إبراهيم شقلاوي يكتب: الدعم السريع.. من المظلّة إلى المقصلة    ليفربول يخسر أمام السيتي وهالاند يعود لهز الشباك ويكسر عقدة أنفيلد    تعادل لوبوبو وصن داونز يؤجل حسم بطاقتي مجموعة الهلال    شاهد بالفيديو.. مواطنة سودانية تنهار بالبكاء فرحاً بعد رؤيتها "المصباح أبو زيد" وتدعوه لمقابلة والدها والجمهور: (جوه ليك يا سلك)    بعد العودة إلى التدريبات.. هل ينتهي تمرد رونالدو أمام أركاداغ؟    شاهد بالفيديو.. الجوهرة السودانية يشعل المدرجات ويفتتح مشواره الإحترافي بالخليج بصناعة هدف بطريقة عالمية    شاهد بالفيديو.. افتتاح مستشفى بمواصفات عالمية بمنطقة شرق النيل بالخرطوم والجمهور يشببها بأكبر المستشفيات بالخليج    شاهد بالصور.. مواطن سوداني محتجز بأحد إقسام الشرطة بمصر يرسل رسالة لأقاربه على قطعة "كرتون" (أحضروا لي ملابس)    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    شاهد بالفيديو.. قائد ميداني بالدعم السريع يعلن انشقاقه عن المليشيا ويعترف: (نحن من أطلقنا الرصاصة الأولى بالمدينة الرياضية)    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    الجمارك في السودان تحسم جدل رسوم بشأن الأثاثات والأجهزة الكهربائية للعائدين    السودان يدين الصمت الدولي تجاه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها المليشيا في إقليمي دارفور وكردفان    بعد غياب 8 سنوات.. عبلة كامل تعود وتثير ضجة ب"إعلان"    "سامسونغ" تُحبط الآمال بشأن الشحن اللاسلكي في سلسلة "Galaxy S26"    هانى شاكر فى لبنان وأنغام فى الكويت.. خريطة حفلات النجوم فى يوم الفلاتنين    حساسية الجلد أثناء الحمل.. متى تستدعى القلق واستشارة الطبيب؟    نائب البرهان يفجّرها بشأن حل مجلس السيادة واتّهام قادة كبار في جوبا    تشابه دماغ البشر والذكاء الاصطناعي يدهش العلماء    القانون يلزم الشركات السياحية بسداد تأمين مؤقت عن رحلات العمرة    كاكا قال لدوائر فرنسية إنه يتوقع إنهياراً وشيكاً لقوات التمرد السريع    لو ليك فى الرومانسى.. لا تفوت هذه المسلسلات فى دراما رمضان 2026    تحديث ذكي جديد ل"واتساب" في آيفون    اكتشاف وجود علاقة بين الاكتئاب وهشاشة العظام    دراسات: إوميجا 3 تحسن الإدراك وتعزز المزاج    عقوبة مالية على الإتحاد وإيقاف عضو الجهاز الفني لنادي المريخ    قرارًا جديدًا لوزير التعليم العالي في السودان    والي النيل الأبيض يشيد بالليلة الثقافية الأولى لهلال كوستي    الجيش يفشل هجومًا عنيفًا لميليشيا الدعم السريع    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    بنك الخرطوم يتعهد بإرجاع مبالغ «ضمان الودائع» ويتحمل التكلفة كاملة    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    السودان يرحّب بالقرار 1591    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    وزير الثروة الحيوانية: البنك الزراعي وبنك النيل يمولان صغار المربيين لزيادة الإنتاجية    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    توصيات المؤتمر القومي لمعالجة قضايا الشباب    بيان مهم لوزارة المالية في السودان    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    صعود الذهب عالميًا يرفع أسعار المعدن النفيس فى قطر صباح الخميس    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام والسياسة من الشافعي إلى سيد قطب
نشر في حريات يوم 18 - 08 - 2016

«أ» أولُ مَنْ استخدم مفرد «السياسة» فى المجال العربى الإسلامى الوسيط فى التعبير عن فنون إدارة المدينة أو الدولة أو الشأن العام هم النَقَلةُ عن اليونانية والسريانية ترجمةً للكلمة اليونانية «Politeia».. وهى تعنى لدى أفلاطون «فى محاورته السياسية أو الجمهورية» وأرسطو «فى كتبه السياسة، والأخلاق إلى نيقوماخوس، والخطابة» تأمُّل أو دراسة أمرين اثنين متلازمين: تكوينات الاجتماع المدنى، وأنواع الرئاسات فيه أو أنظمة الحكم، وأساليب إدارته.. ومنذ أيام الكندى، والفارابى، وابن سينا وابن رشد؛ فإنّ عنوان السياسة للكتب والرسائل المترجمة أو المؤلّفة، ظلَّ لدى الفلاسفة الإسلاميين مستعَملاً بمعنى فنون وأساليب إدارة المدينة والدولة والشأن العام.
كان الفارابى من بين الفلاسفة هو الأكثر اعتناءً بالمصطلح والمفهوم لمفرد السياسة.. فقد ألّف فى السياسة المَدَنية كما سمّاها فى عدة كتب منها: السياسة المدنية، وتحصيل السعادة، وآراء أهل المدينة الفاضلة، وفصول فى المدنى.. ثم إنه فى رسالته: إحصاء العلوم اعتبر السياسة أو علم السياسة، علماً مدنياً، وعرّفه بأنه «3»: «العلم الذى يفحص عن أصناف الأفعال والسُنَن الإدارية وعن الملكات والأخلاق والسجايا والشيم التى عنها تكونُ تلك الأفعال والسُنَن، وعن الغايات التى لأجلها تُفعل، وكيف ينبغى أن تكونَ موجودةً فى الإنسان، وكيف الوجهُ فى ترتيبها فيه على النحو الذى ينبغى أن يكونَ وجودُها فيه، والوجهُ فى حفظها».. وإلى هذا الجانب النظرى لعلم السياسة المدنية، يتحدث الفارابى عن الجانب العملى أو الرياسات من حيث الإمكانية والقدرة على تحقيق الغاية الكبرى من ورائها وهى السعادة، التى تنجزها الرياسة الفاضلة.. فإلى الرياسة الفاضلة هناك رياسة الكرامة، وهناك رياسة العامة أو الديمقراطية، ورياسة الخِسّة..إلخ.. وهكذا فإنّ العلم المدنى أو علم السياسة المدنية قسمان، قسم يُعنى بتعريف السعادة، وقسم يشمل الترتيبات والتدبيرات العملية التى تؤدى إلى تحقيق تلك الغاية القُصوى.
يلخّص الفارابى فى كتبه ورسائله إذن ما فهمه من سياسات أفلاطون وأرسطو.. وليس من المعروف مدى اطّلاعه على كتاب السياسات لأرسطو، لكنه عرف جمهورية أفلاطون وكتب جوامعَ لها «وقد لخّصها أو شرحها ابن رشد فيما بعد»، كما عرف كلٌّ من الفارابى وابن رشد كتاب «الأخلاق» لأرسطو، وكتاب «الخطابة» له.. وفى كلٍّ من الكتابين تلخيصٌ للسياسات الأرسطية.. وقد حاول الفارابى أن يوسِّع مفاهيم سياسات الاجتماع المدنى كما يعرضها أفلاطون وأرسطو لمزيدٍ من التلاءم مع مجريات الحياة الإسلامية، فتحدث عن «الأمة التى تتعاونُ مُدُنُها كلُّها على ما تُنالُ به السعادةُ وهى الأمةُ الفاضلة.. وكذلك المعمورة الفاضلة إنما تكون إذا كانت الأُمَم التى فيها تتعاونُ على بلوغ السعادة».
وهناك حلقةٌ أُخرى فى استعمالات الفلاسفة والأخلاقيين لمصطلح السياسة، وهى حلقة إخوان الصفا التى ربما كانت معاصرةً للفارابى.. هؤلاء يقسمون العلم السياسى أو المدنى إلى خمسة أنواع: السياسة النبوية «وهى معرفة كيفية وضع النواميس».. والسياسة الملوكية «وهى خاصة بخلفاء الأنبياء والأئمة المهديين».. والسياسة العامة «وهى الرئاسة على الجماعات مثل الأمراء على البلدان وقادة الجيوش على العساكر».. والسياسة الخاصة «وهى معرفة كل إنسانٍ كيفية تدبير منزله وأمر معيشته».
لقد أوردْتُ هذه التفاصيل لأقول إنّ الفارابى ومُشايعيه من الفلاسفة والأخلاقيين فى القرون الثلاثة «الثالث والرابع والخامس» إنما كانوا يعرضون وينصرون نوعاً من النظام البديل «تحت اسم السياسة المدنية» للأوضاع السائدة فى الجهتين السياسية والاجتماعية بدار الإسلام.
«ب» لا نعرف أول من استخدم من الفقهاء مصطلح السياسة.. لكنهم عندما استخدموها فإنهم رجعوا فى ذلك إلى استعمال المترجمين والمتفلسفين للمفرد.. وبذلك يصرِّح ابن عقيل الحنبلى عندما يقول: «ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحكم».. وليس واضحاً بعدُ، لماذا لم يستخدموا المفرد والمصطلح تَبَعاً للآثار التى رووها عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأشهرُها حديث أبى هُريرة المرفوع: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبيٌّ خَلَفَهُ نبى، وإنه لا نبيَّ بعدى. وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا: فما تأمُرُنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقّهم فإنّ الله سائلُهُم عما استرعاهم».. والحديث خطيرٌ وهو مبكرٌ قطعاً لأنه واردٌ فى صحيحَى البخارى ومسلم «النصف الأول من القرن الثالث الهجري».. فهو يعتبر أنّ هناك سياسات نبوية -إذا صحَّ التعبير- وأُخرى خليفية أو إنسانية، والأُولى كانت خاصة ببنى إسرائيل القدامى، والثانية خاصة بالحالة بعد وفاة رسول الله «ص».. وعلى هذا النحو وأنه يعنى إدارة الدولة أو الشأن العام فهمه النووى فى شرحه على صحيح مسلم عندما قال: «أى يتولّون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاةُ بالرعية.. والسياسة «هي» القيامُ على الشىء بما يُصلحه».. أمّا ابن حجر شارح البخارى فاستنتج أمراً آخر: «قولُهُ تسوسُهُم الأنبياء أى أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ بعث الله لهم نبياً يقيم لهم أمرهم، ويُزيلُ ما غيّروا من أحكام التوراة.. وفيه إشارةٌ إلى أنه لا بد للرعية من قائمٍ بأمورها يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلومَ من الظالم».
وعلى أى حال؛ فإنّ الفقهاء عندما بدأوا باستخدام مفرد السياسة «فى القرن الرابع فيما يبدو» ما استخدموه رأساً بمعنى التدبير السياسى وإدارة الشأن العام، بل وضعوه وبخاصةٍ الشافعية فى مقابل الشريعة بالمعنى الفقهى والقضائى.. وكان عندهم أولاً معناه: «تغليظ جناية لها حكمٌ شرعيٌّ حسماً لمادة الفساد، أو فعل شيء من الحاكم لمصلحةٍ يراها وإن لم يرد بذلك الفعل دليلٌ جزئى، أو أنها شرعٌ مغلَّظ».. ويستنتج الفقهاء فيما بعد أنها تترادفُ مع مصطلحَى التعزير والمصالح المرسلة.
إنّ الذى يبدو أنّ هذا الاستنتاج «أى أنّ السياسة خاصة بالتعزيرات» متأخِّر من أجل تخفيف الوقْع، وقد أثار استنكاراً كما تذكر المصادر، ولذلك أضافوا إليه وصف أو نعت الشرعية، أى السياسة الشرعية، كما أنهم خفّفوا من وقعه من جهةٍ أُخرى عندما قصروهُ بداية على مجالات الحدود والتعزيرات وطُرُق القضاء.. وهنا يقال إنّ الفقهاء الشافعية هم الذين استنكروا استخدام السياسة فى مقابل الأحكام الشرعية الموجودة فى الكتاب والسنة، والداخلة فى صلاحيات القضاة وأحكامهم.. وقد عظّموا الأمر بحيث صارت بعض التصرفات التى يقومُ بها الوُلاةُ وقادةُ الشرطة والتى يسمونها سياسةً أو مصلحةً راجحةً فى نظر هؤلاء مُضادّةً للشريعة.. أو أنّ هناك نهجين فى الدولة: نهج الشريعة، ونهج السياسة.. ولا نعرفُ أولَ من ذكر ذلك من الشافعية، لكنّ الأَوضح ما ورد عند الجوينى فى «غياث الأُمَم»، والذى ربّما استند فى الأصل إلى قول الإمام الشافعى «إنّ التعزيرات لا يجوز أن تتجاوزَ الحدود، فمن استحقّ القطْع لا يجوز قَتْلُهُ، ومن استحقّ الجلْدَ لا يجوز صَلبُه، ومن سرق أقلّ من النصاب لا يجوز إقامةُ الحدّ عليه».. وإمامُ الحرمين يذكر وقائع من بغداد كان فيها قائد الشرطة يغلى الذين تكرر إجرامُهُمْ فى القُدُور.. وهو يستنتج «وابن الجوزى الحنبلى أيضاً» أنّ الذين يفعلون ذلك من الوُلاة إنما يتبعون سَنَن الأكاسرة والملوك المنقرضين، ويعتبرون أنهم أكثر معرفةً من الله ورسوله بكيفيات التأديب وردع المرتكبين! إنّ هذا النقاش الذى دار فى القرنين الرابع والخامس بين الفقهاء، أى الشافعية من جهة، والحنابلة والمالكية من جهةٍ أُخرى، يبدو فى ظاهره نقاشاً فى أمرين اثنين: كيف يمكن تحقيق العدالة والمصلحة معاً، ومن الذى يحدّد ذلك القضاءُ أم موظفو الدولة- ومدى حرية السلطة فى التصرف عندما يتعلق الأمر بوجود نصٍ أو حُكْم شرعيٍّ أوعدم وجوده.. وفى الظاهر أيضاً أنّ الاختلاف كانت له أُصول فقهية وقانونية ليست لها علاقة مباشرة بالمسائل السياسية والعامة.. فالأحناف لديهم أصل الاستحسان، والمالكية والحنابلة لديهم أصلُ المصلحة ويمكنُ لهم التوسُّع فى اعتبارهما، وما كانت لدى الشافعية إحدى الإمكانيتين باعتبار أصولهم للاستنباط والاجتهاد حتى مطالع القرن الخامس الهجرى.. إنما حتى لو بقينا فى البُعد القانونى والفقهى للإشكالات الحاصلة: مَنْ هو صاحبُ الحقّ فى تكييف العقوبة أو إيقاعها، هل هو القُضاءُ وحده، أم يشارك فى هذا الحقّ أهل السلطة وموظفوها عند الحاجة أو المصلحة؟ الشافعية كانوا يريدون أن يتمَّ ذلك كلُّه أمام القضاء، بينما قبل الفقهاء الآخرون أن تتولَّى السلطة على الأرض إيقاع التعزيرات، والتى قد تتجاوز الحدود سياسةً عند الضرورة.. ويقطع الجوينى الشافعى فى الأمر أخيراً بالقول: «وإذ قضيتُ من هذا الفصل وطرى فأقول بعده: لستُ أرى للسلطان اتساعاً فى التعزير إلاّ فى إطالة الحبس».. بينما كان الفقهاء الآخرون يرون إمكان التوسع فى التعزيرات، ويعتبرونها «سياسةً شرعية»، لكنهم ظلّوا يعطون أنفُسَهُم حقّ الرقابة. والاسبوع القادم نكمل.
…………..
(2)
لنمض إلى ما وراء تفاصيل الاختلاف الفقهى بشأن علائق السلطات بالقضاء، ومن خلاله بالشريعة.. فلم يكن الجوينى وحده الذى تحدث عن «سَنن الأكاسرة».. ثم إنّ تلك التفرقة التى ما سلّم بها الجميع بين نهج الشريعة ونهج السياسة، تنضوى على إحباطٍ عميقٍ أمام الطبيعة الدهرية والدُنيانية للسلطة أو الدولة.. وهذه مسألةٌ تتجاوز بكثير مخالفة بعض الوُلاة لأحكام الشريعة، أو تجاهُلهم للقضاء.. وهذا الإدراك المقبض ما أمكن التخفيفُ منه باستعادة ذكريات النبى والراشدين، واستحثاث السلطات على اتّباعها.. ولذا ما كان بدون دلالة صيرورة الفقهاء بعد تردد إلى الاعتراف بالاختلاف بين النهجين: السياسة النبوية أو الشرعية والسياسة الملكية.. فتحدث الماوردى متأثراً بكتب الأخلاقيات الفلسفية عن مهمتين للإمامة: حراسة الدين وسياسة الدنيا.. والسياسة غير الحراسة.. ثم تحدث عن «أدب الشريعة» و«أدب السياسة»: «فأدب الشريعة ما أدّى الفرض، وأدبُ السياسة ما عَمَرَ الأرض»! ولذلك سُرعان ما تجاوز الفقهاء تعريف السياسة بأنه تغليظٌ للعقوبة، وإلى اعتباره نهجاً مستقلاً وسائداً فى كل الدول، ولا بد من الاستجابة له بطرائق أُخرى غير الإنكار.. يقول الطرطوشى وهو فقيهٌ مالكيٌّ بارز ومن كُتّاب نصائح الملوك؛ فى كتابه الفقهى الوعظى المسمَّى «سراج الملوك» إنّ السياسات قسمان وروحهما العدل وإن تفاوتت مقاديره ومقاييسه: سياسة نبوية، وأُخرى اصطلاحية.. فالسياسة النبوية نهجها نهج العدل الإلهى وقد عرفها الناس أيام دولة النبى فى المدينة.. وأما الدولة ذات السياسات الاصطلاحية، فيُشترط فى القائمين عليها تطبيق ما يُشبه العدل الذى فى متناول الناس من «أهل الحكم والحلم الذين يضعون الضوابط والقوانين وفق اجتهادهم».
لقد سبق الفقهاء إلى هذا الاعتراف الفاصل بين المجالين فريقان من الكتاب والمؤلّفين غير المتفلسفين العاملين للنموذجين اليونانى والساسانى.. الفريق الأول هو فريقُ كُتّاب نصائح الملوك.. وهذا جنسٌ أدبيٌّ كلاسيكى سارع عديدون منذ ابن المقفَّع إلى الكتابة فيه تحت عنوانين: «ضرورة السلطة، أيِّ سلطة للمجتمع البشرى ومن هنا يأتى عِظَم شأن الملوك – وضرورة الالتزام بالعدل لبقاء المُلْك، واحتمال الناس».. أما الفريق الثانى فهو فريقُ الأخلاقيين الذين قالوا أيضاً بدهرانية السلطة، لكنهم تحدثوا طويلاً عن ضرورة الالتزام بالقيم الأخلاقية وفى طليعتها العدل.. ووصل الأمر أخيراً إلى ابن خلدون الذى تحدث صراحةً عن «طبيعة المُلْك»، وقسّم الدول إلى ثلاثة أنواعٍ أو أقسام: المُلْك الطبيعى، والمُلْك السياسى، والخلافة أوالمُلْك الدينى أو الإسلامى.. ويُناظرُ ذلك التقسيم الثُلاثى للحكومات لدى أفلاطون وأرسطو: رئاسة الأفاضل (= الخلافة)، ورئاسة الكرامة (= المُلْك السياسي)، ورئاسة الخِسّة الفارابية(= المُلْك الطبيعي).. ولأنّ المدينة الفاضلة بحسب هذه القسمة تؤول أو آل التصور إلى يوتوبيا لن تتحقق (طوبى الخلافة بحسب عبدالله العروي)، ولأنّ المُلْك الطبيعى بسبب توحشه مؤدٍ لخراب الاجتماع الإنساني؛ فإنّ الذى يبقى هو المُلْك السياسى أو الوسط الذهبى بين الإفراط والتفريط!
كيف اعترف الفقهاء (والماوردى من الشافعية) بالانفصال بين نهجى الشريعة والسياسة، وكيف حاولوا رغم ذلك المُلاءمة بينهما، دون أن يزول تذمُّرُهم، ودون أن تزولَ لدى بعضهم الشكوك فى الطبيعة الدهرانية للسلطة؟
نظرية السياسة الشرعية: وضع ابن عقيل الحنبلى فى كتابه: «الفنون» فصلاً بعنوان: «فى العمل فى السلطنة بالسياسة الشرعية» أورد فيه للمرة الأُولى لدى الفقهاء تعريفاً للسياسة هذا نصه: «السياسةُ ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعْهُ الرسول صلى الله عليه وسلّم ولا نزل به وحى».. وهكذا انتهى التردد لدى الفقهاء فى معنى السياسة وهل هى تغليظُ العقوبة وحسْب، أم أنها تتعلق أيضاً بإدارة الشأن العام القضائى والسياسى.. وبذلك جرى الاعتراف بسياسات السلطنة -كما قال- باعتبارها سبيلاً أيضاً لتحقيق العدالة حتى إن لم تستند إلى نصٍ قرآنى أو نبوى أو حكمٍ فقهى.. وإنما العبرة بالمقاصد والغايات والمآلات.. بحيث يؤدى ذلك التصرف السياسى إلى صلاح حال الناس، وإبعادهم عن الفساد.. لقد ظهرت الحاجةُ إلى «السياسة» لبروز عُوارين: التقصير من جهة فريقٍ من الفقهاء الناجم عن تضييقهم لمجالات العمل الفقهى والحكم الفقهى، وبالتالى التقصير فى تمكين الاجتهاد الفكرى والفقهى والقضائى من تحقيق العدالة.. والعُوارُ الآخرُ استغلال طائفة من الوُلاة والسياسيين للتقصير الفقهى فى تجاوز الفقه والشريعة معاً حتّى «سوّغت من ذلك ما يُنافى حكم الله ورسوله».. وقد فتح اعتراف ابن عقيل بشرعية السياسة والعمل السياسى الأُفق لدى الفقهاء فى عدة اتجاهات: الاعتراف بوجود مجالٍ مشتركٍ يتعاون فيه الفقهاءُ والساسة لتحقيق العدالة والصلاح الاجتماعى، بدلاً من الاستمرار فى الجدال بين الفقهاء أنفسهم من جهة، وبين الفقهاء وسياسيى «السلطنة» من جهةٍ ثانية.. فزمنُ ابن عقيل، ومن قبله إمام الحرمين، هو زمنُ السلطنة السلجوقية، التى غلبت على عاصمة الخلافة بعد انحسار البويهيين.. والسلطنةُ سلطةٌ دهريةٌ صريحة، وإن استظلّت شكلاً بالخلافة العباسية.. وما كان إمام الحرمين الجوينى منطقياً فى استمرار اعتراضه على «حكم السياسة» تبعاً لمذهبه الفقهى الشافعي؛ وخاصةٍ أنه أدرك المشكلة الحاصلة فى «شرعية» الدولة منذ ظهور السلطنات، ومن أجل ذلك أَلَّف كتابه الشهير «غياث الأُمم فى التياث الظُلَم».. والظُلَم التى قصدها إمكان انتفاء الشرعية مطلقاً على فَرْض فقد الأئمة الكُفاة (= الخلفاء)، وفقد الفقهاء المجتهدين.. وهذا احتمالٌ بالغُ الهول، لأنه قد يعنى انتهاء دولة الإسلام، وربما زوال الدين! وقد رفض الجوينى فى كتاب الأزمة هذا موقف زميله ومعاصره الفقيه الشافعى الكبير أبى الحسن الماوردى صاحب «الأحكام السلطانية» الذى اعتبر «الشرعية» مستمرةً ومتحققةً بالخلافة والسلطنة معاً استناداً إلى استمرار الأمة والجماعة والدين، وإلى الاعتراف المتبادَل بين الخلافة والسلطنة.. وقد لمَّح الجوينى إلى إمكان الاستغناء عن الخلافة بأصحاب الشوكة الجُدُد دون أن يجرؤ على المُضيّ بالأمر إلى نهاياته؛ فى الوقت الذى ظلَّ يُنكر فيه مشروعية «سياسات» السلطنة على سبيل الاستقلال، ليس عن الخلفاء، بل عن الفقهاء حَمَلة الشريعة.. وقد رأينا أنّ الماورديَّ ألمح إلى ذاك الاعتراف المتبادَل عندما تحدث عن أدب الشريعة (الذى يحفظ الفرض، أى الشأن الدينى والتعبدي)، وأدب السياسة (الذى يعمُرُ الأرض).. كما أنّ الطرطوشى المالكى تحدث بعده عن السياسة النبوية، والسياسة الاصطلاحية أو التى يتلاقى ويتعارف الناسُ على القبول بها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.