لإدارة العامة للخدمات الاجتماعية بالشرطة تكرم الملازم شرطة إبراهيم يحيى    المطربة "إيمان الشريف" ترد على البروف للانتاج الفني (لا يوجد عقد متفق عليه)    معتصم جعفر: اتحاد الكرة متمسك بإنهاء الموسم الرياضي (يوليو) القادم        بعد التجديد.. مبابي يسخر من بنزيما ونجوم الريال    ترتيباتٌ لنقل موقف البصات السفرية من السُّوق الشعبي ل(قندهار)    وزير المالية يؤكد استمرار صادر الثروة الحيوانية للسعودية    تحقيق يكشف.. إضافة العطرون والباكنج بودر في (الحليب)    اتحاد الكرة يُحدِد مواعيد المرحلتين الخامسة والسادسة لكأس السودان    كشف غموض جريمة ذبح سبعيني أثناء نومه    يونيتامس تعرب عن خيبة أملها لرفض السلطات تجديد إقامة روزاليند مارسدن    والي الشمالية المكلف يلتقي وفد تجمع مزارعي محلية دنقلا    هذه الأطعمة يمكن أن تؤدي إلى "العمى التام" .. فاحذروها    اتحاد الكرة يبحث متأخرات دعم الرعاية وملاحظات أندية الممتاز    شاهد بالفيديو: هدف اللاعب سكسك في مبارة السودان ضد فريق ليفربول بحضور الرئيس نميري    السُّلطات تطلق سراح (4) مُعتقلين من سجن بورتسودان    خبر غير سار من واتساب.. لمستخدمي iOS 10 و11    المنتخب يعسكر بالمغرب قبل السفر لموريتانيا    مسؤول ينفي ل (باج نيوز ) كشف أحد امتحانات شهادة الأساس    توقيف (9)متهمين في حملة شمال أمدرمان    الكشف عن حقيقة المحاولة الإنقلابية    الفنان الشاب عمار فرنسي يخليد لذكرى الرواد يحضر لجمهور الجديد …    شاهد بالفيديو.. المطربة "ندى القلعة" ترقص حافية بنيروبي على إيقاع إثيوبي    سعر صرف الدولار والعملات بالسوق الموازي مقابل الجنيه في السودان    انعقاد ورشة التصنيف المرحلي المتكامل للامن الغذائي    غوغل تطور نظارة للترجمة الفورية باستخدام الذكاء الاصطناعي    لقاء بين حميدتي و رئيس المفوضية القومية لحقوق الإنسان    بتهمة "الاتجار بالبشر".. السجن 3 أعوام لرجل الأعمال المصري محمد الأمين    نمر يلتقي وفد اللجنة العسكرية العليا المشتركة للترتيبات الأمنية    ساهرون تخصص مساحة للتوعية بالمواصفات والمقايس    مجلس بري منتخب ام تسير . واستقالة رئيس النادي ؟!    أربعة أجهزة منتظرة في حدث إطلاق شاومي المقبل    لمساعدة ذوي الإعاقة.. أبل تطرح إضافات جديدة لخاصية "إمكانية الوصول"    السودان..اللجنة المركزية للشيوعي تصدر بيانًا    نهب واعتداء على ركاب سبعة لواري تجارية بولاية شمال دارفور    احباط عملية تهريب بشر بالقضارف    رويترز: مقتل رجل بسفارة قطر في باريس    شراكة بين اتحاد الغرف التجارية والأسواق الحرة    شاهد بالفيديو: وسط حالة من الدهشة.. سوداني يحدد موعد وفاته ويقول: (سيدخل الجنة على ظهر حصان)    شاهد بالفيديو: فنانة شهيرة تغادر السودان وتعلن عدم رجوعها والجمهور يغازلها "اها يارشدي الجلابي "    والي نهر النيل يشيد بشرطة الولاية ويصفها بالأنموذج    شاهد.. الشاعرة "نضال الحاج" تنشر صورة لها ب "روب الأطباء" وتكتب (يوميات شاعرة قامت اتشوبرت قرت طب)    (4) طرق للتخلص من المشاعر السلبية كل صباح    انتبه الوقوف أمام جهاز الميكروويف خطير.. وإليك الحل!    عبد الله مسار يكتب : الحرب البيولوجية في مجلس الأمن    الدفع بمقترح للسيادي لتكوين مجلس شورى من الشيوخ والعلماء    شاهد بالفيديو: صلاح ولي يشعل حفلاً ويراقص حسناء فاقعة الصفار في افخم نادي بالسودان    الداعية مبروك عطية: «الفيسبوك» مذكور في القرآن    تيك توك ستتيح لمستخدميها ممارسة الألعاب عبر التطبيق .. اعرف التفاصيل    الضو قدم الخير : الأولاد قدموا مباراة كبيرة وأعادوا لسيد الأتيام هيبته من جديد    ضبط (11) شاحنة مُحمّلة بالوقود و(القوقو)    نمر يشهد بالفاشر ختام فعاليات أسبوع المرور العربي    لقمان أحمد يودع جيرازيلدا الطيب    ماسك يلمّح لمخاطر تحدق به.. "سأتلقى مزيداً من التهديدات"    هل ستدخل شيرين أبو عاقلة الجنة؟.. أحمد كريمة يجيب على سؤال مثير للجدل: «ليست للمسلمين فقط»    بابكر فيصل يكتب: الإصلاحات السعودية بين الإخوان والوهابية (2)    ماذا يقول ملك الموت للميت وأهله عند قبض الروح وبعد الغسل؟    الأمم المتّحدة تحذّر من خطر تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



وَرَحَلَ نُقُد .. أنضَرُ الأشجَارِ السُودانيَّةِ في بُستانِ اليَسَارِ الماركسي!
نشر في حريات يوم 15 - 04 - 2012


(نصٌّ محوَّل من حوار صحفيًّ إلى مقالة)
بقلم/ كمال الجزولي…
(1)
إنْ كان ما يعنيه الموت هو فناء الخلايا الذي لا بُدَّ أن يحيق يوماً ما بأيِّ جسد حي، فلا جدال في أن ذلك قد حدث، بالعاصمة البريطانيَّة، لمحمد إبراهيم نُقُد، السكرتير العام للحزب الشِّيوعي السُّوداني، بعد ظهيرة الثاني والعشرين من مارس 2012م، مثلما يحدث لكلِّ الناس، بإرادة الله التي لا رادَّ لها، طال الزمن أم قصُر.
ورغم أنه لم يرحل بغتة، بل هيَّأنا لذلك تماماً، إلا أنني أكذب، قطعاً، إن قلت إنني تجاوزت الصَّدمة، أو إن بمستطاعي تجاوزها في المستقبل القريب. إن بعض الفقد يُتْمٌ، ونُقُد، بالنسبة لي، لم يكن فقط قائدي السِّياسي والفكري الذي لطالما تشرَّفت، على مدى سنوات طوال، بالاصطفاف في النضال خلفه كواحد من عشرات الآلاف من الزملاء، بل كان أكثر من أخ أكبر، وأكثر من وليٍّ حميم، جمعتنا ذكريات كثيرة، مع أصدقاء مشتركين أوقن تماماً أن الأحياء منهم يقاسمونني، ولا بُدَّ، شجن الرحيل، وفداحة الخطب، ومرارة الإحساس الشَّخصي بالفقد، ويدركون، بوجه خاص، أطال الله أعمارهم، معنى كل حرف أذرفه، هنا، في ذكراه العطرة، وفي سيرته النضرة، على نواقص العبارة، وعلى قصور التَّعبير، بمثل ما ذرفت من دمع ربما لم أكن لأتصوَّر في أيِّ يوم أن بمقدوري أن أذرفه؛ جعل الله البركة فيهم، وفينا، وفي أهله، وفي الحزب، وفي السُّودان، ونسأله، جلَّ وعلا، أن يتغمَّده برحمته، وأن يلهمنا الصبر من بعده.
لكن نُقُد، من الناحية المعنويَّة، لم يمُت، ولن يموت، وما تلك محض حماسة لفظيَّة؛ فالرَّاحلون يخلدون بطيِّب الذكرى وجليل الأعمال، لذا، سيبقى الرَّاحل العزيز حيَّاً في إرث الحكمة والاستنارة الهائل الذي تركه، لا للحزب الشِّيوعي السُّوداني وحده، ولا للحركة الشِّيوعيَّة الإقليميَّة والعالميَّة فحسب، بل وللأجيال القادمة من السُّودانيين قاطبة، أولاداً وبنات، ليس في السِّياسة أو الفكر فقط، وإنما، أيضاً، وربَّما قبل كلِّ شئ .. في أفق القيمة الإنسانيِّة.
لقد كان، فوق كاريزميته التي بوَّأته مكانة عليَّة في قيادة الحزب والحركة الوطنيَّة، إنساناً بسيطاً، شفافاً، يتلألأ بقدر عظيم من المعني الإنساني الرفيع. كان يغالي في بغضه، لا ل “الملكيَّة الخاصَّة” فحسب، بل وحتى “الملكيَّة الشَّخصيَّة” المقبولة ماركسيَّاً! كان يحبُّ أن يهدي أشياءه على بكرة أبيها، ولا يطيق أن يحتفظ لنفسه بشئ أبداً! أهداني، مرَّة، ساعة يد، وعندما أهديته، بالمقابل، ساعة جيب سارع إلى إهدائها هي الأخرى. وبعث إليه أمين مكي، عن طريقي، بباقة قمصان أنيقة من غزة، فأهداها كلَّها! ولدى زياراته الرَّسميَّة لبعض البلدان تغدق عليه الهدايا، فلا يهدأ له بال، عند عودته، حتى يوزِّعها جميعاً .. وهكذا! كان بلا شبيه، تقريباً، على هذا الصعيد!
كانت نفسه الكبيرة تذخر بفيض دافق من الرِّقة والحنان؛ وكان يكفيك، كي تلمس شيئاً من ذلك، أن تسمعه يحدثك، هاشاً، وعيناه تبرقان بذلك الشَّغف العجيب، عن بعض الأماكن، كالقطينة أو حلفا أو مدني أو حنتوب، أو يذكر، بتقدير كبير، أصدقاء له من غمار الناس على عهدي الطفولة والصِّبا الباكر، أو يجترُّ ذكريات بعيدة، سواء مع أهله، وفيهم، بالأخص، أخوات وخالات وعمات كان يترفق بهنَّ، ويعطف عليهنَّ، وقد بكينه بدمع الدَّم، أو مع زملاء قدامى يناضلون بتواضع جمٍّ، كما الجنود المجهولون، في قواعد الحزب. وقد يندهش الكثيرون إذا عرفوا أنه، على مبدئيته الصَّارمة، لم تكن له، مع أحد من الناس، عداوة لأسباب خاصَّة، مطلقاً، ولم يكن يبغض إنساناً، قط، في المستوى الشَّخصي .. ولا حتى جعفر نميري الذي بقي يطارده بالموت طوال أنضر سنوات عمره!
هاتفته، ذات مساء، أنقل إليه خبر وفاة أحمد سليمان المحامي، ومعلوم، بالطبع، أن المرحوم أحمد كان ضالعاً، فكريَّاً وسياسيَّاً، في الانقسام الأشهر الذي كشف ظهر الشيوعيين، أواخر ستينات ومطالع سبعينات القرن الماضي؛ مع ذلك لمست حزناً صادقاً عليه لدى نُقُد الذي طلب مني، على الفور، أن انتظرهما، هو وشقيقه سيِّد، لنذهب معاً للمشاركة في التشييع! وفي منطقة أبوروف، حيث منزل المرحوم أحمد، كانت الكهرباء مقطوعة، ذلك المساء، والظلام دامساً، لكن صديقنا القديم عثمان النصيري، صهر المرحوم أحمد، ما لبث أن تعرَّف علينا، فأحسن استقبالنا، ودلَّ علينا الأقارب الآخرين فهبُّوا يتلقون عزاءنا، وإنْ هي إلا لحظات حتى انساب الخبر إلى داخل الدار، فخرجت إلينا السَّيِّدة نعيمة بابكر، أرملة المتوفي وابنة عمه، في جمع من نساء العائلة، يتلقين، بدورهنَّ، العزاء من نُقُد ومرافقيه؛ ثم مشينا خلف الجُّثمان إلى مقابر أحمد شرفي، فكان الناس يتزاحمون لتحية نُقُد ومصافحته، ولسان حالهم يقول: “عشت أيَّها الرَّجل الكبير”! كان الجَّميع منفعلين بذلك المعنى الإنسانيِّ العظيم، الموقر، بوجهٍ خاصٍّ لدى شعوبنا بمختلف قبائلها وتكويناتها القوميَّة، حين يهون، في مشهد الموت، كلُّ خلاف دنيويٍّ مهما كان، ولا يعود حاضراً، ساعتئذٍ، سوى فداحة الفقد، وحسن الاستغفار، والترحم.
وعلى شدة الصراعات السياسية التي خاضها نُقُد فإنك لن تجد من يقول لك إنه سمعه، يوماً، أو رآه يعنِّف إنساناً، مثلاً، أو يتجهَّمه، لسبب شخصي، رغم أن تلك الانفعالات، في رأيي، قد تمثل، أحياناً، تنفيساً تلقائيَّاً مشروعاً عما يعتمل في الصَّدر من مشاعر ضاغطة تكاد تشقه نصفين! كما وأن ثمَّة، في هذه الحياة، من يستحقون، بالفعل، تفجير شئ من هذه الانفعالات في وجوههم، خصوصاً لما يتَّسم به سلوكهم من وضاعة وكذب ورياء ونفاق! سوى أن نُقُد، برغم شدَّة مقته لمثل هذه المثالب، كان لا يكاد يستوقفه شئ منها إلا حين كان يمسُّ قيمة من قيم العمل العام، أما ما كان يمسُّه في المستوى الشخصي، فإنه سرعان ما كان يتجاوزه، ويمرُّ به مرور الكرام، بل ويضرب عن سفالات أصحابه صفحاً جميلاً هو إلى التجاهل أقرب، خصوصاً من كان يتعمد منهم الإساءة إليه وإيذاءه وتجريحه! كان حمولاً، صبوراً، جلداً، يستعين على المكاره بحكمة مشهودة في تفجير طرائف يعممها فتهدي، ولا يخصصها فتؤذي!
على أن شيئاً من ذلك كلِّه لا يعني، البتّة، أنه لم يكن لديه رأي سالب في أحد، فمجال السِّياسة نفسه الذي سلخ فيه عمراً بأكمله، هو، بطبيعته، مجال صراعات تكاد لا تهدأ. ونقد بشر وليس ملاكاً. لذا كان لديه، بطبيعة الحال، رأيه السَّالب في كثيرين، وفي كثيرات، وفي أمور شتَّى! مع ذلك، كان دائم النَّأي بنفسه عن الاشتغال بالفارغة! كان يزعجه، مثلاً، الابتذال حدَّ إثارة إحساسه بأقصى درجات القرف! لكنه كان يغالب النفس، ويأخذها بالشِّدة والمراقبة الصَّارمة، فلا يغادر جانب الموضوعيَّة أو عِفَّة اللسان، قط، في تعبيره عن وجهة نظره، مما ظلَّ ينأى به عن غثِّ القول، دون تفريط في قيمة النَّقد الصَّريح والمبدئي، بعيداً عن المجاملات الفجَّة والترضيات المجَّانيَّة؛ على أنه كان أميل ما يكون، في العمل العام، إلى مزاج العفو دون إهدار للحقِّ، وأبعد ما يكون عن مشاعر الثأر بلا تفريط في العدل، ولعلَّ هذا ما يفسِّر حماسته الكبري لفكرة “العدالة الانتقاليَّة” المفضية، حال اكتمال أشراطها، وعلى رأسها الكشف عن “الحقيقة” وإشاعتها، إلى تطييب النفوس، وإبراء الجِّراح، وإفساح المجال، من ثمَّ، للتَّسويات والمصالحات التَّاريخيَّة التي من شأنها فتح الأبواب على مصاريعها أمام إعادة صياغة الدَّولة والمجتمع بشكل إيجابي؛ وليس صدفة أنه خصَّ دعوته إلى ذلك بجانب غير يسير من خطابه الشهير أمام الجَّلسة الافتتاحيَّة لمؤتمر الحزب الخامس!
(2)
وعلى كثرة ما كان يتَّسم به الرَّاحل العزيز من صفاتٍ طيِّبة، فإن المُرونة ونفاذ البصيرة تكادان تشكلان السِّمَتَين الأكثر بروزاً في شخصيَّته .. كان مرناً جدَّاً لدرجة أن طرفيه قد يلتقيان .. دون أن ينكسر قط! وكانت له بصيرة نافذة بشكل مدهش، وربما يكفي أن نذكر دعوته الباكرة إلى “مشاكوس أهلي” حول دارفور، والتي كان قد طرحها في أوَّل وآخر حوار له في ظروف اختفائه، وكان أجراه معه الأستاذ عمر العمر لصحيفة “البيان” الإماراتية، وذلك عقب توقيع بروتوكول مشاكوس عام 2002م، في وقت لم يكن أحد قد انتبه بعد لوجيب الجلجلة في دارفور، والذي ما لبث أن استحال إلى حريق شامل، بعد وقت قصير من جرس الإنذار ذاك الذي أهمِل للأسف!
كانت لديه، دائماً، حياتان: إحداهما “تحت الأرض”، حسب المسكوكة الشَّعبيَّة الرَّائجة، وذلك كلما حزب أمر الشُّموليَّة، واضطره للاختفاء اضطراراً، لا اختياراً كما يشيع البعض تنطعاً! ولأن حياة “المخابئ السِّياسيَّة” عادةً ما تكون محفوفةً بالمخاطر، فإن أكثر ما كان يشغله، في هذه الناحية، هو صون أسرار الاختفاء، وعدم السَّماح لكائن من كان بالاقتراب منها! جهة واحدة كانت، بطبيعة الحال، تشكل، افتراضاً، الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة الصَّارمة، هي الجهة الحزبيَّة الموكل إليها أمر تأمينه!
بعد وقت قصير من عودتي من الدِّراسة في الاتحاد السُّوفيتي عام 1973م، تمَّ تكوين المكتب المركزي للفنَّانين والأدباء الشِّيوعيين، فألحقتُ به تحت المسئوليَّة السِّياسيَّة المباشرة للزميل الصديق عبد الله علي إبراهيم. ومن ثمَّ بدأت علاقتي بنُقُد الذي وجدته شديد الاهتمام بذلك المكتب، وبالإسهام في عمله. ولأسباب تأمينيَّة كان يواصلنا، في الغالب، عبر عبد الله الذي كان “موظفاً” في الحزب، ضمن حلقة الكادر المتفرِّغة للعمل “تحت الأرض”، أو “الأفنديَّة المضادين” بمصطلح عبد الله نفسه! كان نُقُد يبعث إلينا بملاحظاته كتابة، في قصاصات ورقيَّة متناهية الصِّغر، وهي العادة التي لازمته، لاحقاً، حتى في ظروف العلن! ولئن كنا نخصُّه هو بالذكر، هنا، فإن هذه العادة قد لازمت، في الواقع، كلَّ الكادر السِّري للحزب على مدى عشرات السِّنين؛ ولو أن كلَّ الناس اقتصدوا في استخدام الورق كما ظل يفعل هؤلاء، لحُفظت غابات كثيرة حول العالم!
كنا نحاوره، ونعقب على ملاحظاته، بذات الطريقة. وكان أكثر ما يبهرني في تلك الملاحظات، ليس فقط عمقها المعرفي والأيديولوجي، أو دقة إلمامها بقضايا الفنِّ والأدب، وإنما الطاقة التي كان يبذلها الزميل “الخير” أو “عبد الرحمن”، وتلك بعض الأسماء الحركيَّة التي كان الرَّاحل يتكنَّى بها في مختلف الفترات، وذلك في حمله لهموم هذه الجَّبهة، وسط كلِّ مشاغله الأخرى، ودأبه على العناية بمن كان يسمِّيهم، تحبباً، “قَبور المبدعين” بفتح القاف أي أولئك الذين لم تقو أجنحتهم، بعد، على الطيران البعيد؛ وكان يبذل تلك الطاقة، ويحمل تلك الهموم، ويبدي تلك العناية، مع أن ظروفه كانت، في مجملها، غير مواتية، ومشاغله بالغة الخطورة في قيادة معارك الحزب الجريئة مع سلطة مايو، والعهد كان لما يزل قريباً بيوليو 1971م، وما أدراك ما يوليو 1971م، وطيوف أجساد الرِّجال القتلى، من قادة الحزب والحركة العماليَّة والضباط الأحرار، إما مدلاة تتأرجح على أعواد المشانق، أو مثقوبة بالرصاص يعبرها الهواء، كالغرابيل، في ساحات الإعدام الحربي! مع ذلك، كان الرَّاحل، وهو الرَّأس الأوَّل المطلوب للإعدام، يخصِّص جزءاً من وقته الثمين ليعالج معنا، بجديَّة تامَّة، قضايا الإبداع والمبدعين!
كان الرَّاحل العزيز مشغولاً، دائماً، وعلى نحو مخصوص، وفي كل الظروف، بفتح آفاق جديدة لتطوير موقف الحزب من موضوعتي “الدِّين” و”الدِّيموقراطيَّة”، بالذات، من زاوية سودانويَّة محضة، ارتقاءً بالنَّهج الذي كان أرساه الشَّهيد عبد الخالق في “الماركسيَّة وقضايا الثورة السُّودانيَّة” عام 1967م، فضلاً عن الوجهة التي اختطتها اللجنة المركزيَّة، في عامي 1977م 1978م، عبر وثيقتيها التاريخيَّتين: “الدِّيموقراطيَّة مفتاح الحل”، و”جبهة للدِّيموقراطيَّة وإنقاذ الوطن”، واللتين أسهم الرَّاحل بقدح معلَّى في صياغة أفكارهما الأساسيَّة. كما تسطع في الذاكرة، أيضاً، عودة الرَّاحل للانشغال، تحت أكثر الظروف تعقيداً، بحلِّ المشكلات التي جابهت مكتب الأدباء والفنَّانين، قبل وبعد الانتفاضة، وكذلك في عقابيل نيفاشا. لقد ظل نُقُد، حتى آخر نفس في صدره، وآخر نبضة في قلبه، شديد الثقة في الدور الذي يلعبه الإبداع في بلورة الوعي الثوري، ودفع الجَّماهير باتجاه فعل التَّغيير؛ وللعجب، فقد عاد هذا الإبداع، عند وفاته، ليلعب دوراً تعبويَّاً ثوريَّاً مشهوداً في مهرجان تشييعه هو نفسه إلى مثواه الأخير .. فتأمَّل!
الحياة الأخرى التي عرفتها لنُقُد كانت في العلن، حيث أتيح لي، بعد انتفاضة أبريل 1985م، وكذلك خلال السنوات الماضية، أن أقترب منه أكثر، عبر محاورات حزبيَّة وديموقراطيَّة عميقة ومباشرة بمشاركة آخرين، على عدَّة جبهات فكريَّة. وكان ذلك على فترتين: أولاهما على أيَّام الدِّيموقراطيَّة الثالثة، وما أقصرها، وقد كان الراحَّل يعتبرها، دائماً، محض “استراحة محارب”، فلم يغفل، لحظة، عن الانشغال بتهيئة نفسه، والحزب من خلفه، لجولة جديدة من المعارك مع شموليَّة كان يراها قادمة من وراء الحُجُب، ولطالما نبَّه إليها، وحذر منها، ملتزماً في ذلك بوسائل وأساليب العمل السِّياسي وحدها .. وقد أسمع لو نادى حيَّاً! أما الفترة الأخرى فقد انقسمت، بدورها، إلى فترتين: أولاهما هي التي قضاها في الإقامة الجَّبريَّة، تحت حراسة فيالق الأمن، منذ خروجه من السجن عام 1990م، وإلى حين عودته .. “في غفلة رقيبه” إلى “تحت الأرض” عام 1994م، رغم أن قرار الحزب كان يقضي بعدم اختفائه حال وقوع أيِّ انقلاب، حتى لو أدَّى ذلك إلى اعتقاله لبعض الوقت، وهذا ما يفسِّر كونه الوحيد بين القادة السياسيين الذي وجده رجال الأمن بانتظارهم، فجر الثلاثين من يونيو، وحقيبته جاهزة للمعتقل! وما السبب، كما قال لي، في اضطراره للعودة إلى “تحت الأرض”، خلافاً للمتفق عليه، سوى حالة الخطر القصوى التي هددت بها تحركات المرحوم الخاتم عدلان، أوان ذاك، وحدة الحزب وتماسكه التنظيمي! أما الفترة الثانية فقد أعقبت قرار اللجنة المركزيَّة الصادر في دورة انعقادها بتاريخ يناير 2005م، في عقابيل توقيع اتفاقيَّة السَّلام في 9 يناير من ذلك العام، بإنهاء اختفائه، تاركة له وحده أن يقرر متى وكيف ينفذ ذلك القرار. وقد اختار بالفعل ملابسات صدور الدُّستور الانتقالي في مايو 2005م تاريخاً للخروج إلى العلن.
هذه الواقعة تستدعي إلى الذِّهن ما كان “أشيع” عن خرافة “زيارة مفاجئة” قام بها الفريقان قوش وعطا لمخبئه هي التي أنهت اختفاءه! سوى أن الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنه هو من حدَّد بنفسه، وبمحض إرادته، تاريخ وطريقة تنفيذ قرار الحزب بإنهاء اختفائه، بل وشرع، فعليَّاً، في تنفيذ خروجه التَّدريجي إلى العلن، خلال الثلث الأول من 2005م، عبر تحرُّكات كان يقوم بها في وضح النَّهار، وفي ظروف المتغيِّرات التي رتبتها نيفاشا.
لم يكن من غير المتوقع، بطبيعة الحال، أن تلفت تلك التحرَّكات العلنيَّة أنظار عامة الناس، وبالضرورة أنظار الأمن أيضاً، حيث أضحى محل استفهام كبير المنزل الذي كان هو في حالة انتقال علني منه إلى بيت الأسرة، فكان أن هرع إليه تيم من الأمن، أبلغ لاحقاً إلى قمَّة الجهاز، ليخفّ إلى هناك أيضاً الفريقان قوش وعطا، تصحبهما كاميرات التلفزة، بغرض الإيحاء بأن الأمن قد اكتشف مخبأ الرجل، فسجل “زيارة” له وُصفت، ضمن “شهادة زور” الأجهزة الإعلاميَّة، بأنها كانت “مفاجئة”!
لكن ذلك لم يكن صحيحاً، البتة، فلا نُقُد كان مختبئاً، وقتها، ولا المكان نفسه عاد مخبأ، أصلاً، منذ شروع الرَّاحل العزيز في تنفيذ انتقاله منه إلى منزل الأسرة. وربما كان أبلغ دليل على ذلك أنه، عندما لاحظ الجَّلبة التي أثارتها عناصر الأمن حول ذلك المنزل، قبيل وصول السَّيدين قوش وعطا، خرج يخاطبهم قائلاً:
“يا جماعة ما في لزوم لكل الضَّجة دي؟! أنا نُقُد سكرتير الحزب الشِّيوعي .. كنت مختفي وهسِّي ما مختفي”!
ولو أن السَّيدين قوش وعطا تأخرا ساعتين فقط، لكانا اضطرا لأن يكتبا على الباب الخارجي عبارة “حضرنا ولم نجدكم”، لسبب بسيط هو أن عملية نقل آخر دفعة من متعلقات نُقُد وكتبه من ذلك المنزل كانت ستكون، وقتها، قد اكتملت، وما كانت، بالتالي، ستعود به حاجة للرجوع، مرَّة أخرى، إلى ذلك المكان!
إن أكثر ما يحيِّرني، حقاً، هو إبقاء قيادة الحزب هذه الحقيقة طيَّ الكتمان، طوال السَّنوات الماضية، ونهباً، بالتالي، للمغالطات والتزوير، بل والطمس، في نهاية المطاف، تاركة الأمن يرتع في مراعي “نصره” المجانيِّ غير المستحقِّ ذاك!
(4)
عبارة “حضرنا ولم نجدكم” نسبت، صحفيَّاً، إلى نُقُد، بمناسبة أنه كان الوحيد من بين زعماء أحزاب المعارضة الذي وصل، في الموعد المضروب بالضبط، إلى ميدان أبو جنزير، بوسط الخرطوم، للمشاركة في قيادة مظاهرة ضد النظام كانت حددتها تلك الأحزاب نفسها، في أحد أيام العام 2011م، وبعد أن طال انتظاره لحضور بقية الزعماء بلا جدوى، تناقلت الصحف، في اليوم التالي، صورة له، حاملاً لافتة كتبت عليها تلك العبارة! وبصرف النظر عما إذا كانت الصورة واقعيَّة أم افتراضيَّة، فإنها تذكر بما عرف عن نُقُد من قدرات مشهودة في مزج آراءه بقدر وافر من الطرافة الذكيَّة!
في مطار الخرطوم، ونحن بانتظار وصول جثمانه فجر ذلك الأحد الحزين، الخامس والعشرين من مارس 2012م، همس صديقي محمد المهدي عبد الوهاب في أذني، ونحن نتعانق ونكاد نشرق بالدمع السخين:
“كان يَودُّك كثيراً، يا كمال، ويذكرك، دائماً، بالخير، وقد قال لي، مرة، عندما أخبرته بأنني ذاهب إليك: أوع تكون من نوع الناس البيمشوا ليهو يزعلوه ويرجعوا زعلانين منّو”!
فانخرطنا في الضَّحك، للغرابة، وسط دموعنا المدرارة! هكذا كان نُقُد، دائماً، ابن طرفة بامتياز، يتتبَّع المفارقة، ويستلها من حيث لا يتوقع أحد، ومن بين أكثر المواقف والأحاديث جديَّة.
جاءنا، مرَّة، في البيت، بادي الإرهاق، يتصبَّب عرقاً، والوقت منتصف الظهيرة، والدنيا صيف، والحرُّ شديد، فوقف متكئاً على الباب، قبل أن يدخل، وطلب، بلسان طبشوري، أن نلحقه بكوز ماء مثلج، وعندما أسرع أولادي به إليه اجترعه، نفرةً واحدةً، كاتِماً أنفاسه حتى آخر قطرة، ووضع الكوز عنه، وهو يلهث، ويمط الحروف مطاً قائلاً:
“لا إله إلا الله .. محمد رسول الله”
ثم ما لبث أن انتبه، فجأة، فالتفت إلىَّ قائلاً:
“بالله شوف ياخينا .. نتشهد في اليوم الواحد ألف مرة .. وبرضو يقولوا ليك .. ملحدين”!
فانفجرنا جميعاً بضحك مجلجل!
(5)
في كتابي “الشِّيوعيون والدِّيموقراطيَّة في السُّودان” ألمحت إلى أن مسألة الدِّين هي واحدة من أعقد المعضلات التي تجابه الحزب؛ وفي كتابي الآخر الموسوم ب “عتود الدولة: ثوابت الدِّين أم مُتحرِّكات التَّديُّن”، عرضت، باستفاضة، لمسألة الموقف من الدِّين في فكر وبرنامج الحزب الشِّيوعي “السُّوداني”، في المستوى المؤسِّسي الرَّسمي، كما في المستوى العقدي للشِّيوعي “السُّوداني” المتوسِّط reasonable communist. وقد يلزمني أن أنوِّه، هنا، بأنني وضعت كلا هذين الكتابين بتحريض وإلهام مباشرين من الرَّاحل العزيز. لكنني، في الحقيقة، وبالنسبة لموضوعة الدِّين، لم أكشف عن جديد، بقدر ما حاولت أن أعمِّق رؤية سبقني إلى التعبير عنها الكثير من قادة ورموز الحزب، كحسن الطاهر وفاطمة أحمد والرشيد نايل والقدَّال، كما عالجها، بالأخص، الشَّهيد عبد الخالق عام 1967م، وأنْ أؤكد على أنَّ الشِّيوعيين “السُّودانيين” ليست لديهم، في هذا الشَّأن، عصا مرفوعة وعصا مدفونة، وأنَّ ما يراه الناس منهم في العلن هو ذات ما يمارسون داخل حزبهم؛ فمهما نقبت في أدبيَّاتهم، منذ الحلقات الماركسيَّة الأولى مع نهايات الحرب الثانية، قبل التأسيس الرَّسمي لحزبهم صيف 1946م، فإنك لن تجد أثراً ولو طفيفاً لأي إلحاد؛ بل، على العكس، ستجد نقداً صريحاً، في ذلك الوقت الباكر، لتبنِّي الإلحاد في التجربة السُّوفيتيَّة، ويمكن لمن شاء التماس خبر هذا النقد ضمن رسالة محمد نوري الأمين للدُّكتوراه.
الشَّاهد .. ليس ثمَّة إلحاد داخل الحزب، ونظريَّة الإلحاد نفسها تكاد تكون أكثر الجوانب التي لم يحفل بها الشِّيوعيون السُّودانيُّون في الماركسيَّة، لا في المستوى المؤسَّسي ولا في المستوى الشَّخصي لدى أغلبيَّتهم السَّاحقة. صحيح أن الحزب لا يتدخل في تديُّن أعضائه، تماماً كسائر مؤسَّسات المجتمع المدني، فهو رابطة نضاليَّة اختياريَّة بين أناس تجمع بينهم رؤية عامَّة مشتركة للوطن وشعوبه ومستقبل التَّساكن بينها على أصعدة الاقتصاد والاجتماع والثقافة والتَّنوع الدِّيني والإثني واللغوي وما إلى ذلك، تأسيساً على نهج من العدالة الاجتماعيَّة التي تستهدف الارتقاء إلى الاشتراكيَّة؛ أما في ما عدا ذلك فإن توقير الدِّين واجب لدى الشِّيوعيين؛ وقد تصرَّمت عهود طوال مذ أضحت هذه الحقيقة “فولكلوراً” شائعاً، وصار معلوماً للجَّميع، إلا من أبى واستكبر لأغراض سياسيَّة ضيِّقة، أن لدينا في الحزب، مثلنا مثل سائر الأحزاب السِّياسيَّة، أعضاء مسلمين قد لا يكونون ملتزمين بعباداتهم كما ينبغي؛ غير أن ذلك ليس مدعاة لرميهم بالإلحاد ضربة لازب، كما وأن سببه ليس وجودهم في الحزب، فلدينا أيضاً، وفي نفس الوقت، من أصغر الفروع إلى قمَّة اللجنة المركزيَّة والمكتب السِّياسي، من توقف الاجتماعات لتمكينهم من أداء الصَّلوات، ومن يحجُّون إلى بيت الله الحرام، ومن يرتِّلون القرآن بأصوات حسنة، ومن يرعون مساجد ابتنتها أسرهم، وهلمجرّا. ذلكم هو الحزب الذي كان يقوده نُقُد، والذي قاده، قبله، الشَّهيد عبد الخالق، وقد قلنا هذا الكلام، بدل المرَّة ألف مرَّة .. لكن من يسمع ومن يعقل؟!
والحقيقة أننا لا نحتاج، في هذا الجَّانب، لدعاية سياسيَّة، بقدر ما نحتاج لمنازلة فكريَّة صارمة؛ فالذين يرمُون الشِّيوعيين السُّودانيين بالإلحاد، كبُرت كلمة تخرج من أفواهِهم، لا يهمُّهم، في الواقع، الذَّود عن حياض الدِّين، كما يزعمون، بل الذَّود، فحسب، عن مصالح اقتصاديَّة تخصُّهم، ومواقع سياسيَّة يتشبَّثون بها مخلباً ونابا! إنهم يخوضون حرباً شرسة ضد الحزب لا لأنهم موقنون، في قرارة أنفسهم، بإلحاده، بل لأن سياساته تهِّدد هذه المصالح والمواقع؛ لذا تراهم لا يتورعون عن استخدام أي سلاح في هذه الحرب، بما في ذلك الدِّين الذي يستغلونه كأبشع ما يكون الاستغلال لخداع جماهير الفقراء، بتصوير الحزب، في أوساطها، كحزب معادٍ للدِّين، وسوقها، من ثمَّ، كالقطيع في اتجاه مضاد لمصالحها الاجتماعيَّة والوطنيَّة! لقد أضحت تلك المسألة مفضوحة إلى حد كبير عبر مسالك الصراع المحتدم في بلادنا منذ الاستقلال.
مؤخَّراً جرت محاولات متهافتة لدمغ نُقُد، شخصيَّاً، بالإلحاد، حتى بعد وفاته! وتلك محض شنشنة مكشوفة، وتخرُّص جبان سببه المباشر، في رأيي، أن البعض أفزعهم مشهد التشييع المهيب وغير المسبوق الذي أحاطت به الجَّماهير جثمانه، بمن فيهم الجَّماهير المسلمة! وبالحق، لو أن القمر ينشقُّ لموت إنسان، أو تحترق الشمس حدَّ التفحُّم، أو تنقذف حمم البراكين من جوف الجبال الرَّاسيات، أو تزلزل الأرض زلزالها، وتخرج الأرض أثقالها، وتميد، كترب الجروف الرَّخو، تحت الأقدام، لوقع ذلك كله ساعة دوَّى النبأ المروِّع، ينقل نعيب البوم ونعيق الغربان نذير شؤمه الكالح، كما سجم الدَّواك، عبر المحيطات والغابات والصحاري، من العاصمة البريطانيَّة إلى السودانيين حيثما كانوا، أن اسمعوا وعوا .. لقد كتب على وطنكم المرزوء، أصلاً، بالفقد الجَّلل، وبالموت الكثيف، أن يفتقر، منذ الآن أيضاً، ضغثاً على إبالة، إلى أحد أبرز حكمائه، قاطبة، وأشجع فرسانه طرَّاً، وأصلب قادته بلا منازع!
هو الفزع والرُّعب، إذن، من ذلك الإجماع على الرَّاحل العزيز، ما دفع المتخرِّصين إلى تخرُّصهم، وإلا فإن نُقُد لم يكن مُلحداً على الإطلاق، بل كان، على العكس، متديِّناً بالفطرة! وليت أئمَّة الفتنة هؤلاء، ممن يكفِّرونه بجهالة، ويكفِّرون الشِّيوعيين السُّودانيين عامة، يدركون القدر من الغبن الذي يستشعره من يُرمى بالكفر وهو ليس بكافر، أو حتى بالمجاهرة بالمعاصي وهو ليس كذلك! وتحضرني، بهذه المناسبة، حكاية مهمَّة، والكلام يجرُّ الكلام، فرغم أن الرَّاحل كان، في العادة، ممهولاً، وذا بال طويل جدَّاً، إلا أنه بدا، ذات مرَّة، رغم الهدوء الظاهري، مستفَزَّاً وغاضباً إلى أقصى حد؛ وذلك عندما استضافته قناة النِّيل الأزرق كمرشَّح لرئاسة الجُّمهوريَّة، فانبرى له صحافي غِر يسأله، بكل قلة حياء، إن كان يصلِّي! فما كان منه إلا أن أجابه فوراً، وسط دهشةِ الجَّميع: “أنا الآن لا أصلِّي”! بعدها بيوم أو يومين عبَّرت له عن دهشتي لردِّ فعله الحادِّ على غير العادة، فقال: “يا أخي ماذا تتوقع منِّي عندما أرى صبيَّاً كان يمكن أن تلده ابنة لي في آخر بطونها، وهو يحاول أن ينصب لي محكمة تفتيش بعد كل هذا العمر! لقد كنت مدركاً أن البرنامج مبثوث على الهواء مباشرة، فرغبت أن أعطيه درساً على رؤوس الأشهاد بأنني لا أخاف ممن يحاول التفتيش في ضميري، فإذا كان يريد تلك الإجابة بالذات فليأخذها، ولينظر إن كان الناس يصدِّقون”!
في ما بعد، لاحظت، بالفعل، أن المسلمين السُّودانيين العاديين تحلوا، إزاء تلك الواقعة، بقدر عال من الذكاء جعلهم يتفهمون ردَّ فعل نُقُد، ويقدِّرون دواعي غضبته، الأمر الذي عصمهم من أن يأخذوا إجابته الغاضبة تلك على وجهها الحَرفيِّ المباشر، بل لعلَّ ذلك الصحافي الغِر نفسه بات خجلاً من سؤاله الأخرق!
ولكم ماثلت كلمة نُقُد في واقعة التلفزيون تلك، كلمته القديمة التي كان ألقاها أمام الجمعيَّة التأسيسيَّة، يوم أقدمت، بفرية الإلحاد، على تعديل الدستور، عام 1965م، لحلِّ الحزب، وطرد نوَّابه منها، وكان هو أحدهم، حيث قال: “لسنا ملحدين، ولا نقول ذلك عن خوف، فلم نتعلم الخوف في الماضي، ولسنا مستعدِّين لتعلمه الآن”!
كثيرون تساءلوا، يوم التشييع، عن علاقة نُقُد بالطريقة الإدريسيَّة، على خلفيَّة إمامة أحد سادتهم الصلاة على جنازته. لقد كانت تلك، في الحقيقة، بعض وصيَّته لشقيقته فائزة وشقيقه عبد الله، عندما أحس بدنوِّ الأجل في لندن. وقد لا يعلم الكثيرون ثلاثة أمور بالغة الأهميَّة في توضيح هذه المسألة: أولها أن علاقة الرَّاحل بالسَّادة الأدارسة هي بعض إرث عائلته، فاسم شقيقه “سيِّد”، مثلاً، هو “سيِّد أحمد نُقُد”، تيمُّناً بالسَّيِّد أحمد الإدريسي؛ وكان الرَّاحل يوقر ذلك الإرث، فيحرِّص على علائقه تلك بالسَّادة الأدارسة الذين كانوا يبادلونه محبَّة خالصة؛ وأذكر أنه عرَّفني بالمرحوم الدُّكتور عبد العال الإدريسي، اختصاصي الأمراض النفسيَّة والعقليَّة، عندما احتجت لاستشارته في بعض شأن مهني، قبل أن يشقّ علي نبأ مصرعه الفاجع في حادث حركة مشؤوم بطريق بحر ابيض؛ أما الأمر الآخر فهو أن علاقات الراحل تلك بالسادة الأدارسة لم تنقطع حتى وهو على شفا الموت بلندن، فقد كان خطه الهاتفي مع السَّيِّد المجدِّد الإدريسي، بالذات، ساخناً طوال الوقت، وكان الأخير يسأل مطوَّلاً عن صحَّته، وكان الرَّاحل يطيبُ نفساً بذلك الاهتمام؛ وقد انتدب السَّادة الأدارسة الدُّكتور التَّازي الإدريسي ليصلِّي عليه تنفيذاً لوصيَّته. وأما الأمر الثالث فهو أن الرَّاحل كان، حتى وفاته، منشغلاً بوضع مؤلَّف ضخم في التصوُّف السُّوداني؛ وعندما كنا نفكر سويَّاً في إنشاء مركز للدِّراسات والبُحوث، بعد أن يفرغ هو نهائيَّاً من عمله كسكرتير عام للحزب، وفق ما كان يعتزم قبل المؤتمر الخامس، كان يقول لي متحسِّباً: “أبعدني فقط عن أي شأن إداري ريثما أكمل كتابي عن التصوّف في السُّودان”.
اهتمام الراحل بالتصوُّف كان نابعاً من اهتمامه الأصيل بحقائق الحياة السُّودانية الواقعيُّة، لا المتوهَّمة، والتي كانت أجندته المستقبليَّة تشمل الكثير منها، في إطار انشغاله العام بالتطبيق الخلاق للماركسيَّة على واقع بلادنا؛ وغاية أملي أن يسهُل العثور على تلك المخطوطة القيِّمة، ليُعهد بها إلى مختصين أمناء يعكفون على تحرير الأجزاء المكتملة منها وإصدارها.
(6)
كانت لنُقُد، خارج العمل السِّياسي المباشر، اهتمامات أخرى كثيرة، في حالي الخفاء والعلن، فهو لم يكن أبداً إنساناً ذا بُعد واحد؛ كان يعشق “البستنة”، مثلاً، وقد اتخذ في كل مسكن حلّ به، ولو لبعض الوقت، بستاناً صغيراً، يحيطه ببضع شجيرات، وينمِّي فيه بعض الأزاهير، ويحدِّد حوافه بالنَّعناع عميق الخضرة، أو الرَّيحان فوَّاح الرَّائحة؛ ولأنَّه لم يكن نؤوم ضحى، فقد كان يستقطع من صباحاته الباكرة وقتاً معلوماً يقضيه، إلى جانب القراءة والكتابة، في تعهُّد تلك البساتين بالعناية تشذيباً وسقيا، وقد قال لي، مرة، إن ذلك يعينه على التركيز.
وأذكر، على أيام الديموقراطيَّة الثالثة (1985 1989م)، أنني كثيراً ما كان يحلو لي أن أزوره في تلك الصَّباحات الباكرة، أشرب معه القهوة على حافة بستانه الصغير النَّضير، وأمتع النفس بمؤانسة ذات مذاق خاص؛ وكان مما يضاعف المتعة أن ألفى معه صديقنا المشترك المرحوم علي المك، ولك أن تتصور ما كان يدور في تلك الجلسات من مؤانسات عفويَّة شائقة. وكان كلا الرَّجلين عاشقاً شغوفاً للغناء السُّوداني، ليس تلقياً فحسب، وإنما أداءً أيضاً، ومن لم يسمعهما يترنَّمان ب “غضبك جميل زي بسمتك”، سواء في الصَّباحات الباكرة، أو المساءات الرَّائقة، فقد فاته، بالحقِّ، شئ كثير، عليهما رحمة الله ورضوانه؛ وبوقوع انقلاب يونيو، ورحيل علي المك، ثمَّ رحيل نُقُد مؤخَّراً، لم يتبقَّ من تلك الأشياء الصغيرة العزيزة سوى طيِّب الذكرى.
إلى ذلك كان نُقُد قارئاً ومنتجاً دؤوباً في مختلف حقول المعرفة، خصوصاً الفلسفة والاقتصاد والتَّاريخ والاجتماع والأدب والمسرح وعلم الثورة، وله من ثمرات إنتاجه الكثير، أبرزها مؤلفاته في واقع الهمِّ السُّوداني، كالرِّق، والدِّيموقراطيَّة، والدَّولة المدنيَّة، ومتغيِّرات العصر، وعلاقات الأرض، فضلاً عن محاورته العميقة للشَّهيد حسين مروة حول النَّزعات المادِّيَّة في الفلسفة العربيَّة الإسلاميَّة؛ حيث لم ينزع، في أيٍّ من هذه الأعمال، إلى دارج القول أو مكروره، بل زانها برصين الفكر وطارفه، إلى نصاعة الدِّيباجة، وطلاوة العبارة، وسداد المصطلح، استخداماً وسكَّاً.
كان نُقُد، أيضاً، محبَّاً للشِّعر، ويقيني أنه لو لم تشغله هموم القيادة السِّياسيَّة اليوميَّة لكان شاعراً لا يُجارى، ودونك شواهد كثر من صياغاته التي تتخلل شعريَّتها حتى أسلوبه العلمي! وكانت لديه آراء نقديَّة مدهشة في الإبداع، عموماً، يؤسِّسها على الفلسفة وعلم الجمال، كما كانت له ذائقة فنيَّة رائعة. وكان ملمَّاً بحركة الغناء في السُّودان، وإلى حدٍّ كبير بحركة التَّشكيل، كما كان مستوعباً لمساحات واسعة من القصيدة الجَّاهليَّة، والأمويَّة، والعبَّاسيَّة، والأندلسيَّة، والشِّعر الأجنبي، والسُّوداني. لم يكن يتحيَّز إلى مغنٍّ بعينه، وإنما كانت تطربه، بذات القدر، أغنيات لمغنين كثر، من كرومة وسرور والأمين برهان والكاشف، إلى وردي وعركي ومصطفى سيد احمد وعصام محمد نور؛ كما لم يكن منحازاً لشاعر محدَّد، بل كان يتذوق الفيتوري وشكسبير وصلاح أحمد إبراهيم وعالم عباس وهاشم صديق، مثلما يتذوق برشت ومحجوب شريف والعباس بن الأحنف ومحمود درويش وحميدة أبو عشر. وبمناسبة صلاح أذكر، اجتماعيَّاً، أن نُقُد بادر بزيارته في بيته، للتحيَّة والمجاملة، عند عودته من المنفى عقب الانتفاضة، مما أثار دهشة كثيرين لِما كان بين صلاح والحزب من خصومة مشهودة، على أن ذلك كان نُقُد .. وكفى!
اللافت أنه، على ما كان لديه، في الإبداع، من نظر متقدِّم، كان يتجنَّب أن يصدر، في هذا المجال، عن تنظير علني، حذر أن يُحسب ذلك موقفاً حزبيَّاً رسميَّاً بسبب الثقل الذي كان يمثله في قبَّة سنام المؤسَّسة! ولعله، في هذا، كان يقتفي أثر الثلاثي ماركس وإنجلز ولينين، وبالأخص ماركس الذي لطالما اعتذر، حتى وفاته، من أنه لم يستطع أن يتوفر على مؤلَّف جامع مانع في الظاهرة الإبداعيَّة يوازي مؤلَّفه العبقريَّ “رأس المال” في الاقتصاد؛ والحمد لله أنه لم يفعل .. على أن ذلك أمر آخر!
(7)
ربما خطر للبعض أن رحيل وردي، وحمّيد، ونُقُد، على التوالي، أي المغنِّي، والشَّاعر، والقائد المفكر، خلال فترة زمنيَّة متناهية القِصَر، هو نذير شؤم على السُّودان والسُّودانيين. وفي كتابه “عصر البطولة في سنَّار” أشار جي سبولدنق إشارة مشابهة إلى أن رحيل أبرز رموز البلد يكون، في العادة، نذيراً بزوال “الدَّولة”، وذهاب ريحها، وربما قال “السلطة”! ولا بُدَّ أن تلك الإشارة قد قفزت، لدى توالي هذا الرحيل مؤخَّراً، إلي أذهان الكثيرين ممَّن كانوا مطلعين عليها! لكنني أعدُّها، على أيَّة حال، مجرَّد أسطرة للواقع قد تصلح كاستجابة لضرورة فنيَّة، أو كمحض إلهام برواية عبقريَّة من سنخ الواقعيَّة السِّحريَّة!
أما في ما يتصل بأثر هذا الرحيل الفاجع بالنِّسبة للشِّيوعيين، خصوصاً، فإنهم مطالبون، في بعض أقدار تكبُّدهم ما هو فوق طاقة البشر أحياناً، بالتعالي على جراحاتهم، وبالمزيد من التماسك والصمود!
في السَّاعات الأولى من صباح الأحد الذي شيَّعنا فيه نُقُد إلى مثواه الأخير، وبينما كنَّا نعبر بالجثمان شوارع الخرطوم التي اكتست بلون الفجيعة، من المطار، إلى البيت، إلى مركز الحزب، إلى مقابر فاروق، سألني بعض مراسلي الصُّحف والإذاعات والقنوات الفضائيَّة عن رأيي في ما لمسوا من غلبةٍ لعنصر الشَّباب على ذلك المشهد، سواء من الناحية العدديَّة، أو من زاوية طغيان لافتاتهم وأهازيجهم وذائقتهم ومزاجهم العام، فقلت إنني لا أنظر للقيادة السِّياسيَّة كظاهرة بيولوجيَّة، لكن الحزب الشِّيوعي، رغم مرارة الفقد، كائن حي محكوم بدورات تجدُّد لا تتقدَّم أوانها ولا تتأخَّر عنه؛ وكلُّ ذي بصيرة يستطيع أن يلمس، الآن، تهيُّؤ جميع الظروف الموضوعيَّة لدورة تجدُّد قادمة لا محالة، وبقى أن يتهيأ الظرف الذاتي الملائم لهذه الولادة الجديدة بعقل ماركسي جمعي مستنير، وإلا فإن الوقوف في وجه هذه الضرورة الموضوعيَّة سيكون أشبه بخراقة الوعل الذي كسر قرنيه وهو يحاول أن يناطح صخرة، يوماً، ليوهنها!
(8)
ظلت المرأة في حياة نُقُد، طوال السنوات الأربعين الماضية، هي الأم والأخت والزميلة والخالات والعمات وغيرهنَّ ممن سبق أن أشرت إلى ترفقه بهنَّ وإعزازهنَّ له. أما الحبُّ فقيمة كان يحرص على كتمانها، ويكاد لا يندُّ شئ من مرائيها لديه، إلا من بين طوايا التَّضحية، فالمرأة الحبيبة والزوجة باب تتجلى فيه تضحية نُقُد كما لا تتجلَّى في أيِّ باب آخر! إن اللحظة التي وقع فيها اختيار رفاقه في اللجنة المركزية عليه ليخلف الشهيد عبد الخالق في خندق الحزب الأمامي، ودماء يوليو الساخنة لما تزل، بعد، تغرغر في شوارع المدينة، كانت هي ذات اللحظة التي اتخذ فيها قراره الصَّعب بإنهاء مؤسَّسة زواجه، الأمر الذي نفذه بعد فترة قصيرة من ذلك! حدثني، مرَّة، قائلاً، ببساطة أنسه المعهودة: “سألت نفسي سؤالاً واحداً: أتراني كفؤاً بما يكفي لحمل المسئولَّية التي كان يحملها عبد الخالق؟! وعندما أجبت بالإيجاب لم أتردَّد في قبول التكليف فوراً، دون أن أفكر مرَّتين؛ غير أنني أحسست، في نفس الوقت، بأنني لا أستطيع أن أظلم زوجة وربما أطفالاً قادمين بأن أفرض عليهم حياة أنا نفسي لا أعلم ما يكون مصيرها في الساعة القادمة”!
كانت تلك من المرات النادرة التي كان الراحل العزيز يستجيب فيها للطرق على ذلك الموضوع! أما في العادة، فقد كان يحرف الحديث إلى أية ناحية أخرى، أو يستعين عليك، إن أنت ألححت عليه، بطرائف لا ينضب معينها! قال لي، مرة، بعد الانتفاضة، وقد وجدني ألحُّ عليه ليتزوج حتى لا يظلم نفسه أكثر مما فعل: “ألا تعرف ما قال الإمام السهروردي في هذا الشأن”؟! قلت: “لا”، فقال: “من أراد الله به خيراً لم يبتله بأهل ولا ولد”! فضحكنا كثيراً، وأدركت أنه إنما قال ذلك فقط ليصرفني عن الأمر، فقد كنت أعلم مدى أشواقه لحياة الأسرة، ومدى حبه للأطفال!
(9)
مصادر شتى تضافرت لتمدَّ نُقُد بقوَّة الشكيمة، وفضيلة الصبر، وطاقة التحمُّل للمكاره؛ أهمها، أولاً، يقين الاعتقاد في المبدأ، ورسوخ قيمة الاستمساك به؛ وثمة، ثانياً، النشأة في بيئة أهله الأنصار الأشدَّاء الذين ما نزحوا، أصلاً، من حفير مَشُّو في أقصى الشَّمال إلى منطقة القِطينة على ضفاف “بحر ابيض”، إلا للِّحاق بالإمام الثَّائر محمَّد احمد المهدي عليه السَّلام، والالتحاق بجيشه، وهم قوم ليس في عيش أغلبهم لين يُبطر، ولا في أنفسهم خنوع يدفع إلى البهرجة يوم الدُّواس؛ لكن شيئاً من ذلك لم يسِمَهم بأيِّ قدر من القسوة أو غلظة الطبع، ففيهم، على العكس، من الرقة والحنان كثير؛ وثمة، ثالثاً، سيرة البسالة في التاريخ، والتي لطالما كانت تعطر وجدانه بعطرها الشفيف، بدءاً من بسالات المسلمين الأوائل، وتضحياتهم الملهمة، قبل أن تصير القلة كثرة، و .. “أحد أحد”، و”صبراً آل ياسر”، وإلى بسالات رموز حركات التحرُّر الوطني السُّودانيَّة، والإقليميَّة، والعالميَّة، وكذا بسالات الشِّيوعيين “ملح الأرض” الذين ظلوا “قوتاً للخناجر”، عبر تاريخ وضئ من النضال الشريف الصَّامد، كلما وحيثما غرز أحدهم فأساً في بقعة ما وقال هذه ملكي وحدي!
ومع أنه كان يتربَّع على قمة قيادة الحزب الشِّيوعي السُّوداني الذي شاع وصفه، لدى دوائر سياسيَّة وصحفيَّة واسعة، في الدَّاخل والخارج، بأنه الأضخم في الشَّرق الأوسط وأفريقيا، إلا أن شيمته كانت، دائماً، التَّواضع والبساطة؛ وكانت تلك بعض عناصر العبقريَّة والفرادة في شخصيَّته، وقد أجملها الإمام الصَّادق المهدي، في كلمته التي ألقاها على حافة قبر الرَّاحل العزيز عقب دفنه، بقوله إن شخصيَّة نُقُد ظلت تعكس قيمة “الارتفاع بالاتِّضاع”، ونادى بجعل هذه القيمة عنواناً لتشييعه وتأبينه؛ كما ظلَّ الرَّاحل العزيز، طوال سنوات عمره التي وهبها لوطنه وحزبه، يجسِّد، عمليَّاً، وبحق، قول الفيتوري: “أدنى ما فينا قد يعلونا يا ياقوت .. فكن الأدنى تكن الأعلى فينا”!
تبقى أن نقول كلمتين عن وصف الحزب الشِّيوعي السُّوداني بأنه “الأضخم” في المنطقة، فهو ممَّا يستوجب التَّصحيح، ولو من باب الوفاء لذكرى نُقُد نفسه الذي كان يقول، كلما سمع هذا الوصف، إنه غير صحيح البتة؛ فحزبنا صغير، ويعمل بإمكانات في غاية التَّواضع؛ وربَّما كانت تلك، في الواقع، هي مأثرته الكبرى، حيث أنه، بهذا الصِغَر وتواضُع الإمكانات، استطاع أن يحافظ على وجوده، ويبقي صامداً يؤدِّي رسالته، ويناضل وسط شعبه، برغم كلِّ الاستهداف الدَّاخلي والخارجي الذي تعرض له منذ تأسيسه في منتصف أربعينات القرن الماضي. أما حقيقة هذا الوصف التَّهويلي فيجدر التماسها ضمن لعبة كان يمارسها كلٌّ من النميري والمخابرات الأمريكيَّة على بعضهما البعض: النميري كان يستخدم، من جانبه، هذا الوصف “ليعظِّم أجره” لدى الأمريكان بزعم أنه يقوم عنهم بجهد عظيم في سياق الحرب الباردة أوان ذاك! والأمريكان كانوا يستخدمون، بدورهم، نفس الوصف ليكرِّسوا النميري في خدمتهم المستديمة تحت حالة شعور ضاغط بالرعب من الشِّيوعيين ظلَّ منغرساً في قلبه، يسحق أعصابه، ويزلزل كيانه، منذ ما بعد ظهيرة التاسع عشر من يوليو عام 1971م، وحتى أطاحت الجَّماهير العزلاء بنظامه في أبريل عام 1985م!
(10)
رحل نُقُد، ولن نستطيع، حتى لو مكثنا نتحدث عنه أياماً بلياليها، أن نحيط بكلِّ شمائله العالية، إذ الكلام، في باب سيرته العطرة، كله خواء؛ فمَن لنا بكلمات تكفي ولو لسوق بضع جذاذات من مساهماته الفارهة، دَعْ بياناً يفي بأقلِّ القليل من تمجيده الذي هو بعضُ حقِّه المستحقِّ، أو يوفيه شيئاً من شكر جاء يومه، كما في بعض مأثورات أهلنا مستعربي السُّودان؟!
نعم، رحل نُقُد، والموت حقٌّ، دون أن يرى أمنيته الكبرى تتحقق بأن ترفرف رايات الاشتراكيَّة منتصرة بالدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة، وبالاختيار الشَّعبي الحُرِّ، كمنهج حياة وحكم في السُّودان؛ وبرحيله تفتقد بلادنا الحكمة في غير ما ادِّعاء، والسَّماحة في أرقى تمظهراتها، وأنضر الأشجار السُّودانيَّة في بستان اليسار الماركسي!
***


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.