محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    سباق انتخابي محتدم في اتحاد الألعاب المائية بالسودان... الكشف المبدئي يُشعل المنافسة والحسم في 11 أبريل    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    البرهان يلتقي سفير دولة الكويت لدى السودان    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    استهداف منزل يضم قيادات تحالف تأسيس بينهم التعايشي في غارة مسيّرة بنيالا    بالصور.. القيادي السابق بالدعم السريع "بقال" يسخر: (زول عرد من الخرطوم وامدرمان وجغمته مسيرة في نيالا يقول ليك استشهد في الصفوف الأمامية)    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    "جهلة وعنصريون".. يامال ينفجر غضبًا بعد الهتافات الإسبانية ضد المسلمين    أمجد فريد: اعترافات داعمي مليشيا الدعم السريع فضحتهم وشراكتهم في الجرائم    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    كيكل يعلّق على تحرّكات الميليشيا    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    شاهد.. المطربة إيمان الشريف تنشر صورة حزينة لها بعد إتهامها بالإساءة للهرم كمال ترباس والفنانة الكبيرة حنان بلوبلو    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التطرف الديني بما هو قسوة تعكس شرور الإنسان ومخاوفه
نشر في حريات يوم 18 - 07 - 2016

يمكن النظر إلى التطرف الديني بما هو الزيادة عن الحد في الدين أو على نحو عملي تطبيقي تجاوز الفرد في تطبيق الدين أو السعي في تطبيق الدين على الناس، أو إجبارهم على فعل ديني أو معاقبتهم على فعل أو عدم فعل باسم الدين بأنه قسوة أو نوع من القسوة؛ بمعنى إلحاق الأذى المعنوي أو الجسدي أو النفسي بأشخاص أبرياء لا يستحقون هذا الإيذاء، هو إذن (التطرف/ القسوة) فعل شرير؛ لأنه إيذاء من غير ضرورة أو سبب عادل أو معقول، وفي ذلك يمكن أن تسعفنا المعرفة العلمية النفسية والطبية أكثر من المعرفة السياسية أو الاجتماعية أو الدينية.
التطرف الديني في هذا المنظور (النفسي والعصبي) يبدو أكثر شرا ووحشية من الجرائم البشعة أو الصغيرة، ولكنها بدافع الإيذاء والتسلية أو الشر الكامن في النفوس؛ لأن التدين يجعلها مقبولة ومبررة، بل وتتحول إلى ثقافة سائدة وتطبيقات قانونية واجتماعية وثقافية، وهي في واقع الحال ليست غير سادية ووحشية فئات من المتسلطين على البشر والموارد.
لقد ظلت القسوة بما هي شرّ كامن في عقل الإنسان ونفسه حالة سائدة في التاريخ والجغرافيا، وفي صعود الوعي الإنساني بمواجهة الشر لدى الإنسان بالارتقاء به، وتخليصه من الكراهية وتشجيعه على محبة الناس وفعل الخير والبحث في الدوافع والأسباب النفسية التي تدفع الإنسان إلى الشرّ والجريمة والقسوة تقدمت كثيرا العلوم والدراسات التي شغلت بتفسير وفهم سلوك الإنسان ودوافعه ومحركاته، كما النظر في الأسباب والبيئة المنشئة للكراهية مثل اتجاهات التفكير والثقافة والإعلام، أو في تشجيع وتنمية الحوار والفكر الناقد والقدرة على الاستماع والتقبل والتماسك الاجتماعي والفردي، أو في بناء المناعة ومواجهة الهشاشة الفردية والجماعية، وتكريس التعليم الصحيح والإيجابي والروابط القانونية والثقافية الناشئة حولها.
تقول كاثلين تايلور أستاذة علم الأعصاب والدواء في جامعة اكسفورد؛ إن القسوة تمثل خلاصة
شرور الإنسان وأصله[1] والواقع أن كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري" يمنح القارئ قدرة مهمة لفهم التطرف أو إعادة فهمه.
ولكن يجب ملاحظة (والاعتراف أيضا) بأن مفاهيم ومصطلحات من قبيل الوسطية والاعتدال والتطرف تبدو واضحة ومحدّدة (تقريباً) في الثقافة الغربية، لكن لا يمكن اقتباسها في الشرق إلا باقتباس الفلسفة والفكرة المنشئة لها، إذ تبدو لدى فهمها في الخطاب الإسلامي السائد أو المتّبع مختلفة اختلافاً كبيراً، تحتاج إلى خطاب إسلامي جديد أو مختلف يستوعبها ويطبقها على النحو الذي تعمل فيه في بلاد المنشأ.
فمقياس الوسطية والاعتدال والتطرف هو الاجتهاد الإنساني السائد أو الغالب، أو العقد الاجتماعي المنظِّم لعلاقات الناس ومصالحهم؛ بمعنى أن التطرف هو الاختلاف عن العقد الاجتماعي السائد أو الخروج عليه، والوسطية هي الموقف الوسط بين اتجاهين أو فكرتين يجمع بينهما، وإن كان مستقلاً أو مختلفاً عنهما، وفي ذلك ثمة افتراضات عدة أساسية وحاكمة تعمل في الغرب ولا تعمل في الشرق العربي والإسلامي، أو لم تعمل بعد. ويلتبس الفهم والتطبيق للمفاهيم على نحو يشبه استيراد السيارات من غير طرق أو قواعد للقيادة والمرور. الصواب في العقد الاجتماعي فكرة إنسانية نسبية ليست يقينية وحقاً نزل من السماء. الصواب هو الاجتهاد الإنساني في فهم الكمال وتمثّله في لحظة معينة هو صواب ما دام لم تغيّر الغالبية رأيها أو موقفها.
لكن في غياب العقد الاجتماعي الإنساني ليس ثمة وسط أو تطرف! هناك صواب مطلق وخطأ مطلق، الصواب هو الحق الذي نزل من السماء، وما سواه باطل، وليس بعد الحق إلا الضلال، ويكون الاختلاف والصراع على الحق، أو بين الحق والباطل، حيث الحق هو الصواب الذي يعتقده أصحابه ومؤيدوه. ولا يمكن وصف هذا الحق بالاعتدال أو التطرف أو الوسطية. هو الصواب فقط، ويتبعه المؤمنون على أنه الحق الذي نزل من السماء والواجب اتباعه! لذلك وببساطة ووضوح، فإنه لا يمكن الحديث عن تطرف واعتدال في غياب العقد الاجتماعي الإنساني.
لا تصلح هذه المفاهيم والأفكار إلا في أنسنة الحكم والعلاقات. أما في ظل الاعتقاد بالصواب الإلهي والشامل والكامل، والذي يصلح لكل زمان ومكان، وهو ما تؤمن به في عالم العرب والمسلمين الحكومات والمعارضات على السواء! فإن مفاهيم الاعتدال والتطرف تبدو غير واضحة، والوسطية التي تكثر الدعوة إليها اليوم في عالم العرب والمسلمين إذا كانت تعني الأفضل أو الصواب؛ فقد يكون ذلك في بعض الأحيان تطرفاً بمعنى الاختلاف عن السائد أو الغالبية.
وفي عالم المنشأ الإنساني لمفاهيم الوسطية والاعتدال والتطرف، فإن الوسطية بمعنى الوسط بين المواقف والاتجاهات ليست هي الاعتدال أمرين أو أمور واتجاهات عدة… هو في اللغة العربية من الصواب والاستقامة، وفي الديمقراطيات هو الموقف السائد، وفي ذلك فإن الصواب قد تتبدّل مواضعه وحالاته بين اليمين أو اليسار، والحماسة أو الانسحاب أو التردد أو الإقدام أو المغامرة أو التحفّظ… لا يحكمنا في ذلك إلا العقد الاجتماعي أو تجاه الغالبية في اللحظة التي نلتمس رأيها. وأما في غياب الديمقراطية، فإن الصواب أو الاعتدال هو الحق الذي نزل من السماء، والسماء وحدها تقول لنا ما الصواب، ولن يعرف الصواب أو يحدده واقعياً سوى السلطة المهيمنة، أو كما قال أبو العلاء المعري:
تلوا باطلاً وجلّوا صارماً وقالوا: أصبنا؟ فقلنا: نعم!
ولكنا برغم ذلك كله، نظل قادرين على النظر والبحث أو على الأقل الاستماع إلى ما تقدمه لنا الدراسات الغربية ومحاولة الاستفادة منها، وتجادل تايلور أن القسوة ليست شأنا يخص المجانين أو من يولد شريرا بالفطرة، بل من الأرجح أن كثيرا من السلوك الذي يتسم بالقسوة سلوك منطقي نابع من العقل، أي أنه يرتكب لأسباب تبدو وجيهة وسليمة في رأي مرتكبها وقت الفعل.[2]
ومن السمات المؤذية في طبائع البشر ميلهم إلى تصنيف "الآخر" ليس فقط في أوقات ومجريات المحن الكبرى، ولكن كرد فعل على تحديات ضئيلة وأمور بسيطة في محيطنا الاجتماعي قد نعتبرها -نحن- تمس مقامنا أو كرامتنا وإحساسنا بالاعتزاز والفخر[3] إننا مازلنا نميل إلى بل نريد إنزال الضرر بالغير وأحيانا يبلغ الضرر درجة الإبادة الجماعية، ذلك فقط لأننا تحكمنا معتقدات تجاه غيرنا من الناس تدعونا إلى اعتبارهم طائفة تستحق الكراهية.[4]
توصف الكيانات المعادية بالشرّ، .. كائن شرير معاد يهدد وجودنا وأشخاصنا، لا نستطيع أن نفعل شيئا يجعله يغير من سلوكه، كائن خطير ليس مثلنا، يهدف إلى الإيذاء والضرر والتدمير، ومسؤول أخلاقيا عن أفعاله، ولأن التهديد الذي يمثله هذا الكيان قاس وشديد؛ فلدينا ما يبرر اللجوء إلى أن نبطل أو نقضي على هذا التهديد.[5]
ويلزم هنا التمييز بين القسوة والعدوان والعنف، كلمة عنيف يتصف سلوكا، وتذكرنا بتأثيرات الفعل السريع، القوة، القدرة البدنية والقدرة على التدمير، أما كلمة عدوان فتعبر عن النية والقصد بالاعتداء، ولكن القسوة غالبا ما تتضمن العنف المتناهي.[6] والقسوة تنشأ في مواقف معينة ولكنها لا تكون أبدا عشوائية أو دون تمييز إلا ربما في حالات الاضطرابات العقلية الشديدة، والقسوة تحكمها الظروف مثلما تحكمها الشخصية، والناس سوف يستمرون في اقتراف القسوة في مواقف معينة.[7]
إن ما يجعل القسوة بالغة الفظاعة وما هو أكبر من الإيذاء الحسي والمعاناة والتجريد من الرتب العسكرية هو تجريد الإنسان من آدميته والتجرد من المعاني الإنسانية[8] وإذا شعر مرتكب السلوك حتى لو كان عادلا أو مبررا بالمتعة في الإيذاء، فإن سلوكه يعتبر شيئا بغيضا، وفي مرتبة الشرور تتفوق السادية وتعلو على غلظة القلب، وتجسد الدرك الأسفل والأفظع من وحشية الإنسان.
لماذا توجد القسوة؟
يقول باري كانليف في كتابه جذور الحرب: "إذا كانت نظرتنا على جذور وتطور لحروب قد علمتنا شيئا فقد علمتنا كيف أن المواجهات الأبدية منذ الأزل وفيما بعد العولمة فرضتها علينا الغرائز الدفينة التي اكتسبناها نحن البشر العدوانيين من "الاصطفاء الطبيعي والنشوء والارتقاء والبقاء للأقوى" (باري كانليف/ جذور الحرب)"[9].
نحتاج لفهم القسوة وتحليلها إلى عدة أنواع من التفسيرات عن سبب القسوة، والقوى والضغوط الاجتماعية والثقافية: الرفاق، وطلب الإذعان والطاعة، والأيديولوجيات، والخرافات، والأنماط والتغيرات الاقتصادية المفاجئة، والدوافع البيولوجية، والمخدرات والهرمونات، والبرامج الدفينة للاستجابة للتهديد، .. و"ظلال الأسلاف" التي تمثل حاجتنا ونزوعنا للتنافس ولعزل الغير/الآخر، وأن نعرف أكثر عن ذهن الإنسان وعقله.
وبتطور البشر تطورت بمرور الوقت ردود أفعالهم، وأتاحت استمرارية التهديد للمخلوقات امتلاك ردود أفعال محددة ومبرمجة ضد المخاطر، مثل تغيرات فسيولوجية، مشاعر، تصرفات توده تلقائيا ضد مثيرات معينة، واحتفظ الإنسان بهذا الاستعداد لرد الفعل السريع مثلما احتفظ بغرائزه الوحشية العدوانية، كما يرى أي ملاحظ لسلوكنا في المتاجر، إذ نقفز عند سماع ضوضاء مفاجئة ونحن لا نعرف أنه لا ضرر منها، ونشعر بعدم الارتياح في الأماكن المظلمة، ورد فعلنا تجاه حيوانات معينة هو الخوف والرعب، سواء استطاعت إيذاءنا أم لا، وتفزع الحركات المفاجئة الأطفال الرضع كما تفزع البالغين، وتبقى هذه الغرائز حتى إن لم نواجه أخطارا ومهالك، وحتى لو امتلكنا التاريخ المشترك وليس درجة الخطر، ففي انجلترا فإن عدد من يموتون من عقار "بار اسيتامول" يفوق بكثير ضحايا العنكبوت، ولكن الخوف أكثر شيوعا من مسكنات الألم.[10]
لقد نشأت ردود الأفعال الغريزية بسبب التهديدات التي لازمت الإنسان زمنا طويلا تنتمي إلى ثلاث مجموعات: تهديدات تثير الخوف مثل الكوارث الطبيعية، مثل البراكين والزلازل والفيضانات، والأعداء من الناس، والحيوانات المفترسة أو المؤذية، وتهديدات تثير الغضب، النزاعات الاجتماعية أو المالية، وتهديدات تثير الاشمئزاز، مثل الأشياء التي تهدد سلامة البدن بطريق غير مباشر بسبب السموم أو الكائنات ناقلة المرض التي تطلقها، أو تهدد المكانة الاجتماعية لفرد ما.
والإنسان في سلوكه الاجتماعي يبحث عن مطلبين: تفادي الأخطار والتعامل بدبلوماسية، ويتطلب ذلك فردا شديد الحذر، ولم يحقق أسلافنا نجاحاتهم ببناء العضلات حتى يتغلبوا على الوحوش الضارية والمتزايدة في الضخامة، ولكن نجاحهم كان بأن طوروا القدرات اللازمة للعمل كجزء من جماعة، وأهم هذه القدرات وأعلاها هو تخمين وتصور ما سوف يحدث مستقبلا .. في كل من العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي المعقد والمسيطر باطراده، ولقد هزمنا الطبيعة لأننا عرفنا أن نتنبأ بها[11] وأفضل الأفراد في القدرة على التنبؤ هم الأكثر احتمالا للنجاة[12] ويمكن على سبيل المثال ولأجل الاستعانة ملاحظة سلوك الناس في المراكز التجارية ومحلات التسوق يستعيد ذاكرة الصيد وجمع الثمار وما يصحبهما من شعور بالتهديد.[13]
ويستدعي الاشمئزاز الرفض سواء بالتجنب أو الطرد أو الحدّ من مصدر العدوى، ومن يعترض يكون مثل المجذوم الذي يجب تجنبه وعزله، وينشأ خيار طرد هؤلاء المتحدين غير المرغوبين من بيننا، وإن لم يكن هذا ممكنا فعلينا اللجوء إلى التدمير الجسدي، وما يعنينا هنا هو أن كل ذلك بدافع حماية الذات، كما هي ردود أفعالنا تجاه مريض مرضا معديا، لكن الجذام له علامات ظاهرة بينما لا تظهر علامات في حالة الأفكار الخطيرة، وقد يفشل الطرف الثالث في فهم رد فعلنا المشمئز تجاه هذه الحالة، لأنهم يرون التهديد لعقائدنا بالقدر نفسه الذي نراه، وربما تبدو لهم أفعالنا وردود فعلنا بلا مبرر أو قاسية.[14]
وعلى نحو عام، فإن البشر يتسببون في الإيذاء والضرر لأسباب عديدة؛ كي ينقذوا حياتهم، ويحتفظوا بمكانتهم الاجتماعية أو يرفعوها، أو لكي يعلموا الشباب والصغار، أو حتى كي يفرضوا النظام .. ومن حيث مبادئ الأخلاق، فإن كل هذه التبريرات تكفي حتى نتحاشى تهمة القسوة، خصوصا عندما يكون التهديد سريعا وفيه خطر واضح على الحياة أو حلى جانب رئيس فيها أو يهدد المساواة بين الجماع أو الأخلاقيات العامة، لكن بعض الأشكال من الإيذاء تستخدم لتفرض بعدا اجتماعيا عند الاستجابة لتهديدات غير واضحة وليست داهمة، وقد لا تبدو خطيرة بصفة خاصة، أما في حالة التهديدات المعنوية، فإن الحاجة إلى الإبعاد والعزل قد تكون غير مقنعة لطرف ثالث، خصوصا إذا كان هذا الطرف لا يشاركنا معتقداتنا، فماذا يعني الدفاع ضد تهديد ماحق لهويتنا إذا عرفناه وكان رمزيا وليس ماديا وهذا يمثل قسوة بالنسبة إلى المراقب البعيد أو الضحية.
وكما يقول دافيد فرانكفوتر؛ ففي كل القضايا التاريخية هناك أسطورة المؤامرة الشريرة التي تحرك الناس بأعداد كبيرة لارتكاب أعمال وخشية ضد المتهمين من المتآمرين، ويعني ذلك ما هو أسوأ من الجرائم الفظيعة التي ترتكب على مدار التاريخ في طقوس وشعائر فاسدة، ولكنها ترتكب على سبيل تصفية بعض العقائد من العالم الواقعي.
وتلخص تايلور مردّ الموقف العدائي والقاسي تجاه الناس هو حين نصفهم بأنهم ضعفاء، خونة، أنانيون، مقززون يصبحون "آخرين" ويشكلون تهديدا إذا تحدوا هذه الأنماط بأن يكونوا عكس ذلك أقوياء، جديرين بالثقة، عطوفين، لديهم مشاعر دافئة، يهتمون بالغير.
[1] كاثلين تايلور القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري، ترجمة فردوس عبد الحميد البهنساوي، المركز القومي للترجمة، 2014، ص 28
[2] ص ص 31 – 32
[3] ص 35
[4] ص 35
[5] ص ص 39 – 40
[6] ص ص 45 – 46
[7] ص ص 45 – 46
[8] ص 49
[9] ص 99
[10] ص 119
[11] ص ص 131 – 133
[12] ص 145
[13] ص 155
[14] ص 158.
إبراهيم غرايبة
باحث أردني يحمل درجة ماجستير في تخصص العمل الاجتماعي– الجامعة الأردنية. ودرجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات – جامعة الملك عبد العزيز/ جدة، ويعمل حاليا باحثا في الجامعة الأردنية – مركز الدراسات الإستراتيجية، حيث يشرف على إعداد مجموعة من الأبحاث. نشر له العديد من الكتب منها: قوة الإسلام، خريطة الحالة الإسلامية في الأردن، الخطاب الإسلامي والتحولات الحضارية والاجتماعية. إضافة إلى العديد من الأبحاث المنشورة. ويعد إبراهيم غرايبة مستشارا لتقرير الحالة الدينية الذي ستصدره مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
(نقلاً عن مؤمنون بلا حدود).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.