نادي العروبة يهنئ الانيق بالمحافظة على موقعه بالممتاز    (تأهلنا.. وتصدرنا ولكن؟)    إبراهيم شقلاوي يكتب: بين الفوضى وإعادة التأسيس    الكهرباء في السودان تعلن عن قطوعات وتوضّح    الهلال يهزم سانت لوبوبو ويتأهل متصدراً مجموعته    الهلال السوداني إلى الدور ربع النهائي من بطولة دوري أبطال إفريقيا    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم عالم التمثيل بالمشاركة في عمل درامي خلال شهر رمضان    شاهد بالصورة.. فنانة تشكيلية تعرض لوحة للفنان الراحل محمود عبد العزيز للبيع بمبلغ 5 مليار جنيه وساخرون: (إلا يشتريها مأمون لزوجته حنين)    ليفربول يحسم أمره ويقرر عرض محمد صلاح للبيع    وزير الصحة يؤكد دعم غرب كردفان واستمرار الخدمات الصحية رغم التحديات    بنك الخرطوم يصدر توضيحا مهما    السلطانة هدى عربي توجه رسالة لخصومها بصور ملفتة: (اصلوا ما تحاولوا تشوهوا صورتنا لي ناس الدنيا ضيقة)    تفاصيل بشأن خطة تأهيل جسري شمبات والحلفايا    إطلاق سراح 100 من نزلاء السجون الغارمين بكسلا    تبادل إطلاق نار في الخرطوم    "Jackpotting".. كيف يستولي قراصنة على الصراف الآلي وأين بدأت هذه الهجمات؟    3 ميزات متوقعة في آيفون 18 برو بفضل شريحة " C2″ الجديدة    "ميتا" تعزز فيسبوك بميزة الصور الشخصية المتحركة    الأردني التعمري يقود رين إلى هزيمة باريس سان جيرمان بثلاثية    الأمم المتحدة تطلق التحذير تجاه أزمة السودان    د. سلمى سجلت نقطة لصالحها، إن تم قبول استقالتها ستخرج وقد رفعت الحرج عن نفسها    الشرطة في الخرطوم تنهي مغامرة متهم المستشفيات الخطير    من سلوى عثمان لهند صبري .. مشادات "اللوكيشن" تهدد دراما رمضان    نصائح صحية للاستعداد المبكر لرمضان    "الصحة العالمية": اعتماد لقاح فموي جديد لشلل الأطفال    علم النفس يوضح.. هكذا يتخذ أصحاب التفكير المفرط قراراتهم    موسيفيني يصدر توجيهًا لجهاز المخابرات بشأن السيارات السودانية    الهلال السوداني يخوض مواجهة مصيرية في أبطال إفريقيا    أئمة يدعون إلى النار    إتحاد جبل أولياء يكون اللجان العدلية    في مباراة مثيرة شهدت ضربتي جزاء وحالة طرد الأهلي يخسر أمام مويس بثنائية نظيفة في دوري شندي    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التطرف الديني بما هو قسوة تعكس شرور الإنسان ومخاوفه
نشر في حريات يوم 18 - 07 - 2016

يمكن النظر إلى التطرف الديني بما هو الزيادة عن الحد في الدين أو على نحو عملي تطبيقي تجاوز الفرد في تطبيق الدين أو السعي في تطبيق الدين على الناس، أو إجبارهم على فعل ديني أو معاقبتهم على فعل أو عدم فعل باسم الدين بأنه قسوة أو نوع من القسوة؛ بمعنى إلحاق الأذى المعنوي أو الجسدي أو النفسي بأشخاص أبرياء لا يستحقون هذا الإيذاء، هو إذن (التطرف/ القسوة) فعل شرير؛ لأنه إيذاء من غير ضرورة أو سبب عادل أو معقول، وفي ذلك يمكن أن تسعفنا المعرفة العلمية النفسية والطبية أكثر من المعرفة السياسية أو الاجتماعية أو الدينية.
التطرف الديني في هذا المنظور (النفسي والعصبي) يبدو أكثر شرا ووحشية من الجرائم البشعة أو الصغيرة، ولكنها بدافع الإيذاء والتسلية أو الشر الكامن في النفوس؛ لأن التدين يجعلها مقبولة ومبررة، بل وتتحول إلى ثقافة سائدة وتطبيقات قانونية واجتماعية وثقافية، وهي في واقع الحال ليست غير سادية ووحشية فئات من المتسلطين على البشر والموارد.
لقد ظلت القسوة بما هي شرّ كامن في عقل الإنسان ونفسه حالة سائدة في التاريخ والجغرافيا، وفي صعود الوعي الإنساني بمواجهة الشر لدى الإنسان بالارتقاء به، وتخليصه من الكراهية وتشجيعه على محبة الناس وفعل الخير والبحث في الدوافع والأسباب النفسية التي تدفع الإنسان إلى الشرّ والجريمة والقسوة تقدمت كثيرا العلوم والدراسات التي شغلت بتفسير وفهم سلوك الإنسان ودوافعه ومحركاته، كما النظر في الأسباب والبيئة المنشئة للكراهية مثل اتجاهات التفكير والثقافة والإعلام، أو في تشجيع وتنمية الحوار والفكر الناقد والقدرة على الاستماع والتقبل والتماسك الاجتماعي والفردي، أو في بناء المناعة ومواجهة الهشاشة الفردية والجماعية، وتكريس التعليم الصحيح والإيجابي والروابط القانونية والثقافية الناشئة حولها.
تقول كاثلين تايلور أستاذة علم الأعصاب والدواء في جامعة اكسفورد؛ إن القسوة تمثل خلاصة
شرور الإنسان وأصله[1] والواقع أن كتابها "القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري" يمنح القارئ قدرة مهمة لفهم التطرف أو إعادة فهمه.
ولكن يجب ملاحظة (والاعتراف أيضا) بأن مفاهيم ومصطلحات من قبيل الوسطية والاعتدال والتطرف تبدو واضحة ومحدّدة (تقريباً) في الثقافة الغربية، لكن لا يمكن اقتباسها في الشرق إلا باقتباس الفلسفة والفكرة المنشئة لها، إذ تبدو لدى فهمها في الخطاب الإسلامي السائد أو المتّبع مختلفة اختلافاً كبيراً، تحتاج إلى خطاب إسلامي جديد أو مختلف يستوعبها ويطبقها على النحو الذي تعمل فيه في بلاد المنشأ.
فمقياس الوسطية والاعتدال والتطرف هو الاجتهاد الإنساني السائد أو الغالب، أو العقد الاجتماعي المنظِّم لعلاقات الناس ومصالحهم؛ بمعنى أن التطرف هو الاختلاف عن العقد الاجتماعي السائد أو الخروج عليه، والوسطية هي الموقف الوسط بين اتجاهين أو فكرتين يجمع بينهما، وإن كان مستقلاً أو مختلفاً عنهما، وفي ذلك ثمة افتراضات عدة أساسية وحاكمة تعمل في الغرب ولا تعمل في الشرق العربي والإسلامي، أو لم تعمل بعد. ويلتبس الفهم والتطبيق للمفاهيم على نحو يشبه استيراد السيارات من غير طرق أو قواعد للقيادة والمرور. الصواب في العقد الاجتماعي فكرة إنسانية نسبية ليست يقينية وحقاً نزل من السماء. الصواب هو الاجتهاد الإنساني في فهم الكمال وتمثّله في لحظة معينة هو صواب ما دام لم تغيّر الغالبية رأيها أو موقفها.
لكن في غياب العقد الاجتماعي الإنساني ليس ثمة وسط أو تطرف! هناك صواب مطلق وخطأ مطلق، الصواب هو الحق الذي نزل من السماء، وما سواه باطل، وليس بعد الحق إلا الضلال، ويكون الاختلاف والصراع على الحق، أو بين الحق والباطل، حيث الحق هو الصواب الذي يعتقده أصحابه ومؤيدوه. ولا يمكن وصف هذا الحق بالاعتدال أو التطرف أو الوسطية. هو الصواب فقط، ويتبعه المؤمنون على أنه الحق الذي نزل من السماء والواجب اتباعه! لذلك وببساطة ووضوح، فإنه لا يمكن الحديث عن تطرف واعتدال في غياب العقد الاجتماعي الإنساني.
لا تصلح هذه المفاهيم والأفكار إلا في أنسنة الحكم والعلاقات. أما في ظل الاعتقاد بالصواب الإلهي والشامل والكامل، والذي يصلح لكل زمان ومكان، وهو ما تؤمن به في عالم العرب والمسلمين الحكومات والمعارضات على السواء! فإن مفاهيم الاعتدال والتطرف تبدو غير واضحة، والوسطية التي تكثر الدعوة إليها اليوم في عالم العرب والمسلمين إذا كانت تعني الأفضل أو الصواب؛ فقد يكون ذلك في بعض الأحيان تطرفاً بمعنى الاختلاف عن السائد أو الغالبية.
وفي عالم المنشأ الإنساني لمفاهيم الوسطية والاعتدال والتطرف، فإن الوسطية بمعنى الوسط بين المواقف والاتجاهات ليست هي الاعتدال أمرين أو أمور واتجاهات عدة… هو في اللغة العربية من الصواب والاستقامة، وفي الديمقراطيات هو الموقف السائد، وفي ذلك فإن الصواب قد تتبدّل مواضعه وحالاته بين اليمين أو اليسار، والحماسة أو الانسحاب أو التردد أو الإقدام أو المغامرة أو التحفّظ… لا يحكمنا في ذلك إلا العقد الاجتماعي أو تجاه الغالبية في اللحظة التي نلتمس رأيها. وأما في غياب الديمقراطية، فإن الصواب أو الاعتدال هو الحق الذي نزل من السماء، والسماء وحدها تقول لنا ما الصواب، ولن يعرف الصواب أو يحدده واقعياً سوى السلطة المهيمنة، أو كما قال أبو العلاء المعري:
تلوا باطلاً وجلّوا صارماً وقالوا: أصبنا؟ فقلنا: نعم!
ولكنا برغم ذلك كله، نظل قادرين على النظر والبحث أو على الأقل الاستماع إلى ما تقدمه لنا الدراسات الغربية ومحاولة الاستفادة منها، وتجادل تايلور أن القسوة ليست شأنا يخص المجانين أو من يولد شريرا بالفطرة، بل من الأرجح أن كثيرا من السلوك الذي يتسم بالقسوة سلوك منطقي نابع من العقل، أي أنه يرتكب لأسباب تبدو وجيهة وسليمة في رأي مرتكبها وقت الفعل.[2]
ومن السمات المؤذية في طبائع البشر ميلهم إلى تصنيف "الآخر" ليس فقط في أوقات ومجريات المحن الكبرى، ولكن كرد فعل على تحديات ضئيلة وأمور بسيطة في محيطنا الاجتماعي قد نعتبرها -نحن- تمس مقامنا أو كرامتنا وإحساسنا بالاعتزاز والفخر[3] إننا مازلنا نميل إلى بل نريد إنزال الضرر بالغير وأحيانا يبلغ الضرر درجة الإبادة الجماعية، ذلك فقط لأننا تحكمنا معتقدات تجاه غيرنا من الناس تدعونا إلى اعتبارهم طائفة تستحق الكراهية.[4]
توصف الكيانات المعادية بالشرّ، .. كائن شرير معاد يهدد وجودنا وأشخاصنا، لا نستطيع أن نفعل شيئا يجعله يغير من سلوكه، كائن خطير ليس مثلنا، يهدف إلى الإيذاء والضرر والتدمير، ومسؤول أخلاقيا عن أفعاله، ولأن التهديد الذي يمثله هذا الكيان قاس وشديد؛ فلدينا ما يبرر اللجوء إلى أن نبطل أو نقضي على هذا التهديد.[5]
ويلزم هنا التمييز بين القسوة والعدوان والعنف، كلمة عنيف يتصف سلوكا، وتذكرنا بتأثيرات الفعل السريع، القوة، القدرة البدنية والقدرة على التدمير، أما كلمة عدوان فتعبر عن النية والقصد بالاعتداء، ولكن القسوة غالبا ما تتضمن العنف المتناهي.[6] والقسوة تنشأ في مواقف معينة ولكنها لا تكون أبدا عشوائية أو دون تمييز إلا ربما في حالات الاضطرابات العقلية الشديدة، والقسوة تحكمها الظروف مثلما تحكمها الشخصية، والناس سوف يستمرون في اقتراف القسوة في مواقف معينة.[7]
إن ما يجعل القسوة بالغة الفظاعة وما هو أكبر من الإيذاء الحسي والمعاناة والتجريد من الرتب العسكرية هو تجريد الإنسان من آدميته والتجرد من المعاني الإنسانية[8] وإذا شعر مرتكب السلوك حتى لو كان عادلا أو مبررا بالمتعة في الإيذاء، فإن سلوكه يعتبر شيئا بغيضا، وفي مرتبة الشرور تتفوق السادية وتعلو على غلظة القلب، وتجسد الدرك الأسفل والأفظع من وحشية الإنسان.
لماذا توجد القسوة؟
يقول باري كانليف في كتابه جذور الحرب: "إذا كانت نظرتنا على جذور وتطور لحروب قد علمتنا شيئا فقد علمتنا كيف أن المواجهات الأبدية منذ الأزل وفيما بعد العولمة فرضتها علينا الغرائز الدفينة التي اكتسبناها نحن البشر العدوانيين من "الاصطفاء الطبيعي والنشوء والارتقاء والبقاء للأقوى" (باري كانليف/ جذور الحرب)"[9].
نحتاج لفهم القسوة وتحليلها إلى عدة أنواع من التفسيرات عن سبب القسوة، والقوى والضغوط الاجتماعية والثقافية: الرفاق، وطلب الإذعان والطاعة، والأيديولوجيات، والخرافات، والأنماط والتغيرات الاقتصادية المفاجئة، والدوافع البيولوجية، والمخدرات والهرمونات، والبرامج الدفينة للاستجابة للتهديد، .. و"ظلال الأسلاف" التي تمثل حاجتنا ونزوعنا للتنافس ولعزل الغير/الآخر، وأن نعرف أكثر عن ذهن الإنسان وعقله.
وبتطور البشر تطورت بمرور الوقت ردود أفعالهم، وأتاحت استمرارية التهديد للمخلوقات امتلاك ردود أفعال محددة ومبرمجة ضد المخاطر، مثل تغيرات فسيولوجية، مشاعر، تصرفات توده تلقائيا ضد مثيرات معينة، واحتفظ الإنسان بهذا الاستعداد لرد الفعل السريع مثلما احتفظ بغرائزه الوحشية العدوانية، كما يرى أي ملاحظ لسلوكنا في المتاجر، إذ نقفز عند سماع ضوضاء مفاجئة ونحن لا نعرف أنه لا ضرر منها، ونشعر بعدم الارتياح في الأماكن المظلمة، ورد فعلنا تجاه حيوانات معينة هو الخوف والرعب، سواء استطاعت إيذاءنا أم لا، وتفزع الحركات المفاجئة الأطفال الرضع كما تفزع البالغين، وتبقى هذه الغرائز حتى إن لم نواجه أخطارا ومهالك، وحتى لو امتلكنا التاريخ المشترك وليس درجة الخطر، ففي انجلترا فإن عدد من يموتون من عقار "بار اسيتامول" يفوق بكثير ضحايا العنكبوت، ولكن الخوف أكثر شيوعا من مسكنات الألم.[10]
لقد نشأت ردود الأفعال الغريزية بسبب التهديدات التي لازمت الإنسان زمنا طويلا تنتمي إلى ثلاث مجموعات: تهديدات تثير الخوف مثل الكوارث الطبيعية، مثل البراكين والزلازل والفيضانات، والأعداء من الناس، والحيوانات المفترسة أو المؤذية، وتهديدات تثير الغضب، النزاعات الاجتماعية أو المالية، وتهديدات تثير الاشمئزاز، مثل الأشياء التي تهدد سلامة البدن بطريق غير مباشر بسبب السموم أو الكائنات ناقلة المرض التي تطلقها، أو تهدد المكانة الاجتماعية لفرد ما.
والإنسان في سلوكه الاجتماعي يبحث عن مطلبين: تفادي الأخطار والتعامل بدبلوماسية، ويتطلب ذلك فردا شديد الحذر، ولم يحقق أسلافنا نجاحاتهم ببناء العضلات حتى يتغلبوا على الوحوش الضارية والمتزايدة في الضخامة، ولكن نجاحهم كان بأن طوروا القدرات اللازمة للعمل كجزء من جماعة، وأهم هذه القدرات وأعلاها هو تخمين وتصور ما سوف يحدث مستقبلا .. في كل من العالم الطبيعي والعالم الاجتماعي المعقد والمسيطر باطراده، ولقد هزمنا الطبيعة لأننا عرفنا أن نتنبأ بها[11] وأفضل الأفراد في القدرة على التنبؤ هم الأكثر احتمالا للنجاة[12] ويمكن على سبيل المثال ولأجل الاستعانة ملاحظة سلوك الناس في المراكز التجارية ومحلات التسوق يستعيد ذاكرة الصيد وجمع الثمار وما يصحبهما من شعور بالتهديد.[13]
ويستدعي الاشمئزاز الرفض سواء بالتجنب أو الطرد أو الحدّ من مصدر العدوى، ومن يعترض يكون مثل المجذوم الذي يجب تجنبه وعزله، وينشأ خيار طرد هؤلاء المتحدين غير المرغوبين من بيننا، وإن لم يكن هذا ممكنا فعلينا اللجوء إلى التدمير الجسدي، وما يعنينا هنا هو أن كل ذلك بدافع حماية الذات، كما هي ردود أفعالنا تجاه مريض مرضا معديا، لكن الجذام له علامات ظاهرة بينما لا تظهر علامات في حالة الأفكار الخطيرة، وقد يفشل الطرف الثالث في فهم رد فعلنا المشمئز تجاه هذه الحالة، لأنهم يرون التهديد لعقائدنا بالقدر نفسه الذي نراه، وربما تبدو لهم أفعالنا وردود فعلنا بلا مبرر أو قاسية.[14]
وعلى نحو عام، فإن البشر يتسببون في الإيذاء والضرر لأسباب عديدة؛ كي ينقذوا حياتهم، ويحتفظوا بمكانتهم الاجتماعية أو يرفعوها، أو لكي يعلموا الشباب والصغار، أو حتى كي يفرضوا النظام .. ومن حيث مبادئ الأخلاق، فإن كل هذه التبريرات تكفي حتى نتحاشى تهمة القسوة، خصوصا عندما يكون التهديد سريعا وفيه خطر واضح على الحياة أو حلى جانب رئيس فيها أو يهدد المساواة بين الجماع أو الأخلاقيات العامة، لكن بعض الأشكال من الإيذاء تستخدم لتفرض بعدا اجتماعيا عند الاستجابة لتهديدات غير واضحة وليست داهمة، وقد لا تبدو خطيرة بصفة خاصة، أما في حالة التهديدات المعنوية، فإن الحاجة إلى الإبعاد والعزل قد تكون غير مقنعة لطرف ثالث، خصوصا إذا كان هذا الطرف لا يشاركنا معتقداتنا، فماذا يعني الدفاع ضد تهديد ماحق لهويتنا إذا عرفناه وكان رمزيا وليس ماديا وهذا يمثل قسوة بالنسبة إلى المراقب البعيد أو الضحية.
وكما يقول دافيد فرانكفوتر؛ ففي كل القضايا التاريخية هناك أسطورة المؤامرة الشريرة التي تحرك الناس بأعداد كبيرة لارتكاب أعمال وخشية ضد المتهمين من المتآمرين، ويعني ذلك ما هو أسوأ من الجرائم الفظيعة التي ترتكب على مدار التاريخ في طقوس وشعائر فاسدة، ولكنها ترتكب على سبيل تصفية بعض العقائد من العالم الواقعي.
وتلخص تايلور مردّ الموقف العدائي والقاسي تجاه الناس هو حين نصفهم بأنهم ضعفاء، خونة، أنانيون، مقززون يصبحون "آخرين" ويشكلون تهديدا إذا تحدوا هذه الأنماط بأن يكونوا عكس ذلك أقوياء، جديرين بالثقة، عطوفين، لديهم مشاعر دافئة، يهتمون بالغير.
[1] كاثلين تايلور القسوة: شرور الإنسان والعقل البشري، ترجمة فردوس عبد الحميد البهنساوي، المركز القومي للترجمة، 2014، ص 28
[2] ص ص 31 – 32
[3] ص 35
[4] ص 35
[5] ص ص 39 – 40
[6] ص ص 45 – 46
[7] ص ص 45 – 46
[8] ص 49
[9] ص 99
[10] ص 119
[11] ص ص 131 – 133
[12] ص 145
[13] ص 155
[14] ص 158.
إبراهيم غرايبة
باحث أردني يحمل درجة ماجستير في تخصص العمل الاجتماعي– الجامعة الأردنية. ودرجة البكالوريوس في المكتبات والمعلومات – جامعة الملك عبد العزيز/ جدة، ويعمل حاليا باحثا في الجامعة الأردنية – مركز الدراسات الإستراتيجية، حيث يشرف على إعداد مجموعة من الأبحاث. نشر له العديد من الكتب منها: قوة الإسلام، خريطة الحالة الإسلامية في الأردن، الخطاب الإسلامي والتحولات الحضارية والاجتماعية. إضافة إلى العديد من الأبحاث المنشورة. ويعد إبراهيم غرايبة مستشارا لتقرير الحالة الدينية الذي ستصدره مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.
(نقلاً عن مؤمنون بلا حدود).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.