شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    الهلال السوداني يفجر أزمة منشطات ضد نهضة بركان في دوري أبطال إفريقيا    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    مجهولين ينبشون قبر رجل دين بولاية الجزيرة وينقلون جثمانه إلى جهة غير معلومة    إطفاء أنوار المطار..!    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    عادل الباز يكتب: البلد محاصرة والشعب منصرف عن معركته    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    قمة الافلاس.. وآخر "البليلة حصحاص"..!!    شكوى الهلال تربك «الكاف».. والتأجيل لغدًا الثلاثاء    شاهد بالصورة والفيديو.. بعد إيمي سمير غانم.. "كورال" مصري يغني أغنية الفنانة السودانية توتة عذاب "الترند" وشاعر الأغنية يعبر عن إعجابه    شاهد بالفيديو.. حمزة عوض الله يهاجم الشاعرة داليا الياس بسبب تبادل السلام بالأحضان مع المطرب شريف الفحيل ويصف المدافعين عنها بأصحاب الفكر الديوثي    عثمان ميرغني يكتب: حلفا .. والشمالية..    قوى سياسية في السودان تعلن عن مقاطعة مؤتمر في برلين    شاهد بالفيديو.. في ظهور مثير.. رجل يمسك بيد الفنانة هدى عربي كأنه عريسها ويدخل بها لقاعة الفرح والشائعات تلاحق السلطانة هل هو زوجها؟    الكاف.. (الجهاز) في القاهرة و(الريموت كنترول) في الرباط    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإنتخابات بين الواقع والقانون ومحاولة أحزاب المقاطعة إفشالها

إنتهت مساء الخميس 15 أبريل الجاري عملية الاقتراع التي تمثل المرحلة قبل الأخيرة من الإنتخابات السودانية، وتبقى الفرز وإعلان النتائج، وربما – القارئ الكريم – وأنت تطالع هذا المقال تكون النتائج الأولية قد أعلنت. ومهما كانت نتيجة هذه الإنتخابات ومهما أُثير حولها من مثالب، فهي تمثل نقطة فارقة في مسار التحول الديمقراطي في السودان، وربما تمثل تحولاً كبيراً كذلك في مسار الحياة السياسية السودانية، وحسب وجهة نظر كثير من المحللين السياسيين المتابعين للواقع السوداني فإن مجرد إجراء إنتخابات تعددية يمثل إشارة جدية إيجابية على وجود إرادة سياسية من طرف الحزب الحاكم نحو الديمقراطية وأنه جاد في حل مشاكل السودان بمشاركة الجميع كل حسب وزنه السياسي.
وإن كان مقاطعة بعض الأحزاب للعملية الإنتخابية لا قيمة له قانوناً على مجمل العملية الإنتخابية، لأنه تم بعد الوقت المحدد للإنسحاب وفق القانون، إلا أن هذه المقاطعة وبلا شك أفسدت لحظة رائعة للشعب السوداني كان ينتظرها لتقديم نموذج مثالي للديمقراطية لدول العالم الثالث.
وكأن هذه القوى المقاطعة مهما كان حجمها قد إكتشفت فجأة بعد أن قطعت عدة مراحل في العملية الإنتخابية في السجل الإنتخابي، بمراحله المختلفة، مروراً بمرحلة الترشيح والطعون حتى بداية الحملة الإنتخابية، في العملية الإنتخابية المؤجلة أصلاً، وكأنها اكتشفت فجأة أنها سوف تكون غير حرة وغير نزيهة.
ولست هنا بصدد تقييم التجربة وتحليل النتائج، وربما يكون هذا موضوع مقالنا القادم. ولكن بصدد تناول الاتهامات والمزاعم والادعاءات التي أوردتها الأحزاب المقاطعة، قادحة في العملية الانتخابية برمتها.
وفي تقديري أن هذا التعاطي من هذه الأحزاب وبهذه الصورة التي اعتمدت على الصوت العالي والإعلام والترويج، إما أن هذه الأحزاب وقادتها يجهلون أبجديات العمل السياسي، أو أنهم يعرفون ويدركون خطأ وخطل ما يقومون به، ولكنهم يعتقدون أن المواطنين سذجاً وجهلة ويريدون أن يحملوهم إلي مواقعهم، أو أن هذه الأحزاب أرادت أن تمارس طريقة القوى الخارجية التي ناصبت السودان العداء، فهي تكذب وتكذب حتى تصدق هي ما تعلم أنه كذباً. لأنني قد استمعت للكثيرين من قادة هذه الأحزاب وهم يرون تلك الاتهامات والادعاءات، ولا أشك في مقدرات كثير منهم ومؤهلاتهم، ولكنني شعرت بكثير من الأسى والحزن عليهم وعلى ما يقولون وعلى الأحزاب وعلى السودان الذين يمثلون جزء من قادته.
من تلك الاتهامات التشكيك في المفوضية واتهامها بأنها منحازة للمؤتمر الوطني. وهم يعلمون وأنا اعلم أن هذه المفوضية منشأة وفق استحقاقات نيفاشا والدستور الانتقالي اللذان ارتضتهما هذه الأحزاب بتوقيعها على طلب تأسيس الأحزاب الذي يشترط الاعتراف بنيفاشا والدستور. تنص نيفاشا والدستور على إنشاء مفوضية خاصة بالإنتخابات تكون مسئولة بالكامل عن إدارة العملية الانتخابية وأنها تكون مستقلة تابعة رأساً لرئاسة الجمهورية مثلها مثل القضاء ولا تتبع للجهاز التنفيذي، وان رئاسة الجمهورية ليست هي الرئيس، إنما هي مؤسسة تضم الرئيس ونائبيه، وان القرارات فيها تتم باجماعهم الثلاث، بمعنى أن أياً منهم يملك حق الفيتو إذا توافق اثنان منهم.
وعند تكوين هذه المفوضية طلبت رئاسة الجمهورية من كافة الأحزاب تقديم مرشحيها للمفوضية. وتقدمت الأحزاب بكشوفات مرشحيها. وتم اختيار جميع العضوية من كشوفات الأحزاب ولم يتم اختيار واحد من القائمة التي تقدم بها المؤتمر الوطني. فإذا كان من عضوية المفوضية من تتهمه الأحزاب بأنه مؤتمر وطني فقد رشحته الأحزاب ولم يرشحه المؤتمر الوطني.
من ذلك يبقى الحديث عن عدم نزاهة المفوضية وأنها منحازة إلي المؤتمر الوطني، وأن غالبيتها من عضوية المؤتمر الوطني، يبقى اتهام في غير محله، اللهم إلا إذا كان إتِّباع المفوضية للقانون وإنفاذه يعني الانتماء للمؤتمر الوطني.
هذا لا يعني أن المفوضية لم ترتكب أخطاء، لقد ارتكبت مجموعة من الأخطاء ولكنها لم تكن بسوء قصد وسوء نية، ولكنها تدخل في باب الخطأ والنقصان البشري، حيث لا كمال إلا لله.
الشبهة الثانية تتعلق بالسجل الإنتخابي وإتهام الأحزاب للمؤتمر الوطني بأنه زور السجل الانتخابي وأنه سجل عضويته فقط. هذا الاتهام لا يسنده الواقع ولا القانون، وذلك أن السجل الانتخابي قامت به لجان الإنتخابات، وهي معروفة للكافة، ومعروفة المراكز التي يتم فيها التسجيل، والتسجيل مفتوح للجميع، ولم نسمع طيلة فترة التسجيل أن مواطناً ما أتى إلي مراكز التسجيل ورفضت اللجنة تسجيله، إلا وفق القانون ومتطلبات القانون للتسجيل وهي: الإقامة بصورة مستمرة بدون إنقطاع لثلاث أشهر قبل فترة التسجيل، وكل من إستطاع إثبات ذلك تم تسجيله. وبعد أن انتهت فترة التسجيل التي حددها القانون تم تمديد فترة التسجيل لعشرة أيام إضافية. وكل من أراد التسجيل تم إدراج إسمه في السجل الانتخابي، حتى بلغ عدد المسجلين أكثر من 16 مليون بنسبة بلغت 80% مِن مَن يملكون حق التصويت والانتخاب. وهي نسبة فاقت كل المطلوبات الدولية للعملية الانتخابية.
وحرصاً من لجنة الإنتخابات وتأكيداً لحقوق المواطنين تم تسليم كل مواطن سجل أسمه (استيكر) إثباتاً لهذا الحق. ولم ينتهي الأمر عند هذا الحد، فوفق قانون الإنتخابات أعلنت الكشوفات وسلمت نسخ منها لكافة الأحزاب وحددت فترة زمنية وفق القانون للطعون والتأكد من وجود الأسماء والتأكد من صحتها.
فهل بعد كل هذا العمل يمكن أن يأتي أحد ويدعي بأن السجل الإنتخابي مزور. وإذا كانت الأحزاب لا تعرف دورها وعملها، وهي التي يفترض عندما أعلنت الكشوفات واستلمتها، أن تقوم بمراجعة هذه الكشوفات وأن تتأكد من وجود هذه أسماء عضويتها في السجل الإنتخابي، ومن ثم التأكد من صحة الأسماء ومن عدم سقوط اياً من عضويتها. وفي تقديري أن الأحزاب لم تكن جادة وغير مؤهلة وغير قادرة على القيام بمثل هذه الأعمال الشاقة والمرهقة والمكلفة.
ويرتبط بالسجل الإنتخابي صحة الأسماء وورود بعضها خطأ، أو أن بعضها سقط على الرغم من أن صاحبها تسلم (استيكر). وفق قانون الإنتخابات وإتاحة الفرصة كاملة للأحزاب والمواطنين، لمراجعة أسماءهم في الكشوفات المنشورة، حتى انتهاء فترة الطعون بعدها تصبح الأسماء الموجودة في السجل هي التي يحق لها التصويت. وأن أي اسم كان خطأ أو غير موجود في السجل حتى لو كان صاحبه يحمل (الاستيكر) فإنه لا يحق له التصويت.
ومن الطرائف أن أحد المرشحين وجد أسمه خطأ في السجل الإنتخابي، فثار وأرغى وأزبد متهما المؤتمر الوطني بفعل ذلك، وهو لم يقم بمراجعة إسمه في الكشوفات، ومن واجبه أن يقوم هو بمراجعة كافة أسماء المرشحين الذين ينتمون لحزبه في دائرته الإنتخابية.
اتهام آخر روجت له الأحزاب المقاطعة كثيراًَ وهو استخدام إمكانات الدولة بواسطة الحزب الحاكم وإنفاق في الصرف فاق ما يسمح به قانون الأحزاب. وفي هذه المسألة لابد من الانتباه لنقطة مهمة، وهي قانون الإنتخابات الذي وافقت عليه كل الأحزاب السياسية والذي يمثل المرجعية التي يتم الرجوع إليها حين يحدث الخلاف والاتهام، بجانب ذلك يوجد القضاء والذي هو ضلع مهم من أضلاع العملية الديمقراطية. وأن أي مخالفة لقانون الإنتخابات يتم فيها الرجوع للقضاء والذي يفصل في الادعاءات. فأي استخدام لإمكانات الدولة هو مخالفة قانونية، وأي تجاوز للصرف وفق ما حدده القانون هو مخالفة قانونية، وان كل من يدعي ذلك يقع عليه عبء الإثبات، ويتقدم بشكواه للمفوضية التي تحيله بدورها للقضاء والذي يقضي بين أطراف النزاع. هكذا تكون الديمقراطية وهكذا يكون السلوك الراقي للأحزاب المتحضرة، أما الادعاء واستخدام الإعلام في ترويج ذلك، فهو لا يعدو أن يكون استهداف للعملية الإنتخابية، أو الجهل بالديمقراطية وممارستها، والذي أكدته المفوضية حيث ذكرت أنها لم تصلها أي شكوى بهذا الخصوص.
يرتبط بالقضاء الادعاء بالتزوير واتهام الحزب الحاكم بممارسة التزوير، وأي شكل من أشكال التزوير هو جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي قبل قانون الإنتخابات. فأي مواطن يمارس أي شكل من أشكال التزوير كالتصويت باسم غير اسم الشخص الحقيقي أو استخدام أي مستند مزور لإثبات الشخصية، فما على الحزب المتضرر إلا القيام بفتح بلاغ في اقرب نقطة شرطة، حتى من غير الرجوع إلي المفوضية، والقضاء كفيل بمعاقبة أي مواطن يمارس جريمة التزوير. فليس هناك مجال للتهريج أو الاتهام بالتزوير من غير إثبات وتقديم الدليل.
ومقروناً بشبهة التزوير استخدام شهادة السكن لإثبات الشخصية، وهو أمر أقرته المفوضية وأكدته بإصدار منشور أثناء اليوم الأول باعتماد شهادة السكن كوثيقة إثبات لإدراكها أن غالبية الشعب السوداني لا يمتلكون وثائق ثبوتية. فشهادة السكن لا تعدو أن تكون هي أحد الوسائل التي اعتمدناها طيلة الفترات الإنتخابية السابقة وذلك بوجود (العريفين) من أهل الأحياء والفرقان والقرى الذين يتعرفون على المواطنين، ويقوم بهذا الدور زعماء العشائر وشيوخ القرى والفرقان ورؤساء اللجان الشعبية. فمجرد رأي أياً من هؤلاء والإقرار بأن هذا المواطن معروف بهذا الاسم يكفي، حتى من غير استخدام مستند شهادة السكن. هذا إضافة إلي أن اللجان الشعبية هي جزء من النظام الإداري الآن في السودان، ومن صلاحياتها إصدار شهادة السكن وفق ما وضحه القانون ونموذج الإدارة المعترف به. وحتى في هذه الحالة إذا استطاع مندوب أياً من الأحزاب إثبات أن هذا الشخص لا يسكن في الحي أو القرية أو الفريق المعين، فهذا يدخل في باب التزوير وما على المدعي إلا فتح بلاغ بذلك وتقديم الدليل عليه. ويستمر هذا الحق حتى بعد إعلان فوز المرشح المعين، فلأي حزب يدعي بالتزوير أن يتقدم بالطعن للمفوضية التي تحيله للقضاء فإذا ثبت لديه أن هناك تزويراً تم بصورة واسعة أثر على النتيجة، فلها أن تحكم ببطلان فوز المرشح وإعادة الانتخاب في الدائرة المعنية. الكرة الآن في ملعب الأحزاب التي تدّعي التزوير وأن تتقدم بذلك خلال فترة الطعون المحددة قانوناً، وذلك أفضل من استخدام الإعلام لأغراض أخرى غير العملية الإنتخابية.
أضف إلي ذلك أستطيع أن أقول أن التزوير في هذه الإنتخابات إن لم يكن مستحيلاً فهو أمر في غاية الصعوبة وذلك للوجود الكثيف للمراقبين الدوليين، حيث أن هنالك ما يقارب الألف مراقب دولي من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية ومن روسيا والصين واليابان والمراقبين الوطنيين من منظمات المجتمع المدني، هذا بالإضافة إلي أن لكل حزب مجموعة من المراقبين في داخل كل مركز يستطيعون إيقاف أي عملية تزوير إذا لم يرغبوا في الذهاب إلي المحاكم.
ومن المسائل التي أثير حولها غبار كثيف ومن شخصيات أكن لها كثيراً من التقدير والاحترام، أن صناديق الاقتراع بعد نهاية اليوم الإنتخابي تكون في حراسة الشرطة وتحت رقابة المفوضية. فهم يرديون أن يكون وكلاء المرشحين حارسين ومراقبين للصناديق مع الشرطة والمفوضية. بل أن بعضهم ذهب للقول بأن منع وكلاء المرشحين من حراسة ورقابة الصناديق بعد انتهاء اليوم الإنتخابي نسف كل العملية الإنتخابية. وهو في تقديري قوله حق أريد بها باطل، ففي كل أطراف الدنيا المتقدم منها والمتخلف تقوم الشرطة والمفوضية بحفظ الصناديق بعد نهاية اليوم الإنتخابي، ولم نسمع بأن وكلاء الأحزاب يشاركونهم هذا الحق. مع الأخذ في الاعتبار أن كل وكيل مرشح له الحق في أن يراجع الصناديق التي توضع عليها خمسة (برشامات) بأرقام مسجلة، يسجل وكلاء المرشحين هذه الأرقام ويقوموا بمراقبتها والتأكد من مطابقتها في اليوم التالي، ومع ذلك فإذا شك وكيل أي مرشح في أي صندوق فما عليه إلا أن يسجل ذلك لدى رئيس المركز ويقدم شكواه إلي المفوضية والتي لها الحق في مراجعة الصندوق وبطاقاته في وجود وكلاء المرشحين.
تبقت مسألة أخيرة أثير حولها لغط كثير وهي تصويت رؤساء المراكز أو مناديب المفوضية لأصحاب الاحتياجات الخاصة وللأميين في شعب ترتفع فيه نسبة الأمية بالإضافة إلي تعقيد العملية الإنتخابية. وهذا الأمر كفله القانون لأي مواطن لا يستطيع الإدلاء بصوته بنفسه لأي سبب من الأسباب، وفي نفس الوقت إعطاء القانون لوكلاء الأحزاب مراقبة موظف المفوضية وهو يقوم بهذا الحق نيابة عن المواطن المعيّن. فهو أمر عادي وطبيعي في مجتمع ترتفع فيه نسبة الأمية، انقطعت فيه الممارسة الديمقراطية لفترة طويلة من الزمن إضافة لتعقيد العملية الإنتخابية.
نستطيع أن نقول في مجمل ما ذكرنا أن الأحزاب لم تكن ترغب في دخول العملية الإنتخابية لأسباب مختلفة، ليس هو موضوعنا في هذا المقال، ربما نفرد له تحليلاً في مقال آخر، وأن الأحزاب وجهات أخرى كثيرة كانت لا ترغب في قيام الإنتخابات أصلاً. وإتخذت الأحزاب الإعلام الداخلي والخارجي وسيلة للتشكيك في العملية الإنتخابية وإستخدام أي حدث مهما كان وتضخيمه. وأرادوا استغلال بساطة وسذاجة كانوا يظنون وجودها عند المواطنين، وتبين أن المواطنين كانوا أذكى مما يظنون.
أما الجهات الخارجية فقد استخدمت وسائل شتى منها الأخطاء الطباعية والتي يصعب تصديق أنها وقعت تحت مظلة (الخطأ الطباعي) لأنها حدث في مناطق ومطابع ذات مستوى دولي رفيع في الطباعة وفنونها في لندن وفي جنوب إفريقيا، ولكن المفوضية كانت تتحسب لذلك ويتوقعه، فكانت البدائل جاهزة في المطابع الوطنية.
ومن الوسائل التي كانت النية مبيتة لاستخدامها هي استخدام العنف والتخريب وما ذكرته مجموعة العدالة الوطنية بأنها عرض عليها مبلغ 8 مليون دولار لإفساد العملية الإنتخابية فرفضت ذلك وأعلنت عن ذلك في مؤتمر صحفي، ومنها ما بدأت القيام به بعض العناصر من حركة عبد الواحد في الحاج يوسف وتم القبض عليهم وتم الكشف من خلالهم عن الخلايا الأخرى وتم إحباط جملة العملية. وإحباط عمليات أخرى كانت الشرطة تتحسب لها.
ومن الأساليب التي استخدمت أيضا سلاح الشائعات والتي كان الهدف منها تخويف المواطنين وترويعهم لكي لا يقبلوا على مراكز الاقتراع ومحاولة تفريغ العاصمة بجعل المواطنين يهربون خارجها. وحسناً فعلت الحكومة حيث تحسبت لذلك ولم تعلن أيام الإنتخابات عطلة وهي تعلم أن ذلك سوف يؤثر على الإقبال على الإنتخابات، وحسناً فعلت مرة أخرى بإعلان نصف اليوم الأخير عطلة.
ونستطيع أن نقول أن هذه الأحزاب لا تستطيع الفعل بمفردها وإنما دائماً تعتمد على معين سواءاً كان من الداخل أو من الخارج. وكانت تعتمد على الحركة الشعبية في الداخل، وعندما لم تسعفهم الحركة الشعبية بما حدث فيها من خلاف، وأحبط سلفاكير ما كانت تنوي القيام به مجموعة (عرمان، وباقان، وادوارد لينو)، اسقط في يد الأحزاب. وفي الخارج كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية داعمة لقيام الإنتخابات، خذلها الخارج الذي حاول ولم يستطع أمام ذكاء وتحسب ومعرفة الحزب الحاكم الجاد لقيام الإنتخابات في موعدها والساعي للتحول الديمقراطي.
لم تسر الإنتخابات بما كنا نرجو ونأمل وصاحبتها بعض الأخطاء والهنات ولكنها تبقى كما ذكرنا في بداية هذا المقال نقطة فارقة ونقطة تحول في مسار الحياة السياسية السودانية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.