وصول الفوج الرابع من اللاجئين السودانيين بيوغندا    مصادر تكشف تفاهمات سرية لوقف استهداف مطاري الخرطوم ونيالا    المملكة مركز ثقل في حركة التجارة الدولية    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    البنزين الأوروبي والأميركي يتجه إلى آسيا    دراسة تحذر: الذكاء الاصطناعي يميل إلى "مجاملة" المستخدمين على حساب الدقة    رئيس الوزراء الباكستاني: نعرب عن تضامننا الكامل مع الشعب الإيراني الشجاع في هذه الظروف الصعبة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    الأهلي يرفض قطع إعارة كامويش وعودته للدوري النرويجى.. اعرف التفاصيل    حقيقة مفاوضات بيراميدز مع أحمد القندوسى لضمه فى الصيف    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    لوك غريب ل فتحى عبد الوهاب والجمهور يرد: هتعمل دور الملك رمسيس ولا إيه؟    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    7 عناصر غذائية يحتاجها الطفل فى سن المدرسة لدعم نمو وتطور الدماغ    مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    جاهزية متكاملة واعتماد حكام دوليين لبطولة العرب للشباب في ألعاب القوى بتونس    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: المنصوري يا مكنة    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ميز
نشر في حريات يوم 25 - 03 - 2012


………(قصة قصيرة)
إنك لو مددت جبال الصبر أميالا لتسأل أغلبية سكان حي ” متاتا ” بألسنتهم المختلفة عن متى ولماذا وكيف أقيم هذا ” الميز ” بحيهم الطرفي بالمدينة الكبيرة ، فمن المؤكد أنك لن تتلقى الإجابة التي قد تشفي بعض غليلك . عواجيز الحي هم فقط وعلى قلتهم من يدركون فعلا أن الميز كان أولا ثم بعدها تبعثرت من حوله مباني العمال والنازحين . إنه يبدو كنبتة تم غرسها بعناية ثم نمت من حولها وبلا انتظام الحشائش المتنوعة ، فوق ذلك فإن هؤلاء العواجيز كانوا يعرفون تماما أن حي متاتا ومحلج القطن الذي يقبع علي مسافة ميل واحد غربه قد تشاركا صرخة ميلاد واحدة ، أصبحا بعدها توأمين سياميين ، نشئا معا وظلا يتعايشان معا ، ينتعش المحلج وتدب في ماكيناته الحياة عند بداية موسم الحليج فتنتعش لدي سكان الحي غريزة البقاء الكامنة فيعاودون دفع رحاها لتستمر الحياة ، على عنتها ، ويظلون هم من آن لآخر يستحيون لياليهم الملاح بمناسباتهم السعيدة ، على ندرتها ، وتباينها ، فتسمع لهذين التوأمين ايقاعا واحدا متجاوبا يطوف بأرجاء المحلج ثم يعود ليعطّر سماوات الحي فيبقى الناس هناك كأنهم أحياء وهكذا تستمر رحى الحياة في الدوران .
مع هذا فإن سكان حي متاتا وعن بكرة أبيهم يعرفون تماما أنه خلال فترة توقف المحلج الطويله لا يتوقف أبدا مديره عن آداء فريضة الزيارة اليومية لمنزل السيدة “أبريهيت” الحبشية والدة وحيدتها الفاتنة “الماظ” التي لم ترث فقط عن أسلافها وأصولها الأمهرية جينات الحسن والجمال والأنوثه الساحرة ، وإنما أيضا قداً ملفوفا فارعا زانته ، حيث يجب أن تكون ، تضاريس رهيبة جعلت من كل خطوة تمشيها لافتة تبشِّر بقرب انهيار سطوة الجاذبية الأرضية ، معلنة مظاهرة صاخبة على الغرائز النائمة فتوقظ فيها كل الشهوة بكل عنفوانها .
إنه ورغما عن جسده المترهل والذي يبدو كحرف الدي” D ” الانجليزي من جانبيه إلا أن المراهق الستيني لم يتمالك حيال كل ذلك إلا الاستسلام المهين متأسيا بمقولة الروائي أوسكار وايلد “إن افضل طريقة لمقاومة الإغراء هي الاستسلام له” لقد جرَّته ألماظ جرا إلى صومعه سحرها فما أبى ، إلا أنه صنع لنفسه قوقعة ضرب بطول وعرض حائطها كل الوازع الديني والأسري وحتى استحقاقات المركز الوظيفي المرموق ، فأضحى لا يبالي بأحد لتبقى عربته الحكومية المعروفة بلوحتها ذات اللون الأصفر الفاقع من الصباح الباكر وحتي منتصف الليل أمام باب البيت المشبوه .
لكن السيد المدير كان هو الشخص الوحيد الذي يملك الإجابة الشافية لكل غليل.لقد كان يعرف تماماً أن هذا الميز كان قد أنشئ حتى من قبل الشروع في إنشاء المحلج ذاته وقد بنته الشركة المنفذة حينها لإيواء بعض عامليها المقيمين ، ثم من بعد أن أنجزت إنشاء المحلج ارتحلت واعتبرت الميز جزءا من تكلفتها ومنحته تلقائياً كحافز لعامليها التسعه المقيمين به .
لقد أقيم علي مربع كامل بوسط الأرض الفضاء ليطل بعدها علي الجهات الأربع ويصبح من أوسع المباني ليس بحي متاتا وحده وإنما أيضاً بالمدينة الكبيرة.كان يحتوي علي تسع غرف بعدد ساكنيه وبضع فرندات ومخزن ومنافع وسور مميز وبوابة واحدة واسعة كبيرة. بعد رحيل الشركة المنفذة قامت إدارة المحلج باستيعاب أعضاء الميز كموظفين وعمال ولم تنسى أن تحافظ علي موقع الميز عندما تم تخطيط الحي العشوائي ، بل وقامت بإدخال خدمات الكهرباء والمياه على حسابها عندما تم إمدادهما ، لكنها أبداً لم تضمن قيمة هذا الميز حسابات أصولها .كان أعضاء الميز يعرفون ذلك ويدركونه تماماً حتى أن كافي أحد أعضاء الميز كان دائماً ما يقول أنهم هنا حتى من قبل ان تنشأ المدينة الكبيرة نفسها . كان دهب العضو الآخر الملقب ب(غاندي) يؤكد ذلك دائماً لكنهما ما كانا ليصرحان به لولا تداعيات حدث الجمعة الجلل .
كانت وما انفكت للسيدة أبريهيت علاقات خاصة مع أعضاء الميز , فمنذ مجيئها إلى هذا الحي كان بعضهم هم خيرة زبائنها ورواد ماخورتها. يحتسون المشروبات المحلية مثل الكلوميت و الكونيمورو ويتكئون علي ألأرائك الوثيرة والمألوفة لديهم منذ أن كانت بمكتب السيد المدير ويتبادلون حلو الحديث مع هذا الأخير والذي لا يتقمص هذه الشخصية المرحة والمؤنسة أبدا إلا ها هنا. أنه وحتى عندما تحولت أبرهيت لبيع المشروبات المستوردة سراً والأنجيرا جهراً لم ينقطع هؤلاء عن المجيء خصوصاً في أيام العطلات . كانوا لا ينسون أبداً دس بعض القطع المعدنية في يد الطفلة حينها “الماظ” لتجري لدكان عم صالح اليماني المواجه للميز لتبتاع حلوى فتزداد شقاوة وتكتنز حلاوة .لكن لا أحد يدري علي وجه الدقه لِمَ كانت أبرهيت وراء فجيعة الجمعة وأحداثها المثيرة سوى عم صالح اليماني وكرار الجزار . كان الميز يتلقى معظم التموين من دكان عم صالح ليتم السداد نهاية الشهر مع صرف المرتبات .بنفس النظام كان التعامل مع الجزار كرار الذي كان لا يخفي سعادته بذلك إذ أن الميز كان هو الزبون الأكبر والمحتكر الوحيد لشراء أطايب الذبيح على قلتها . فسكان حي متاتا كانوا يملكون أنياباً مسحت من ذاكرتها خاصية تمزيق اللحم حتى أصبحت أنياباً عاطلة تذاكر فطرتها المنسية بتعاطي الكجيك من آن لأخر مما دفع كرار ليقول متهكماً ( ناس متاتا ديل مابدورو حاجة إلا أولها كاف زي كجيك , كوارع ,كديس , كول ، كمونيا , كنيمورو , وكاس , وكسره ، وك……….!! لعنة الله عليه والله ما فضل لينا إلا نسمي ليهم اللحم كجم عشان يشتروا مننا إن شاء الله فد كجمة) .
في يوم الجمعة وفي الصباح الباكر اندفع اليافع أحمد من منزلهم صوب منزل حليمة ست اللقيمات بأقصى الحي وهو في حيرة من أمره إذ لم يستطع أن يدرك سبب إصرار والده في أن يرسله ليبتاع من حليمة بالذات مع ان منزل خديجة ست اللقيمات الأخرى كان هو الأقرب ولقيماتها المشهورة هي الأطيب فحي متاتا كان يعج بهؤلاء الستات بدءاً من الست الأولى ست الشاي وحتى الست الأخيرة ست اللقيمات. كن معظمهن يمارسن هذه السيادة يومياً بالمدينة الكبيرة حتى أصبحت فعلاً مدينة الستات كما صار يطلق عليها .
ما كاد الصبي يغادر المنزل متخطياً السور القصير والذي آثر الالتصاق بالأرض التي بني بالكامل من ترابها ، إلا وقفل راجعاً ككرة صدها حائط صلد ، ليجد نفسه مشدوهاً يحدق بوالده الذي يقف عارياً تماماً عند عنقريب والدته بطرف الغرفة الطينية اليتيمة ، والتي لم تعرف أبداً بابا ولا شباكاً وآبت منهما ببعض الطوب الأحمر الذي تم رصه بعناية داخل فتحاتها الجانبية . ألجمته الدهشة فاستدار معطياً ظهره لوالده كجندي أُمر ليستدير إلى الخلف . بادره والده بنهرة أعادت له بعض صوابه (البوليس…..البوليس…. يابا…البوليس مسك الميز) قالها الصبي بصوت متهدج من فوق كتفه الهزيل لكنه ظل واقفاً متسمراً في مكانه .
ما إن سمع بله اسم البوليس إلا واستعاد ولا إرادياً ملابسه من على العنقريب الآخر والذي شاخت حباله حتى تدلت كعروق اشجار اللبخ ليلامس بعضها الأرض .
غادر بله الغرفة مودعاً بصوتٍ يكسوه الحزن ( دي قسمتنا يا سكينة أبقي عشرة علي رويحتك ورويحة الوليد) ثم أضاف وبنبرة حاول أن يجعلها متفائلة ( الشهر الجاي إنشاء الله أجي ونعمل السُرِّيقَة التانية للحوش) , لم ينسى وهو يقول ذلك أن يدس بعض النقود تحت المخدة المهترئة . كان بله يعمل خفيراً بإحدى شركات المدينة الكبيرة بنظام المشاهرة . بدأ منهكاً جداً فقد أمضى الليل كله يقظاناً يحاول اغتنام فرصة نوم ابنه الوحيد ليواقع. كان قد نبه الولد بأن ينام باكراً ليصحو باكراً ليشتري اللقيمات التي يشتهيها . لم ينم ساعتها الولد المنتشي جداً بهذا الوعد النادر ، بل ولم يترك أبدا للنوم ثغرة واحدة لمهاجمة عينيه , فأمسى يصحو كلما غافلته غفوة ، وسمع حراكاً ليدمدم متسائلاً وبصوت يخالطه النعاس (انتو الواطة أصبحت؟؟)
بسرعة البرق ذاع الخبر وعم الحي فتنادى سكانه بطريقتهم المعهودة عندما تدلهم بهم المصائب .انتزعوا اجسادهم المنهكة انتزاعا من مضاجعها فما اعتادت جنوبهم مجافاتها علي خشونتها في هذه الليلة بالذات .فمن دون الليالي كانت ليلة الخميس هي ليلة اللباس الحقيقية والوحيدة ، إذ أن بقية الليالي ظلت أسيرة لرهق الحياة وبؤسها فأمست كلها معاشا.
تقاطروا من كل صوب نساءً ورجالا وصبيانا .في أعماقهم جميعا كان هنالك إحساس واحد رهيب بأنّ أمراً جللاً في طريقه للحدوث .لقد كان لكل فرد منهم علاقة ما بالميز شكّلها بطريقته فأصبحت جزءا أصيلا من وجدانه البسيط .نسوا حتى أحزانهم فتركوها خلفهم ليتفرغوا تماما لحماية كعبتهم الخاصة بهم من أفيال أبريهيت . لقد كانوا يحسون بالسلام والأمن في حرم الميز والذي كان يشمل الحي كلّه .
(كلو علا الميز ) هكذا دمدم شيخ آدم حال سماعه الخبر مستحثا أطرافه التي اعلنت تمردها عليه فأبدت عصيانا وخيانة أجبرته علي الاستعانة بعكازة مضببة ارتكز عليها ليقف ويتبعها بخطوة زاحفة الي الميز . تجمع الرجال بدكان صالح اليماني واعتلى مكي الملقب ب(تمام) برميلا ليتمكن من توسيع دائرة الرؤية داخل الميز . تحلق بعضهم حول برميل مكي وأرخوا آذانهم للتصنت .كان مكي بالكاد يري خوذات رجال الشرطة ، لكن كامل وجه دينق العضو الأطول بالميز كان واضحا تماما ، أما النسوة فقد تجمعن عند سور بله ومعهن الصبية والصبايا بما فيهم أحمد ووالدته سكينه متخذين من السور القصير مقعدا ومتكئا. لم تأخذ شيخ آدم خطواته البطيئة أبعد من ذلك فاكتفى بالانضمام اليهن والجلوس علي السُرِّيقَة .
ما أن رأي مكي شيخ آدم إلا وصاح (والله ياجماعه المرقت شيخ آدم دي ما ساهله ….تمام الله يستر). بدأت الاصوات تأتيهم بغتة ثم لا تلبث ان تخبو حدتها كصوت مذيع لمباراة منقولة في ليلة ممطرة .ركنوا بالكامل لمكي ليقوم بنقل أحداث الميز .(شوف ياعكاشه وانت برضو يا الحبر وجباره الامور بالشكل دا مابتمشي لقدام .كم مره قلنا ليكم مافي داعي لكلاب بالميز الكلاب دي بتعرفكم أنتو بس ونحن بتعضينا والجماعه البجوكم ديل كتروها خالص .. خالص .. شنو يقعدو معانا بالشهور هم قاعدين يدفعو حق ميز؟) أتى صوت بيتر واضحا تماما للجميع . كانت المجموعه تومئ برءوسها بعلامة الموافقة أما مكي فقد لاحق بيتر بتمام .. تمام .
الأعضاء الذين عناهم بيتر كانوا هم الأعلى منصبا بالمحلج من بين أعضاء الميز لذا كانوا يتداولون أمر رئاسته فيما بينهم .كانت الأمور تسير بصوره عاديه وأعضاء الميز يقومون بواجبهم الاجتماعي تجاه الحي بصوره طبيعية . بيتر كان منتدبا من المحلج للعمل كأستاذ للغة الانجليزية بالمدرسة المختلطة بالحي ، كما كان دينق رئيسا لنادي القرية ومشرفا علي فريق كرة القدم ,اما عكاشة فكان عضوا فاعلا بمجلس الحي . كان مكي وغيره من الشباب يترددون علي الميز من آن لأخر كما كان أعضاء الميز أنفسهم من أهم المشاركين في أفراح وأتراح الحي . عذارى الحي كن لا يخفين رغبتهن في الفوز بأحد اعضاء الميز . كانت أغانيهن لا تخلو من الإشارة إلى ذلك . لكن في الآونة الأخيرة بدأت الأصوات الحادة تأتي من داخل الميز نفسه ، كما أن مديونيات أبريهيت وكرار وصالح كانت قد تراكمت وتفاقمت بصورة كبيرة وصلت لحد عجز الميز الكامل عن دفع حتى فاتورتي الماء والكهرباء ، ولولا تدخلات هؤلاء لبات الميز في ظلام دامس وعطش حارق . لقد تغير سلوك رئاسة الميز تماما ، فقد درج عكاشه على استضافة عدة شخصيات لأسابيع وشهور ليتم اكرامهم علي حساب الميز ، وكان هؤلاء الضيوف دائما ما يقيمون الليل مما أدى لارتفاع فاتورة الكهرباء والماء .
ظهر كرار مرتدياً ملابس الذبيح الملطخه بالدماء كلوحة تجريدية ، فيوم الجمعه هو يوم الذبح العظيم بالحي ، ورغما عن أنه كان ملما بحيثيات الحدث إلا أن هذا لم يمنعه من التعبير عن علاقته بالميز فصاح (طبعا انتو عارفين أحسن لحم في الخروف هو لحم الراس ,طيب انتو عارفين هو اطعم وأحسن لحم ليه ..!) لم يجبه احد فواصل مجيبا علي نفسه (لأنو أي قطعه فيهو جايا من قطعه تانيه من باقي الخروف وشايلا طعما ) قاطعه مكي مؤكدا وساخرا (يعني هو سلطة لحم ولا برلمان الخروف ..!) اجابه كرار(عليك نور هو سلطة لحم هو في أحلى وأطعم من السلطه ياخي ..؟) ثم تابع مؤكداً (والله الميز دا لحم راس , الله ميزنا بيهو, لو اتفرتق احسن نشوف لينا بلد تانيه ياناس هوي).
كان مكي يردد (تمام ….تمام ) سأله كرار (شنو التمام ماتورينا؟) (انتو عارفين اندراوس قال لعكاشه شنو ؟) ردوا جميعا (شن قال؟) قال (ياعكاشه يأخوي انت قايل نحن ماعندنا دين ولا شنو ؟ نحن بناكل كداريك ياخي في يوم جبت لينا كدروك عشان ناكلو ؟ ليه انت بتضبح خروف لعيد الضحيه من حساب الميز ؟ وحتي رمضان نحن ما بنصومو لكن قاعدين بندفع معاكم انت ما قايل عندنا صيام ولا شنو ! دا ياهو الشغل البخرب الميوز ) ثم اضاف (شي تمام ….!) أجابو جميعا بصوت واحد (والله تمامين مش تمام واحد والله الجماعه ديل بفطرو معانا فطور رمضان وبعيدو معانا سوا سوا ماشفنا منهم شينه ) .اتي صوت عكاشه واضحا (ياجماعه قولو يا لطيف إن شاء الله الأمور كلها تتعالج بس اصبرو شويه ) صاح غاندي متدخلا (شوفو ياجماعه الميز دا قروشو تمشي لأكلنا وشرابنا وكهربتنا وراحتنا وبس ودي نحن ما مختلفين عليها. أما الشيء المختلفين عليهو قروش الميز البتاعتنا كلنا مانصرفا عليهو لانو ما بخصنا كلنا. بعد داك كل زول يصرف علي حاجاتو التانيه ومن قروشو الخاصه بيهو ) . تدخل تيراب عضو الميز قليل الكلام (والله كلام غاندي دا صحي مره واحد ). اعقب ذلك صمت طويل وهمهمة ثم فتح الباب الكبير ولأول مره يلاحظ مكي أن عربة السيد المدير كانت واقفه قرب الباب جوار عربات الشرطه المميزه فجأة صاح (تمام …حكايه تمام انتو لاحظتو حاجه ..؟ ) اجابه عم صالح (في شنو ؟ ) أجاب مكي ضاحكا (عربية المدير نمرتا الصفره مافي ومركبه نمره زي البكاسي نقشتو حاجه …!) ثم واصل (الحبشيه دي عندها إنّه في الموضوع بتاع البوليس …تمام ولا ما تمام…) بهت عم صالح وهو ينظر اليه قائلا ( الله يكفينا شرك ما تسكت ياخي بقيت رادي ولا شنو …؟) سأل صالح السيد المدير (وصلتو لشنو؟)اجابه المدير بنبرة حزينه (المحلج قرر ان يدفع ليكم ديونكم كلها ….لكن بيتر ودينق فرزو عيشتهم خلاص والميز للأسف حا يبقى ميزين).
انتشر الخبر الحزين والناس بين مصدق ومكذب لكنهم بدأوا لاحقا يلاحظون عمليات فتح بوابه اخري للميز وبناء حائط داخله ليفصل غرف بيتر ودينق . حاول مواطنو الحي جهدهم للتعود علي الوضع الجديد .اكتشف جباره أن عداد الكهرباء والمياه بالجانب الاخر . وافق بيتر علي مدهم بالمياه والكهرباء على أن يقومو بدفع القيمه . ازداد ضغط المصروفات علي الميز بكثرة الأعباء المترتبة على التوسع في الاستضافة لآخرين وعدم ترشيد صرف الماء والكهرباء. شوهد كرار وصالح وأحيانا ابريهيت مرارا وتكرارا في حوار حاد مع عكاشه للحصول على مستحقاتهم المتراكمة علي الميز . أيضاً وبصورة مزعجة تلاحظ خروج الكلاب من الميز وتعديها المستمر علي منازل الحي وترهيب وترويع المارة مع العواء الليلي المخيف. أصبح الميز وصمه حقيقية في وجه الحي ومصدر دائم للمتاعب.
ارتحل دهب إلي الحي بعد أن اقترن بأحدى حسناواته أمّا تيراب فقد آثر اللجوء إلى المدينة ليعمل هناك .
في صباح أحد الأيام مر مكي على محطة البكاسي ليشاهد ابريهيت وكرار وصالح علي ظهر احدها وهو على وشك التحرك .حياهم ثم سأل ابريهيت بأمهريه تعودها (شِقِّرْ ألّا)أجابته (آو) رد عليها والبكسي يتحرك صوب المدينه (تاني تاني ..عالم بجم ….تمام ، الميز السمح ده مابستحقو ).!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.