شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يدون بلاغ في مواجهة زميله ويطالبه بتعويض 20 ألف دولار    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    شاهد بالفيديو.. شيخ الأمين يكشف معلومات هامة عن "الإنصرافي": (هذا هو اسمه بالكامل.. يقيم لاجئ في هذه الدولة ويعمل في تجارة المخدرات)    زيارة تفقدية لوالي سنار إلى محلية سنجة    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    رئيس الوزراء يتوجه إلى ألمانيا مترأساً وفد السودان المشارك في أعمال الدورة 62 لمؤتمر ميونيخ للأمن    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الحرية كيمياء التغيير والتقدم والتحديث
نشر في حريات يوم 01 - 03 - 2012


مدخل :
أخبرني أستاذي يوماً عن شيء يدعى الحرية
فسألت الأستاذ بلطف أن يتكلم بالعربية
ما الحرية ؟!
هل هي مصطلح يوناني عن بعض الحقب الزمنية ؟!
أم أشياء نستوردها أو مصنوعات وطنية؟!
فأجاب معلمنا حزناً وانساب الدمع بعفوية
قد أنسوكم كل التاريخ وكل القيم العلوية
أسفي أن تخرج أجيال لا تفهم معنى الحرية
لا تملك سيفاً أو قلماً ، لا تحمل فكراً وهوية
“احمد مطر”
ثمة ضرورة ملحة لاستمرار عملية التغيير التى تفجرت فى مناطق مختلفة من الوطن العربى، كُتِبَ لبعضها الوصول لنهايات ويمكن ان توصف بانها معقولة من حيث الخسائر المادية والبشرية، والبعض الاخر وصلت لنهايات اقل مايمكن ان توصف بها انها مأساوية، الاّ ان لكل عملية تغيير ثمنها الذى يتفاوت من مكان لاخر على حسب الفضاء الكلى للعملية من حيث ادوات ووسائل التغيير، وقابلية واستعداد المستهدفين الاساسيين بعملية التغيير .
وهذه الضرورة تنبع من ان وطننا العربي ظل منذ فترة طويلة فى ظل حكومات ملكية مستبدة، واخرى دكتاتورية مطلقة، وظل متخلفاً عن ركب الديمقراطية بوصفها افضل ما توصل اليه العقل البشرى حتى الان، من نظام للتدوال السلمى للسلطة وادارة الدولة والمجتمع، والآن كل الظروف المحلية والدولية داعمة لهذا المد الديمقراطي، فالشعوب بطبيعتها تعشق الحرية، على الرغم من حاجتها الى مزيدٍ من عمليات رفع الوعى بضورة الحرية وأهميتها، وهى عندما تتنسم نسيم الحرية وتتذوق طعم الديمقراطية فى الممارسة والاختيار، فأنها لابد ستقف سداً منيعاً فى وجهه كل من يحاول ان يعود بها الى عهد الظلامات والاستبداد، وبالتالى تمثل وقفة قوية مدافعة عن حريتها وعن الديمقراطية، ودولياً تتجه شعوب العالم الى الحرية والانعتاق من كل القيود التى تحول بينها وبين تحقيق رغبتها فى العيش بكرامة، على الرغم من ان بعض الدول ذات التوجهات الاستعمارية والامبريالية أستغلت حاجة الشعوب المتعطشة للحرية، وسعت عبر فوهات البنادق وجنازير الدبابات وصواريخ التوماهوك وتحت لافتات الديمقراطية الى تحقيق اجندتها الاستعمارية والامبريالية، عبر ادعائها انها تريد ان تنقذ الشعوب المقهورة وتحررها، وبالتالى حولت الديمقراطية الى مسخ مشوه بإستنادها على ادوات غير متسقة مع طبيعة الديمقراطية كوسيلة سلمية للتداول والاختيار، متجاوزة بذلك الدور والمساهمة الحقيقية للشعوب فى عملية التغيير وانجاز التحول الديمقراطي، وعليه تكون النتيجة هى تصدع البنية الداخلية للمجتمع، وبروز النعرات الجهوية والعنصرية، التى تغذيها الامبريالية لتتمكن من اضعاف المجتمعات ونهب ثرواتها وتركها ذليلة ترزح تحت نير التخلف والتبعية، ولكن يبقى الرهان على قدرة الشعوب على ابتداع ادوات ووسائل تتوافق مع مقدراتها وإمكانياتها ومع ظروفها المحلية والاقليمية لانجاز عملية التغيير التى تنقل المجتمع بكلياته نحو سماوات الحرية والديمقراطية والانعتاق، مع اتباع اساليب لحماية ثورات التغيير من ان تتعرض لعملية انحراف عن أهدافها الاساسية الرامية الى أحداث التحول الديمقراطى الكامل فى الدولة والمجتمع، من قبل اعداء الديمقراطية والتغيير من قوى محلية وإقلمية ودولية، ويجب ان تتوج هذه العملية بالانتقال بالمجتمع خطوات واسعة فى طريق التطور والنهوض والنمو والتقدم والتحديث عبر اهم الوسائل الا وهى الديمقراطية.
وعملية التغيير عملية شاقة ومعقدة، ودوما تسير فى اتجاهين، اما عن طريق أستخدام الوسائل السلمية، عبر الانتفاضة الشعبية والعصيان المدنى، كما فى حالة السودان (أكتوبر – ابريل)، وكما فى حالة مصر وتونس (ثورات الياسمين أو ماعرف بالربيع العربي) وغيرها، اما عن طريق القوة المعززة بالسلاح، كما فى حالة ليبيا وغيرها، وفى كل الحالات فان عملية التغيير فعل جماعى فى الاساس، يقوم على توفر الحاجة للتغيير، وامتلاك ارادة التغيير، وتوفر معطيات موضوعية محلية واقليمية ودولية، تساهم فى دفع وتعزيز عملية التغيير للوصول الى مراميها وتحقيق غاياتها، والقدرة على المحافظة عليها، يقول المفكر الايطالى قرامشى : “ان التاريخ ليس فى نهاية الامر الا ثمرة الانسان والارادة البشرية القوية، ولكن ليس الارادة المفردة، بل مجموع الارادات، واذا ما توجهت هذه الارادات بشكل صحيح، فانه باستطاعتها الارتقاء فوق الظروف” ، فعملية التغيير اذا لم يتم بناؤها على قاعدة شعبية عريضة، ستكون عملية يشوبها الكثير من القصور، وعليه لم تتمكن من تحقيق أهدافها المرجوة، وأهم ركن من اركان عملية التغيير هو الديمقراطية بمعناها الشامل، والديمقراطية وفى واحدة من معانيها هى وضع السلطة السياسية بيد الشعب، وضمان حقوق المجتمع وحريته، فهى ذلك النظام الذى يتيح لافراد المجتمع دون تمييز حقهم فى الاختيار، وحقهم فى المشاركة الفعالة فى صنع السياسات العامة للدولة، وحقهم فى اتخاذ القرارات المصيرية ومتابعة ومراقبة تنفيذها خطوة بخطوة والاستمتاع بالنتائج، وكذلك حرية التنظيم لكافة افراد المجتمع، بشكل يكفل للجماهير تعبئة طاقتها، واطلاق قواها الخلاقة، لتحقيق وانجاز عملية التغيير والتحديث فى الدولة والمجتمع، والديمقراطية تتطلب فى ممارستها لمؤسسات مجتمع مدنى عصرية وحقيقية، واحزاب سياسية فاعلة، وشباب نشط وسط منظمات المجتمع المدنى، وعبر احزابه السايسة المختلفة، بالاضافة الى مجموعة من القيم والاخلاق والمفاهيم، والاستعداد السياسي والنفسي لتقبل الرأى الآخر، وأحترام الارادة الشعبية المعبر عنها من خلال المؤسسات المنتخبة انتخاباً حراً مباشراً، والقدرة على المحافظة على هذا الاختيار، والتصدى والدفاع عنه، والوقوف ضد كل من يحاول الارتداد عنها، وهذا يتطلب توفر درجة معقولة من الوعى السياسي، ومعرفة بالحقوق والواجبات، والالمام بما يجري وما يستحدث من قضايا واحداث يومية ثؤثر فى الحاضر والمستقبل .
سودانياً ظل العمل الجماهيرى السلمى ذو الافق القومى والوطنى، والعمل المسلح ذو التوجه الجهوى المطلبى، يسيرا فى خطين متوازيين، على الاقل فى خلال السنوات الاثنين وعشرين الاخيرة، وسيبقى الرهان على العمل الجماهيرى السلمى هو الاساس، لانه سلاح الشعب المجرب تاريخياً فى عملية التغيير (اكتوبر – ابريل) نموزجاً، ولانه مضمون النتائج، وخسائره قليلة، ولا يحتاج الى تكاليف مالية كبيرة، ويكاد يخلو من السلبيات ذات الاثر الواضح، وايضاً ارتهانه على ارادة الجماهير المحلية، يحصنه من التدخلات الاجنبية مدفوعة الثمن، وعليه يبقى على القوى الفاعلة فى المجتمع، ان ترص الصفوف وتتكتل فى جبهة عريضة تضم كافة الوان الطيف السياسي وانصار التغيير الديمقراطي السلمى، لتعزيز النضال المشترك والدفع به الى الامام، حتى اسقاط نظام ال(30) من يونيو الشمولى، والرمى به فى مزبلة التاريخ، وايجاد البديل الديمقراطى المعبر عن كافة فئات المجتمع السودانى، وذلك عبر ابتكار وسائل نضالية متقدمة، تواكب ما أحدثه نظام ال(30) من يونيو من تخريب وسط الشعب السودانى وفى كافة مفاصل الدولة.
وعلى مدى التاريخ البشري ظل الشباب هم وقود ثورات التغيير، ولكنهم لايحصدون ثمرات تضحياتهم فى انجاز عملية التغيير، اذ ان أهم قضاياهم المطلبية المتمثلة فى ايجاد وضع افضل لهم، عبرمحاربة البطالة، وتوسيع فرص المشاركة فى احزابهم وعبر المجالس التشريعية المختلفة وعلى المستوى التنفيذى للدولة، وفوق ذلك كله النظر بعين علمية فاحصة لما تم تم تخريب فى المناهج التعلمية والعمل على انجاز اوضاع تعليمية ايجابية تكفل لكل شاب حقه فى التعليم والتعلم عبر منهج يواكب الحاضر ويستشرف المستقبل، وغير ذلك من الاسئلة التى تهم الشباب فى اطار الاسئلة الوطنية الكبرى ، فكل ذلك وغيره عندما لا يجد فرصته من الاهتمام الكافى، يعود الشباب الى رحلة المعانة من جديد، ولعل بعض الاسباب تعود الى ان عمليات التغيير تحدث فى شكل هبات وانتفاضات محمولها الاساسي وطاقة دفعها الرئيسية هى الحاجة والعاطفة المشبعة بالامل فى وضع افضل، دون الاهتمام بوضع خطط وبرامج بديلة تملأ الفراغ بعد انجاز عملية التغيير، ومن ثم الانطلاق عبر رؤية واضحة لمعالجة الاشكالات الاساسية التى ادت الى بروز الحاجة الى عملية التغيير، هذا فضلاً عن تصاعد الخلافات والصراعات بين حلفاء الامس حول كيفية ادارة مرحلة ما بعد التغيير، وكذالك ابتعاد الشباب عن العمل المنظم من خلال الاحزاب السياسية المختلفة ومنظمات المجتمع المدنى، على الرغم من قدرتهم العالية فى المشاركة فى احداث وانجاز عملية التغيير، الا انهم بعد انجاز المهمة سرعان ما ينسحبون عن المشهد بإرادتهم أو بفعل فاعل، ويصعد آخرين لتولى زمام الامور، وبالتالى تفقد العملية اهم عناصرها ووقودها الاساسي الذى يمدها بالطاقة ويجعلها مشتعلة حتى تحقيق كل اهدافها، على كل حال ماحدث فى المنطقة العربية من ثورات للتغيير أكد بما لا يدع مجالاً للشك ان الشعوب العربية لم تقل كلمتها بعد، وان لديها الكثير من القضايا التى تحتاج الى الاستمرار فى هذا الاتجاه، وان للشعوب القدرة على التأثير فى واقعها ولانتقال به الى الافضل، وان المخزون الكفاحى والنضالى وفير ويزداد وينمو ويتعتق بمرور السنين، يقول المفكر السودانى بكرى خليل: (ما تشهد به الانتفاضات العربية هو انها تؤكد على طاقات التغيير المدخرة فى صفوف الجماهير وقدرتها على سد النواقص وتجاوز القصور الذى أقعد النضال القومى الديمقراطى حيناً من الدهر وحال دون بلوغ غاياته، ومن خلال هذا المنظور تتفتح ازاهر الربيع وتزكى بشذاها دروب ركب العرب الحضاري والانسانى فتزيد بهاءاً وتجسد آمالهم فى التحرر والتقدم، فاذا غابت هذا الرؤية تصبح كمن ينظر الى الاشجار دون الغابة)، وعليه يبقى الواجب المقدم هو استمرار هذه الشرارة فى الاشتعال حتى تعم كافة الاقطار العربية، قطر بعد آخر تزكيها وتطهرها من ادران الظلم واالاستبداد، وتوقد شعلة الحرية والديمقراطية، حتى تشرق فى ربوع وطننا العربى شمس النهوض والتقدم والتحديث .
فثورات الربيع العربي الراهنة ادت الى صعود قوى سياسية وإجتماعية، لاتتمتع بخلفية ديمقراطية تتماشى مع المد المتصاعد لمحاولات دمقرطة المجتمع، ولكن هنالك ظروف محلية واقليمية ودولية ساهمة فى صعودها الى قلب الاحداث، هذه القوى تعتبر الاكثر جاهزية من حيث التنظيم والفاعلية مما اهلها لاستغلال هذه الفرصة، والغياب التام لقوىالاستنارة والتحديث، وعجزها عن انجاز عملية التحول الديمقراطى، وفتح الفرص للتعددية السياسية لتحكم اللعبة السياسية على مستوى الحكم، وتراجعها عن لعب الدور المنوط بها وسط افراد المجتمع، وبالتالى تراجع سندها الجماهيرى، مما ادى الى صعود قوة بديلة لملئ الفراغ وسحب البساط من تحتها، هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فان هناك قوى اقليمية ودولية لديها المصلحة فى صعود هذه القوى، أضف الى ذلك تنامى النزعة الدينية المتطرفة وسط فئات كبيرة من افراد المجتمع، مما وفر الدعم والسند الشعبى من ذوى العاطفة الدينية العالية، على الرغم من ان تجربة هذه القوى فى الحكم لم ترضى طموح حتى الموالين لها، حيث كانت اهم سمات تجربتها فى الحكم، تنامى الفساد والمحسوبية والرشوة وبيع الزمم، وانتشار القمع والبطش والاستبداد ومصادرة الحريات، وبالتالى غياب تام للاستقرار السياسي، وتخريب الاقتصاد الوطنى وانتشار البطالة وسط المجتمع، مما ادى الى تفكيكه وارتداده الى القبلية والجهوية، رغم انها ظلت تحكم باسم الدين ونصبت نفسها ظل الله فى الارض، وكل من يقف ضدها هم من الكفار والعملاء والطابور الخامس، ولكن لا احد يراهن على استمرار وصمود هذه القوى فى اللعبة الديمقراطية، وامكانية ارتدادها والانقلاب عليها وارد، ومعظم التحليلات تشير الى ان هذه القوى سوف تسقط فى امتحان الحريات والمممارسة الديمقراطية، نسبة لغياب التأسيس النظرى والعملى لقواعد اللعبة الديمقراطية فى داخلها ووسط عضويتها وانصارها، وتحليلات اخرى تذهب الى اثارة الشكوك حول اذا ما كانت هذه القوى تؤمن بالتعددية، وبالتداول السلمى للسلطة موقف مبدئ، ام هى عبارة عن شعارات تستخدم كوسيلة للوصول الى السلطة ثم الانقلاب على العملية الديمقراطية، مع العلم ان معظم قوى (الاسلام السياسي) تصر كثيراً فى اطروحاتها على نفى الاخرين، وعلى ان التعددية تعنى التناقض وليس التكامل، وعلى ان حزب الله لابد من ان يتناقض مع حزب الشيطان، وهذه المطابقة مع الحقيقة الدينية والحقيقة السياسية، والخلط بين ما هو زمانى وماهو دينى، سرعان ما يتطور ويصبح حقيقة مقدسة، لا تقبل النقاش، ولا التعايش أو الحوار مع غيرها .
لايمكن ان نتحدث عن عملية تغيير حقيقية فى الدولة والمجتمع دون ان نستصحب معنا عملية اصلاح للاحزاب السياسية، فالاحزاب السياسية تحتاج الى عملية مراجعة شاملة تحدث تغيير شامل فى داخلها على مستوى البناء التظيمى والسياسي والعقائدى والفكرى والثقافى .. الخ، وبالتالى على القوى السياسية الديمقراطية ان ترص الصفوف وترتب اوضاعها الداخلية، عبر أعادة تاسيس وبناء تنظيمات حقيقية تتمتع بديمقراطية داخلية وتقف على ارضية صلبة من الحريات، لتكن اكثر حيوية ودينامكية لتسترد زمام المبادرة فى قيادة الدولة والمجتمع، لكى تتمكن من ملئ الفراغ الذى سوف تحدثه عملية التغيير، وسيظل الدور الاكبر والمحورى للشباب فى دفع عملية التغيير داخل الاحزاب السياسية كمدخل لاحداث التغيير على مستوي الدولة والمجتمع، وهذا لايتاتى دون ان يتدافع الشباب للانتماء والانتساب الى الاحزاب السياسية المختلفة ومن ثم لعب الدور من داخلها، بطريقة تعزز وتجذر الممارسة الديمقراطية داخلها، وفتح الفرص الواسعة للشباب للمشاركة فى المفاصل الحزبية المختلفة على مستوى القاعدة والقيادة، وذلك يعتبر واجب مقدم فى عملية الاصلاح الحزبى، وهذا يتطلب تحديد فترة زمنية تقيد بقاء الكادر الحزبي مدة محددة فى المنصب الواحد لفتح الفرصة لعملية تبادل الاجيال وتبادل الخبرات وضخ دماء جديدة على المفاصل الحزبية المختلفة بمشاركة اكبر عدد من الاعضاء فى نشاطاته المختلفة وخاصة الشباب، والاهتمام بعملية التثقيف والتأهيل وبناء القدرات لانتاج كادر لدية القدرة والمعرفة الكافيتين لانجاز المهام الحزبية على اكمل وجه وبكفاءة عالية، وكذلك التثقيف والتأهيل الثقافى والفكرى للعضو حتى يمتلك القدرة على التصدي لكافة القضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التى تعبر عن قضايا المجتمع وايجاد معالجات شافية للاشكالات والقضايا المطروحة، وان يكون لدي الحزب القدرة على مواكبة ما يستجد من قضايا يومية، مع ابتداع اليات ووضع خطط وبرامج متطورة تعبر عن احتياجات المجتمع وتجسد آمال الجماهير فى النهوض التطور والتحديث والتقدم، مما يجعل الحزب أكثر فاعلية ولديه القدرة على القيام بمهامه الوطنية الكبرى، وعملية المراجعة والاصلاح الحزبي يجب ان تظل عملية مستمرة متلازمة مع عملية التطور المتسارعة الوتيرة، وستظل الاحزاب السياسية ضرورية للمساهمة فى انجاح عملية التغيير، وذلك عبر مراجعة صياغاتها الفكرية وان تتجه بصدق وإيمان حقيقيين لقبول الاخر المختلف، وتجسيد المفاهيم والقيم الديمقراطية من خلال جعل قضايا التداول السلمى للسلطة وكفالة الحريات العامة فى مقدمة الواجبات النضالية داخل الاحزاب السياسية وفى الدولة والمجتمع، والايمان القاطع بالديمقراطية بأعتبارها الصيغة الامثل للنظام السياسي لادارة الشأن العام، وذلك بفرض حقائقها فى الفكر والممارسة داخل الاحزاب السياسية والدولة والمجتمع ، ومن ثم على الاحزاب السياسية المختلفة التى تؤمن بالديمقراطية التعددية ان تشكل جبهة وطنية ديمقراطية عريضة تضم كافة القوى الديمقراطية الحية فى المجتمع، لتمثل نواة للتحالف ضد قوى الظلام والشمولية التى تريد ان تسجن المجتمع فى عصور الرجعية والظلام والتخلف، وعليه يجب ان يتجه هذا التحالف قدماً نحو المساهمة فى عملية التغيير والتحديث والخروج من ظلامات التخلف والتبعية.
ويبقى لعملية التغيير فى الدولة والمجتمع ضلع مهم لديه دور محوري فى عملية التغيير، هذا الضلع هو وليد حركة المجتمعات الحديثة والمتطورة، وهو ما يعرف بمنظمات المجتمع المدنى، وهى مجموعة من المؤسسات المدنية والاجتماعية التى يعبر بها المجتمع الحديث عن مصالحه وغاياته، ويتمكن من خلالها على الدفاع عن نفسه، والمطالبة بحقوقه فى السلام والامن والتنمية والاستقرار والعيش الكريم، وهى الركيزة التى يعتمد عليها المجتمع المدنى فى عملية التغيير والتحول الديمقراطى والتطور، فمفاهيم وأهداف منظمات المجتمع المدنى تتماشى وتتوأم مع المفاهيم التى طرحتها التنمية البشرية، فالتنمية البشرية هى عملية توسيع خيارات الناس لعيشوا حياة كريمة، تمكنهم من العيش بحرية وكرامة، وتملكهم القدرة على الابداع الخلاق، ومن أهم وسائل تحقيقها النمو الاقتصادى المتوازن، وفتح فرص وابواب الاستثمارات التى تعود بالفائدة المرجوة لكافة شرائح المجتمع وفئاته المختلفة دون ان يستحوذ عليها قلة منهم، وتعزيز التقدم التقنى والتكنولوجى وتعميمه لكافة قطاعات المجتمع بجميع مستوياتهم العلمية والمعرفية، اذن هى عملية بناء قدرات افراد المجتمع، وفتح المزيد من الفرص لهم، واستخدام هذه القدرت وتوظيفها لتعود للمجتمع فى شكل خدمات اساسية ، تتمثل فى توفير مستوي عالي من العناية الصحية لجميع افراد المجتمع، وتلقي تعليم يعزز فكرة ديمقراطية التعلم والتعليم وسط المجتمع بكافة فئاته، ورفع مستوى المعيشة لدرجة تليق بإنسانية الانسان وتكرمه وترفع عنه الاحساس بالذل والهوان، ليتمكن من المساهمة فى بناء مجتمع الكفاية والرفاهية، والتنمية البشرية تهدف ايضاً الى رفع مستوعى وعى الانسان لكى يدرك مسؤولياته التى تترتب عليها واجبات تجاه نفسه واسرته ومجتمعه، مما يدفعه للمساهمة فى الحركة الاجتماعية لتحقيق الامن والسلم والتنمية المجتمعية، وهذا كله وغيره لا يتاتى الا عبر اتاحت الفرص وتوسيع الاختيار لافراد المجتمع، ليتمتعوا بالحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبالتالى المشاركة فى الحياة الاجتماعية فى اوسع نطاق، مما يعزز دور المجتمع المدنى ومؤسساته، ولعل هذا يصب فى اهداف الالفية الثالثة للتنمية، عبر اعلان الامم المتحدة للالفية فى العام 2000م، الذى دعى الى استئصال الفقر وتعزيز مبادى الكرامة والمساواة والانسانية، وتحقيق السلام والديمقراطية وأستدامة البيئة، للدفع بالتنمية من أجل تخفيض الفقر بحلول عام 2015م، وهذه الاهداف تمثلت فى الاتى : (إستئصال الفقر والجوع، تحقيق التعليم الابتدائي، الحض على المساواة بين الجنسين وتمكين النساء، خفض نسبة وفيات الاطفال، تحسين صحة الامومة، مكافحة الامراض/ الايدز – الملاريا..الخ، ضمان استدامة البيئة، وتطوير شراكة عالمية شاملة). فضعف منظمات المجتمع المدني يعتبر أحد المعوقات الاساسية لعملية التغيير، وهذا الضعف هو نتيجة طبيعية لضعف وانقطاع التراكم (الكمى والنوعى) على صعيد العمل الاجتماعي بمعناه الواسع، الذى يعتبر بمثابة الارضية الصلبة التى يتأسس عليها بناء منظمات مجتمع مدنى حقيقية، وبالتالى تتأسس عليها عملية التغيير والانتقال بالمجتمع من وضع التخلف والتبعية الى فضاءات التطور والانعتاق، وعليه فان سيرورة تشكل وتطور مجتمع مدنى سيرورة معقدة تحفها الكثير من المخاطر، وتكتنفها العديد من الاحتمالات والصعوبات التى تفصلنا عن تمثل الحداثة، والاندماج فى حضارة العصر من خلال ملامحها الايجابية المتمثلة فى العقلانية والنقدية، وعبر ممارسة انسانية تعبر عن خصوصيتنا بشكل مبدع وخلاق، واذا لم نتغلب ونتجاوز على هذه المعوقات سنظل كتلة جامدة على هامش العالم المعاصر، بانجازاته الاجتماعية وديناميكيته، ومنتجاته المعرفية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.