الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. في مشهد مؤثر.. كابتن طائرة "سودانير" المتجهة إلى العاصمة الخرطوم ينهار بالبكاء أثناء مخاطبته الركاب    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبْ لَحَايَة: جودة الانتخاب وحرفيَّة التَّدوين .. مقدمة الأستاذ/ عباس الحاج الأمين
نشر في سودانيل يوم 28 - 11 - 2019

درج الباحثون المشتغلون في حقل الفولكلور، الكلاسيكيون منهم بخاصةٍ، على تصنيف الفولكلوريَّات (The Folkloristic)، أي المواد الفولكلوريَّة التي يشتغلون عليها جمعاً، أو تصنيفاً وحفظاً، أو دراسةً، تحت أربعة ميادين؛ هي: العادات والتّقاليد والمُعتقدات والمعارف الشعبيَّة، والأدب الشَّفويّ، والثَّقافة الماديَّة، وفنون الأداء الشّعبيَّة. على أنَّ هذه الأقسام الأربعة ليست جامعة مانعة، كما يذهب إلى ذلك ريتشارد دورسون نفسه الذي اجترح هذه التَّقسيمات، ويجادل بالقول: "تحت أيِّ قسم يمكن أنْ نُدرج الإيماءات التّقليديَّة (gestures)؟ لعلّه يمكن إدراجها تحت باب "الحديث الشّعبيِّ"، على أساس أنَّها نسق من أنساق الاتّصال الشَّعبيِّ، على الرغم من أنَّ مثل هذا التّصنيف يقودنا إلى نوع من التّناقض بسبب إدراج الإيماءات تحت التُّراث الشَّعبيِّ الشَّفويّ. ثم كيف يتسنّى لنا وضع خط فاصل بين فنون الاحتفالات وفنون الأداء؟ هل ينبغي اعتبار "المعتقدات" و"الخرافات"كياناً مستقلاً أم أنَّها تدخل في نطاق الأساطير والعادات الاجتماعيّة والدِّين الشَّعبيِّ؟ من الممكن أن تمتد المناقشة في هذه المسألة إلى ما لا نهاية، وعادةً ما يفعل دارسو الفولكلور هذا، إلاَّ أنَّ تقسيماتنا الأربعة تحدِّد باختصار أبرز المعالم العامة لدراسات التُّراث الشَّعبيِّ والحياة الشَّعبيَّة"..
هذا التقسيم وفاقاً لهذه الميادين الأربعة تقسيم نظريٌّ، يهدف في المقام الأوّل، من ضمن ما يهدف إليه، إلى تسهيل مهمّة دارسي الفولكلور، وذلك لأنَّ المواد الفولكلوريَّة تتجلى في حياة الناس الشَّعبيَّة كافّة. وتتبدّى في نشاطاتهم جميعها (ماديّة وغير ماديّة)، كما أنَّها عضو أصيل في منظومتهم الثقافيّة، بل إنّ المواد الفولكلوريَّة متضافرة مع بعضها إلى حدٍّ بعيد، وبخاصةٍ أثناء الفعل، أعني أثناء ممارسة الجماعات الفولكلوريَّة فولكلورها، وفي سياقه الطبيعيِّ. فعندئذٍ يتقاطع الشَّفويُّ مع الثّقافة الماديّة، والثّقافة الماديَّة تكون حاضرةً في ميدان العادات الاجتماعيّة الشَّعبيَّة، مثلما تزخر فنون الأداء الشَّعبيَّة بعدد وافر من عناصر الثقافة الماديَّة.
يمكن القول إنَّه ليس من اليسير الفصل بين المواد الفولكلوريَّة فصلاً تاماً، إلاَّ نظريَّاً بين الباحثين والدارسين وفي الدوائر العلمية بغرض إجراء الدِّراسات. ولعل السبب وراء هذا التقسيم هو غلبة واحدٍ من هذه الميادين على موضوع العمل أو البحث أو الدراسة. فمثلاً إذا كانت الدراسة عن الشعر الشعبيّ أو الحكايات الشَّعبيَّة أو الأمثال أو الألغاز أو النكات وما إليه؛ فإنَّ الغالب فيها الشَّفويّ فتدرج في ميدان الأدب الشَّفويّ (الأدب الشعبيّ). أمّا إذا كانت متعلقة بالحرف والصنائع الشَّعبيَّة -صناعة الخوص مثلاً-فإنَّ الغالب فيها، قطعاً، هو الماديّ، لذا تُصنَّف مثل هذه الدراسة تحت ميدان الثقافة المادية.
إذن، ووفقاً لما ذكر أعلاه، فإنَّ العمل الذي نهض به الصديق عادل سيد أحمد ونشره في هذه الإضمامة التي تخلَّق متنُها من خمسين حكاية شعبيَّة، يقع في ميدان التُّراث الشَّفويّ (Oral Heritage)، وإنْ نشدنا الدقة، قلنا الأدب الشَّفويّ (Oral Literature). وتشي بذلك عتباتها المتمثِّلة في عنوانها الرَّئيس "أبْ لَحَايَة" وهو اسم إحدى الحكايات الشَّعبيَّة، وفي العنوان الآخر الفرعيّ الشارح، "قصص من التُّراث السُّودانيّ". ولعلِّي لست في حاجةٍ للقول إنَّ مصطلح (الأدب الشَّعبيّ) يتكوّن من مفردتي: الأدب والشّعبيّ. مما يعني أنّنا في هذه الحكايات أمام ضرب من الأدب ولكن يوسم بأنه "شعبي". وهناك معايير عدّة وضعها الفولكلوريون لاختبار شعبيّة الأدب، لا يتّسع المقام للخوض فيها ههنا، لذا نشير إلى واحدة منها وهي "الشَّفويّة"، أي أنّ المعيار الأصل في نصوص هذا الأدب هو التداول شفويّاً، مع ما يقدم لهذا المعيار من انتقادات وما يؤخذ عليه من مآخذ. ويتحقّق هذا التداول في اتجاهين: رأسياً مخترقةً الزمان، حين تتحدَّر النُّصوص من جيل إلى جيل، بسبب التوارث. وأفقياً جائبه المكان حيث تنتقل من مكان إلى آخر، ومن جماعة إلى جماعة، ومن ثقافة إلى أخرى، بأسباب متعدِّدة ومتنوِّعة. كما أنَّ تحقُّق التداول الشَّفويّ مشروط بأربعة عناصر لابدَّ من توافرها جميعها في آنٍ، يسميها بعض الفولكلوريين خطلاً "عناصر الأداء"، بيد أنّي أميل إلى تسميتها ب "عناصر الحكي (The Elements of Narration)"، هي: الحاكي/ الراوي (The Narrator) والجمهور (The Audience) والنص (The Text) والسياق العام (The Context) ويشمل الأخير زمان الحكي ومكانه وما يكتفنهما من أشياء.
وفور انتقال الأدب الشَّفويّ من الصورة الشَّفويّة /الحكائية " إلى الصورة "الكتابية/التَّدوينية" تتضعضع أركان الحكي الأربعة المشار إليها أعلاه، كما في "أبْ لَحَايَة" هذا، وشأنه شأن أيِّ نصٍّ مكتوب، فلم يعد السِّياق المكانيّ ولا الزمانيِّ الذي يجمع الناس في حلقة من الحميمية موجوداً، كما غاب الجمهور، وأضحى هناك: كاتب/مدون، وقارئ (كان يمثله الجمهور)، وبينهما نص (حكاية مدونة). وهذا التضعضع ليس منقصة في مجتمع شبكيّ/ إسفيريّ/ افتراضيّ تغلب عليه نزعة التَّدوين، أمسى أفراده شغوفين بالتَّدوين عبر الوسائط الرقميّة/ التَّدوينيّة الشبكيّة المختلفة، والمتطوِّرة بسرعة مذهلة، من فيسبوك وواتساب وتويتر وغيرها، التي غذت المجتمعات البشريّة بكثافة ودون هوادة. والسؤال الذي يطرح نفسه: أيمكن للأدب الشَّفويّ أن يصمد أمام هذا التغيُّر المجتمعيّ والتقنيّ الهائل والثورة الرقميّة المتسارعة؟ الإجابة: نعم يمكنه الصمود، بدليل أن نصوص الأدب الشعبي انتقلت مع الناس حين انتقلوا إلى الحيوز الافتراضيَّة، وغزت هذه الوسائط التَّدوينيّة فكثيراً ما نقرأ نصوصاً أدبيةً شعبيّةً – القصيرة خاصة – في فيسبوك أو تويتر أو واتساب، كما أنّ الجماعات الفولكلوريَّة التقليديَّة أصبحت جماعات شبكيّة وأصبحنا أمام ثقافة جديدة يمكن أن نسميها "الثقافة الشَّعبيَّة الشَّبكيَّة".
ينهض هذا العمل شاهداً على ما ذهبنا إليه في الفقرة أعلاه، ففي تقديمه لهذه النصوص يذكر عادل سيد أحمد أنَّ جذوة الفكرة الأولى لوضع الكتاب هذا بدأت إسفيريَّة: "كتبتُ، أوّل ما كتبت في هذه المجموعة، أحجية (أم كَيشُونة)، على سبيل تقديم شيءٍ جديدٍ بطرق بابٍ قديم أكلته الأرضة ... وسرعان ما وجَدَت مبادرتي في توثيق هذه الأحجية الشيقة استحسان الأصدقاء بعد أن أتحتها لهم في الوسائط الحديثة من فيسبوك وواتساب". ويشير هذا المقتطف، كما هو بائن، إلى كاتب (عادل) ونصّ (أحجية) وجمهور (أصدقاء) ووسيط انتقال (فيسبوك/ واتساب). مما يؤكد أنَّ النَّص انتقل -دون ريبٍ -من الشَّفويَّة إلى الكتابيّة/ التَّدوينيّة. ويضعنا هذا الانتقال، كرةً أخرى، أمام مفهوم التُّراث الشَّعبيّ أو الأدب الشّعبيّ، ومعروف أنَّ نصوص الأدب الشَّعبيّ تنقسم من حيث المضمون إلى نوعين: نصوص ثابتة (Fixed Texts) نحو الأمثال وما يجري مجراها، والشِّعر إلى حدٍّ ما، ونصوص حرَّة (Free Texts) مثل الحكايات والنِّكات والنوادر والرِّوايات الشَّفويّة التّاريخيَّة وغيرها. وتارةً أخرى تُصنَّف نصوص "أبْ لَحَايَة" ضمن الضرب الثاني. وما يمكن قوله إنَّ النصوص الحرَّة، وبسببٍ من هذه الحريّة وجبلَّتها، فضفاضةٌ، متناسلةٌ، ومتحوِّلةٌ، لا تدوم على رواية واحدة، أيْ أنك تلفي عدداً غير متناهٍ من الرِّوايات الشَّفويّة للنَّص الواحد نظراً للعدد غير المتناهي من الرواة، بلْهَ غير المتناهي لدى الراوي الواحد الذي تخضع رواياته لعوامل شتَّى نحو الحالة المزاجيّة له وللجمهور. صحيح أنَّ هناك بعض الموتيفات الثابتة التي تعطي النص هُوَّيته وكينونته نحو الشَّخصيات والحبكة والفكرة الأساسيّة وغيرها، ممّا يعرف عند الفولكلوريين بالطرز المُنْشِئَة (The Archetypes)"، التي هي بمثابة لُّحمة الحكاية وسُدَاها وتنسج حولها، أو الدعائم التي تنشأ عليها. المتغيِّر الأوَّل في "النصوص الحرَّة" هو "اللُّغة" التي تخضع لثقافة مجتمع الحكي وقاموس الراوي اللُّغويِّ. وفي حالة النَّص الأدبيّ الشَّعبيِّ الواحد، المُدوَّن، نكون مع نصٍّ سجينٍ في إطار نسخةٍ واحدةٍ، النسخة التي ارتأها المُدوِّن ومن ثم طبعَها ونشرَها على الناس، مع نصٍّ منتخبٍ من ذلك العدد غير المتناهي من الروايات. وهنا يكون المُدوِّن نفسه أمام خيارين في نهج الكتابة: هل يدوِّن هذا النَّص المُنتخب في لغته التي سمعه بها ويكتبه كتابةً صوتيةً (Transliteration)، وهذا نهج وعر يتطلب من المُدوِّن، غير المختص في الفولكلور، إلماماً باللِّسانيات وبخاصة علم الأصوات، ووضع رموز كتابيّة للأصوات التي لا مقابلات لها في الرموز الأبجديَّة المعروفة لدى أيَّة لغة مكتوبة؟ أم يكتبه في لغته هو محتفظاً بطُرُز النَّص المُنشِئَة وروحه العامّ، أيْ يعيد صياغة النَّص أو يعيد إنتاجه؟
حين طلب إليَّ الصَّدِيق عادل – مشكوراً – أنْ أجري قلمي على هذه النُّصوص تدقيقاً لُغويَّاً؛ ومنذ قراءتي السُّطور الأولى من الحكاية الأولى "محمد سِيْد التُّور" ألفيت أنَّ عادلاً ركن إلى النَّهج الثاني، متحرِّياً في ذلك: "النقل الأمين: إنْ لم يكن الحرفيّ للروايات... ولكن، لم يهن عليه نقل ما استقبحه". فهو قد قام بإعادة إنتاج هذا التُّراث الشَّعبيِّ بلغته وبأسلوبه وبرؤيته، بيد أنَّ ذلك لم يصرفه عن الاحتفاظ بروح الحكاية ومضمونها وشخوصها، ولم ينأى بحكاياته من دائرة الأدب الشعبيِّ. وممّا يعضِّد أنَّ إعادة الإنتاج هذه تمّت على مستوى السَّرد بينما احتفظ الحوار بلغة الشخصيات المتحاورة، أي بلغة عامية بسيطة. ممَّا يجعلنا نصف لغة النصوص بأنها لغة مضفورة من الفصحى والعامية. قريب من هذا ما قام به عبد الله الطيب في كتابه الأحاجي السُّودانيّة، يؤكِّدذلك قوله: "وفيما يلي حكايات راعينا فيها الطريقة القديمة، وحرصنا أنْ نحتفظ بكثير من عباراتها من أسجاع وما أشبه"..
أختم هذه الكلمة بالقول إنَّ مادة هذا الكتاب، بجانب أنَّها من التراث الشعبي، يمكن تصنيفها أيضاً ضمن أدب الأطفال. والمتأمل لكرونولوجيا أدب الطفل في السُّودان يجد أن رواده الأوائل تنبَّهوا لهذا التُّراث، ومتحوا منه أعمالاً تخاطب وجدان الطفل السودانيِّ. من هؤلاء -على سبيل التَّمثيل لا الحصر -أبو القاسم بدري الشيخ فرح ودتكتوك (مكتب النشر، 1955م)، أحمد التجاني عبد الهاديأبو ضراع (1954م)، وأحمد الطيب عبد الحفيظ بشر وفاطمة،(سلسلة الأساطير، مكتب النشر، 1952م)، جرقاس (1962م)، وبابكر عبد الرحمن أحلام ظلوط (1960م)، وخليل عبد الله النور في بلاد الحور (1953م)، وعبد الله الطيب الأحاجي السودانية (1955م)، وغيرهم. هذا لا ينفي وجود أعمال أخرى، في المقابل، كانت منبتة عن ثقافة الطفل السُّودانيِّ وبيئته. وكانت تمتح إمّا من الأدب العالميِّ، الأوربي تحديداً، وذلك بعد نقلها إلى اللُّغة العربيَّة. ومن أمثلة ذلك أعمال أحمد الطيب أحمد شمشون الجبار (الخرطوم، دار النشر، 1953م) ومجازفات هرقل، (1954م)، وإبراهيم التجاني بأس الأمير، (دار النشر، 1954م)، وأبو القاسم بدري الحياة في الباكستان، (دار النشر، 1954م)، وعبد الله الطيب أندروكليس والأسد (1964م)، وأعمال عوض حاج حامد مثل أنطونيو وشيلوك (1955م)، وغيرهم. أو تمتح من الأدب العربيِّ الإسلاميِّ أضراب أعمال حسن نوري الفارس أبومِحجَن الثقفيِّ، (مكتب النشر، 1955م)، ومروان العاقب الله أكبر، زيارة للأماكن المقدسة، (مكتب النشر، 1955م)، وبلال مؤذن الرسول، (1963م) وغيرهما، و"علي بن أبي طالب" (1968م)، وغير ذلك من أعمال جمَّة لا نحتاج تّعدادها هنا. ثم لا نغفل دور شعبة أبحاث السودان، التي تطوَّرت إلى معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، في جمع وتوثيق الحكايات الشّعبيّة المتضمَّنة في إصدارات سلسلة دراسات في التراث السوداني مثل آدم الزين التراث الشعبي لقبيلة المسبعات، وسيد محمد عبد الله من تراث وحياة النوبة بمنطقة السكوت، الطيب محمد الطيب وعبد السلام سليمان وعلي سعد التراث الشعبي لقبيلة المناصير، وعبد الله أحمد الحسن التراث الشعبي لقبيلة الرشايدة، وعبد الله علي إبراهيم من أدب الرباطاب الشعبي، وجيمس ألالا التراث الشعبي لقبيلة الشلك وغير ذلك. هذا بجانب الجمع بغرض الدراسة والتحليل لنيل الدرجات العُلَى في الماجستير والدكتوراه مثل دراسة سيد حامد حريز الحكايات الشعبية عند الجعليين التي نال بها درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية.
أخيراً، هذا الجهد الذي قام به الصديق عادل سيد أحمد، حري بأن يقتنى ويقرأ ويحفظ ويحكى للأطفال، ليرفع عنَّا -نحن الآباء والأمهات – الحرج حين يسألنا أطفالنا عشيَّة كلِّ يومٍ أنْ نحكي لهم قصة قبل النوم، هذا إنْ ترك لنا اللَّهاث اليومي وراء لقمة العيش صُبابةَ روحٍ للحكي. كما أنَّه يمثِّل إضافة حقيقية للمكتبة السودانية بشكل عام ولمكتبة الفولكلور بشكل خاص. وعلى الرغم من أنَّ الكاتب أشار إلى أنَّ نصوصه مستقاة من ثقافته أو بيئته، وهي بيئة "الشايقية"، غير أنَّه، بما أضفاه عليها من أسلوب ومعالجة بحرفيّة تدوينيّة عالية، تجعلها بحق قصصاً من التُّراث السُّودانيِّ، يمكن أن تدخل أيَّ بيت سودانيِّ أيَّاً كانت الثقافة التي ينتمي إليها، فهي ليست حصيرة على ثقافة الشايقية. كما أنَّ عادلاً – أطال الله عمره -هيَّأ لأقلام الباحثين الفولكلوريين مادَّة ثرّة وخصبة خليقة بالدراسة والتحليل، ونأمل ذلك.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.