قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيدلوجيا الدين(1/15):المعرفة والإسلام السياسي في السودان
نشر في حريات يوم 24 - 02 - 2018

مقدمة أولي: الإسلام السياسي والتأسيس لسلطة معرفة النص
في وقت سابق من هذا العام قررت وزارة التربية والتعليم السودانية حذف بعض الدروس من مادة التربية الإسلامية لمرحلتي الأساس والثانوي، أهمها، مادتي "تنقية العقيدة من الخرافات" و"الإسلام دين التوحيد". وقد مثل جوهر هذين المادتين المحذوفتين المنهج السلفي الذي يعتبر بعض مناهج و ممارسات المتصوفة، من مثل التَمسُّح بالأضرِحة والأولياء، بدع دخيلة على الإسلام وضرباً من الشعوذة و الخُرافاتْ[1]. من جانب، مَثَّل إلغاء هذه الدروس من مادة التربية الإسلامية قبول و تسامح ضمني من قبل مؤسسات التربية والتعليم الرسمية مع عقيدة و ممارسات المنهج الصوفي. أما من الجانب ألأخر، فقدفُهم علي أنه تراجع عن قيم العقيدة الصحيحة ورفض غير صريح للمنهج السلفي. وكما هو متوقع، وأثار هذا القرار حفيظة وغضب جماعة أنصار السنة المحمدية وحملها للتصدي له بحملة مضادة في المساجد ووسائل الإعلام والبرلمان، فيما رحبت به التيارات الصوفيةكاِعتراف بصواب منهجها وصحة رؤيتها.
إِنبري كل منتياري السلفية والصوفيةيدعي إِمتلاك الحقيقة في تفسير و تمثيل الإسلام الصحيح. وفي كل ذلك، قد يبدو مثل هذا الجدل مفيداً لتحفيز و إثارة صراع الرؤى و الأفكار، ولأكن،لظرف ألإقصاء المتبادل الذي يمارسه الطرفان، وغياب الطرف المحايد، يمكن القول بعدم فعاليته في سَبْر غَور مصدر جوهر المفرقة المعرفية. مقاربة الإخْتلاف علي هذا المستوي من التفكيرلا يمثل، في وجهة نطرنا، أكثر من رأس جبل جليد العائم في بحار مُعضِلة المعرفة. فأصل المشكل ليس في التباين المنهجي والسلوكي لطريقتي الصوفية و السلفية، ولأكنه يكمن في غور وغموض وضبابية جوهر المعرفة وطبيعة مسارها وعلاقتها بالحقيقة.
نشرت صحيفة الراكوبة الإلكترونية، الصادرة بتاريخ 17/12/2017، ملخصاً لمضمون خطاب الرئيس السوداني، المشيرعمر حسن أحمد البشير، في مؤتمر الحوار الفكري المنعقد في الخرطوم، بعنوان: "إعمال الإجتهاد الفكري وفقاً للقيم الدينية والثقافية"[2].
من خلال قراءتنا لخطاب السيد رئيس الجمهورية، بحثنافي ما بين سطوره علي ما إعتقدنا إنه يمثل جوهر وأصل الموضوع المتمثل في دعوته لإحياء عملية الإجتهاد والتفكير. فالكل يتفق معنا أنَّ المُؤتمر قد عُقِدْ من أجل إعمال الفكر في تشخيص مشكلات الدولة السودانية وإيجاد الحلول المناسبة لها.قال رئيس السودان، المشيرعمر حسن أحمد البشير،في خطابه، بإعمال "…الإجتهاد الفكري وفقاً للقيم الدينية والثقافية…"، وأضاف "…الحوار الذي لايستثني أحداُ ويؤسس لقواعد النهضة والتنمية وبناء الأمة." وبهذا إخترنا أن نُفكِّرْ لفهم وإستيعاب ما إقتبسناه من خطاب السيد الرئيس، وذلك بحكم دعوته لنا نحن،, شعبه الذي لم يمنك حرية إختياره، بالإجتهاد والتفكير. إخترنا أن نفهم من خطابه علي أنه توجيه لشعبه إلي إختيار طريقة التفكير ألتي "تؤسس لقواعد نهضة وبناء الأمة السودانية"، ولاكن مع مراعاة حدود فكر مشروع الإسلام السياسي الذي أتي به لسدة الحكم. أما في تقدير شكوكنا المشروعة قد يذهب بنا الظن في أن دعوة السيد الرئيس قد تكون محاولة، مترددة، لصب بعضاُ من الماء البارد علي نار زيت خليط 'أيدلوجيا الدين والسياسة‘ ألذي إستعصي عليه إطفاءه.
وكذلك، أوردت الكاتبة سعاد الخضر، في مقالها بصحيفة الركوبة الإلكترونية الغراء، والمعنون "الإلحاد في السودان: هل بدأ يدق ناقوس الخطر؟", بتاريخ 11/11/2017, وعلي لسان الدكتور صلاح الدين العتباني أن " العلماني لم يكن يحوجك إلى أن تجادله في وجود الله فهو مؤمن بوجود الله ولكنه اختار منهجاً في الحياة العامة مختلفاً، ولكن الملحد لا يتفق معك أصلاً في جدل أمور الأصول. أنا ألاحظ أن الشباب قبل عشرين عاماً أو ثلاثين عاماً كانوا في الجدل الفقهي والديني يقولون لك ما الدليل النصي الآن معظم الذين كانوا يطالبون بالدليل النصي يقولون ما الدليل العقلي، هنالك حالة من العقلنةجزء منها اتخذ طريقاً إلحادياً وجزء منها يطرح بضراوة وبشدة الأسئلة ألتي لم يكن يجب على الإسلاميين أن يجيبوا عليها[3]."
اِستخدم مقال الكاتبة سعاد الخضر فرضية دكتور العتباني التي تفيد بأن "الشبان ألأن أكثر إلحاداَ من قبل" كمدخل لمحاولة تفشي ظاهرة 'العلمانية والإلحاد‘ وربطها أو تسبيبها بالخطاب الديني والظرف الإجتماعي والسياسي الذي أنتجه نظام دولة الإسلام السياسي في السودان. والدكتور العتباني، في ملخص ما أوردته الكاتبة سعاد الخضر، يعيد طرح السؤال القديم، ألمتجدد حول طريق المعرفة لوجود الله، ولأكنه، ربما قال بلسان العمانيين ما لم يريدواأن يُعَرُّفوْن بمثله. فالعَلمانِي يَعْرِف الطريق لوجود الله نتيجة لإستعمال 'عقله‘، ولأكنه علي الرغم من ذلك، في ، فهو ينكر وجود ذلك الطريق المؤدي لحقيقة الوجود، وبذلك يكون لاطائل في الجدال معه في "بديهيات أصول معرفة الحقيقة".
لمن لايعرف الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، فهو قد أتي مصاحبا لإنقلاب الإسلاميين في صباح الثلاثين من شهر يونيو من عام 1989،وذلك فيما يزيد من ربع قرن من عمر الزمان. وحتي يستقيم درب المنطق والجدل، نستطرد هنا، وفي ما سيتبع من مقالات، وبإيجاز، طريق المعرفة ومراجع تطبيقها العملي ألذي سلكه دكتور العتباني. فدكتور العتبانيهوخريج كلية الطب جامعة الخرطوم؛ عضواِتحاد طلاب جامعة الخرطوم؛ ماجستير الكيمياء الحيوية، بريطانيا ؛مساعد تدريس،, كلية الطب، جامعة الخرطوم؛ دكتوراه الفلسفة في الطب، جامعة جليفورد، بريطانيا؛ عضو الهيئة التنفيذية لاتحاد الطلاب المسلمين،, المملكة المتحدة؛ رئيس المؤسسة الإسلامية،لندن؛ أستاذ كلية الطب،, جامعة الخرطوم؛ وزير الدولة والمستشار السياسي لرئيس الجمهورية، ألسودان؛ وزير الدولة بوزارة الخارجية؛ الأمين العام للمؤتمر الوطني؛ وزير ألإعلام والثقافة؛ وزير الإعلام والاتصالات؛ مستشار رئيس الجمهورية لشئون السلام، و رئيس كتلة المؤتمر الوطني بالمجلس التشريعي ومسؤول ملفي إدارة الحوار مع أمريكا و مشكلة دارفور[4].
في كل هذا، بقي دكتور العتباني عضو منتظم وملتزم في الحركة الإسلامية السودانية،المظلة العقائدية والفكرية لتنظيمات ألإسلام السياسي في بلاد السودان. قاد مجموعة 'سائحون‘ الإصلاحيه من داخل حزب المؤتمر الوطني الحاكم وذلك بعد إستبعادِه من رئاسة الكتلة البرلمانية، لينفصل بها، أي مجموعة الإصلاح، ويكون حزب "حركة الإصلاح الآن". وقد برر مفاصلته بحجة الإجراءات التعسفية التي قام بها حزبه؛ المؤتمر الوطني بسبب مذكرة العشرة ألتي كان هو أحد مُوَقِعيها،, ضد بعض أعضائه، والتي وصفها بأنها قد "أطلقت رصاصة الإعدام في جسد الإصلاح". في العاشر من ديسمبر، 1998، وقع دكتور العتباني وتسعة من أعضاء الحزب الحاكم مذكرة لقيادة الحزب، سموها 'بمذكرة بالإصلاح‘، وذلك قبل مالأ يزيد عن العام من المفاصلة ألشهيرة،المعروفة 'بمفاصلة الإسلاميين‘، بقيادة عرَّاب الحركة الإسلامية في ألسودان، ألدكتور، الراحل، حسن عبدألله الترابي. "ظلت الحركة الإسلامية في السودان خلال الأربعين عاما الماضية تثب من نجاح إلي نجاح بفضل الله القدير، ثم بروحها التي لا ترضى الجمود، بل تقتحم كل عقبة متوكلة على ربها متوجهة إليه، وكانت نقلاتها من طور إلي طور محفوظة موفقة لأنها لم تكن تقيد نفسها بالأحجام رجاء شئ مثالي قد لا يأتي أبدا." هكذا إستبطنت، تصورت، عبرت، ولخصت حركة ألإصلاح عن رؤيتها فيما يجب أن تكون عليه فضائل ألدين والدنيا، في ديباجة مذكرتها المشهورة. ولمفارقة 'مفاصلة ألمفاصلة‘لم يوقع دكتور ألترابي علي مذكرة ألإصلاح، في 'سابق ألمفاصله‘ وقام بتأسيس "حزب ألمؤتمر ألشعبي"؛ وبأسلوب مماثل لم يبارح دكتور ألعتباني عتبات ألسلطة ومقاعد الإستوزار والمناصب حينما شَرَعَ باب ألمغادرة بعد 'لإحق ألمفاصلة‘. وفي نهاية ألمطاف، فارق دكتور صلاح منظومة ألسلطة بعد ما يقارب ألأربعة عشر عاما من مفاصلة ألإسلاميين لبعضهم بسبب إختلاف رؤياهم حول ما يجب أن يكون عليه حال العباد والبلاد، وقام بدوره وأسس حزب "حركة الإصلاح الآن السودانية"–ولاتثريب في الأجتهاد نحو التغيير في كل المقامات والمقالات[5].
مقدمة ثانية: مدخل لتبرير وتسبيب المقال
قصدنا أن تكون هذه المقدمة:"عقلية الإسلام السياسي والتأسيس لسلطة معرفة النص" مدخلا لمقاربات سوف نحاول في متنها تقديم نقد تحليلي لأيدلوجيا الدين وخطاب ألإسلام السياسي في السودان. ولهذا وقع الإختيارعلي المداخلتين الواردتين،ومن دون غيرهما، لتنوع مواضيع المعرفة الواردة في مضمون خطابيهما،وإمتداد طيفها بين قطبي نقيضي التفكير الديني في السودان، في بُعديه الأفقي – التقليدي، المتمثل في العقيدتين السلفية و الصوفة، والرأسي، النوعي، المتمثل في أفكار وأطروحات الدكتور صلاح الدين العتباني. وكذلك، المدخلان أعاه، أعادا طرح السؤال حول طبيعة وأصل المعرفة، ووفرا الزريعة المناسبة للغوص في متاهة ماهية حقيقتها وعلاقتها بألدين والحياة. أيضاً،, وبحكم أن لعقيدة والإيمان تمثلان جوهر التقليد في معرفة 'الضمير الثقافي والإجتماعي‘ للمجتمعات البشرية، إتخذنا سانحة تناول أيدلوجيا الدين في السودان كمدخل لنقد 'العقل الجمعي لثقافة شعوب وسط السودان الحديث‘- ونعني بذلك مركز ثقل ثقافة السودان العربي- الإسلامي، من غير أن نقصد أن تقتصر أو تختزل مقاربتنا الأبعاد الثقافية والإجتماعية ألأخري التي تسقط خارج دائرة بحثنا وتحليلنا.
أردنا بصدر المداخلة الأولي إِلقاء حزمة من النور علي تعقيدات علاقة المعرفة بالحقيقة وغموض وضبابية أصلها وجوهرها،والتي سنتطرق لها في مقالي "جوهر المعرفة" و"أين تكمن الحقيقة". أما جزؤها الأخير فقد أوردناه كنموذج لخطاب الإسلام السياسي متمثلاً في أعلي هرمه السلطوي المتمثل في رئيس البلاد ورئيس تنظيم ألإسلام السياسي، وكذلك لطرح مشكلة المعرفة التي يتم إنتاجها في وجود سلاسل وقيود العقل والتفكير والتي سبق وأن تطرقنا لها في مقلنا ألمنشور بعنوان "أيدلوجيا الدين: "معضلة المعرفة والتفكير، المنشور بصحيفتي سودانايل وحريات المحترمتين، بتاريخ 19/12/2017[6]. أما من الجانب ألأخر، فقد عُنيتْالمداخلة بمحاولة فهم الإسلام السياسي المتصالح مع مكونات العقل ذو ألإطلاع المعرفي العريض والمتفهم، ولو في الظاهر، للأفكار النقيضة والتي سنتطرق لها في مقال, "أيدلوجيا الدين: العلمانية والعلمنة".
إيرادنا لبعض من إرتبط إسمهم بالإسلام السياسي في السودان، أتي من باب التأكيد والتأسيس للجدل وإعمال الفكر بعيداُ من طقوس وشعائر العقيدة والإيمان، ولإلقاء الضوء علي طبيعة مخزونهمالمعرفيوإنعكاسهذلك علي واقع الناس الفعلي، المعاش. والأهم من ذلك، فإن إيراد مثل هذه ألسير الذاتية توفر الذريعة المناسبة ألتي تقودنا للولوج إلي جوهر معرفتهم وطريقة تفكيرهم التي حملتنا لمحاولة إستيعابها وفهم مغزاها.
إسهامات دكتور العتباني في تأسيس ثقافة إعمال الفكرتجد منا كل الإعتبار والإهتمام، ودليلنا علي ذلك هو إختيارنا لها كنموزج لرأي جماعات الإسلام السياسي في السودان في ما يتعلق بما نطرحه 'بمعضلة المعرفة والتفكير‘. وتجدنا نتفق مع دكتور العتباني حينما أقر بأن "السياسة لا تقبل الفراغ لأنها في أبسط تعريفاتها مدافعة حية ونشطة بين وقائع يومية مكرورة تجر جر الإنسان بسلاسل العادة، تنازعها وقائع أخرى متجددة وغلابة، واختياراتنا بين هذا وذاك هي ما نسميه فن الممكن. يجب ألا نوقف الحوار والجدل أبداً، فهما منبع التجديد والأفكار والطريق إلى المعرفة التي لا يتقدم الإنسان ويرقى بدونها[7]."ولكل ذلك، أتت أهمية الخلفية لسيرة دكتور العتباني للتعرف علي الطبيعة الجدلية للتساؤل الذي طرحه.وقبل ذلك، حَسْبُنا أن نتريث قليلاً، من قبل أن نلتقط القفاز وننغمس في تشريح بعض من جسم مقاله ومراجعةبعض أصول معرفته وتفكيره ومواقفة السياسية والإجتماعية التي قادته إلي أن يقول بما قال، ودفعتنا لقول ما نحن بصدد قوله وإستبيانه. ولهذا سنستجيب، ولو بتردد، لعدم حماس دكتور صلاح الدين العتبانيللخوض في تعريف 'الملحد‘ وحدود معرفته، وذلك ليقيننا بورود المفهوم الغير مباشر للألحاد من ضمن تناولنا للمواضيع ذات العلاقة والصلة التي سوف ترد لها ضمن هذه السلسلة من المقالات. وكذلك، ومن دون أن نتطرق للمفارقة المنطقية في معرفة دكتور العتباني لوحدانية طريق المعرفة، له وللعلماني، في تعاريج الكون الفسيح، وتشعبه عليهما، كل علي حدة،فوق كوكب بسيطة الأرض، سنقوم بإسترجاع عقارب الزمن من أجل تتبع خطوات مصطلح العلمانية في محاولة للبحث عن جزوره الوراثية، وفهم الظروف والبيئة الإجتماعية التي نشاء فيها وترعرع. وفي سانحة أخري، سنغفل راجعين فوق مسارات نُشُوقِهِ القلق و المتواصل، لكي تحملنا خطانا لأزمنة بطاقات هوياته، وشعوب مَهاجِرهِ المتعددة والمتنوعة. وبين هذه وتلك، في متاهة أفكارنا هذه, نأمل أن نمتلك من الصبرما قد يزيح ماعلق فوق الطريق من غبار، وما قد يريحنامن وعثاء الإِجتهاد عند منازل الترجل والهجوع.
مصادر
[1] "السودان الان: مقرر الاسلام دين التوحيد – جدل السلفية والصوفية،" 21 أغسطس 2017. [متصل]. Available: https://www.sudanakhbar.com/104786.
[2] alrakoba.net، "إعمال ألإجتهاد الفكري وفقاً للقيم الدينية والثقافية،" 17 December 2017. [متصل]. Available: https://www.alrakoba.net/news-action-show-id-293949.htm. [تاريخ الوصول 17 December 2017].
[3] س. خضر، "الإلحاد في السودان: هل بدأ يدق ناقوس الخطر،" 11 November 2017. [متصل]. Available: https://www.alrakoba.net/.
[4] wikipedia.org، "دكتور غازي صلاح الدين ألعتباني،" [متصل]. Available: https://ar.wikipedia.org/wiki/. [تاريخ الوصول 15 ديسمبر 2017].
[5] أ. أ. ود الريف، "مفاصلة رمضان: السواهي والدواهي،" ألصحافة، 4 August 2011. [متصل]. Available: https://www.sudaress.com/alsahafa/32016.
[6] ع. ع. عثمان، "يدلوجيا الدين: معضلة المعرفة والتفكير،" 19 ديسمبر 2017. [متصل]. Available: http://www.sudanile.com/index.php/%D9%85%D9%86%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A/34-0-6-8-3-1-6-8/103428-%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-11-%D9%85%D8%B9%D8%B6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8.
[7] ا. غ. ص. ا. العتباني، "آفاق الممارسة السياسية في السودان،" 8 ديسمبر 2017. [متصل]. Available: http://www.sudantribune.net/%D9%88%D8%B1%D9%82%D8%A9-%D8%AF-%D8%BA%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%B1%D8%B4%D8%A9-%D8%B9%D9%85%D9%84. [تاريخ الوصول 21 December 2017].
د. عثمان عابدين عثمان
[email protected]
www.facebook.com/oosman51/notes?lst


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.