قناة الجزيرة تنشر أسرار الانقلاب على البشير.. كيف أصبح البرهان رئيسا بالصدفة؟ ولماذا أغلق حميدتي هواتفه؟    حميدتي: قطر تحاول تدمير المجلس العسكري والدعم السريع    دول "الترويكا" تعلن دعمها للوساطة الأفريقية بشأن السودان    خبير اقتصادي يحذر من مخاطر طباعة الفئات الكبيرة من العملة    "المهدي ": "الانتقالي العسكري" سيستمر في حكم البلاد    تعيين مدير جديد لهيئة المواصفات والمقاييس    "علماء" يرصدون "القُبلة" الأولى بين مجرتين كبيرتين    ضبط كميات من الأسلحة والوقود بولاية كسلا    أمم إفريقيا تتسبب في فشل بطولة الدوري الممتاز    اعتقال مهاجم منتخب السودان والمريخ سيف تيري يفجر الاوضاع    التاج إبراهيم : فوزنا على الهلال يعطينا دافعا من اجل الفوز بالنخبة    الصادق المهدي :نحن ضد التصعيد حتى يحدد العسكري موقفه النهائي    منح شركات مربعات جديدة للتعدين في الذهب بجنوب كردفان    تصريح من تجمع المهنيين السودانيين    ورشة المنامة .. استسلام وخيانة .. بقلم: جورج ديوب    بيان صحفي هام من المكتب الاعلامي للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل    "صبي" يقتل عمه بالوادي الأخضر    في دوري النخبة: الهلال يفوز على أهلي شندي.. والمريخ يكسب هلال الأُبيّض    حصاد الجولة الأولى لأمم أفريقيا.. غياب التعادل السلبي وبطاقة حمراء    هواوي تتلقى “قبلة الحياة” من شركات أميركية    الدعم السريع: عناصر تتبع للحركات المسلحة تشوه صورة قواتنا    (315) مليون جنيه نصيب ولاية نهر النيل من عائدات التعدين    السودان: انخفاض معدلات التضخم في 2019    حملة لتطعيم أكثر من 168 ألف طفل بود مدني    ارتفاع صادر الصمغ العربي إلى 80 ألف طن    ترامب: "المصالح" مع السعودية أهم من قضية "خاشقجي"    السعودية: الحوثيون تعمدوا استهداف المدنيين بصاروخ إيراني    أميركا تطلق الجانب الاقتصادي لخطة السلام    عشرات الإصابات الجديدة بالحصبة بالولايات المتحدة    مدني تستهدف تطعيم 168,338 طفلاً    مشروعات ترفيهية جديدة بالساحة الخضراء بالخرطوم    تريند أفريقيا: سعادة عربية بنجاة المغرب وانتصار الجزائر    بومبيو إلى الرياض وأبوظبي    عقار يعالج فقدان الرغبة الجنسية لدى المرأة    محمد مرسي شهيد الانتخاب .. بقلم: د. مجدي الجزولي    سعر الدولار يقفز بتعاملات السوق السوداء برفقة اسعار العملات    الضفة الثالثة للنهر .. بقلم: عبد الله الشقليني    فيلسوف نزع الخوف (1): الذكرى التسعين لميلاد يورغن هابرماس .. ترجمة وعرض: د. حامد فضل الله / برلين    ما الذي أسرى بالبرهان من الشتم وعرّج به إلى الإذعان .. بقلم: عادل عبدالرحمن    وذرفتُ دمعاً سخيناً بميدان القيادة .. بقلم: صلاح الباشا/ الخرطوم    مشروع الشارقة الثقافي في إفريقيا    لزراعة تدشن نثر بذور أشجار المراعي بالنيل الأزرق    الشرطة: المواطن المقتول بابوسعد قاوم تنفيذ أمر قبض    أدبنا العربيّ في حضارة الغرب .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    مبادرة من "المهن الموسيقية" للمجلس العسكري    أين يعيش الطيب مصطفى . . ؟ .. بقلم: الطيب الزين    وفاة (3) أشخاص دهساً في حادث بمدينة أم درمان    اختراق علمي: تحويل جميع فصائل الدم إلى فصيلة واحدة    الصحة: 61 حالة وفاة بالعاصمة والولايات جراء الأحداث الأخيرة    61 قتيل الحصيلة الرسمية لضحايا فض الاعتصام والنيابة تبدأ التحقيق    عيدية حميدتي وبرهان لشعب السودان .. بقلم: الطيب محمد جاده    الصادق المهدي والفريق عبدالخالق في فضائية "الشروق" في أيام العيد    تعميم من المكتب الصحفي للشرطة    الشرطة تقر بمقتل مواطن على يد أحد ضباطها    "الشروق" تكمل بث حلقات يوميات "فضيل"    فنان ملخبط ...!    العلمانية والأسئلة البسيطة    الآن جاءوا ليحدثونا عن الإسلام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سلطة الاْخلاق في المجتمع العربي ازدواجية الشخصية العربية وانهيار سلطة الاخلاق


د . موسى الحسيني
[email protected]
الموضوع بالاصل هو محاضرة القاها الكاتب في الندوة السنوية لجمعية الثقافة العربية في بريطانيا ، تمحورت نشاطاتها حول عنوان " اشكالية السلطة في الفكر العربي – الاسلامي " ، التي امتدت على مدى يومي 28-29 تموز – يوليو 2001 ، على قاعة كلية لندن للدراسات الشرقية والافريقية .قامت الجمعية بنشر مساهمات المحاضرين في كتاب من اصدار دار الكنوز الادبية وتحت نفس عنوان محور الندوة .
مدخل
اٍن ضيق الوقت المحدد لهذه المحاضرة, مقابل عمق وسعة الموضوع المطروح للنقاش, سيجعلنا نتقرب للمشكلة من خلال ملخصات سريعة للتعريفات المهمة للاْبعاد الاْساسية للموضوع, مع ذكر اْمثلة قليلة من البحوث والدراسات السابقة التي تناولت المشكلة بشكل او اْخر. باْمل اْن نتمكن من نشر دراستنا الموسعة للموضوع بكتاب ناْمل اْن يتم انجازه واٍعداده للطبع قريباً.
السلطة, وهي الموضوع الرئيسي لعلم السياسة, تعني القدرة على توجيه سلوك الاَخرين, وفرض اْو منع سلوك معين على مجموعة الاْفراد التابعين, بالاتجاه و الطريقة التي تحددها هذه السلطة, وباستخدام الاْمر والاٍكراه اْحياناً, وتختلف هذه القدرة عن الاقناع الذي يعني دفع الفرد للقيام بسلوك معين اْو الامتناع عن سلوك ما من خلال ايضاح حسنة اْو سوء هذا السلوك اْوذاك. ويختلف مفهوم السلطة عن مفهوم الاقناع في نوعية التاْثير المسلط على الفرد اْو الجماعة. في الاقناع يتم توجيه سلوك الفرد اْو الجماعة من خلال مناقشته اْومناقشتهم لايضاح حسنات اْو مساوئ السلوك المطلوب اداؤه اْو ذاك المطلوب الامتناع عنه. فالنقاش, وتبادل الراْي, وطرح الفكر هي وسيلة الاقناع وليس وسيلة السلطة, التي تعني استخدام الاْمر الذي لا يكترث برضى اْو رغبات الفرد. قد تستخدم السلطة بعض اساليب الاقناع لكنها تريد بذلك سرعة تقبل الفرد للاَخر, وليس الاختيار بين قبوله اْو رفضه.
اْما النفوذ يعني قابلية التاْثير على مراكز اتخاذ القرار في مؤسسة ما من مؤسسات السلطة. اْي اْن النفوذ لا يؤثر مباشرة في تحديد نوعية واتجاه السلوك, بل بشكل غير مباشر من خلال التاْثيرعلى مراكز السلطة. وياْتي النفوذ من خلال المكانة الاجتماعية للفرد, اْو من خلال حيازة بعض عناصر القوة. اما القوة فهي حيازة بعض العناصر اْو المقومات الماْدية اْو المعنوية ذات التاْثير في سلوك فرد اْو مجموعة اْفراد. كالقوة العضلية لفرد ما مقابل اَخر ضعيف, حيازة راْس المال, ملكية مؤسسات تجارية اْو صناعية, زعامة حزب سياسي, زعامة دينية, دور ثقافي, حيازة سلاح معين, حتى السلطة ضمن اطار الحكومة نفسها تعتبر عنصر من عناصر القوة. لكن هذا لا يعني اْن جميع عناصر القوة يمكن اْن تكون شكلاً من اْشكال السلطة. تحتاج القوة للاٍقرار بشرعية سيادتها كي تتحول اٍلى سلطة, هذا القبول قد يكون نتاج اقتناع وتسليم فردي اْو من خلال قواعد و قوانين معترف بها ومقرة من قبل المجموعة, كما اْنها اي القوة تختلف عن السلطة في اْساليبها للتاْثير في سلوك الاْفراد الذي قد لا يكون مقبول شرعاً اْو قانوناً. وقد تكون القوة وسيلة للوصول اٍلى السلطة, واكتساب شرعية السيطرة على مراكزها. لكن السلطة بالمقابل تتضمن كل اْشكال القوة ، وهي ايضا بنفس الوقت شكل من اشكالها .
فالسلطة اٍذاً تتقبل الاْمر مقابل الطاعة. وتخضع لشرط قبول المحكوم و الخاضع بسيادتها, وهذا القبول هو اٍقرار الخاضعين بشرعية السلطة وحقها في اٍصدار الاْمر اْو مجموعة الاْوامر لتنظيم حياة مجتمع اْو جماعة ما والعلاقات بين اْفراده او اعضائها, وتوجيه سلوك جميع الخاضعين لما فيه صالح الجميع. من هنا ياْتي خطاْ الاستعمال الشائع ل ((سلطة الثقاقة)).الثقافة ليست سلطة, هي قوة تمتلك القدرة للتاْثير في سلوك الاَخرين وتوجيهه بالاتجاه المطلوب من خلال الاقناع, وليس باستخدام الاْمر, فالفرد مخير في قبول المفاهيم الثقافية اْو رفضها حسب قناعاته وخلفياته و الاجتماعية.
اْما الاخلاق فتختلف عن الثقافة, رغم اْنها اْحد عناصر الثقافة, كما في بعض التعريفات. وياْتي اختلافها مع الثقافة من حيث ارتباطها المباشر بالسلوك, واَليات هذا السلوك ودوافعه. فهي (اْي الاخلاق) تتحكم بسلوك الفرد اْو جميع اْفراد مجتمع ما, وتوجهه بالاتجاه البعيد عن الايذاء والشر, وهي اْيضاً تكتسب شرعيتها في هذا المنع من النزعات الكامنة في الٍانسان نحو الخير, وتطلعه للعيش بسعادة وسلام مع الاَخرين, وتحقيق رغباته بشكل مقبول لا يثير غضبهم , كما اْنها تستمد شرعيتها من الاتفاق الاجتماعي عليها. الاخلاق من وجهة نظر علم النفس هي مجموعة من المفاهيم والقيم الاجتماعية الهادفة اٍلى تشكيل نظم سلوكية ثابتة تحدد استجابات الفرد نحو الاَخرين, في مواقف محددة بغية السيطرة على الدوافع الشريرة والمؤذية عند الاٍنسان من خلال الزامه بنماذج سلوكية خيرة غير ضارة.
اْي هي بالاْساس نماذج سلوكية تهدف لتنظيم العلاقات الاجتماعية بين الاْفراد, بما يمنع الضرر ويعمم الخير. يُعتبر سيغموند فرويد, وبعكس المفهوم الشائع عنه, صاحب اْهم نظرية اخلاقية في مجال السيكولوجيا. اٍن البنية النفسية التي توجه وتتحكم بسلوك الاْفراد, من وجهة نظر فرويد, تتشكل, كما هو معروف, من ثلاثة منظومات فرعية هي الهو, والانا, والاْنا الاْعلى, وتتشكل الاْنا الاْعلى عادة عن طريق امتصاص الطفل, اْو استدماج المعاير الاخلاقية التي يتمسك بها الاْبوان, وتحصل عملية الاستدماج هذه نتيجة لما يتعرض له الطفل من عقاب بسبب ارتكابه لسلوك اْو فعل يتعارض مع المفاهيم الاخلاقية للاْبوين, اْو ما يلاقيه من ثواب واستحسان على اثر قيامه بفعل مُرض يتناسب والقواعد الاخلاقية لهما.
وتتشكل الاْنا الاْعلى من طبقتين اْو جزئين هما:
الضمير, وهو الجهاز اْو الطبقة التي تتضمن المثل التي خالفها الطفل وتعرض للعقاب بسبب مخالفته لها. والذات العليا المثالية, وهي تتضمن مجموعة المفاهيم التي امتصها عقل الفرد بفعل التشجيع والاثابة. ووظيفة الضمير هو منع (الهو) ذلك الجزء الخاص من المنظومة النفسية المتضمن لكل الغرائز والرغبات الاْولية عند الاٍنسان بعد ولادته, والتي تبحث عن الاشباع دون الخضوع لاْي شروط. وظيقة الضمير هو منع (الهو) من الاندفاع في تحقيق اشباعات غرائزه بدون اعتبار لشروط العالم الخارجي. كذلك يعمل الضميرعلى ضبط ((الاْنا)) و منعه من الخضوع لمطاليب الهو, بل ومعاقبته عندما يضعف اْمام الهو.
يحقق الاْنا الاْعلى وظائفه هذه من خلال اَثاره الاٍحساس بالشعور بالذنب. اٍن الية الشعور بالذنب هذه, هي الميكانزم الذي تمارس الاخلاق من خلالها دور السلطة الداخلية على الفرد. اٍن مصدر هذا الشعور بالذنب يعود لسببين هما:
1 – القلق حيال السلطة ...سلطة الاْب ثم سلطة المجتمع.
2- القلق من اٍثارة الاْنا الاْعلى.
الاْول يرغم الفرد على الاقلاع عن ارضاء اندفاعاته بشكل عشوائي. الثاني, يدفع المرء الى معاقبة نفسه لاْنه حتى في غياب سلطة المجتمع, اْوسلطة الوالدين, من المستحيل اخفاء النوايا اْو الرغبات الممنوعة على الاْنا الاْعلى. يقوم الاْنا الاْعلى بتوجيه العدوان (الضرر) نحو الداخل, اْي اْنه يعيده للنقطة التي انطلق منها, يوجهه ضد الاْنا, التي حاولت التنازل عن دورها في ضبط اندفاعات ورغبات الهو, و انساقت اْو حاولت ارضاء هذه الرغبات. هنا يلتقي فرويد مع الفكر الديني الذي يرى في الخوف من الله في السر والعلن ردعاً ذاتياً لمنع الانسان من اقتراف الاثم او الذنوب ، فالضمير هنا يحل محل الرب عند فرويد.
اْصل هذا الشعور بالذنب عند فرويد هو خوف الشخص في مرحلة الطفولة حيث لا يزال يحتاج لاْبويه في اشباع كل الحاجات الضرورية من اْن يؤدي السلوك غير المقبول اٍلى فقدان الشخص المحبوب, اْو الذي يتعلق به, لاْنه بذلك يفقد حمايته ورعايته فيتخلى الطفل عن العمل الشرير ليضمن بتخليه هذا رضاء اْبويه ويحافظ على وجودهما بقربه. فالعمل الشرير عند فرويد "هو بالاْصل ما يشعُر المرء معه باْنه مهدد بفقدان الحب" ( عسر الحضارة ، ص :112) . الحب الوالدين هنا يساوي رضاء الله عند الفرد المؤمن. لذلك فاٍن المرء يتحاشى اقترافه خشية تعرضه لهذا الحرمان من رضا الوالدين و مايقدمانه من اختيارات يقابل الحرمان من رضا الله ومنعه من دخول الجنة او الترفيه بالحياة .
في المراحل الاْولى من حياة الطفل تكون المشكلة بالنسبة للطفل ليست اقتراف الشر, اْو النية باقترافه, لكن الخطر المترتب على ذلك والذي يتعرض له عندما تكتشف سلطة الابوين ذلك الشر,اْو السلوك الخطاْ. يبداْ الضمير بالتشكل من ظهور هذا النوع من المخاوف, فهو اٍذاً الجهاز الذي يضمر المخاوف التي تترتب على اقتراف سلوك غير مرغوب فيه من قبل الاْب اْو الاْبوين معاً. والشعوربالذنب في المراحل الاْولى هو مجرد حالة قلق حيال فقدان الحب, وما يترتب على ذلك من فقدان كثير من الامتيازات كالحماية بكل ماتعينه, مع تطور نمو الاْنا الْاعلى... تاْخذ المشاعر الاخلاقية معنى اَخر, حيث لاينشاْ القلق مع فعل الشر فقط, بل من ظهوراْية نية لفعل الشر, لاْن الاْمور الباطنية اْو الرغبات الممنوعة اجتماعياً في الهو, قد تبقى مخفية على الناس الاًخرين اْو المجتمع والسلطة, لكنها لايمكن اْن تخفى على الاْنا (ص:112-128).
بالنسبة للاْنا الاْعلى اٍذاً, يتكافاْ العمل السيئ مع ظهور النية للاتيان بالعمل السيئ . وفي كلا الحالتين يبداْ الضمير كممثل للسلطة (سلطة الاْبوين اْو المجتمع) في توجيه عقوباته نحوالاْنا. تتضح سلطة الاخلاق اٍذاً من خلال:
1-منع و احباط سلوك الشر والاْيذاء و هو لا يزال بعد مجرد نية اْو فكرة,وهذا يقابل في الدين ما يعرف بالتوى والورع ، اي اتقاء غضب الخالق ، والقدرة على ضبط النفس والتعالي على الرغبات والشهوات .
2-عندما يكون الدافع لتحقيق السلوك السيئ قوياً, وتفشل الاْنا في السيطرةعليه, وتستجيب لرغبات الهو, يدخل الاْنا الاْعلى في صراع مع الاْنا يتخذ شكل حالة شديدة من الشعوربالذنب, وتحذير الذات, وقد تكون هذه المشاعر من القوة بحيث تدفع الفرد عند ارتكابه لعمل شرير اْو جريمة يُعاقب عليها القانون (كالقتل,السرقة, شهاة الزور) ولايتعرض للكشف من قبل السلطة, فاٍن الفاعل قد يتطوع بنفسه لتقديم نفسه بعد فترة اٍلى السلطة الرسمية معترفاً بذنبه راضياً بما يترتب على هذا الاعتراف من عقوبة.
ولا يقتصر دور الضمير في العمل على الاْفعال الشريرة من ذلك النوع الذي يعتبر بمصاف الجريمة التي يُعاقب عليها القانون, بل يعمل على مستوى الاْعمال البسيطة, مثل محاولة شخص ما ايذاء صديقه اْو شخص اَخر, ولو بالكلام, نجده بعد فترة وتحت الحاح حالة الشعور بالذنب نجد اْن الاٍنسان يتوجه للاعتراف اٍلى صديقه اْو قريبه طالباً العفو.
لقد اعتبر فرويد ان احساس الشعور بالذنب هو الاساس في تحقيق الحضارة. والحضارة بالنسبة له هي نتاج التزام الاٍنسان بالقيم الاخلاقية. لذلك, فاٍن انعدام الاٍحساس بالشعور بالذنب هو دليل على انحطاط اْخلاقي يمكن اْن يهدد الحضارة. اٍن الاحساس بالشعور بالذنب, قد يكون موجوداً اْحياناً عند الفرد, ولكن بشكل ضعيف. ويفشل في اداء دوره في تحسين سلوك الاٍنسان وتهذيبه, حيث تقوم الاْنا المنحطة اْوالمخربة اْخلاقياً بالتخلص من هذه المشاعرمن خلال اشكال محددة من ما يعرف بالميكانزيمات الدفاعية الاشعورية مثل التبرير, والاسقاط. التبرير كما هو معروف, يمثل هنا توجهاً غير صحي لاختلاق الاْسباب والمبررات الوهمية لتسويغ سلوكيات خاطئه, اْو تعكس توجهات اْقرب للشر والايذاء. تلك هي المقدمات النظرية. بشكل مختزل ومختصر, التي سننطلق منها لمعالجة موضوعية الاْخلاق في المجتمع العربي, اْو ما تتعرض له من اْزمة حقيقية. والملاحظة الاْولية التي تشد الانتباه في هذا الموضوع هو ان شخصية الاْنسان العربي بقدر ما انها تنفي وجود مثل هذه الاْزمة, المتمثلة في الازدواجية اْو التناقض بين الادعاء والممارسة, بقدر ما تكثر في الحديث عن محاسن الاخلاق, وفوائدها, وضرورتها للحياة, بقدر ما تتصف سلوكياتها عموماً باتجاه البعد عن المعايير الاخلاقية, بشكل مكشوف اْخياناً, ومستور في اْحيان اْخرى. نحن نتحدث كثيراً عن الصدق والامانة, والوفاء والفضيلة حديث اعجاب واحترام, ومع ذلك نحن نكذب, ونخون ونمارس كل اْشكال الرذيلة.
اْحصى محمد اَركون المصادر الكلاسيكية العربية التي تتناول موضوع الاخلاق ب 15 مصدراً. مع مئات اْو الاَف المنشورات اْو المطبوعات التي تنشر يومياً في اْيامنا هذه. ومع ذلك فنحن لازلنا اْبعد من اْن نلتقي مع القيم الواردة في هذه المصادر والمطبوعات. ازدواج الشخصية العربية, والفصام النكد بين ما ندعيه من اخلاق, وما نمارسه بالفعل من ممارسات بعيدة عن القيم الاخلاقية التي ندعيها. هذه ليست ملاحظة شخصية خاصة, ولاهي مجرد نظرة تشاؤمية يمكن اْن تكون قد تشكلت عند الكاتب بفعل بعض التجارب المريرة التي تعرض لها. بل هي ملاحظة موضوعية لم اْكن السباق في اكتشافها, فقد لاحظها الكثيرمن المفكرين والكتاب قبلي. واعطوها مسميات مختلفة, ويلتقون في الغالب على تسميتها ب((الازدواجية)).
اٍن اختلاف الجنسيات العربية لهؤلاء الكتاب جعلهم ينسبون ملاحظاتهم اٍلى بيئاتهم القطرية, كالعراقية, والمصرية, واللبنانية. لكن التدقيق في كتاباتهم يكشف اْن الظاهرة عربية في الغالب ولا يختص بها قطر واحد اْو مجموعة اْقطار. في العراق مثلاً تميز الدكتور علي الوردي في معالجته لهذه الظاهرة وبجراْة علمية يحسد عليها. في مصر الدكتور حسن حنفي والدكتور مصطفى حجازي والدكتور اٍبراهيم بدران بالمشاركة مع الدكتورة سلوى الخماش. في لبنان تميزالدكتور علي زيعوز بغزارة انتاجاته في هذا المجال, كذلك وبشكل عابر وخلال حديثه عن بنيت الاْسرة العربية, الدكتور زهير حطب في لبنان اْيضاً. في سوريا يمكن ملاحظة كل من الدكتور صادق جلال العظم, والاستاذ اْبو علي ياسين.
سنتناول في هذا الملخص اطروحات كل من الدكتور علي الوردي والدكتور حسن حنفي, كنموذجين, وقد تم اختيارهما على اْساس ما تميزا فيه من اتجاه مباشر نحو التقرب من المشكلة ووصفها.
يشخص الدكتور علي الوردي الظاهرة في كتابه ((طبيعة المجتمع العراقي)), كما يلي:
"الفرد العراقي من اْكثر الناس هياماً بالمثل العليا ودعوة اٍليها في خطاباته وكتاباته ومجادلاته, ولكنه في الوقت نفسه من اْكثر الناس انحرافاً عن تلك المثل في واقع حياته" (ص:248).
وهو يعتقد طبعاً اْن اْحد اْهم اْسباب هذه الظاهرة هو ميل العراقين للجدل والولع به, ويوصف مجموعة كبيرة من مظاهر الازدواج التي نشاْت بسبب هذه النزعة, وتعبر عن وجودها بالوقت نفسه.
اٍن هذه النزعة باتجاه انفصام القول عن السلوك تتطور بنظر الوردي لتاْخذ صفات جديدة, يحددها الوردي كما يلي:
1-اٍن من عيوب النزعة الجدلية اْنها تعلم الفرد اْن يطلب من غيره اْعمالاً لا يستطيع هو اْن يحققها بنفسه, فهو يريد من غيره اْن يكون مثالياً في اْعماله حسبما يقتضيه الجدل المنطقي. فاٍذا بدرت منهم زلة صغيرة ضخمها باْدلته العقلية, اْما زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها, وقد ياْتي بالاْدلة ليبرهن على اْنه لم يفعل زلاته التي يقترفها هو نفسه فهو ينساها, وقد ياْتي بالاْدلة ليبرهن على اْنه لم يفعل سوى الصواب (ص:291-292). وهذا شكل من اْشكال التبرير, الذي سبق واْن اْشرنا اٍليه كاْحد الاَليات الدفاعية اللاشعورية لتخفيف الاْلم الذي يمكن اْن يسببه الشعور بالذنب.
2-ان الفرد الجدلي يطالب بالحقوق اْكثر مما يقوم به من الواجبات, واْدلته العقلية, دائماً, طوع اْمره لتفسير ذلك, اٍذ هو ياْتي بها في سبيل ما يطلب من الناس, وهو كذلك يقدمها ليواجه رفضه لما يطلب الناس منه, فهو يريد اْن ياْخذ اْكثر مما يعطي.
اٍن هذا التناقض في استعمال الاْدلة العقلية قد يظهر اْحياناً تجاه الموقف الواحد, اٍذا ما تبدلت رغبته نحو هذا الموقف.
3-يظهر هذا النقاش بشكل واضح, مكشوف في حالات الانفعال والغضب, فهو يشتم ويتعصب ويثاْر, دون اْن يفكر بالقيم الدينية, وينسى الله ورسوله, ويجري مندفعاً وراء قيمه المحلية لايلوي على شيء, اْما اٍذا جلس في مجلس الوعظ والوقار, انقلب اٍلى تقي زاهد, واْخذ يشكو اٍلى الله من الظلم السائد, ومن سوء اخلاق الاٍنسان(ص:295-296 ).
اْما الدكتور حسن حنفي, فقد وصف الظاهرة على اْنها تتميز بوجود الشعورفي اْحد المستويات, والسلوك الفعلي على مستوى اِخر, فاٍذا كانت اْبعاد الشخصية تتشكل من الشعور والتفكير والقول والعمل, فاٍن الازدواجية, كما يعتقد حنفي, تكون بين الشعور والتفكير, وبين القول والاعتقاد, والقول والعمل, والفكر والعمل. ويحاول اْن يفسر تشخيصه هذا بالمظاهر التالية:
1-((كثيراً ما نفكر ويكون تفكيرنا تعبيراً عن تمنٍ لا اْخبار بواقع, فاٍذا قلنا مثلاً نخن في مجتمع تسوده الفضيلة, تكون عبارتنا هذه انشائية محضة تعبر عما نرجوه, لا اخبارية تعبر عما هو واقع بالفعل)). وبتعبير اخر, ان الدعوة للاتزام بالاْخلاق, تعكس رغبة عند الفرد العربي لاْن يلتزم الاَخرون ولا يعني هذا اْنه ملتزم فعلاً بالمعايير الاْخلاقية, وهذا ما عبر عنه الدكتور حنفي: (( نحن نقول ما لا نعتقد, ونعتقد ما لا نقول)), وهو المظهر الاَخر من مظاهرالازدواج في العقلية العربية.
على اْن اكثر مظاهر الازدواج في العقلية العربية هو المظهر الثالث الذي يعبر عنه حنفي بالقول:
(( كثيراًما نصرح بشيء ولا نعمله، ونعمل شيئاَ ولا نصرح به, حتى اْصبح القول ميداناً خاصاً تحدث فيه الوقائع وتقام فيه الانشاءات)).
وهذه الخاصية هي اكثر ما ركز عليها الدكتور الوردي ايضاَ, كما اْنها تنطبق كثيراُ على توصيف سلوكيات الشخصية الفهلوية التي تحدث عنها الدكتور صادق جلال العظم. والتي اعتبرها سبباً رئيساً من الاْسباب التي اْدت اٍلى هزيمة حزيران 1976.
يختزل حنفي اْخيراً هذه الخصائص الثلاث بمصطلح الانفصام بين الداخل والخارج. ففي حين اْن الشخصية السوية تعكس تطابق الفكر مع الواقع, فاٍن الازدواجية تظهر انفصام الشعور الداخلي عن القول كتعبير خارجي والقول كتعبير عن رغبة داخلية, والعمل كتحقيق لهذه الرغبة, وهكذا.
بما يتناسب مع الوقت المحدد لهذه المحاضرة, سنوجز الاسباب الكامنة وراء ظهور هذه الازدواجية كما عرفها حنفي, والتفسخ الاخلاقي كما في لغة الدكتور الوردي. يخفف حنفي لغته, فيفرض اعتبارها مرضاً نفسياً, دون اْن يقدم وصفاً اخر, رغم تاْكيده على اْنها حالة انفصام بين الشعور و السلوك الفعلي. وهي ظاهرة اجتماعية غير سوية عند الوردي. يتطابق هذان الباحثان في النظر للاْصل التاريخي لهذه الازدواجية كما تطابق توصيفهما لها, رغم اختلاف المصطلحات المستخدمة اْحياناً. كلاهما يعتقد اْن اْحد اْسباب هذه الظاهرة, هي الفتنة التي حصلت في زمان الخلفاء الراشدين, وامتدت حتى وفاة الاٍمام علي.
يرى الوردي اْن اْثر الفتنة بداْ يفعل فعله عندما امتنع اْهل العراق عن مناصرة الاٍمام علي بما كان يمثله من قيم اْخلاقية ودينية مثالية. اْدركوا بعدها اْنهم فقدوا اٍماماً قل ما يجود الدهر بمثله. مما اْدى اٍلى نشوء مشاعر الندم لديهم. اٍلا اْن هذا الندم ظل يفعل فعله على مستوى المشاعر والتفكير. في حين اْن الحياة الواقعية, الخاضعة لحكومات, ودول لها مفاهيمها المختلفة ظلت تفرض نفسها في الحياة اليومية, وتبعد بهم عن هذه المثالية التي يتمنون العودة لها (ص:288 ). اٍن الفجوة بين الواقع المعاش, وهذه الرغبات, اتسعت مع الوقت. عززها ظهور المعتزلة في العراق وما اعتمدوه في نشر عقائدهم من استخدام مكثف للجدل المنطقي القائم على الاْدلة العقلية ، مما اتاح لهم السيطرة على التفكير العراقي لفترة طويلة من الزمن وترك اثاره العميقة في طريقة التفكير او العقل العراقي (ص : 289 ) .
اْن هذا التوجه المعتزلي كان الاْساس في تشكيل النزعة الجدلية عند العراقين, حيث وجدوا فيها ما يخفف عنهم ضغط الشعور بالندم. على اْن الوردي يعتقد اْن الحياة في المدينة العراقية, ساعدت, اْو تساعد على ظهور مثل هذه النزعة الازدواجية, دون اْن يفسر بدقة لماذا, ونعتقد اْن سبب تعرض المدن العراقية لهجمات ونزعات خارجية مستمرة, اتخذت اشكالاً مختلفه من التعايش الى ظهور علاقات اجتماعيه تميزت بغياب سلطة العائله , نتيجة لغياب الطفل لفترات طويلة خارج المنزل, مما جعله اكثر
تاثيرا" بجماعة الرفاق في الشارع ,اُو ما اُطلق عليه الوردي "تربية الاُزقة" (ص : 296-300). يقترب الدكتور حنفي من اطروحات الوردي في اٍشارته لاُثر الجدل الذي خلفته ظاهرة المعتزلة. اٍلا اُن كلاهما يحاول تركيز حواراته على واحد من الاُقطار العربية, وهذا يعني عمومية الظاهرة واُنتشارها في جميع الاُقطار العربية.
تلك هي المصطلحات العامة والمفاهيم الاُساسية التي سننطلق على اُساسها للتعرف على المشكلة.
يتبع الجزء الثاني وهو بعنوان : نزعات الزندقة في توجهات حركات المتاسلمين السياسية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.