الأمم المتحدة تفتتح مقرها بالخرطوم    شبكة أطباء السودان .. قوة تتبع للدعم السريع اقتحمت مستشفى الأسرة بمدينة نيالا واعتدت علي الكوادر الطبية    كانتي.. منذ أن كان حلمًا في أعين الهلالاب    محمد عبدالقادر يكتب: شهادة البوشي.. و"فضيحة صمود "    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    قرارات لجنة المسابقات باتحاد الكرة الدامر    من الرياض إلى موسكو.. "الثلاثية المرتقبة" بين بيفول وبيتربييف تلوح في الأفق    "صمود" يدين اغتيال أسامة حسن ويصفه بجريمة سياسية مروعة    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    أول إصابة بشرية بإنفلونزا الطيور H9N2 في أوروبا.. هل نبدأ القلق؟    ترامب يمثل أمام المحكمة العليا اليوم بسبب «الولادة».. بولتيكو تكشف التفاصيل    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: الحوت تعرض لظلم فادح من هؤلاء وهذا ما فعلته عندما علمت بتعاطيه "السجائر" وهو طالب في الثانوي    مزمل أبو القاسم يكتب مقال ساخن: (لم نرصد لهذه الحكومة إنجازاً واحداً حتى اللحظة بخلاف جرأتها على المواطنين وتفننها في فرض الجبايات والرسوم عليهم)    فرض غرامة على شركة تابعة لأبل لانتهاكها قواعد العقوبات المفروضة على روسيا    مواعيد مباريات الجولة الثانية بمجموعة الهبوط بالدوري    منتخب غانا محطة رينارد القادمة بعد الرحيل عن تدريب السعودية    الحكومة الإسبانية تدين الهتافات العنصرية ضد منتخب مصر    عيد ميلاد جومانا مراد.. مسيرة نجاح من دمشق إلى القاهرة    ريهام عبد الغفور : جمهور الأقصر دافئ وصادق وخريطة رأس السنة يحمل روحا مختلفة    مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة يكرم ليلى علوي بجائزة إيزيس للإنجاز    ألم العين.. أسباب شائعة وأعراض تستدعى استشارة الطبيب    سيلينا جوميز تكشف رحلتها الصعبة لتشخيص اضطراب ثنائي القطب    إزاى تحمى نفسك من نزلات البرد فى الجو الممطر؟    السودان.. زيادة مخيفة للإصابة بالضنك في 7 ولايات    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    معلومات خطيرة حول هلاك قيادي بحكومة "تأسيس".. تم اغتياله بواسطة مسيرة تتبع للمليشيا بتعليمات من يوسف ضبة والسبب منصب الشباب والرياضة!!    شاهد بالصورة والفيديو.. حسناء سودانية تقتحم المسرح وتدخل في وصلة رقص مثيرة مع المطرب عثمان بشة خلال حفل بالقاهرة    شاهد بالصورة والفيديو.. شبيهة هدى عربي تستعرض جمالها على أنغام ندى القلعة وساخرون: (شن جاب الكيكة للويكة وما استخرتي نهائي)    بالصورة.. البرنس هيثم مصطفى وزيراً للرياضة في السودان    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عبد الخالق محجوب معرباً (1/3) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم
نشر في سودانيل يوم 22 - 09 - 2019

(متى أشرق صبح الغد 22 سبتمبر مرت الذكرى الثانية والتسعين لميلاد أستاذنا عبد الخالق محجوب. ويسعدنا أن تتوافق هذه الذكرى مع صدور تعريبه لكتاب المفكر الروسي ج بلخانوف (1856-1918) المعنون "الفن والحياة الاجتماعية" من دار المصورات للنشر بالخرطوم. وهو واحدة من أربع مخطوطات كان المرحوم عربها لمفكرين تقدميين روس عهد لي بنشرها في 1970 حين توليت إدارة دار الفكر الاشتراكي. واختلط الأمر اختلاطه المعروف بما سيري القارئ أدناه. وتعطل المشروع وكثيراً. وأسعدني أن جاء لإسعافي في تحرير الكتاب الدكتور مجدي الجزولي فكان الصاحب في هذا السفر الأغر في الولاء لإرث المرحوم الذي غرس بذرة التغيير في بلدنا كما لم يسبق أو يعقب.
ما أكثر تعاريب "الفن والحياة الاجتماعية" لبلخانوف. ولذا كان دأبنا في تحرير الكتاب هو التقديم له بكلمة عن نهج أستاذنا في التعريب من فوق علمه الحسن بالعربية وبالإنجليزية وحسه البليغ بالسياسة والثقافة. وهي المقدمة التي أنشر بعضها أدناه. ونأمل أن يمتد بنا العمر لتحرير ونشر المخطوطات الثلاث الأخرى: واحد ثانية لبلخانوف عنوانها "المفهوم الواحدي للتاريخ"، وثالثة ورابعة لمثقفين ماركسيين روس آخرين هما نيكولاي شيرنشفسكي واناتولي لوناشارسكي. نخرجها للناس كما أراد منذ نصف قرن ونخلص ذمتنا محبة لواحد من أوسم رجال السودان ونسائه).
1-كيف نجت المخطوطة من حريق 19 يوليو 1971
هذا الكتاب من تعريب الأستاذ المرحوم عبد الخالق محجوب (1927-1971)، سكرتير الحزب الشيوعي من 1949حتى مقتله في 1971، لُقْيَةٌ. فقد عددناه من ضمن خسائر الحملة المعادية للشيوعية التي تولى كبرها نظام الرئيس جعفر محمد نميري (1969-1985) بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 الذي وُزِر الحزب الشيوعي به. فقد كانت مخطوطته ضمن أربع مخطوطات في علم الجمال والفلسفة الماركسية من تراجم كنا نعدها للنشر في دار الفكر الاشتراكي التي كنت القيم عليها. وكان اثنتان منها من تأليف فيلسوف علم الجمال الماركسي الروسي جي بلخانوف: هذه التي بيد القارئ وأخرى بعنوان "المفهوم الواحدي للتاريخ". وكانت الثالثة والرابعة لمثقفين ماركسيين روس آخرين هما نيكولاي شيرنشفسكي واناتولي لوناشارسكي. ولم نفرغ بعد من تحرير مخطوطة هذا الكتاب حتى قام انقلاب 19 يوليو 1971 وفشل. وأراد نظام نميري القضاء المبرم على الحزب الشيوعي بإعدام قادته، والتحفظ عليه باعتقال كادره على نطاق الوطن، وحل مؤسساته.
وكان من ضمن ضحايا هذه الهجمة أن فقدتُ أثر هذه المخطوطة التي كانت بيد طابع على الآلة الكاتبة. وكنت أمنت الثلاث الأخريات في حرز حريز منذ ساءت العلاقة بين نظام نميري والحزب بصورة قاطعة في فبراير 1971. ولما خرجت من المعتقل في 1973 تَلفتُ أبحث عن الطابع فلم أقع عليه. ولما لم يتصل بي حدست أنه لربما أحرق المخطوطة في تلك الأيام التي بشمت النيران من أوراق اليسار. ولكني رضيت بما توافر لي صونه من تراث عبد الخالق. فأخذت المخطوطات الثلاث الأخرى للسيدة سعاد إبراهيم أحمد، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لحفظها لأني كنت بصدد الغوص تحت الأرض ضمن كادر الحزب الشيوعي المتخفي. وعلمت لاحقاً أن سعاد سلمت المخطوطات للسيدة نعمات مالك زوجة المرحوم عبد الخالق وهي الآن ضمن أوراقه الأخرى في حفظ الأسرة.
وتشاء الصدف السعيدة أن أعثر على المخطوطة المفقودة في صيف 2016. فقد كنت اقلب دفتراً يحمل اسم "منوعات" بدار الوثائق المركزية بالخرطوم وهو ثبت بما يودعه الأفراد من مخطوطات وغيرها تطوعاً بهذه الدار. ولم أصدق عينيّ وأنا أقرا عند التقييد "متنوعات 1-54-626" عنوان المخطوطة ذاتها، ومؤلفها، ومترجمها". يا لله! هل أنا في حلم أم علم؟ ولم أتأخر ثانية في طلبها يخالطني خوف أن تكون محجوبة تحفظاً من صاحبها، أو أنها من المفقودات كما يحدث للوثائق مرات في مثل هذه الدور. بل قلت ربما لم تكن هي المخطوطة المفقودة بالاسم لطول ما تباعد زمني منها. وحين جاء بها موظف الدار عرفت أنها المخطوطة المفقودة ذاتها ودليلي القوي على ذلك تعليقات موجزة كنت كتبتها على الهامش قبل نحو نصف قرن أردت مراجعتها على المرحوم. وأدمعت. ووجدتها مهداة للدار من المرحوم الدكتور عثمان حسن أحمد، من عترة المرحوم عبد الخالق، الورّاق ذائع الصيت. وتفكرت في كيفية وصول هذه الوثيقة التي لم يكلمني عنها برغم طول معرفة وثقى بيننا. وحدست أن الطابع الشاب لم يحرق المخطوطة وهداه فكره، وأنا حبيس الحكومة، أن يعهد بها لقريب معروف للمرحوم عبد الخالق. فالله دره.
عبد الخالق محجوب معرباً
بدأ عبد الخالق التعريب باكراً في حياته السياسية في سياق الدعوة للماركسية وممارستها. فعرب في 1954 كتيباً لجوزيف ستالين هو "الماركسية ومسألة اللغة". ونشرت له دار المواطن اليسارية ترجمته ل"الأدب في عصر العلم" لهيمان ليفي (1963؟). وهذا الأخير مما أحدس أن تم تعريبه مع كتب علم الفلسفة والجمال الروسية التي مر ذكرها في خلوات السجن أو التخفي في سنوات 1959 إلى 1961. فقد اثبت عبد الخالق فراغه من تحبير المخطوطة التي هي أصل الكتاب الذي بين يدينا في 23 ديسمبر 1961.
جاء عبد الخالق إلى التعريب محسناً للإنجليزية والعربية ومشوقاً لاطلاع المثقفين أدب الماركسية في مظانه. ومن دلائل إحسانه الأولى احتفاظ أستاذه بالمدرسة الوسطى محمد أحمد سليمان، والد الوزير المحامي بدر الدين سليمان والمحامي غازي، بكراسة إنشائه الإنجليزية من أوائل الأربعينات إلى يوم أهدتها أسرته إلى أسرة عبد الخالق في 1988. من الجهة الأخرى فحِلف عبد الخالق مع اللغة العربية وثيق تدرب عليه في سياق نهضة حركة الخريجين وأدبياتها المصرية بشكل رئيسي. فكان في حلقة قراءة من الأصدقاء الطلاب تنعقد جلساتهم على شاطئ النيل بعد صلاة المغرب بجامع حيهم، السيد المكي، بشمالي أم درمان حول ما استجد في مجلة "الرسالة" وغيرها. وكان عقّادياً هواه أي من المعجبين بعباس محمود العقاد حتى وجده يترجم عن الشاعر الإنجليزي كيتس بغير عرفان فأنصرف عنه فيما روى لي الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم. وكان من بين الطلبة المبرزين في الثانوية الذين اختارهم أستاذهم الشاعر عمر عبد الله البنا في رحلات صيد الأرانب بخلاء أم درمان في عطلة نهاية الأسبوع ليطلعهم ميدانياً على حياة العرب البادية. وكتب شقيقه محمد محجوب عثمان، السجين بحكم امتد لخمس سنوات لاشتراكه في انقلاب عسكري في 1959 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، أنه كان يوصي، وهو نفسه لزيم اعتقال بالخرطوم أو تخف عن الأمن، الأسرة بإرسال كتب إليه من مكتبته تذكر منها: البيان والتبيين، والحيوان، والبخلاء، وشرح بن عقيل، ومقدمة ابن خلدون، وجابر ابن حيان، والمؤانسة والامتاع، والأدب الكبير والأدب الصغير، علاوة على كتب في الإنجليزية لوولت ويتمان، وهواردد فاست، وهيمنجواي، وآرثر ميللر، وشكسبير، ودوريث لسنج، وسومرست موم و"الغضن الذهبي: لفريرز. ومده ايضاً بكتب مترجمة في الإنجليزية لتشيكوف ومكسيم جوركي وإيليا أهرنبورج و"مذكرات سجين" لدرجينسكي زعيم الأمن السوفيتي الأول و"نظرية المعرفة" لموريس كونفورث. وذكر له تزويده بكتاب فانز فانون "معذبو الأرض". وكان يبعث له بكتب معاصرين من مصر هم توفيق الحكيم وطه حسين وإسلاميات عبد الرحمن الشرقاوي وجديد صلاح عبد الصبور. وقال إنه كان ينتهز فرصة الخطاب الشهري المسموح به لمحمد محجوب ويعلق له على ما يبعث له به من كتب مثل تنويهه بالكاتب الفرنسية سيدوني-قابريللي كوليت لتي عاشت لطور في حياتها راقصة إستربتيز بكباريهات باريس لتكسب رزقها ودونت خبرتها في تلك العوالم في كتابها "المتسكعة".
لم يكن عبد الخالق محسناً للغة العربية فحسب، بل نمى، خلال ممارسته السياسية، حساً استثنائياً بخطر اللغة في السياسة. فهي ليست وسيطاً نأتي بها للسياسة من خارجها لتذيعها على العالمين. إنها بالأحرى فضاء تتشكل فيه السياسة ذاتها. ولذا حرص على بيان موجبات هذا الفضاء في تقارير دورات اللجنة المركزية. ففي "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" (دورة اللجنة المركزية 1963)
-كيف نجت المخطوطة من حريق 19 يوليو 1971
هذا الكتاب من تعريب الأستاذ المرحوم عبد الخالق محجوب (1927-1971)، سكرتير الحزب الشيوعي من 1949حتى مقتله في 1971، لُقْيَةٌ. فقد عددناه من ضمن خسائر الحملة المعادية للشيوعية التي تولى كبرها نظام الرئيس جعفر محمد نميري (1969-1985) بعد فشل انقلاب 19 يوليو 1971 الذي وُزِر الحزب الشيوعي به. فقد كانت مخطوطته ضمن أربع مخطوطات في علم الجمال والفلسفة الماركسية من تراجم كنا نعدها للنشر في دار الفكر الاشتراكي التي كنت القيم عليها. وكان اثنتان منها من تأليف فيلسوف علم الجمال الماركسي الروسي جي بلخانوف: هذه التي بيد القارئ وأخرى بعنوان "المفهوم الواحدي للتاريخ". وكانت الثالثة والرابعة لمثقفين ماركسيين روس آخرين هما نيكولاي شيرنشفسكي واناتولي لوناشارسكي. ولم نفرغ بعد من تحرير مخطوطة هذا الكتاب حتى قام انقلاب 19 يوليو 1971 وفشل. وأراد نظام نميري القضاء المبرم على الحزب الشيوعي بإعدام قادته، والتحفظ عليه باعتقال كادره على نطاق الوطن، وحل مؤسساته.
وكان من ضمن ضحايا هذه الهجمة أن فقدتُ أثر هذه المخطوطة التي كانت بيد طابع على الآلة الكاتبة. وكنت أمنت الثلاث الأخريات في حرز حريز منذ ساءت العلاقة بين نظام نميري والحزب بصورة قاطعة في فبراير 1971. ولما خرجت من المعتقل في 1973 تَلفتُ أبحث عن الطابع فلم أقع عليه. ولما لم يتصل بي حدست أنه لربما أحرق المخطوطة في تلك الأيام التي بشمت النيران من أوراق اليسار. ولكني رضيت بما توافر لي صونه من تراث عبد الخالق. فأخذت المخطوطات الثلاث الأخرى للسيدة سعاد إبراهيم أحمد، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، لحفظها لأني كنت بصدد الغوص تحت الأرض ضمن كادر الحزب الشيوعي المتخفي. وعلمت لاحقاً أن سعاد سلمت المخطوطات للسيدة نعمات مالك زوجة المرحوم عبد الخالق وهي الآن ضمن أوراقه الأخرى في حفظ الأسرة.
وتشاء الصدف السعيدة أن أعثر على المخطوطة المفقودة في صيف 2016. فقد كنت اقلب دفتراً يحمل اسم "منوعات" بدار الوثائق المركزية بالخرطوم وهو ثبت بما يودعه الأفراد من مخطوطات وغيرها تطوعاً بهذه الدار. ولم أصدق عينيّ وأنا أقرا عند التقييد "متنوعات 1-54-626" عنوان المخطوطة ذاتها، ومؤلفها، ومترجمها". يا لله! هل أنا في حلم أم علم؟ ولم أتأخر ثانية في طلبها يخالطني خوف أن تكون محجوبة تحفظاً من صاحبها، أو أنها من المفقودات كما يحدث للوثائق مرات في مثل هذه الدور. بل قلت ربما لم تكن هي المخطوطة المفقودة بالاسم لطول ما تباعد زمني منها. وحين جاء بها موظف الدار عرفت أنها المخطوطة المفقودة ذاتها ودليلي القوي على ذلك تعليقات موجزة كنت كتبتها على الهامش قبل نحو نصف قرن أردت مراجعتها على المرحوم. وأدمعت. ووجدتها مهداة للدار من المرحوم الدكتور عثمان حسن أحمد، من عترة المرحوم عبد الخالق، الورّاق ذائع الصيت. وتفكرت في كيفية وصول هذه الوثيقة التي لم يكلمني عنها برغم طول معرفة وثقى بيننا. وحدست أن الطابع الشاب لم يحرق المخطوطة وهداه فكره، وأنا حبيس الحكومة، أن يعهد بها لقريب معروف للمرحوم عبد الخالق. فالله دره.
عبد الخالق محجوب معرباً
بدأ عبد الخالق التعريب باكراً في حياته السياسية في سياق الدعوة للماركسية وممارستها. فعرب في 1954 كتيباً لجوزيف ستالين هو "الماركسية ومسألة اللغة". ونشرت له دار المواطن اليسارية ترجمته ل"الأدب في عصر العلم" لهيمان ليفي (1963؟). وهذا الأخير مما أحدس أن تم تعريبه مع كتب علم الفلسفة والجمال الروسية التي مر ذكرها في خلوات السجن أو التخفي في سنوات 1959 إلى 1961. فقد اثبت عبد الخالق فراغه من تحبير المخطوطة التي هي أصل الكتاب الذي بين يدينا في 23 ديسمبر 1961.
جاء عبد الخالق إلى التعريب محسناً للإنجليزية والعربية ومشوقاً لاطلاع المثقفين أدب الماركسية في مظانه. ومن دلائل إحسانه الأولى احتفاظ أستاذه بالمدرسة الوسطى محمد أحمد سليمان، والد الوزير المحامي بدر الدين سليمان والمحامي غازي، بكراسة إنشائه الإنجليزية من أوائل الأربعينات إلى يوم أهدتها أسرته إلى أسرة عبد الخالق في 1988. من الجهة الأخرى فحِلف عبد الخالق مع اللغة العربية وثيق تدرب عليه في سياق نهضة حركة الخريجين وأدبياتها المصرية بشكل رئيسي. فكان في حلقة قراءة من الأصدقاء الطلاب تنعقد جلساتهم على شاطئ النيل بعد صلاة المغرب بجامع حيهم، السيد المكي، بشمالي أم درمان حول ما استجد في مجلة "الرسالة" وغيرها. وكان عقّادياً هواه أي من المعجبين بعباس محمود العقاد حتى وجده يترجم عن الشاعر الإنجليزي كيتس بغير عرفان فأنصرف عنه فيما روى لي الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم. وكان من بين الطلبة المبرزين في الثانوية الذين اختارهم أستاذهم الشاعر عمر عبد الله البنا في رحلات صيد الأرانب بخلاء أم درمان في عطلة نهاية الأسبوع ليطلعهم ميدانياً على حياة العرب البادية. وكتب شقيقه محمد محجوب عثمان، السجين بحكم امتد لخمس سنوات لاشتراكه في انقلاب عسكري في 1959 ضد نظام الفريق إبراهيم عبود، أنه كان يوصي، وهو نفسه لزيم اعتقال بالخرطوم أو تخف عن الأمن، الأسرة بإرسال كتب إليه من مكتبته تذكر منها: البيان والتبيين، والحيوان، والبخلاء، وشرح بن عقيل، ومقدمة ابن خلدون، وجابر ابن حيان، والمؤانسة والامتاع، والأدب الكبير والأدب الصغير، علاوة على كتب في الإنجليزية لوولت ويتمان، وهوارد فاست، وهيمنجواي، وآرثر ميللر، وشكسبير، ودوريث لسنج، وسومرست موم و"الغضن الذهبي: لفريرز. ومده ايضاً بكتب مترجمة في الإنجليزية لتشيكوف ومكسيم جوركي وإيليا أهرنبورج و"مذكرات سجين" لدرجينسكي زعيم الأمن السوفيتي الأول و"نظرية المعرفة" لموريس كونفورث. وذكر له تزويده بكتاب فانز فانون "معذبو الأرض". وكان يبعث له بكتب معاصرين من مصر هم توفيق الحكيم وطه حسين وإسلاميات عبد الرحمن الشرقاوي وجديد صلاح عبد الصبور. وقال إنه كان ينتهز فرصة الخطاب الشهري المسموح به لمحمد محجوب ويعلق له على ما يبعث له به من كتب مثل تنويهه بالكاتب الفرنسية سيدوني-قابريللي كوليت لتي عاشت لطور في حياتها راقصة إستربتيز بكباريهات باريس لتكسب رزقها ودونت خبرتها في تلك العوالم في كتابها "المتسكعة".
لم يكن عبد الخالق محسناً للغة العربية فحسب، بل نمى، خلال ممارسته السياسية، حساً استثنائياً بخطر اللغة في السياسة. فهي ليست وسيطاً نأتي بها للسياسة من خارجها لتذيعها على العالمين. إنها بالأحرى فضاء تتشكل فيه السياسة ذاتها. ولذا حرص على بيان موجبات هذا الفضاء في تقارير دورات اللجنة المركزية كمثل "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" (دورة اللجنة المركزية 1963).
ونواصل إن شاء الله.
وتجد أعلى المقال صورتين لغلاف الكتاب. واحدة للمخطوطة من وضع المرحوم أستاذنا والآخر هو ما سيصدر عن دار المصورات
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.