بعثة المنتخب تصل بورتسودان وسط إهتمام كبير    منتخبنا يتدرب صباح الخميس بإستاد بورتسودان    قائمة صقور الجديان لوديتي السعودية    تعديل وزاري مرتقب في السودان يشمل ست حقائب وزارية    11 دقيقة إضافية من النوم ليلا تساعد فى الوقاية من النوبات القلبية    13 حزمة لغوية جديدة لترجمة محادثات "واتساب"    سناب شات" يحوّل الصور إلى فيديو بالذكاء الاصطناعي    كواليس صادمة... كيف تعطلت صفقة تسليح الجيش السوداني في اللحظات الأخيرة؟    بالصورة.. الصحفي السوداني الشهير حسين خوجلي يستعيد بصره وسط سعادة أصدقائه ومتابعيه: (عودة البصر لصاحب البصيرة والوان وحمدا لله على السلامة أبو ملاذ)    الباشا طبيق : السيطرة على الكرمك تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في السودان    هل يكون محمد صلاح الصفقة الكبرى القادمة بالدوري الأمريكي بعد جريزمان؟    جلسة مع محمد صبحى في الزمالك.. اعرف السبب    استمرار محاولات الأهلي لإنهاء أزمة الشرط الجزائي مع توروب    يارا السكري تكشف لليوم السابع تفاصيل دورها فى فيلم صقر وكناريا    شاهد بالصورة.. فاتنة الإعلام السوداني تخطف الأضواء بأحدث إطلالة لها والجمهور يطيل الغزل في جمالها: (يا دووب كدة عيدنا)    باسم سمرة: الناس بقت تناديلى ب«زكى».. ونجاح عين سحرية توفيق من ربنا    ذكرى رحيل أحمد حلاوة.. ممثل جمع بين الهندسة والدكتوراه فى فلسفة الفنون    نصائح لوقاية مرضى حساسية الصدر من التقلبات الجوية والرياح    مشروبات تساعد على حرق الدهون بعد كحك العيد    اكتشاف مرض وراثي جديد يسبب الشيخوخة المبكرة والقصور الإدراكى    شاهد بالصور. الفنانة مروة الدولية تفاجئ الجميع وتعتزل الغناء وعازفها الشهير ينشر مراسلات واتساب بينهما أكدت فيها تمسكها بالقرار    بالصور.. مدارس أبو ذر الكودة تلزم أسرة طالب بدفع غرامة قدرها 100 ألف جنيه بسبب كسره مفتاح مروحة بالفصل ومتابعون يتصدون للدفاع عن المؤسسة    شاهد بالصورة والفيديو.. في تقليعة جديدة.. شباب سودانيون يلطخون صديقهم العريس ووزيره ب"ظهر الصابون" و"البودرة"    الهلال يواجه ضغط المباريات في رواندا    جبريل يلتقي المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    كيف تفاعل النجوم مع خبر رحيل صلاح عن ليفربول؟    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    تعطيل الدراسة في الخرطوم    "تمبور" يكشف عن توجيهات صادرة جديدة    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    طهران ترد على تهديدات ترمب    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    هل تستطيع أمريكا احتلال جزيرة خارك الإيرانية؟    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    شركة كهرباء السودان تحديث حول سير أعمال الصيانة الطارئة للشبكة القومية    توقّعات بارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    بنك السودان المركزي يصدر توجيهًا للمصارف    إبراهيم شقلاوي يكتب: الزراعة ما بعد اقتصاد الحرب    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    ملتقي التحصين للعام 2025 ينعقد بحضور التحالف العالمي للقاحات والشركاء    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لم يتوقف غناء السمندل .. ثلاثة عقود على انتقال محمد عبد الحي الى الخلود .. بقلم: عمر جعفر السّوْري
نشر في سودانيل يوم 01 - 09 - 2019


إذا ما استمعت لأهل القلوب فحاذر تصفهم بقول العيوب
فإنك لست الخبير المرجّى بسر الضلوع وسر القلوب
فإني بقيت عزيزاً كريماً، ولم أحنِ رأسي لدنيا الذنوب
"حافظ الشيرازي"
قبل ثلاثين عاماً أرخى الحزن سدوله على وادي عبقر وخيم الأسى على الشعراء والغاوين وأهل الثقافة والفنون، وحتى الحروف والكلمات سكبت دموعاً حرى على فراقه، وهو من طوع الحرف بين أنامله وجاء بعصي الكلمات ملك يديه. غادر الشاعر الفخيم والأديب الأريب الملهم والانسان الودود اللطيف الى عالم الخلود. عجولاً رحل الى الأبدية، تاركاً خلفه لحنأ وغناءً لم يزل يتردد في كل حين فيشنف الآذان، ويطرب القلوب ويشحذ العقول، وظلاً وارفاً ما انحسر في يوم من الأيام، بل بقي بعد المغيب في الليالي الحالكات يهدي الأعشى الطريق فيسلكه الى زمان ومكان القريض. في ذكرى رحيله العشرين، نشرت الكلمة التالية؛ أعيد نشرها اليوم بعد عقد من الزمان:
العبقرية الشعرية هي تجسيد للإنسان الحق، كما أن جسد أو مظهر ذلك الإنسان منبثق من تلك العبقرية الشعرية ذاتها. (وليم بليك)
في مثل هذه الأيام منذ عشرين سنة رحل عبقري ما فتئ يلهم أعداداً متزايدة من الناس، مبدعين ودارسين وغاوين؛ يثير فيهم روح التأمل، ويحفزهم على الانطلاق إلى رحاب واسعة، ويطلق منهم وفيهم مكنونات قرائحهم، ودفين مشاعرهم وأحاسيسهم. بقي محمد عبد الحي، ذلك السامق الجميل، حاضراً في عصفِ الغيابِ ريحَ عطاءٍ متجددٍ كلما نظر المرء إلى عمل من أعماله، إلى قصيدة من درره، بل إلى بيت من شعره.
التقيت محمداً أول مرة في منزل كان يسكنه مع الصحافي جمال عبد الملك (ابن خلدون) في الخرطوم بحري. ففي ذات ليلة خريفية من أخريات ليالي الستينيات ترك ابن خلدون دار الرأي العام مبكراً، إذ لم يكن في الأفق ما يستدعي البقاء لملاحقة نبأ أو متابعة قصة صحافية بدأت في التدفق عبر المذياع أو المبرقة أو الراقمة. كانت ليلة راكدة خبرياً، مملة ناعسة. كنت عنده في المكتب، حينما بدأ كلانا يتثاءب ضجراً لا نُعاساً، فدعاني لمواصلة "الثرثرة"، في منزله، حول رواية لويس عوض "العنقاء: أو تاريخ حسن مفتاح"، وخصوصا الفصل الأخير منها. كان جمال يرى نفسه في فصولٍ من تلك الرواية، إذ انتمى في فترة من الفترات إلى الجماعات الماركسية المصرية؛ نشط في بعضها، وعرف أخرى، وتعاون مع غير واحدة، حتى قدومه إلى السودان. كانت تلك الرواية وأحداثها وظلالها وإشاراتها، وإنجيلها المقلوب محور أحاديث طويلة دارت بيني وبينه في أوقاتٍ مختلفة، كشف لي خلالها رموز أسماء وردت بين دفتي الكتاب، وفسر لي بعض ما جاء فيها من وقائع اختلطت بالخيال والسرد الروائي. لم أعرف وقتذاك انه شريك محمد في السكن حتى دلفنا إلى الدار.
رأيت محمداً راقداً في فناء البيت وعلى راحتيه كتاب تبينت فيما بعد انه ترجمة إنقليزية لرواية "موت مريح" لسيمون دوبفوار! صاحبة الفيلسوف الوجودي الفرنسي سارتر ورفيقته فكرياً وإنسانياً، وإحدى رائدات الحركة الأنثوية. في تلك الفترة أهتم كثير من "المثقفين" السودانيين بمتابعة الوجودية وكتّابها وأدبائها كما فعل نظراؤهم المشرقيين. كانت بيروت من روافد الترجمات العربية لذلك الفكر، لا سيما المكتوب بالفرنسية. إلا إن الخرطوم قد ذهبت أبعد من ذلك حينما أسس عدد من "المثقفين" تياراً وجودياُ نشيطاً، رغم صغر حجمه، نطقت باسمه مجلة "الوجود" التي لم تعمّر الا قليلاً، واحتجبت بعد صدور أعداد قليلة. لعل نقص التمويل، وضيق ذات اليد من بين عوامل التوقف. كان من أبرز وجوه ذلك التيار، بشير الطيب، الذي رأس تحرير المجلة، والمحامي كمال شانتير. حينذاك كان تلاقح الأفكار والتيارات وصراعها في السودان ثراً ومتمدناً؛ والتسامح قائم على ترك الحكم للناس فيما يتلقون من معارف ومذاهب، وليس مرتكزا على قضبان الحديد والعصي الغليظة والعنف الغاشم الأهوج الأعمى، وإنزال العقوبات الجسدية بالرجال والنساء والأطفال، وقتلهم وإخفاء جثامينهم. كان للوضعية المنطقية – على سبيل المثال -أنصارها، وحتى البنيوية وكلود ليفي اشتراوس وجدا آنذاك من ينافح عنهما في محيط الصفوة.
كانت تلك من خصال محمد: القراءة في كل وقت، فان لم يكن كتاباً مطبوعاً، فتصفح عقول الآخرين وآرائهم؛ حتى حينما أصبح التلفاز آفة العالم، غنيه وفقيرة، المتعلم منهم والجاهل، يسرق وقتهم، ويصرفهم عما يميط العُصب عن العيون. خصلة القراءة تلك تعدي من يخالط محمداً وتسري فيه. فحين التقينا في دمشق صيف العام 1980 لم أشاهد وجه هذا الغول الكاسر حتى غادرنا هو وأسرته عائداً بعد شهر أو بعض شهر إلى السودان، فعدنا نحن سيرتنا الأولى، نصرف ساعات ثمينة فيما لا يجدي! في تلك الليلة دار حديث تعارفٍ لمس سطوح مواضيع شتى. ومحمد يسبر غور من يتعرف إليه لأول مرة بشفافية الشاعر المتبتل، ورؤية المعلم الحاذق، ونفس الكريم المعطاء.
كنت التقي محمداً في أوقات متباعدة، الا إنني قضيت معه وقتاً طويلاً في دمشق، اقتربت منه وحاورته من غير إلحاح. كنت اذكر له شيئاً بصورة عابرة دونما أبيّن له بأني متقصد ذلك. لكنه كان يدرك قصدي، فإما يسهب في الحديث أو يختصر. قبل لقائنا في جُلًقْ الشام، استضافني في منزله بالخرطوم في أواخر سبعينيات القرن المنصرم حيث أفرد لي مجلساً عامراً بالود والأدب والثقافة بكل ألوانها وأشكالها وحديثاً مستطرد يؤمه شاعر العربية والسودان محمد المهدي مجذوب، ثم أعقب ذلك، في وقت متأخر من الليل، بمأدبة حافلة بما لذ وطاب صنعته أيدي زوجه ورفيقة دربه الدكتورة عائشة. كان ثلاثتنا في انتظار عبد الله على إبراهيم. لكنه لم يأت مضطرا، فقد لبث (تحت الأرض) يومذاك، إذ كانت العيون والعسس تقتفي أثره. لعل الطريق لم تك آمنة وسالكة له ذاك المساء. قبل أن أغادر الخرطوم حمّلني شاعرنا مخطوطة دراسة له عن قصيدة بدر شاكر السياب "أنشودة المطر"، كتبها في ذكرى انقضاء ربع قرن على نظمها.
طلب مني أن أحاول نشرها في سورية أو لبنان. اقترحت أن أقدمها إلى مجلة "المعرفة" السورية، وهي مجلة ثقافية شهرية راقية تصدرها وزارة الثقافة في سورية، كانت تذكرني بمجلة "الخرطوم" أيام مجدها. لقي اقتراحي قبولا لديه، بل ترك تقدير مكان النشر لي. حينما وصلت دمشق ذهبت على الفور إلى مقر المجلة في مبنى ملحق بالوزارة. استقبلني في مكتبه رئيس تحريرها يومذاك الصديق الأديب زكريا تامر. طلب فنجانين من القهوة. قلت له: زكريا، قبل أن نتحدث في أي شأن آخر، أود أن أخبرك بأنني قادم من الخرطوم وأحمل إليك منها هدية قيمة، هي دراسة للدكتور محمد عبد الحي لنشرها في "المعرفة"، وناولته مظروفا يحوي ما كتبه محمد. أشعل زكريا لفافة اخرى من عقب سيجارته، فهي لا تفارق شفتيه الا وقت المنام. فتح المظروف وبدأ قراءة الدراسة. ظننته في البدء سيبدأ بتقليب أوراقها سريعاً أثناء زيارتي. الا انه أخذ يقرأها، ومع كل صفحة يطويها كان يشعل لفافة اخرى ويرشف رشفة خفيفة من فنجان القهوة حتى آخر صفحة. لم يكلمني البتة أثناء القراءة ولم ينظر إليّ. استغرق ذلك وقتاً طويلاً لم يكن في حسباني. حينما انتهى من القراءة نهض إلى مكتبه ورفع سماعة الهاتف وأمر من أجابه بالحضور فورا لأخذ مادة جديدة للعدد القادم الذي كان مقرراً صدوره بعد أيام. أخذت الدراسة طريقها إلى المطبعة مباشرة قبل أن نتبادل الأحاديث في شؤون وشجون شتى. ونشرت الدراسة في عدد ذلك الشهر.
بعدها بأشهر قليلة جاء محمد وأسرته إلى دمشق، وأتينا على ذكر دراسته فقلت له أنها نشرت في المعرفة ذات الشهر الذي تسلمتها منه وله أن يأخذ نسخاً من ذاك العدد من دار المجلة التي انتقلت حينذاك من مقرها قرب مبنى وزارة الثقافة إلى شارع فرعي من ساحة النجمة حيث ملتقى الأدباء والمثقفين في مقهى الاتوال (النجمة)، وكنت اختلف إليه. صحبت محمدًا إلى مقر المجلة ورجوته أن يصعد إلى مكاتبها وحده وسأنتظره في المقهى أو نلتقي في المنزل إذا ما طالت جلسته هناك. عرفت منه فيما بعد أنهم احتفوا به أيما احتفاء. أطالوا الجلوس إليه فلم يوافني في المقهى ولم انتظره سوى نصف ساعة ثم مضيت إلى موعد لي وانصرفت إلى شغل كان ينتظرني.
رغم مضي ساعات على تركه مقر "المعرفة"، الا أن الدهشة ظلت ترتسم على وجهه حينما رأيته في البيت ذاك المساء. بادرني بالقول انه أمر غريب يحدث في هذه البلاد. لقد زودوه بنسخ من العدد الذي نشرت فبه دراسته وطلبوا منه قبل مغادرتهم أن يعرّج على محاسب المجلة ليتسلم المكافأة المقررة له واعتذروا منه لعدم إرسالها إليه قبل ذلك التاريخ لأنهم لا يعرفون له عنوانا وليس لديهم حسابه المصرفي في السودان. لم يكن محمد فرحاً بالقيمة المادية للمكافأة - إذ لم تكن في حسبانه - ولكن في القيمة المعنوية وفي التقدير الذي يلقاه العمل الفكري، وفي أن هذا التقدير المادي جاء بدون مطالبة، وأن انقضاء الشهور الطوال عليه لم تلغه أو "تشطبه من الدفاتر". قارن محمدٌ ذلك بما يجري في الصحافة السودانية. تدفق حديث ثر ممتع تلك الأمسية من جداول أحاديث محمد الرقراقة الجزلة.
كان بعض المثقفين والشعراء السوريين على دراية بجماعة الغابة والصحراء. فقد دار حديث استغرق وقتاً طويلاً عنها يوم احتفى الشاعر السوري علي الجندي بمحمدٍ. كان لقاؤهما حميماً وحاراً أطلق قريحة علي الجندي وتعليقاته الظريفة ودعاباته وسخريته الودودة. كان لون بشرة شاعرنا هو منطلق الحديث عن تلك الجماعة وشعرها، قبل أن نخوض في حال الشعر العربي الحديث، وحال العربية نفسها. تذكرت يومئذ أبياتاً للشاعر والتشكيلي الانقليزي وليم بليك فيها جرعة كبيرة من العنصرية، وتناقض واضح، يقول فيها:
لقد حبلت بي أمي في برية الجنوب
وأنا أسود اللون، آهٍ! لكن لي روحاً ناصعة البياض أبيضٌ مثل ملاك ذلك الطفل الانقليزي.
غير أني أسودٌ، كأنما حرمتُ من نعمة الضياء.
كم يبدو محمد عبد الحي أكثر وضوحا وانسجاماً في قصيدته "العودة إلى سنار"، حينما يشير إلى ذات الامر!
انحصرت غالب الدراسات والمقالات والرسائل الأكاديمية التي تناولت هذا العبقري في عمله الكبير "العودة إلى سنار" الذي أعاد كتابته أكثر من مرة. ورأيت أنها أيضاً لم تشر إلى مغزى تلك الإعادة، أو بالأحرى تلك العودة إلى القصيدة منذ أن كتبها أول مرة إلى أن رحل. وبعضهم مر عليها مرور الكرام!
يقول في نسخة منها:
عربي أنت؟ لا.
من بلاد الزنج؟ لا
ولكن أبدل ذلك فيما بعد:
بدوي أنت؟ لا
من بلاد الزنج؟ لا
خشي محمد من أن العبارة الأولى قد تضع معولاً هدّاماً في أيدي من يريد سوءاً – بغير وجه حق – بالثقافة العربية في السودان. ورغم ذلك حدث ما كان يخشاه وينفر منه، رغم التعديل الذي أجراه، حينما استشهد بتلك الأبيات منصور خالد (طبعة الحركة الشعبية لتحرير السودان) إظهارا للعداء نحو الثقافة العربية في ربوع السودان وأنحائه. بئس ما فعل حينما وقف عند "لا تقربوا الصلاة".
لكن الكثيرين – إن لم يكن الجميع – أغفل نثر محمد الذي كتبه بالعربية والانقليزية، وتجاوزوا عمله الأكاديمي وجهوده الثقافية الموازية، مثلما عبروا فوق أعماله الإبداعية الأخرى. فقد خاض عبد الحي غمار النقد، كدراسته عن "أنشودة المطر" والتجاني يوسف بشير وغيرها. وله كراسة منشورة باللغة الإنقليزية بعنوان "الشعر السوداني المعاصر" فيها نظرة عميقة نحو حركة الشعر في السودان. أهداني تلك الكراسة وديوانه "السمندل يغني" حينما جاء إلى الفيحاء يستريح فيها قليلاً. لم أضن على أحد بكتاب أو مطبوعة من قبل ومن بعد، الا بتلك الكراسة، حتى غافلني أحدهم وأخذها. عدد من الطلاب السودانيين والعرب الذين كانوا يدرسون في قسم اللغة الإنقليزية بكلية الآداب في جامعة دمشق استفاد منها في كتابة مشاريع وأوراق تخرجهم. كانوا يأتون إلى منزلي لقراءة الكراسة. لم يكن لأحد استعارتها البتة وإخراجها من المنزل! كذلك كتب محمد المسرحية. وحينما أراد أن يلج أبواب السياسة، فعل ذلك بأسلوبه الرفيع وعلى رؤوس الأشهاد، إذ نشر في الصحف رسالته إلى علي محمود حسنين التي يطلب فيها الانضمام إلى الحزب الوطني الاتحادي. أما ما فعله في وزارة الثقافة، فإنني أدعو غيري للكتابة عنه تفصيلاً، إذ لم أكن في السودان لأشهد بذلك.
كان محمد المعلم حاضراً دوما حينما يدعى إلى الدرس والتدريس. تلقيت ذات مساء هاتفاً من وردتين شاميتين من الورد الجوري الذي تشتهر به دمشق. هما شاميتان من قلب حي الميدان الدمشقي العريق. طلبتا أن أشرح لهما أبياتاً من الشعر الانقليزي، إذ ستجلسان لفحص التخرج في اليوم التالي، اعتذرت منهما لأنني في حضرة ضيوف كرام، الا أنهما ألحتا إلحاحاً لا يجدي معه اعتذار، ثم قلت كيف أفتي ومالك في المدينة. فسألته العون، فأجاب من غير تردد. كنت في تلك الأمسية صحبة محمد وأسرته والشاعر السوري، نزيه أبي عفش، وأسرته. جاءت الجوريتان فجلس محمد يشرح لهما أبيات الشعر ويحدثهما عن الشاعر والمناسبة لساعة من الزمان. استأذنتا بالانصراف بعدها، ولكن قبل خروجهما قالتا إنهما استوعبتا "الأدب الانقليزي في هذه الساعة بمقدار ما درستاه في سنوات الجامعة الأربع!" كنت أصيخ السمع لشرح محمد، فأدركت أن التعليم عنده إبداع كما الشعر والأدب. فهل يكتب تلاميذه عن محمد عبد الحي المعلم؟
نزيه أبي عفش شاعر وتشكيلي وموسيقي ومتمرد من بلدة مرمريتا في جبال الساحل السوري. وهي بلدة تحدث أهلها عن الأمية كخرافة يوم كان المشرق يغط في نوم عميق. ارتحل سكانها إلى مشارق الأرض ومغاربها وهاجروا، لكنهم ما انفكوا يعودون إليها بما غنموا، وما كسبوا، يضعون فيها جنى العمر، حتى بدأت الهجرة بين أبنائها في الانحسار بينما تزايدت عند غيرهم. أبو عفش –وإن لم يكن معروفاً خارج بلاد الشام كما يجب – شاعر رائد يسبق غيره ويظل سبّاقاً في تجديده للشعر المعاصر من كل جوانبه لغة وموسيقى وغير ذلك.
التقيت محمداً للمرة الأخيرة في العام 1981 حينما توقفت لمدة يومين في لندن عند عودتي من أكابولكو بالمكسيك حيث انعقد الاجتماع الثاني لوكالات الأنباء العربية والاميركية اللاتينية، بعد اجتماعها الأول في دمشق. وكالعادة كان السودان غائباً عن كل تلك المؤتمرات والاجتماعات. كنت احرص على أن التقي بعثمان وقيع الله في المرات المتباعدة التي أزور فيها عاصمة الإنقليز. يومذاك اتصلت به فأنبأني بان صديقنا الشاعر الكبير محمد عبد الحي في العاصمة البريطانية للعلاج رفقة زوجه ووالدته. طلبت منه أن يصحبني إليهم لأعوده، وأزور أسرته الكريمة. كنت أقيم – كعادتي – في كيو قاردنز في منزل صديق وزميل صحافي أميركي، هو شارلس قلاس، تربطني به وشائج مودة قديمة. وشارلي حاول أن يسبر - من خلال رحلة برية قام بها – أعماق ما وراء سايكس – بيكو، فكتب "قبائل ترفع أعلاماً: رحلة مبتورة من الإسكندرون إلى العقبة". الكتاب مرجع مهم لفهم ظلال وخطوط تقسيم المشرق. وقد انقطع خط رحلته تلك في بيروت عندما خُطف صحبة علي عادل عسيران، نجل رئيس البرلمان اللبناني الأسبق، ثم أطلق سراحه من الأسر بعد عشرة أسابيع، أما السياسي اللبناني فقد خُلي سبيله بعد أيام ثلاثة!
ألح التشكيلي المبدع عثمان وقيع الله أن يصحبني من كيو قاردنز، رغم بعد المسافة، إلى حيث يقيم محمد عبد الحي. ولم أتمنع كثيرا، إذ عرفت إن تنقلنا من قطار إلى حافلة حتى نصل هناك سيمتعني بطلاوة حديثه وروائع حكاياته ورواياته. وكان كما حسبت. كان عثمان من جيل أبي وصديقه، ولكنه أبى إلا أن يأتي ليصحبني بدلا من أن نلتقي عند شاعرنا الكبير.
تردني في هذه الذكرى أبيات للشاعر الانقليزي أدوين موير في قصيدته "إبراهيم"، فهو قد رحل غرير العين، رغم إن الوعد لم يتحقق بعد، ولم يقترب من دار أبيه في أرض كنعان البعيدة:
لقد جاء واستراح، وأصاب نجاحاً وازدهاراً، ومضى
مخلفاُ وراءه ممالك رعاة صغيرة مبعثرة في المدى
وفوق كل مملكة سماؤها المميزة
تلك السماوات لا تشبه السماء المستديرة العظيمة التي سافر عبرها
والتي ارتحلت معه، لكنها تغيرت لما استراح
فاض ذهنه بالأسماء
اسماء تعلمها من ألسنة غريبة يتكلم بها الغرباء
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.