قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خطبة الصادق-- دعوة لربيع أم رفع للعتب ؟ (حلقة 3) -- مصعب المشرف


خطبة الصادق .. دعوةٌ لربيع أم رفعٌ للعتب؟
حلقة (3)
أزمات "الحكومة" الست
في الخطبة الثانية تطرق الصادق المهدي لعدة نقاط لخص فيها الأزمات التي يرى أنها تحاصر نظام الحكم الحالي في البلاد ة وحاول تقديم الحل.
الأزمات الست التي تحدث عنها الصادق كانت عناوينها :
1) التطبيق الفوقي للإسلام. وإستنصار غير المسلمين بالخارج.
وتعليقا على هذه الأزمة . لا يختلف إثنان أن هناك مشكلة لم تعد خافية على أحد بشأن التطبيق الفوقي للإسلام . والمشكلة تكمن أساسا وفق قوله صلى الله عليه وسلم : "ما شاق الدين أحد إلا غلبه" .... وقوله عز وجل :( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُون) ..... إنها مشكلة المفارقة بين الأقوال والأفعال عندما يكون الإنسان خارج السلطة ثم عندما يكون على رأسها. .... كان من السهل على البعض قديما أن يكيل اللوم إلى الحكومات الديمقراطية والشمولية والعسكرية السابقة ووصفها بأنها لا تطبق الإسلام .... إستمع الناس لمقولة هؤلاء ثم إنتظروا حتى وصل الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم (بغض النظر عن الأسلوب) ... كان الجميع يتوقع أن يلمس خلافة راشدة وجمهرة من أهل الصُفّة وصحابة من فئة المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة وأهل بدر .... ولكن خاب ظن الجمع حين لم يلمسوا واقعا وأفعال وممارسات على النحو الذي كان يبشر به قادة الحراك الفكري وعلى رأسهم البروفيسور المعمم حسن الترابي نفسه . فكانت ردود الأفعال أسوأ بكثير مما لو كان الناس قد لمسوها في غير الأخوان المسلمين من عامة الأحزاب السياسية الأخرى في السودان الذين لم يزعموا في يوم من الأيام أنهم أشباه صحابة وسيطبقون الشريعة الإسلامية على أنفسهم قبل غيرهم...
كان الخطأ المميت أن البعض يظل يطالب الناس بالإستقامة وهو معووج . وأن يطالب الناس بالصدق وهو كاذب . وأن يطالب الناس بالعفة وهو فاسق . وأن يطالب الناس بالأمانة وهو سارق وأن يطالب الناس بالزهد وهو عابد مخلص للرفاهية بحذافيرها . يعب ويغرف كالمجنون من ملذات الدنيا ولايكاد يستفيق من الإستغراق في متعتها ومباهجها مستكبرا ليلا ً ونهارا. وليتهم فعلوا ويفعلون ذلك وهم صامتون .. بل نراهم يتشدقون بمقولات ويستشهدون لكامات حق في أسفل مواضع الضلال من قبيل "وأما بنعمة ربك فحدث" .... و "أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا" و "لا تنسى نصيبك من الدنيا" .... وربما لو علم هؤلاء الجهلة والمتسربلبين الجدد بلباس الدين ...... لو علموا بالتفسير الرصين لمثل هذه الآيات الكريمة المحكمة والأحاديث النبوية الشريفة لما تشدقوا بها تبريرا لتصرفاتهم . فهي في معناها تصب جميعها في بذل العمل لأجل إكتساب أجر الآخرة والدرجات العلى في الجنان وليس ملذات الدنيا كما يتبادر للذهن من الوهلة الأولى .. فمثلا في قوله "ولا تنسى نصيبك من الدنيا" يعني أن تستغل نصيب عمرك في حياتك الدنيا للعمل بجد من أجل الآخرة من عبادة وكثرة صلاة وقيام ؛ وصيام فرض وتطوع وفعل خيرات . وليس أن يكون كل همك أن تطالع التلفزيون كالقط . وتأكل وتشرب وتركب وتنكح وتنام كالبهائم..... وفي تفسير هذه الآية قال مجاهد ، وابن زيد : لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب ، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة.
ومشكلة هؤلاء أن الدين الإسلامي ليس كغيره من كتب سماوية طالها التحريف والتبديل؛ وباتت لا يتم تفسيرها إلا من داخل الكنيس والكنيسة على حسب مصلحة ومزاج القساوسة والأحبار ...... الدين الإسلامي كتاب مفتوح وشامل وفي متناول المسلم وغير المسلم الآن . الحلال فيه واضح بيّن والحرام بيّن. وحياة خاتم الأنبياء والمرسلين فيه واضحة موثقة وواقعية شفافة . وحياة أمهات المؤمنين وحياة صحابته وممارساتهم كذلك ؛ ويعرفها القاصي والداني . بل وتعرف بائعات الشاي والبلدي قوله صلى الله عليه وسلم "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ناهيك عما يعرفه خربجو الخلاوي فضلا عن مرحلة الأساس ...
وبالتالي فقد كان وسيكون على كل شخص يرفع راية الإسلام أن يدرك أنه ليس وحده هو العالم بظواهر وبواطن الأمور .. وعليه أن يدرك دون شك أن سيرته هو وتصرفاته هو ومسلكه هو . وملبسه ومأكله ومشربه ومسكنه ومركبه هو ونسائه وأولاده وبناته وأحفاده ، سيكون تحت المجهر وسيرة تلوكها الألسن لبانة بين فكيها. .....
وفي هذا الإطار فعلى من يتعلل بأن زمان الخلافة الراشدة والصحابة قد ولى بهم وبزهدهم الزمان . فعليه أن يدرك أن هناك حتى زماننا الحاضر من سار على نهجهم ونجح في التوفيق بين المقال والفعال . ومنهم على سبيل المثال الإمام الخميني الذي وبرغم ثروات إيران الضخمة فقد عاش ومات في بيت صغير من الطين مستأجر ، ومات وهو لا يمتلك شبرا من الأرض. وقبله كان الفريق إيراهيم عبود مثالا يحتذى في الزهد ونظافة اليد .
والخلاصة أننا نرى الصادق صادق في هذا الصدد . وأن الأمر يستلزم أن تطهر الجماعة نفسها . فإما إلتزام بالإسلام ظاهره وباطنه أو لا .
2) انفصل الجنوب لدولة غالباً عدائية.
إنفصال الجنوب يظل فيه قولان دائما لأن مشكلة الجنوب لم تنشأ عام 1989م ولا بعدها. ولكنها مشكلة متغلغلة في العمق التاريخي والثقافي والإثني والإجتماعي . فشلت كافة الحكومات السودانية وكافة حركات التمرد الحنوبية في الإتيان بحل مرضي واقعي لجهة الوحدة ...... فشل الجميع على إختلاف مذاهبهم ومشاربهم لأن المشكلة لم تكن قابلة للحل أصلا .... لأن المشكلة أننا نريد فرض وحدة قسرية بين شعبين متنافرين في كل شيء .... كنا ولا نزال وسنظل ....
ضحكت على عقولنا مناهج التاريخ المدرسية المفبرك بعضها في بخت الرضا فتخرج البعض وهو لا يصدق أن دولة جنوب السودان أو ما كان يسمى سابقا بجنوب السودان ... لا يصدقون أنها لم تكن في يوم من الأيام (أرضا وشعبا) وحتى عام 1947م جزءا من الشمال أو عمقا له . ويجهلون تماما أن الخديوية المصرية هي التي فتحت وأخضعت أراضي الجنوب بحر أموالها وجيوشها وأعلنته إقليما مستقلا تابعا لها مثلما أعلنت شمال السودان تابعا لها من قبله .... ويجهلون أن الزبير باشا هو الذي فتح إقليم بحر الغزال بحر ماله وجيوشه إلى أن سرقته منه الخديوية المصرية بعد أن أعلن الزبير باشا نفسه ضمه إلى أملاك الخديوية المصرية ولم ينتبه إلى إعلانه تابعا لشمال السودان .
وقد ظل كل منهما (الشمال والجنوب) في معظم سنوات التركية السابقة يحكمه حاكم منفصل إداريا عن غيره وتابع مباشرة للقاهرة. وأن دور الشمال في علاقة الخديوية المصرية بالجنوب لم يكن سوى كونه معبرا وقنطرة طبيعية لموظفيها وجنودها ولتجارة وقوافل الرقيق الأسود. وإمتد ذلك حتى زمان الحكم الثنائي ..... ثم أنه في عام 1947م أقدم الإستعمار البريطاني على تجاهل إرادة الجنوبيين معتبرا أنهم غير قادرين وحدهم وقتها على حكم وإدارة بلادهم. فضموهم قسرا لشمال السودان وكانت تلك هي الطامة الكبرى ..
إبتلع الشمال الطعم لكنه لم يستطع هضمه . فأصبح الجنوب منذ عام 1955م إمساكا معويا مزمنا في بيت الداء السوداني لم تستطع البلاد التخلص منه على مسار طبيعي سلس ؛ إلى أن قيض له الله الخروج على النحو الذي صار في خلاء نيفاشا ... فالحمد لله الذي أذهب عن بلادنا الأذى وعافاها.
ولأجل ذلك كانت النسبة المئوية المذهلة (الغير قابلة للنقاش) على نطاق التاريخ العالمي التي إختار بها الحنوبي الإنفصال عن الشمال والتي قاربت أل 100% ... فهل بعد كل هذا تخرج علينا أدبيات المتحسرين ومحترفي الردح من بعض الشماليين الذين جاءوا يتجزعون متجرسين مولولين ومنتحبين كالخصيان والجواري والأرامل والمطلقات دون خشاء ؟ .... يتباكون على الحب الضائع والحبيب المفقود واللبن المسكوب؟ وكأنّ الجنوبي كان حبيب القلب أو كأنّه لا يزال ملكا لهم بالوراثة على طريقة الزبير باشا وتجار النخاسة في أسواق أمدرمان والخرطوم ومدني والأبيض وهلم جرا مما كان مشهورا وموثقا في سالف العصر والأوان؟
إن البكاء اليوم على الجنوب لم يعد سوى تهريج ونهج خِِرع تأنف من مسلكه العذارى وربات الخدور وصويحبات يوسف ؛ ناهيك عن الرجال حماة الديار والذمار وجند الشدائد المفترضين......
لقد كان إنفصال الجنوب أرضا وشعبا عن الشمال النهاية المنطقية لواقع مرير من العنصرية الإجتماعية التي لا يد لنا فيها كبشر . وقد خلقنا الله تعالى شعوبا وقبائل لنتعارف ونتعايش بالحسنى ونتبادل المصالح الدنيوية من تجارة وصناعة وخدمات . ولكنه لم يفرض علينا أن نصادق ونحب ونتمازج ونتزاوج وتختلط دماءنا ببعضنا أو غيرنا غصبا عنا ودون رضانا . أو أن يعاتبنا جل وعلا على هذه الفطرة التي فطرها فينا.
من كان منا لا يمارس العنصرية عمليا تجاه الجنوبي في الأنفة والترفع من تزويجه أخته وإبنته له أو صداقته مثلما بفعل إزاء الشمالي ؛ وإستقباله ضيفا كريما في بيته والأكل معه في خوان واحد أو الشرب معه في دلو واحد ، ومشاركته السكن في غرفة واحدة وإعارة وإستعارة الملابس وحتى الأحذية والإكسسوارات مثلما تفعل الإناث الشماليات مع بعضهن ، أو يفعل الذكر مع زملائه وأصدقائه وأقرانه من أبناء الشمال في المدرسة والحي السكني من نعومة الأظفار وأيام الصبا الصافية والبراءة ..... من كان على إستعداد في قرارة نفسه أن يفعل كذلك مع الجنوبي ذكرا أو أنثى فليرمي الجميع بحجر.... وإن إدعى بغير ذلك فهو إبن سلول منافق ومسيلمة َ عرب وشماليين كذاب.
عن أية وحدة ونسيج إجتماعي واحد يتحدث الصادق المهدي إذن ونحن لا ننظر إلى الجنوبي سوى أنه عبد ورقيق لا نطيق رائحته ؛ ونرى في قناعاته وتصرفاته وردود أفعاله غرابة ومثار سخرية وضحك وإشمئزاز؟ بل ولا ندخله بيوتنا إلا خادماً وخادمة ... أليس هذا هو الواقع أم أننا لا نزال كعادتنا نرغب في خداع أنفسنا ونفاق بعضنا البعض والتجمل بما لا يليق وجه النهار وساعة المغيب والمساء؟
ومن يعلق الأمر على شماعة التنمية وحدها فهو يعبث بالواقع ؛ لأن السودان من حلفا إلى نمولي كان ولا يزال بفتقر كل متر مربع فيه للتنمية.
من السفاهة والسذاجة بمكان إتهام النظام الحاكم في الخرطوم وصحيفة سودانية أو كاتب صحفي ما بأنه سبب إنفصال الجنوب .... إنها بمثابة إتهام نملة سليمان بالتسبب في إنقراض الديناصورات ... ولكن البعض دائما ما يحاول البحث عن شماعة يعلق عليها فشله المزمن وإحباطاته. ولمن لا يزال على قناعة بأنه كان بالإمكان إقامة وحدة قسرية ؛ نذكره بحقيقة أن مشكلة الجنوب بدأت منذ عام 1947م . وجميع الأحزاب وطائفتي الأنصار والختمية ، وكافة النظم السياسية العسكرية والديمقراطية والشمولية التي حكمت البلاد منذ عام 1956م تورطت فيها ومُنِحت الفرصة الكاملة الكافية عسى وعل تجد حلا لها. فلم تكن المعالجات بقدر المسئولية بل تميزت بتشابهها ونمطيتها ، سواء لدى الديمقراطيات أو العسكر.... والدفاتر مكشوفة ويعرفها الجميع ولا يستطيع حزب من الأحزاب القائمة أو طائفة إدعاء الطهر والعفاف والبراءة والعذرية في هذا المجال بالذات.
كانت مشكلة الجنوب تتفاقم وتكبر حتى أصبحت ككرة الثلج وأضحت أكبر مننا جميعا شمالا وجنوبا وعربا وأفارقة في وقت غابت فيه رغبة الشعب الجنوبي بالوحدة مع إنسان يأنف منه ولا يعترف به إنسانا .. وتراخت إرادة الشمالي في الإحتفاظ بهذا "المواطن" الغريب عليه والمختلف عنه في كل شئ .
ومهما تكن المعاذير وأدبيات التجمّل والتحلّي ونفض الأيادي والإنكار. فمن المحال الآن إستثمار إنفصال الجنوب وتوظيفه لمصلحة حزبية ضيقة الهدف منها تقويض النظام الحاكم ليس إلا ؛ تمهيدا للقفز مكانه ومواصلة دوران ساقية جحا .....
وأما مسألة تحول الجنوب إلى دولة عدائية فإن المصالح المتضاربة تجعل بين كل دولة وأخرى عدائية ؛ سواء أكان ذلك عداءا سافرا معلنا أو كان خفيا غير معلن . ولنا في علاقتنا مع تشاد وليبيا ومصر وأرتريا وأثيوبيا خير مثال ....
لا نستطيع الإدعاء بأن الشمالي والجنوبي سيسيان بعضهما ما بين عشية وضحاها ... ولكن ؛ غدا يأتي اليقين وتستر القبور أجيال حاضرة من دولة السودان ودولة جنوب السودان إرتبطوا عاطفيا بذكريات ومنافسات وغيرة في يوم من الأيام .... وستأتي أجيال جديدة لم تعاصر حروب التمرد والإنفصال تتعامل مع دولة الجنوب بمثل ما كنا نتعامل مع دولة يوغندا .... الزمان لا يتوقف والأجيال لا تخلد بلا ممات في هذه الفانية ورويدا رويدا سيذهب ورم الرأس ومغص الأمعاء لدينا ولديهم مع مرور الأيام.
وحتما لو نهض السودان إقتصاديا وتعافى سياسيا فإن كفة المعادلة سترجح لجانبه . ولن يعود من السهل على الجنوبي مناطحة الشمال الأكثر تأهيلاًً لإمكانات الترقي والنمو والتطور ..... ولا مانع بعد كل هذا في نشوب حرب حدودية نظامية يتعرف فيها كل طرف على إمكانياته وحجمه وفق مستلزمات "رحم الله إمرئٍ عرف قدر نفسه" .... وحتى "يقعد كل واحد في مواعينه" .... هكذا دائما ما تتعرض الدول التي تنفصل عن بعضها في البداية ... ولابد من الوضع في الإعتبار أن هناك تضارب في المصالح ، وهناك أبيي . وعلاقة الحركة الشعبية في الجنوب بتلك التي في الشمال والتسهبلات التي تمنحها الحركة الشعبية لبعض الفصائل المتمردة في دارفور ... ولابد من أن نعي بأن هناك جنوبيون موتورين . وأن هناك جنوبيون يشعرون بعقدة النقص والدونية تجاه الشمالي عامة والعربي السوداني خاصة . وأن هناك جنوبيون لا تزال زفراتهم حرّى ؛ ويرغبون في التقليل من ضغوط "عقدة الزبير باشا" التي تضطرم نيرانها في صدورهم وتغلي من جرائها أعماقهم ودواخلهم وعروقهم ... إذن فالمدخلات لحرب قادمة كثيرة متعددة متشعبة ولا نشك في أن الجيش السوداني وإستخباراته تضع كل هذه المعطيات في الحسبان. وربما تصبح الحرب التي يخشاها البعض وحتى تضع أوزارها سببا فيما بعد لشفاء نهائي على نسق العمليات الجراحية .
3) تأزم حريق دارفور.
بالفعل تأزم حريق دارفور ؛ والسبب أنها تحولت إلى تجارة مسلحة غابت فيها السياسة وسادت جرائم النهب والسلب والتعدي على المحارم التي حرمها الله . وبنحو عام أصبحت الفصائل تبحث عن قوت يومها ولتغطية منصرفات ورواتب منسوبيها بأسلوب البلطجة من تعدي وإختطاف وفرض أتاوات على السكان والتجار والرعاة ومستخدمي طرق المواصلات من أصحاب اللواري السفرية ووسائل النقل.
وفي الوقت الذي لم يشهد جنوب السودان (سابقا) تداخلا سكانيا . وتواجدا لقبائل عربية في عمقه الحيوي . وظل محتفظا طوال تاريخه بأعراقه الزنجية الخالصة . فإن إقليم دارفور يموج بتواجد وتداخل وتمازج سكاني عرقي لا نظير له في بقية مناطق السودان .... عرب دارفور قبائل مقيمة مستوطنة ؛ إما أن تعيش أو تموت وهي قابضة على سلاحها الأبيض والناري على حد سواء .. التواجد العربي في دارفور ليس مجموعة من أفندية ومدرسين وأطباء وجلابة من الولاية الشمالية كما كان الحال في الجنوب.
إذن يحتمل الأفق الحديث والتفكير والتنظير الممكن لإيجاد حلول واقعية لمشكلة دارفور على إعتبار أنها تتعلق بطموحات بعض أبناء دارفور في جانب حظ مناطقهم من التنمية ... وعلى اعتبار أن جانبا منها يظل أمنيا مرتبطا بقدرة الحكومة في القضاء على عصابات النهب والسلب والإنفلات الأمني بوجه عام ......
وواقع الحال فإنه وبعد فشل غزو أمدرمان عام 2008م / ورحيل القذافي عن السلطة فإن التمرد سيجد نفسه يبف ويدور حول نفسه في قيزان الإقليم بلا فائدة مرجوة ولن يغطي المدخول المصاريف وسيتحول الأمر عما قريب إلى مجرد حرائق صغيرة متناثرة مفتعلة . وقد زهدت دول الغرب والولايات المتحدة في دارفور بعد أن زهدت الصليبية العالمية في إمكانية تحويل أهله إلى المسيحية بالرغم من فرص التبشير التي أتيحت لها .... بل أكثر ما كان يغيظها ويوغر صدرها أن اللاجئ منهم يأكل على موائدهم حتى يتجشأ ويشرب حتى يتكرّع ؛ ثم يَهْرَعُ للوضوء بفضل الماء مستجيبا لنداء مؤذن الحكومة والصلاة بخشوع خلف إمامها.
والصادق المهدي يعلم قبل غيره لأسباب تتعلق بأن معظم أنصاره هناك ... بعلم قبل غيره أن التمرد في هذا الإقليم لا يشارك فيه الجميع .. وأن المسألة ليست عنصرية أو دينية وثقافية .. بل وأن نسبة العرب في دارفور هي الأكبر لو حسبناها ككتلة عرقية واحدة . وأن الجنس الغير عربي في دارفور متناثرٌ فسيفساء بين عدة عرقيات . وأن هذه العرقيات المسلمة الغير عربية تتمازج دماءها عبر التزاوج مع رصيفتها العربية في دارفور وكافة أنحاء السودان .. إذن يظل الإنسان في مشكلة دارفور ككيان وكائن حي ليس جزءا من المشكلة (عكس ما كان عليه الأمر مع الجنوب) وهو الأمر الذي يؤكد قابلية المشكلة للحل . وأن على الحكومة المركزية أن تستغل الظرف المواتي برحيل نظام حكم القذافي فتسارع الخطى لحل المشكلة على نحو محايد بين الموالاة والمعارضة هناك ودون تغليب طرف على آخر من أطرافها. على الحكومة المركزية أن تتعلم من أخطاء الماضي . فتعمد إلى حل مشاكل الأقاليم والهامش من داخل الإقليم ومن صميم واقعه هو . وتتوقف نهائيا عن إتباع (منهج غردون باشا) في فرض الحلول على الأقاليم من داخل سراي الخرطوم......
وفيما يتعلق بالبند الرابع ثم الخامس من الأزمات الست فلا تعليق. كونها بالفعل بنود تناولها أكثر من سياسي وكاتب بالرأي والتحليل . وتظل الآراء بشأنها شبيهة متكررة على نحو كبير . وقد كان صواع الصادق الذهبي هنا - وعلى الرغم من خصوصيته - شبيها في الغرف والتعبئة بغيره ؛ وتلخص على النحو التالي:-
4) اتفاقية السلام المسماة شاملة تكشفت عيوبها لا سيما في أمر المناطق الثلاث المستثناة ؛ أي أبيي- وجنوب كردفان- وجنوب النيل الأزرق. فصارت هذه المناطق جبهات قتال فعلي أو منتظر.
5) سياسات اقتصادية خاطئة وسعت بصورة ورمية المصروفات على القطاعات غير المنتجة الأمنية، والإدارية، وصفت دولة الرعاية الاجتماعية، وبددت إيرادات البترول في أولويات خاطئة محققة كل العلل المعروفة من لعنة البترول والمرض الهولندي والنتيجة: ميزانية داخلية وخارجية معجزة، وانكماش في القطاعات المنتجة، وتفشي العطالة، وانفجار الأسعار بصورة جعلت حياة أغلبية الشعب مستحيلة. أسعار اليوم أشعلت النار في كل الجيوب إلا جيوب قلة من الناس، لقد زادت أسعار السلع الاستهلاكية التي يعتمد عليها المواطن في معاشه اليومي بصورة مفزعة كالسكر والشاي والزيت هذا بالإضافة إلى التردي في الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء في عدد من المدن الكبيرة بالبلاد.
ثم أتى الصادق المهدي بالبند السادس والأخير من هذه الفقرة في خطبته والذي كان على الوجه التالي:
6) تغريب الشأن السوداني كله بحيث صارت كل قضايا السودان تبحث وتبرم في الخارج.
وتعليقا بسيطا على هذا البند ؛ يتجه إلى واقع أن لإنعدام الوحدة الوطنية دورها البارز هنا . وجميع القوى السياسية حاكمة كانت أو معارضة متورطة في هذا الأمر كون الحكومة ترغب في جلب المعارضة إلى خندقها جثة هامدة بلا حراك أو إرادة .. ولكون المعارضة ليست لديها قناعات العمل من خلال وحدة الصف ؛ بل تترك كل شئ مؤجل إلى ما بعد هدم المعبد على من فيه . وإعتلاء السلطة بدلا منهم وهكذا تينى معابد وتهدم معابد وتظل ساقية جحا في الدوران من جديد .... فيترك الناس سب الأخوان والإنقاذ ويتفرغوا لسب الحكومة الجديدة .. وما هي إلا يومين حتى ترى الأخوان يخرجون بقيادات جديدة ليقودوا المعارضة ويسبون الحكومة سواء أكان على رأسها الصادق المهدي أو غيره. إنها إحدى الأزمات المزمنة في شعوب ومثقفي وساسة دول العالم الثالث.
وفي ختام هذه الحلقة قبل الأخيرة نلاحظ أن الصادق المهدي قد عرض هذه الأزمات الست بوصف أنها "الأزمات الست التي تحاصر نظام الحكم في السودان" وهو يعني به الإنقاذ ..... وهو ما يدلل على أن السياسي السوداني كبيره وصغيره خطيره وقليله يتعامل مع وطنه وفق الحكومة القائمة ...... وليته إستدرك فقال أنها "الأزمات الست التي تحاصر السودان".
(يتبع الحلقة الرابعة والأخيرة إنشاء الله)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.