الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    رويترز تنشر تقريراً استقصائياً حول إنشاء معسكرات لمليشيا الدعم السريع باثيوبيا    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    سودانير تعلن استئناف رحلاتها من مطار الخرطوم    شاهد بالفيديو.. بعد أداء العمرة.. شيخ الأمين يعفو عن كل من أساء إليه ويدافع عن الفنانين: (أحد الصحابة كان عنده "عود" يعزف ويغني عليه)    شاهد بالصور.. زواج شاب سوداني من فتاة "صينية" مسلمة ومطربة الحفل تكتب: (جمعتهما لغة الحب والدين الاسلامي الحنيف لمدة 14 عام)    مناوي: حرق معسكرات النزوح مخطط قاسي لإرغام النازحين على العودة قسراً إلى مدينة الفاشر التي فروا منها طلبا للأمان    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    شاهد.. مقطع فيديو نادر للحرس الشخصي لقائد الدعم السريع وزوج الحسناء أمول المنير يظهر فيه وهو يتجول بحذر قبل ساعات من اغتياله    شاهد بالفيديو.. جمهور ولاعبو أم مغد الكاملين يحملون مدرب الفريق على الأعناق احتفالاً بالتأهل لدوري النخبة: (جندي معانا ما همانا)    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    دراسة: السمنة وراء واحد من كل عشر وفيات بالعدوى على مستوى العالم    آبل تستعد لأكبر تغيير فى تصميم آيفون منذ سنوات مع iPhone 18 Pro    دعوى ضد ميتا ويوتيوب بشأن إدمان الأطفال للتطبيقات    أسباب ارتعاش العين وطرق العلاج    رئيس شركة نتفليكس يكشف عن تدخل ترامب فى الصفقة الجديدة.. اعرف التفاصيل    درة تكشف عن دورها فى مسلسل "على كلاى".. شخصية مركبة ومعقدة    مني أبو زيد يكتب: القبيلة والقبائلية في السودان بعد حرب الخامس عشر من أبريل    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    وزير المعادن: السودان ينتقل من تعدين الذهب إلى عصر المعادن الاستراتيجية والطاقة النظيفة    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    ارتفاع في وارد المحاصيل الزراعية بسوق القضارف    رحمة أحمد تفاجئ الجمهور بظهورها بالحجاب على البوستر الرسمى لمسلسل عرض وطلب    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    بإطلالة نارية وقرد صغير.. رامز جلال يلمح لمقالبه في رمضان    علامة تحذيرية لمرض باركنسون قد تظهر فى الأنف قبل سنوات من التشخيص    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مدير عام قوات الجمارك: لن نتهاون في حماية الوطن من سموم المخدرات والسلاح    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    الأهلي يبلغ ربع نهائي أبطال أفريقيا.. والجيش الملكي يهزم يانج أفريكانز    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    لجنة أمن ولاية الخرطوم تؤكد المضي قدما في تنفيذ موجهات رئيس مجلس السيادة لبسط الأمن وفرض القانون    ضبط اسلحة ومخدرات بكسلا    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عقوبة الإعدام: آخر بقايا البربرية .. بقلم: د. ميرغني محمد الحسن /محاضر سابق بكلية القانون، جامعة الخرطوم
نشر في سودانيل يوم 20 - 08 - 2019

لقد آن الأوان في اعتقادي لإجراء حوار قومي شامل ومتعقل حول جدوى عقوبة الإعدام في بلادنا وبخاصة أن معظم أمم العالم خلصت إلى أن لا مكان لهذه العقوبة في الأنظمة العدلية في القرن الحادي والعشرين. ليست هذه المقدمة من باب التعميمات التي تفتقر إلى الأدلة فقد ورد في تقرير مركز إعلام عقوبة الإعدام (Death Penalty Information Center) للعام 2018 أن 55 دولة فقط من بين الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (ويبلغ عددها 195 دولة) ما زالت تطبق عقوبة الإعدام. لقد ألغيت العقوبة كلية في 105 دولة وألغتها سبع دول كعقوبة (فيما عدا جريمة الإرهاب) بينما علق تطبيق العقوبة على أرض الواقع في 28 دولة.
ولعل أبلغ دليل على الوعي الإنساني الجمعي بهمجية العقوبة هو التطور المضطرد في أساليب تنفيذها. فقد حفلت القرون الوسطى بطرق إعدام تماهت جلافتها مع مستوى الوعي الإنساني المتدني في تلك العصور وكانت أكثرها رواجاً سلق المحكومين في قدور ضخمة في وسط المدنية أو حرقهم أحياء ليتسلى المتفرجون بعويلهم. وعندما لم يتسن إشراك الجمهور في المراسم برجم المحكومين بالحجارة لأسباب لوجستية تطوع القصابون بتقطيع أوصال المحكومين ببطء متعمد لكي يطول طقس التعذيب إمتاعاً لحشود السابلة وغوغاء المدن.
ومع أن الشنق في إنجلترا يعود إلى القرن الرابع الميلادي (متزامناً مع وصول القبائل الجرمانية الإنجلوسكسونية) إلى أن المراجع تقول إن ملك إنجلترا هنري الأول هو أول من أمر باستخدام الشنق على نطاق واسع كعقوبة جنائية. فعلاوة على قلة همجيته فهو لا يقل قيمة ترفيهية للرعايا الذين قصدوا الغابات للفرجة حيث يتم الشنق. وعلى قول أحد أعوان ذلك الملك "ما أوفر الغابات في مملكتنا وما أكثر السفلة". كما أن الأشجار، على قول العامة في ذلك العهد، "لا تحفل بما إذ تدلى من فروعها ثمر شهي أو صعلوك بائس وتعيس!!". وتوسع ملوك إنجلترا اللاحقين في استخدام الشنق، ففي عهده الدموي أعدم الملك هنري الثامن 72 ألف محكوم شنقاً بينما أبقى على بتر العنق بالسيف كعقوبة ملوكية لإثنين من زوجاته.
وتوسع النظام القانوني الإنجليزي باضطراد في إضفاء عقوبة الإعدام على الجرائم. فبينما بلغت هذه الجرائم 50 جريمة فيما يعرف بعام الثورة المجيدة (1688) وصلت جرائم الإعدام شنقاً إلى 220 جريمة بنهاية القرن الثامن عشر. واشتملت قائمة الجرائم التي قادت مرتكيبيها إلى حبل المشنقة النشل وسرقة الأرانب والتسول من دون رخصة ومصادقة الغجر والتبول على جسر وستمنستر والتجوال ليلاً بوجه مطلي بالسواد!! ثم تناقص عدد الجرائم التي أودت بمرتكبيها إلى الإعدام إلى جريمتين فقط: القتل والخيانة العظمى، إلى أن توقف الإعدام كلية بعد شنق رجلين في أغسطس 1964.
ولا يزال الشنق هو وسيلة الإعدام "الحضارية" الأكثر شيوعاً في دول الإعدام. ولكن، ومثلما ظهر الشنق كوسيلة متمدنة، فقد فقد أفضليته في الولايات المتحدة حيث استحدث الإعدام بالكهرباء في أواخر القرن التاسع عشر كوسيلة إعدام تليق بالرجل الأبيض وأقتصر الشنق على السود وسكان أمريكا الأصليين. ولم يمض وقت طويل حتى فقدت الكهرباء مكانتها للحقنة السامة التي أحالت الموت بالصعق الكهربائي المرعب إلى ما يشبه الإجراء الطبي الذي يخضع فيه المحكوم إلى نوم هادئ وأبدي.
ولنا أن نتساءل، إذا كان الإعدام في جوهره فعل مستهجن، بما يستوجب استحداث وسائل أكثر إنسانية لتنفيذه، فلماذا نثقل الضمير الإنساني به؟ لماذا نعدم القاتل أصلا؟
تحفل عشرات المؤلفات في علم العقاب (Penology) بمبررين جوهريين لضرورة إعدام القاتل: ردع جريمة القتل والقصاص من الجاني. وقد وجد الردع، كمبرر لإعدام القاتل، عضداً في كتابات عمالقة الفلسفة. فعلى قول أفلاطون "جريمة القتل مرض ويتعين قتل المجرم المريض لأجل أن تسلم الجمهورية من وباء ماحق". وفي كتابه "فلسفة القانون" يذهب الفيلسوف الألماني Kant إلى أن إعدام القاتل واجب أخلاقي لا يعلى عليه، فبإعدامه ردعاً نمنع تكرار تلك البشاعة.
وفي مفهوم أنصار الإعدام فإن حجة الردع هي المسوق الذي ينبغي أن تُخرص عنده كل الألسنة المعارضة. وفي كثير من الأحيان لا يفطن أنصار الردع إلى تناقض لا يخلو من طرافة عندما يشيرون، في جملة واحدة، إلى ازدياد معدلات جرائم القتل وإلى ضرورة الإبقاء على إعدام القتلة كوسيلة مثلى لردع تلك الجرائم. وفي واقع الأمر، ليس من باب المبالغة أو لغط القول إنه لا يوجد دليل علمي واحد يمكن الاستناد إليه في الزعم بأن عقوبة الإعدام لها أي أثر ردعي. هذا ما خلصت إليه واحدة من أشمل الدراسات وأكثر خلاصاتها اقتباساً في أدبيات عقوبة الإعدام. وقد قامت بالدراسة أكاديمية العلوم الأمريكية عام 2010. وكان قد سبق الدارسة استطلاع للرأي في أوساط المختصين في علم الجريمة نظمته جامعة كولورادو في أبريل عام 2009 وخلص ذلك الاستبيان إلى أن 88% من العاملين في حقل الجريمة يؤمنون بما لا يقبل الجدل أن عقوبة الإعدام ليس لها أي أثر في ردع جريمة القتل وأن إلغاء العقوبة لن يكون له أي أثر على معدلات القتل العمد فالقاتل "لا يطالع قانون العقوبات ولا يضع أي حساب لقرار هيئة المحلفين قبل أن يتخذ قرار القتل".
ولعل الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن هي أفضل اختصاص قضائي يمكن الاستنساج منه على القيمة الردعية لإعدام القاتل. فحالياً تطبق عقوبة الإعدام في 30 ولاية من الولايات ال 50 إذ ألغيت العقوبة في ال 20 ولاية الأخرى. فما هي معدلات جريمة القتل في الولايات ال 30 مقارنة بالولايات الأخرى؟ تورد صحيفة النيويورك تايمز في عددها الصادر في 19/مايو/2019 أن جرائم القتل في ولايات الإعدام تجاوزت المعدلات المماثلة في الولايات ال 20 خلال العقدين المنصرمين بما يتراوح بين 48% إلى 101%. ففي ولاية النيوي، على سبيل المثال، وقعت حوالي 80 ألف جريمة عنف (بما يشمل جرائم القتل العمد) ثم إنخفض العدد إلى ما دون ال 50 ألف بحلول عام 2014 رغم أن الولاية ألغت عقوبة الإعدام عام 2011. وإجمالاً يتجاوز معدل جرائم القتل في الولايات المتحدة نظيره الكندي بما يتجاوز 43% كما أن معدل جرائم القتل في كندا إنخفض بمقدار الثلث منذ أن ألغت كندا عقوبة الإعدام عام 1976.
ولعل أبلغ دليل على خرافة الردع كتبرير لعقوبة الإعدام هو ما تفضحه أرقام معدلات الجريمة في أوروبا الشرقية بعد إلغاء العقوبة في تسعينات القرن الماضي. فخلال عقد واحد بعد انعتاقها من الإرث الاستاليني، بإعداماته وصور استبداده المتعددة، إنخفض معدل جريمة القتل في المتوسط في كافة دول ما كان يعرف بحلف وارسو بمقدار 60%. ولا يقتصر الأمر على إحصاءات أمريكا الشمالية وشرق أوروبا، ففي خطابه أمام مجلس حقوق الإنسان في مارس 2015 قال مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لحقوق الإنسان " الأرقام لا تكذب. ليس لعقوبة الإعدام أي أثر في ردع جريمة القتل وفقاً للأرقام على مستوى العالم بأسره ".
وفي واقع الأمر وحتى أبان العهد الفيكتوري، بنشاطه الإعدامي الكثيف، كانت دعاوى الردع مصدراً للسخرية والكوميديا السوداء. فقد أكثرت السلطات البريطانية من إعدام النشالين (بعضهم صبية في الحادية عشر) في الساحات العامة ردعاً لآفة النشل واسعة الانتشار في ذلك العهد. غير أن ازدحام الجمهور في ساحات إعدام النشالين (كما ذكر ديفيد أندرسون في مقال نشر في مجلة القانون والاقتصاد عام 2002) كان أفضل المناسبات لجموع النشالين الذين مارسوا تخصصهم بخفة مهنية عالية إذ إنصرف انتباه ضحاياهم لمتابعة طقوس الإعدام!!
لا أجد أفضل ما أختتم به عن أثر الردع سوى مقولة البروفسير جون دنوهو، أستاذ القانون الجنائي بجامعة استاندفورد الأمريكية "لا فرق بين من يعتقد أن للإعدام قيمة ردعية ومن يعتقد أن رقصة المطر هي التي تنزل الغيث"!!
أما في شأن القصاص من القاتل فمرتكزه أن يتجرع الجاني من ذات الكأس التي أودت بالضحية. هذا هو مبدأ ال Lex Talionis أو "العين بالعين"، المذهب الجنائي الذي ساد في حضارة الرافدين وفي مصر الفرعونية والحضارة الرومانية وحضارة الانديز وربما في كافة حضارات الأزمنة الغابرة. القصاص ليس الانتقام، هكذا يقول أنصار القصاص. فالإنتقام أمر شخصي تغذيه الرغبة في الثأر والتشفي، أما القصاص فهو معيار عدالي نوازن فيه بين الجرم والعقاب بحيث يتساويان دون زيادة أو نقصان. فالقاتل يعدم ليحرم من الحياة التي حرم منها الضحية. وعلى وجه السرعة تتبين لنا الثقوب المنطقية في الزعم بأن إعدام القاتل هو الجزاء المعادل لجرمه. ففي كافة التشريعات الجزائية لا يعدم من قتل دفاعاً عن نفسه أو ممتلكاته كما لا يعدم من كان مختلاً عقلياً وقت ارتكاب الجريمة أو من كان ضحية إستفزاز شديد ومفاجئ ولا يعدم من قتل شخصاً دون قصد جنائي. فالطبيب الذي يتسبب في موت المريض اهمالا وكذا السائق الذي يدهس شخصاً دون قصد، لا يعاقبان بالإعدام. وعلى أية حال، إذا قتل شخص ثلاثة أشخاص عمداً فلاي من الضحايا الثلاث نقتص بقتل الجاني؟ ثم إذا كان مرتكز القصاص هو ان يعاقب الجاني بمثل ما فعل، فماذا نفعل بمن يرتكب جريمة الاغتصاب أو تحرير شيك دون رصيد أو إنتحال صفة رجل شرطة؟ بطبيعة الحال فإن السجن (والغرامة أحياناً) هو القصاص المنطقي لمن أرتكب جرماً حيث لا يمكن معاقبته بمثل ما فعل. فإذا كان هذا هو الحال وإذا كان القتل ليس بالضرورة العقوبة المناسبة للقاتل كما رأينا، فلماذا لا يكون السجن عقاباً أيضاً للقاتل عوضاً عن الإعدام؟
ومن دون أدنى شك فإن أعظم عيوب عقوبة الإعدام هو التحقيق الذي يقود الجاني إلى حبل المشنقة. ومثلما تخلفت بلادنا عن ركب الأمم المتحضرة خلال الثلاثين عاماً المنصرمة من الحكم الكلوبتقراطي (حكم اللصوص) المستبد، فقد طال الخراب والتخلف كافة أجهزة العدالة وبخاصة جهاز الشرطة. هذا الجهاز المفصلي ظل يعاني من نقص مريع في الخبرة وفي الأجهزة والمعدات بما حدى به إلى التقوقع في أكثر أساليب التحري تخلفاً وبدائية.
لقد تطورت أساليب فك رموز الجريمة إلى علم متكامل يتفرع إلى عشرات التخصصات. ولا يكاد المرء يستوعب أحدث تطور في مجال فحص الأدلة حتى يظهر في الأفق أسلوب تقص كان إلى عهد قريب في فضاء الخيال العلمي. فمنذ أول جريمة إهتدت الشرطة إلى مرتكبها بتحليل الحمض النووي DNA في بريطانيا في ثمانينات القرن الماضي، تستخدم الآن أفضل التقنيات، حتى في عديد الدول الأفريقية، لتحليل أقل قدر من البقايا الاحيائية التي يتركها الجاني في موقع الجريمة أو تلصق به من الموقع. وفي الواقع يمكن الآن عن طريق تحليل مبتكر لل DNA إكتشاف فصيلة الشعر ولون العيون وطول الجاني وحتى سمات وجهه الرئيسية، ناهيك عن فصيلته العرقية، وبنسبة نجاح تصل إلى 70%. ولأجهزة الشرطة في العديد من الدول مختصين في مجالات تستعصي على الحصر مثل أخصائي إطارات السيارات (لتحديد هوية السيارة المستخدمة في الجريمة) وأخصائي فحص الآثار الآدمية (بتحديد مقاس الحذاء وماركته) ومختصين في طب السموم الشرعي وفي مصدر الحريق كما تستعين الشرطة بالجامعات ومراكز البحث في مجالات الأنثروبولجيا الجنائية وأنثروبولجيا الأسنان (لفحص البقايا الآدمية لتحديد هوية الضحية ومن ثم الوصول إلى الجاني). وقد أصبحت الأدلة الجنائية الرقمية، مثل فحص الهاتف النقال وأجهزة الكمبيوتر والأقراص المدمجة، أكثر الأدلة مصداقية وأكثرها قبولاً في المحاكم. كل هذه فضلاً عن استعانة المحققين بكم لا يحصى من كاميرات الاستطلاع (CCTV) التي أصبحت معلماً نمطياً في الطرق ومحطات الوقود والأسواق وواجهات المباني.
وتمتلك أجهزة التحقيق في بلاد عديدة أسطول من المروحيات التي تبث صوراً جوية متناهية الدقة من مسرح الجريمة إلى مركز العمليات مباشرة كما يقتصر تقصى بعض الجرائم في الوقت الراهن كلية على صوّر الأقمار الاصطناعية.
ورغم هذا الكم الهائل من معينات التقصي وفحص البيانات فقد أدين عشرات الأبرياء بحكم الإعدام. فمنذ عام 1973 أطلق سراح 156 سجيناً من زنازين الإعدام كما أفرج عن 365 سجيناً بإجراء فحص حمض نووي متطور في 37 ولاية أمريكية كما قادت إعادة الفحص إلى القبض على 160 مجرماً كانوا قد فلتوا من الإدانة بسبب تقصي معيوب (أنظر موقع مشروع البراءة على الإنترنت).
وقد نجد العذر لأنفسنا إذا اعتقدنا أن كاميرات المراقبة لا يعلي عليها كأدلة مثبتة للجريمة. هذا ما ذهب اليه قاضي في ولاية تكساس الأمريكية حيث عرض عليه الاتهام عام 2008 فيديو لكمرة مراقبة صوّرت عملية نهب مسلحة لمحل تجاري. وحتى هيئة الدفاع لم تجد ما تدفع به عن المتهم حيث إدانته هيئة المحلفين (التي شاهدت الفيديو ثلاث مرات) وحكم عليه بالسجن 28 عاماً. ورغم ان المتهم (جورج باول) تمسك ببراءته بإصرار ملحمي فقد قضى عشرة أعوام في السجن حتى استطاع خبير في كاميرات المراقبة أن يبين بصورة جلية أن السيد باول أطول قامة من الجاني الحقيقي بتسع بوصات كما أثبت خبير في علم التحليل الأكلينكي للحركة (clinical gait analyst) أن لا علاقة بين التبختر الواثق للسيد باول ومشية الجاني القروية الراجفة!
لا مندوحة للشرطة السودانية، على ضوء بؤس الإمكانات المتاحة لها سوى الاعتماد على وسائل إثبات أقل مصداقية في التحري الجنائي إذا ما قورنت بأدلة ترتكز على فروع العلم الحديثة من فحص مجهري وتتبع الكتروني وطب شرعي غاية في التقدم، ناهيك عما تصوره كاميرات المراقبة. على نطاق متعاظم تعتمد شرطتنا على اعترافات الجناه لسد النقص في طرق الإثبات البديلة. والإعتراف في بلادنا هو "كارثة الأدلة" وليس سيدها كما جرى القول. فنحن نعلم علم اليقين أن الإعتراف يكون في أحايين كثيرة "استنطاقاً" عجل به التعذيب من ركل وجلد بالسياط وأنماط إهانة لا حصر لها. وقل ما يكون الإعتراف حدثاً طوعياً لإفراغ حمولة ضمير مثقل بالذنب. فحتى في الولايات المتحدة حيث يصّور التحقيق (والذي تقدم نسخة منه لفريق الدفاع) وحيث لا يسمح القانون بإهانة المتهم ناهيك عن ضربه، فكثيراً ما "اعترف" أبرياء بجرائم لم تقترفها أياديهم. فمن بين 365 مداناً ثبتت براءتهم لاحقاً، فقد تبين أن 28% منهم أدلوا بإعترافات أدينوا على أثرها، دفعهم للإدلاء بها الخوف وعذابات التحقيق المطوّلة وفقدان الثقة بالنفس (المصدر: مشروع البراءة).
ولا يكاد محضر شرطة في السودان يخلو من شهادة شهود العيان كدليل معضد. وفي تجارب العديد من الدول المتقدمة أثبت هذا الدليل ضعفه الفاضح وكثرة إيقاعه بالأبرياء. فمن بين ال 365 مداناً، الذين سبقت الإشارة إليهم، فقد أدين 69% منهم إستناداً على شهادة شهود زعم الإدعاء بأنهم شهود عدول ثقاة رأوا أحداثاً معينة بأم أعينهم. ولنا أن نتصور كم تدلى أبريا من مشانق السودان استناداً على شهادة شهود كانوا أنفسهم ضحايا الظن وخدع البصر وضعف الذاكرة.
الذي لا جدال فيه إن التقصي الجنائي الذي تستند فيه الإدانة على الاعتراف وشهود العيان وجمع أدلة من موقع الجريمة لا تحفل الشرطة حتى بتأمينه من المتفرجين (الذين يتطوع بعضهم في أريحية سودانية بتقديم النصح الجنائي للمخبرين!!!)، عوضاً عن استخدام وسائط العلم الحديثة، إنما يفتح بوابات الطوفان للشك والتخمين والشبهات مما ينبغي أن يقصي الإعدام من قائمة العقوبات. وفي هذا الصدد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أدرأوا الحدود بالشبهات فإن كان له مخرج فخلو عن سبيله فإن الإمام ليخطئ خير من أن يخطئ في العقوبة".
ولكن روح التسامح الإنساني التي ينضح بها حديث الرسول (ص) سالف الذكر، وكذلك ما عهد عنه (ص) على قول الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه "والله ما رأيت رسول الله (ص) رفع إليه شيء في قصاص إلا أمر فيه بالعفو"، وهذا النهج النبوي الحليم لا يتماهى مع الصراخ الداعشي المدو الذي يصيح بوجوب الإعدام في الدول ذات الغالبية المسلمة. هذا صراخ يجيء من باب "أنا أعدم، إذا أنا مسلم". هذا، بطبيعة الحال، هو صدى الأفكار السايكوباثية التي ترى أن دين الله وسنة رسوله صلّ الله عليه وسلم ناقصان مثقوبان إن لم نلحق بهما كل أصناف البربرية التتارية. السودانيون ليسوا أكثر إسلاماً من باقي الشعوب المسلمة ولا يملك السودان حصص الأغلبية في دين الله. فتركيا والسنغال وجيبوتي المسلمة ألغت عقوبة الإعدام كلية كما أوقفت جمهورية موريتانيا الإسلامية العقوبة منذ 32 عاماً. لم ينفذ حكم إعدام واحد في تونس التي يشكل المسلمون 99% من شعبها منذ 28 عاماً وكذا فعلت المغرب، مهد الممالك الإسلامية العريقة، منذ 26 عاماً. لم تعدم السلطات العمانية المسلمة شخصاً منذ 18 عاماً كما توقفت دولة قطر عن إعدام البشر منذ 16 عاماً. وفي ديسمبر عام 2018 صوتت جمهورية باكستان الإسلامية بالموافقة على قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة الذي أوصى بوقف العقوبة وكذلك فعلت ليبيا وماليزيا والغامبيا. لم يقدح وقف عقوبة الإعدام من إنتماء كل هذه الدول للإسلام فلا حاجة لبلد أن يتدلى البشر من مشانقه ليشهد له الناس بالإسلام.
وعلى أية حال، ونحن نعانق المجد ونقف على أبواب الخلود بدخولنا عهد الحضارة والمدنية، فينبغي أن لا يعلو علينا صوتاً سوى صوت الدولة المدنية. لا بد لنا أن نغتسل من براثن دولة الكيزان وصدى ذكرياتها المخذية وفتاويها المداهنة للسلطان وتسلط كهنتها السفهاء. فخلال عهود التيه المهينة نفذ إلى الواجه الملتحي الخبيث المتدثر بلحاف الدين منصباً نفسه شرطياً لله في بلادنا وجاعلاً من نفسه (على قول الراحل صلاح أحمد إبراهيم) عالما "في الفضاء والقضاء والتاريخ والبلهارسيا". فاذا كانت الحرب أخطر من أن تترك للجنرالات وحدهم، فمسيرة الدولة المدنية أجل شأناً من أن ينصحنا في شأنها أئمة السلطان البشير ممن مجدوا العصر البرونزي بحسبانه أزهى أزمنة الإنسانية قاطبة.
ينبغي التأكيد في الختام أنني لست خبيراً في علم الجريمة ولم يتسن لي العمل في القضاء أو أجهزة الشرطة والنيابة. إنما قصدت بمقالي هذا أن نبدأ حواراً صريحاً وشفافاً حول جدوى عقوبة الإعدام في بلادنا والتي حجزت لها مقعداً دائماً في قوانين العقوبات السودانية منذ أول تشريع صدر في عام 1899. فبإستثناءت قليلة فإن عقوبة الإعدام الآن صفة لازمة لأنظمة القمع والإستبداد إذ تتماهى مع فلسفة الطغاة الحاكمين، فالذي لا جدال حوله أن إلغاء عقوبة الإعدام ظل صنواً للتحول الديمقراطي وإيذاناً بطي صفحة هذه العقوبة البدائية التي أسس لها الملك الإنجليزي هنري الأول قبل تسعة قرون ونصف.
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.