر به حتى الإنتخابات الفائتة.
ونشأ صراع ما بين المدنيين والعسكريين وظهر بصورة أوضح قبل دستور العام 1998م حيث حدث نقاش حول الدستور : أيسمح بتعددية حزبية أم لا يسمح؟
كل العسكريين عدا شخص واحد كانوا يعتقدون ألا داعي لتعددية حزبية ، ويكفي الحزب الواحد ممثلاً في المؤتمر الوطني ويجب ان يستمر لوحده : (شمولية) .
وأغلب المدنين – ما عدا قلة منهم- كانوا مع التعددية السياسية . وكان الترابي يقود هذا الإتجاه - إتجاه التعددية السياسية – وفاز هذا بأغلبية ليست كبيرة، وهذا ما يفسر لجوء الترابي في دستور 1998 للكلام عن (التوالي السياسي) ، كان القصد من ذلك تخفيف وقع مصطلح التعددية على الذين هم ضدها وخاصة العسكريين.
عملياً أصبحت التعددية غير مفتوحة إلا لمن قبل بالدستور وقيادة المؤتمر الوطني واطروحاته .
وكان ذلك عنصر خلاف كبير، وعندما هُزم العسكريون في التصويت قالوا بضرورة عمل إنقلاب عسكري ثان، وكانت إجتماعاتهم في ضواحي العيلفون، في المكان الذي يجتمع فيه المجلس الأربعيني- وهو الجهاز الأعلى الذي جاء بالتعيين وأتي بمن هم في السلطة والمتنفذين وصار يمثل الحركة الإسلامية بشقيها العسكري والمدني.
دستور 1998 أحدث إنفراجاً ، لكن أصبح الأمر لا حزباً سياسياً واحداً ولا تعددية سياسية،وصار الأمر هجيناً، وفى النهاية لم يرضي الأمر لا هؤلاء ولا أولئك.
في البداية كان البشير مطيعاً جداً وغاية طموحه اخطاره بالقرارات قبل اعلانها :
بعد ذلك يصبح التطور الأكبر الإنشقاق الذي حدث في العام 1999، وعملياً ما سمي بمذكرة العشرة ديسمبر 1998 وانشقاق 1999 كان السبب فيهما الإختلاف بين المدنيين والعسكريين.
كان العسكريون في البداية مطيعيين جدا بما فيهم الرئيس البشير، الذي كان غاية طموحه أن يطلب إخباره قبل إصدار القرار حتى لا يسمعه من الإذاعة .
وحصلت بعد ذلك المواجهات بين الدكتور الترابي والبشير، وأدت تلك المواجهات لإنقسام الرابع من رمضان .
و بدأ الأمر بمذكرة العشرة، ثم الإنشقاق، وحل البرلمان في 1999، وفي العام 2000 حدثت المفاصلة،وقاطع الترابي ومجموعته المؤتمر الذي دعا إليه البشير، وفي النهاية خلق كل منهما حزباً.
أحد الأشياء التي كانت مزعجة لقدامى الإسلاميين أن جهاز الأمن أصبح جهازاً مهماً للغاية في الحركة الإسلامية وفي الدولة ، وأصبح يُسير كثيراً من الأمور،ليس فقط الأمنية بل صار يضع التقارير والتوجهات . وإنسجم ذلك مع التوجهات العسكرية للدولة القابضة التي تعتمد على الجهاز الأمني لا على الرضا والقبول السياسيين.
ذلك أنهم لا يريدون النقد بأي صورة من الصور، ولا يريدون حرية التعبير، ولا حرية النقابات،ولا حرية التنظيمات المدنية،ولذلك أصبح جهاز الأمن قوياً جداً ومتسلطاً ، وإرتكب من الموبقات ما وصل الأمر درجة القتل والتعذيب، دعك من التحقيق والسجن والإعتقال دون أي تهم . ووصل الأمر درجة تطهير للذين يُظن أنهم من الممكن أن يعارِضوا، فحدث فصل لأعداد كبيرة جداً من القوات النظامية ومن الخدمة المدنية .
اذا لم تكن هناك قيم واخلاق .. أحكم ساي :
وهذا ايضا كان أحد عناصر الإحباط للإسلاميين الذي يعتقدون بان الأنموذج الإسلامي أصلاً هو أنموذج للقيم والأخلاق، فإذا لم تكن هناك قيم واخلاق ، فلا داع للحديث عما هو إسلامي أو غير إسلامي..(أحكم ساي) .
وعندما ظهر الفساد ، اصبح هناك مواجهة من أعنف ما يكون ، وأصبحت المواجهة أشد من المنافسة مع الأحزاب العلمانية ( حتي مع الحزب الشيوعي) ، حيث أصبح العداء بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي على أشده، وأصبح الترابي بالنسبة للحكومة أكثر شخصية معادية ومعارضة وخطرة على النظام، ووصل الأمر حد اتهام الترابي بدعم حركة العدل والمساواة في دارفور، فجاءت السجون والإعتقالات ، والفصل ، وكل الأشياء السيئة التي إرتكبها النظام في حق الأحزاب الأخرى حصلت بصورة أشد بالنسبة للإسلاميين الذين وقفوا مع الترابي.
وإنتصر البشير ليس لأنه يمثل الحركة الإسلامية ، فهو لم يكن في يوم من الأيام من الذين لديهم عطاء للحركة الإسلامية قبل الإنقلاب، ولم يسمع به أغلب الاسلاميين إلا بعد الإنقلاب، وهو لا يمتلك تجارب الحركة الإسلامية ، ولا يستطيع الادعاء أنه بني فيها (طوبة واحدة)، لكن إنحازت له أعداداً كبيرة لأنهم موظفين في الدولة، ضباط في الامن ، وضباط في الجيش ، و وكلاء وزارات فالدولة كانت موظفة لاعداد ضخمة جداً من الإسلاميين،وهؤلاء أصبحت معيشتهم مرتبطة بالدولة، لذلك الإنحياز للبشير لم يكن موضوعيا ، أي لم يتم الإنحياز له كممثل للحركة الإسلامية أكثر من غيره ، وإلى يومنا هذا الترابي يمثل الحركة الإسلامية أكثر من البشير وأكثر من كل العسكريين الموجودين.
الدولة عامل ولكنها ليست العامل الاساسي :
السبب الآخر ، اننا منذ الأربعينيات نعمل لإقامة دولة، وأقمناها الآن ، فهل نتخلى عنها أو نهدمها؟ هم كانوا يتساءلون بهذه الطريقة، ويرون بان المهم هو الحفاظ على الدولة.
واعتقد بان أحد الاخطاء التي كان للترابي دوراً كبيراً فيها عبر نشاطه وطموحاته السياسية ، جعل الإسلاميين يظنون أن الأولوية للسيطرة على الدولة، بعض الإسلاميين إقتنعوا بذلك ، فكيف إذا وجدوا الدولة يفرطوا فيها ، هكذا يفكرون .
الآن اقتنع الكثيرون بان الدولة لا تؤدي دور التوجه الإسلامي في البلد، فالدولة عامل ، لكنها ليست العامل الوحيد ولا العامل الأساسي، لأن الحركة الإسلامية اليوم في أضعف حالاتها ويحدث ذلك في ظل وجود الدولة.
والحركة الآن داخل الدولة كأفراد ، ولا يوجد بها جهاز داخلها بإسمها، رغم أن عناصر الحركة الإسلامية هي المسيطرة على مفاصلها، في كل المناحي، إقتصادية، سياسية ، إجتماعية، لكنهم لا يتحركون كجهاز موحد يتشاور ، فقد تركوا هذه المهمة للمؤتمر الوطني ، وهو مثله مثل الأحزاب التي تكونها الحكومات العسكرية (هيلمانة) لكن تقوم بتحريكه اعداد بسيطة جداً ، ، فالإتحاد الإشتراكي في كل عهده لم يخالف النميري في قرار واحد، ولا الإتحاد الإشتراكي في مصر إستطاع أن يخالف عبد الناصر أو السادات أو حسني مبارك. وهذا ما يفسر إختلاف الشيوعيين مع نميري الذي أراد ألا يكون هناك حزب معه وأراد أن ينفرد بالقرار، والحزب الشيوعي كحزب عريق أراد أن يكون له وجود.
والنظام العسكري نظام تراتبي ، يقوم على حكم الرتب العليا للسفلى بصورة قانونية، ويعتمد الأوامر، وهذا غير النظام السياسي الذي يعتمد على الأجهزة والتراضي والقبول، وبه نوع من المؤسسية، حيث يصدر القرار من الجهات التي لديها الصلاحية، اذن هناك إختلاف جذري بين النظامين . وهذا اثر على الحركة الإسلامية ، تحديداً بعد منتصف التسعينات، وبعد حدوث الانشقاق والمفاصلة .
ونشأ حزبان معاديان لبعضهما البعض، فالحكومة تريد سحق المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي ، والذي بدوره يريد إسقاط الحكومة، وهذا هو الصراع إلى يومنا هذا، والآن الترابي داخل السجن دون تهمة ودون محاكمة، وتجاوز المدة التي يحددها القانون.
طبيعة الحكم الديمقراطي لن تتغير ، وقد قبل النظام بالديمقراطية في 2005م بناءً على إتفاقية السلام الشامل ، التي كانت خطوة متقدمة: أن يقبل تعددية سياسية. كما حدث في اليمن ، حين توحد اليمن الجنوبي مع اليمن الشمالي إضطر لعمل تعددية سياسية .
نفس الذي حدث هنا بعد 2005م ، التي تمت بصورة ثنائية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، و كانت إجازتها من قبل المؤتمر الوطني شكلية ، فكان التشاور بين الفريق المفاوض وبين الرئيس شخصياً إلى أن وصلوا مرحلة الإتفاق الذي عرض على المكتب القيادي بعد التوقيع عليه.
حزب المؤتمر الوطني تقاليده الديمقراطية ضعيفة ، وليس كالحركة الإسلامية التي أصبحت مجمدة، وهذا ما أستغرب له،حيث وصلت الحركة الإسلامية للسلطة وجمدت!!وكان يجب أن يحدث العكس، بأن تفتح لها ابوابا واسعة ، لكن لأن الحركة الإسلامية بها تقاليد ديمقراطية ومؤسسية صارت غير مناسبة لمن يريد أن يحكم حكماً فوقياً.
وكانت إتفاقية السلام غير مرحب بها من عدد من الإسلاميين لكنها قبلت كأمر واقع ، وقبلت لأنها أتت بالسلام، ووجدت قبولاً من القوى السياسية الأخرى، لكن هناك من رفضها كمنبر السلام العادل وبعض العسكريين المعاشيين، وكانت مجموعة صغيرة وليس لها أثر ، ولم ينشئوا حزباً لكنهم انشأوا منبراً .
عموماً منذ قيام الإنقاذ ، ليس هناك شورى ، لا وسط المؤتمر الوطني ولا وسط الحركة الإسلامية.
الإشكال الآن أن إتفاقية السلام الشامل قادت لإنفصال ، وهو مسؤلية كبيرة وجريمة في حق الوطن ، فمن الذي يجب أن يتحمل هذه الجريمة؟ يحاول المؤتمر الوطني أن يقول أن كل الأحزاب وافقت على حق تقرير المصير، لكن تقرير المصير غير النتيجة التي وصلنا إليها ، الإنفصال .
المؤتمر الوطني والحركة الشعبية كانا في حالة مشاكسة دائمة تقريباً ، في كل القضايا، وأول مشاكسة كانت حول وزارتى الطاقة والمالية ، حيث إختارهما المؤتمر الوطني معاً ، في حين كان يجب أن تذهب إحداهما للحركة الشعبية ،وهكذا ظل التشاكس حتى يومنا هذا .
تحول غالبية الاسلاميين الى موظفين :
أما نماذج اختلافات الإسلاميين، فقد عبر عنها وبصورة واضحة الدكتور التجاني عبد القادر، الدكتور عبد الوهاب الأفندي، والآن البروفيسور مصطفي إدريس البشير – مدير جامعة الخرطوم سابقا - وهو ما زال يكتب حول هذا الموضوع، وأنا أيضاً ساهمت ، من موقع مستقل، لأنى أرى أن التجربة الإسلامية التي شهدناها تجربة بائسة، ولن تصلح أنموذجاً لأى حركة إسلامية، بل بالعكس فتأثير الحركة الإسلامية السودانية على الحركات الإسلامية الأخري صار ضعيفاً جداً بسبب الأنموذج السئ الذي احدثته الحركة الإسلامية في السودان.
نسمع الآن أنه سيكون ميلاد للجمهورية الثانية، التي لم نرى معالمها، لكن نتمنى ان تكون مختلفة وبها تداول سلمي للسلطة وفيها تحول ديمقراطي، ورعاية لحقوق الإنسان، وإلا فإن التجربة البائسة التي إستمرت من 1989م إلى يومنا هذا ستستمر إلى المستقبل.
وما يحدث الآن ، من خلال مجموعة من الدعوات الإصلاحية لم يصل الى مرحلة الصراع، بل أقرب للإختلاف في وجهات النظر والتصور، فالذين كتبوا المقالات لم يصلوا على سبيل المثال لتكوين تنظيم، هناك كتابات عن الإحياء الإسلامي ، بدأها غازي صلاح الدين، وعمل عنها ندوة مشهورة جداً، لكنها نامت في مهدها، إذا لم نقل أنها ماتت تماما، وغازي صلاح الدين مازال جزء من النظام، ويمسك بملفات مهمة ، وبالتالي لا يمكن ان نطلق على هذا صراعاً .
البروفيسور مصطفى ادريس البشير الذي أعلن عن مجموعة من المواقف ، كان مديراً لجامعة الخرطوم ، ومعيناً من قبل النظام ومازال يعتبر نفسه تابعاً له.
هناك من إبتعد ويعتبرون أنفسهم مستقلين ويبدون أراءهم بهذه الصفة.
واعتقد بان الخلافات والأراء المعلنة من قبل بعض الإسلاميين لن تغير هذا النظام، ولن يُستمع لها ، إلا إذا فرضت على النظام . وحتى الآن ليس هناك جهة أو كيان إستطاعت أن تفرض هذا الأمر، بل أغلب الضغوط تأتي من خارج الحركة الإسلامية وليس من داخلها، لأن معظم كوادر الحركة الإسلامية هم الآن موظفين لدى الحكومة ، وهذا وضع لا يتيح الصراع مع النظام ، بإعتبار أنها جزء منه،وبالتالى لا أتوقع أن يكون هناك إصلاح داخلي بسهولة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.