ما بين السودان وأثيوبيا أعمق وأكبر من امتداد الأرض .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    كم فيك يا بلد من غرائب ،، حكاية واحدة أسمها نجوى .. بقلم: د. زاهد زيد    المال لا يصنع حزباً .. بقلم: أحمد حمزة    معلومة ادهشتني حد الصدمة .. بقلم: صلاح الباشا    الحكومة تتسلم رسميا حسابات منظمة الدعوة ومجموعة دانفوديو    اعتز بعضويتي في سودانايل مؤيل النور والاشراق وقد وصلت للمقال رقم (60) .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    طائرة (قدح الدم) تثير الغبار بهبوطها ونفيه .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    شعبة المخابز تنفي صدور بيان باسمها يهدد بالاضراب عن العمل    محمد سعيد يوسف: تراقب في المجرة زوال .. بقلم: محمد صالح عبد الله يس    أمريكا ولعنة السود .. بقلم: إسماعيل عبد الله    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    التجمع الإتحادي: فيروس (كورونا) خطر يفوق قدرة نظامنا الصحي    مبادرات غسان التشكيلية .. بقلم: نورالدين مدني    المبدأ لا يتجزأ يا مجلسي السيادي والوزراء؛ الاتساق اولاً وأخيراً .. بقلم: ابوهريرة عبدالرحمن    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين .. أسبابها ومآلاتها .. بقلم: ناجى احمد الصديق الهادى/المحامى/ السودان    الشيخ محمد حسن ملح الأرض .. بقلم: عواطف عبداللطيف    عندما ينام الصمت في أحضان الثرثرة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    ترامب يحرِّك الرُخ، فهل يَنْتَصِر مرّة أخْرى؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    رسالة لوزير الصحة الاتحادي .. بقلم: إسماعيل الشريف/تكساس    رمضان لصناعة السكر الأهلي فى قرى السودان .. بقلم: د. أحمد هاشم    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قراءة في كتاب ((من أجل التوثيق للسودان)) .. تأليف فضل النور جابر .. بقلم: بروفيسور: مهدي امين التوم
نشر في سودانيل يوم 24 - 01 - 2020


بسم الله الرحمن الرحيم
يستهويني الحديث عن السودان وتاريخه السياسي الحديث ، ربما لأني شهدت معظم حلقاته منذ أربعينيات القرن الماضي ، وشاء الله أن أعايش تقلباته ، مشاهدا وملازما لوالدي رحمه الله ، الذي ترك العمل الحكومي في عز رونقه ، وتفرغ باختياره للعمل السياسي برفقة من جاهروا بدعوة ( السودان للسودانيين ) سعياً وراء استعادة استقلال الوطن من غاصبيه البريطانيين والمصريين ، ولمجابهة من رأوا في أربعينيات القرن الماضي أن الخلاص من الإستعمار البريطاني يبرر القبول ، ولو مؤقتاً ، بالتاج المصري وبالملك فاروق ملكاً علي مصر والسودان . لهذا اهتممت كثيراً بقراءة كتاب السيد / فضل النور الذي يحمل عنواناً جاذباً وهو : ( من أجل التوثيق للسودان ) الذي صدر عن شركة أمازون العالمية في يوليو 2018م.
ويأتي الاهتمام من إتفاق عام علي أن تاريخ السودان ينقصه التوثيق الدقيق ، وتنتظره إعادة القراءة ، بخاصة بعد ما ظهر من غرض ومرض في الكثير مما صدر من كتابات ووثائق مزورة . لكني تساءلت في نفسي عن ماذا يستطيع فضل النور أن يقدم وهو ليس بالأكاديمي أو المؤرخ ، وليس بالكاتب الذي له باع في مجال الكتابات السياسية والتاريخية ، ولم أعرف عنه مسبقاً غير إهتماماته بكتابة الأشعار السياسية والاجتماعية ، خاصة باللغة الدارجة ، بالإضافة الي إنغماسه في مستويات شبابية في حزب الأمة وهيئة شؤون الأنصار ، لكنها لم تخرج كثيراً عن إطار تلقي التعليمات وتوصيلها بحذافيرها ، ودفع ثمن ذلك سجوناً وتشريداً وقطع معايش !!!
بهذه التحفظات المبدئية، جلست لقراءة الكتاب بعقل مفتوح ، وسبحت عبر صفحاته المائة وخمسة وتسعين بإندهاشٍ ظل يتزايد مع إبحاري في متن الكتاب ، رغم ما أحدثه صغر حروف الكتاب من إرهاق للنظر !!!. فالأسلوب سلس وراقٍ جداً ، والتبويب من أفضل مايكون ، والكتاب يبهرك بكونه يكاد يكون خالياً من الأخطاء اللغوية والطباعية . وطريقة السرد الممتعة جعلتني أجلس الساعات مواصلاً القراءة غير عابئ بصرخات الظهر والرقبة وغضا ريفهما ، متوقفاً فقط للتأمل في معلومة جديدة ،أو في حادثة لم تحفظها الذاكرة أو في مواقف ما حسبت أنها تحدث في أرض الواقع بين رئيس و مرؤوس تربط بينهما قداسة ظننتها غير قابلة للإختراق.
ليس غرضي تلخيص الكتاب فهو جدير بالقراءة الكاملة ، وسأكتفي ببعض الإضاءات والملاحظات . فهو يبدأ بخلفية تاريخية عن الأسرة التي يتضح أن لها علاقة بأسرة المهدي الكبير ولهذا فهي أسرة أنصارية صميمة إلتزمت العقيدة المهدية عبر أجيالها المتعاقبة ، حباً وثقة ، وليس طمعاً أو جرياً وراء مكاسب دنيوية ، وعانت في ذلك الكثير ، ولا تزال تعاني ، ولكن بإختيارٍ ورضى . إنها أسرة مكافحة وطموحة معيشياً وعلمياً ، والمؤلف سعى حثيثاً جداً لمواصلة تعليمه إلى أقصى مراحله ولكن كانت تتعثر خطواته ، لأسباب حياتية أو سياسية و كان دائماً يقابل ذلك برضى ، ويبحث عن البدائل ، ولا يهتم للخيبات ، ولا تغره النجاحات ، وكان تأمين العيش الكريم لأسرته هو شغله الشاغل منذ نعومة أظفاره.
تعرض الكاتب لظروف تكوين حزب الأمة في أربعينيات القرن العشرين وأشار لكثير مما أصاب الحزب من نكبات ونكسات وهو يجاهد من أجل الحصول على إستقلال ضاع في غفلة من الزمان ، حتى غيض الله له الإمام عبدالرحمن المهدي ليرفع رايته مع الآخرين ليعود السودان دولة حرة ومستقلة . وهنا يذكر الكاتب بعض الحوادث الدامية التي شهدتها المسيرة السياسية للحزب مثل حوادث مارس عام 1954م التي نتجت عن سوء فهم وتقدير للسلطات يوم إستقبال الرئيس المصري محمد نجيب في الخرطوم ، التي أتاها ليحضر إفتتاح البرلمان الأول الذي كان يُخشى أن يقود البلاد إلى وحدة إندماجية مع مصر ، لأن الإتحاديين كانوا يسيطرون نيابياً على البرلمان ، فأراد حزب الأمة أن يُسمع حاكم مصر صوتاً شعبياً ينادي بالإستقلال فحدث ما حدث. لكن أظن أن الكاتب لم يعطي هذه الحادثة المحورية حقها بالتفصيل وآخذ عليه أنه لم يوفيها حقها التاريخي والسياسي ، كما آخذ عليه أيضاً أنه لم يذكر إسم الوالد أمين التوم كأحد الذين إعتقلوا ظلماً يومذاك ، وتعرض مع آخرين لمحاكمات طويلة وظالمة ، نحمد الله أنه خرج منها بحكم البراءة لأنه تم إعتقاله قبل الحوادث ، بل قبل وصول الموكب ، ولكن جاؤوا للمحكمة بشهود زور أدوا القسم على المصحف بأنهم رأوا الوالد أثناء المعركة وهو يشجع الأنصار على قتل الشرطة . ولكن أنقذ الوالد دفتر يوميات البوليس الذي أثبت بالساعة والدقيقة أن الإعتقال تم قبل فترة طويلة من الأحداث الدامية . كذلك آخذ على المؤلف عدم ذكره للسيدين على فرح وهبوية اللذين حوكما في تلك الحوادث.
بالإضافة إلي ذلك تعرض المؤلف إلى حادثة دامية أخرى هي حادثة المولد النبوي الشريف التي كانت خلال حكم الفريق عبود وأدت إلى إستشهاد عدد من أبناء الأنصار بالقرب من ساحة المولد في أم درمان- لقد قدم الكاتب تفاصيل دقيقة عن تلك الحادثة بصفته شاهد عيان ، مبيناً أن تلك الحادثة كانت نقطة تحوٌّل في صراع الإمام الصديق المهدي مع نظام عبود العسكري الذي إنتهى بكل أسف بإصابة الإمام الصديق بذبحة صدرية عجلت بوفاته في وقت كان الناس والوطن أحوج ما يكونون لقيادته معارضة النظام العسكري، وفي وقت كان كل القادة السياسيين الرئيسيين من كل الأحزاب معتقلين في مدينة جوبا بعد رفعهم مذكرة شديدة اللهجة تطالب العسكر بالعودة إلى ثكناتهم .
يبين الكاتب أن الإمام الصديق المهدي تبادل العديد من الرسائل والمذكرات مع حكومة عبود . وأعتقد أن كتاب السيد فضل له أهمية علمية وتاريخية خاصة لأنه يحتوي على العديد من تلك المذكرات والرسائل التي تبادلها الإمام الصديق مع العسكريين بإسم المعارضة . ومن الملفت جداً وجود تلك المذكرات والرسائل بنصوصها ، وظننت أنها مكتوبة من الذاكرة ، مما قد يشكك في صحتها أو دقتها . ولكن بتتبع حياة ونشاطات المؤلف ، يتضح أنه كان من المسؤولين عن نسخ تلك المذكرات والرسائل وتوزيعها علي نطاق واسع ، إعلاماً للشعب ولمؤسساته الحزبية والنقابية ، ولهذا أظن أنه ليس غريباً أن يكون محتفظاً بنسخ من تلك الوثائق فأثرى بها كتابه وزاده قيمة توثيقية وتاريخية .
يتضح من تلك الرسائل ، ان الإمام الصديق دخل في تفاوض مباشر مع العسكريين قاده من جانب العسكريين كل من طلعت فريد والمقبول الأمين الحاج وذلك في الفترة التي كان فيها قادة المعارضة السياسيين معتقلين في مدينة جوبا بجنوب السودان . ولكن لفت نظري في الكتاب شيئان اندهشت لهما ولم يكن لي بهما معرفة سابقة . الشئ الاول هو أن الامام الصديق في لقاءاته مع العسكريين لم يكن يطالب بعودة العسكريين الي ثكناتهم بل كان يرمي الي إقناعهم بإشراك مدنيين في الحكم ، أي إنه لم يكن يطالب بإزالة كاملة وفورية للعسكر من دست الحكم .هذه معلومه أدهشتني وأغضبنتي فلقد كنت يومئذٍ طالبا في جامعة الخرطوم وكنا جزءً من الحراك الشعبي المنادي بإزالة كاملة وفورية لحكم عبود العسكري . ولكن الحمدلله الكتاب يثبت أن العسكر لم يستجيبوا لذلك الطلب الذي أعتقد أنه لم يكن يعبر عن المطلب الحقيقي للشعب وللقادة الذين كانوا قابعين في معتقل جوبا بجنوب السودان .
الشئ الثاني الذي أدهشني في تلك المفاوضات هو اللؤم الشديد الذي أبداه المقبول الأمين الحاج في تعامله مع الإمام الصديق وإصراره علي القول بأن ( الجيش إستولي علي الحكم بالقوة، ولن يعود بالمذكرات )مشيراً بذلك الي المذكرات التي رفعها الإمام الصديق إنابة عن المعارضة السياسية ، ومتناسياً أن تسلُّم الجيش للحكم كان مجرد عملية تسليم وتسلم ، ذلك الخطأ التاريخي غير المبرر الذي وقع فيه الأميرالاى عبدالله خليل الذي كان عندئذٍ رئيساً مدنياً للوزراء ، في ظل حكم ديمقراطي برلماني . ليس هذا فحسب ، بل إن المقبول الأمين الحاج في آخر لقاء لهم مع الإمام الصديق قال بوقاحة للإمام الصديق ( إن الثورة لا تراك تقدر مكانتك كزعيم ديني وأنك تحتضن مجموعة من المخربين ) !!! مع كل مايستبطن هذه الكلمات من تهديد شخصي وعام . وكان ذلك في آخر لقاء مباشر بينهم لم يبقي بعده الامام الصديق طويلاً وتوفي فجأة تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في السودان ، ونخبة سياسية بعيدة في معتقلات جوبا بجنوب السودان – لكنهم صمدوا وأجبروا العسكر علي إطلاق سراحهم وعادوا لقيادة سفينة المعارضة حتي توجوا كفاحهم بالنصر في ثورة أكتوبر المجيدة .
بجانب مثل هذه الشذرات العامة ، وثق الكاتب لبعض تجاربه الخاصة في الخدمة العامة بعد نجاح ثورة اكتوبر وعودة الحكم المدني . فلقد عمل سكرتيراً تنفيذياً لبعض وزراء الداخلية بدعوة وإصرار منهم . عمل مع السيدين احمد المهدي وعبدالله عبدالرحمن نقدالله كوزراء للداخلية وخرج من تلك التجارب بخبرات ودروس يوضحها الكاتب ، وترك بصمات إيجابية دعت أركان الخدمة العامة بوزارة الداخلية الي محاولة استيعابه بشكل دائم كضابط شرطة برتبة عاليه لكنه رفض ذلك يإباء خوفاً من أن يحسب ذلك سلباً علي حزب الأمة الذي ينتمي اليه ، مضيعاً بذلك على نفسه فرصاً لايقوى علي ضياعها إلا من كان في قوة وشكيمة فضل النور ود الأمير جابر .
ويوثق الكاتب هنا إلي وضع نعيش مثله في يوم الناس هذا ، ويتعلق ذلك بالأمير عبدالله عبدالرحمن نقدالله عندما أصبح وزيراً للدفاع والداخلية بعد ثورة اكتوبر . ففي أول يوم إستلم فيه مهامه كوزير للدفاع أخذ يبحث في القوانين واللوائح عن مادة أو ثغرة تمكنه قانونياً من ( تسريح الجيش بأكمله وتكوين جيش جديد ، لأنه يؤمن أن جيشاً كان يحمي نظاماً ديكاتورياً ( نظام عبود ) ، لا يمكن أن يحمي نظاماً ديمقراطياً ) . هكذا كانت نظرة الأمير نقد الله في تلك اللحظة التاريخية في ستينيات القرن الماضي ، وما أحوجنا لتفعيل هذه الرؤية فنحن اليوم أكثر حاجة إليها لتصحيح خراب عسكري إنقاذي إمتد لثلاثة عقود عجاف .
من الملفت أن الكاتب يبدو له إعجاب وتقدير خاص بالأمير عبدالله عبدالرحمن نقدالله ، ولهذا أفرد له باباً خاصاً في كتابه ، تسجيلاً لبعض مناقبه ، والقاءً لأضواءٍ علي بعض مواقفه الشخصية والتاريخية . ويكفي أن نذكر منها تعفف الأمير عن إستخدام نثريات الدولة لإكرام ضيوف مكتبه الوزاري ، ورفضه لإستلام بدل السفريات الرسمية ، وإعادته لما حُوَّل له من مال عام يستحقه عندما ذهب إلي بريطانيا للعلاج . ومثل هذه المواقف هي التي جعلت السيد / زيادة ساتي ، أحد كبار وزارة الداخلية عندئذٍ ، يقول لمؤلف الكتاب ( يافضل النور نحن شغالين مع انبياء وما عارفين ) . لله در الامير نقدالله فهذه العفة المادية لاتمثل إلا جزءً يسيراً من مايتميز به سلوكياً وأخلاقياً وسياسياً ، بالإضافة إلي ما يتصف به من شجاعة وصراحة جعلت رجلاً في قامة الإمام عبدالرحمن المهدي يتوسل إليه ليعود لموقعه في الحزب ، بعد أن تركه مرة مغاضباً وذهب للإستقرار في مدينة ود مدني ، فلقد قال له أريدك أن تعود ( لأنك تقول لي أخطات عندما اخطئ ) ... ويالها من شجاعة في القول نفتقدها اليوم سلوكاً ورجالاً.
ويسجل الكتاب للأمير عبدالله نقدالله إستنطاقه للسيد مبارك زروق ، وهم معتقلون في جوبا أثناء حكم عبود العسكري ، عن الكيفية التي تمكن بها الإتحاديون من إستقطاب جماهير غفيرة الي حزبهم . فلقد إعترف السيد مبارك زروق بأنهم أنجزوا الإستقطاب بالتركيز علي العناصر التي تكره المهدية ، فلقد إلتفت تلك الجماهير حول الحزب كراهية في المهدية أكثر من كونها قناعة بأفكار سياسية . ويا للهول من هكذا إعتراف !!
بجانب إعجاب الكاتب بالأمير نقدالله ، فإن العديد من صفحات الكتاب تفصح عن حبه العميق وتقديره الكبير للسيد الصادق المهدي منذ أن كان كلاهما في مرحلة الشباب المبكر وحتي يوم الناس هذا . ويبدو أنه لم تكن هناك حواجز بينهما في ما يتعلق بالعمل العام سواء أكان ذلك متعلقاً بالعمل الحزبي او بشؤون الأنصار. وواضح مما يورده الكاتب في هذا الصدد أن عنصر العقيدة الأنصارية يفوق عنصر الحزبية وهذه مشكلة أزلية في تاريخ السودان السياسي والاجتماعي تمثل أحد أوجه الانفصام في الشخصية السودانية ، بل تمثل أحد أوجه تعطيل التطور السياسي والتنظيم الحزبي . فالبنسبة للكتلة الأساسية في الحزب تبدو العقيدة الأنصارية متقدمة جداً علي الولاء الحزبي . ولكن رغم هذا الشد والجذب بين العقيدة والحزبية ، وما يلف العقيدة من قدسية تستوجب السمع والطاعة ، فإن الكتاب يحتوي علي مواقف تجرأ فيها الكاتب بمناقشة موضوعات حساسة مع السيد الصادق وقدم له مقترحات جريئة مما يعني أنه كان من الشجاعة بمكان ، بحيث لا يكتفي بدور المتلقي دائما بل يقوم أحياناً بدور المبادر حتي في الأمور الكبرى التي تتعلق بإمامة الأنصار وبرئاسة الحزب ورئاسة الوزراء . فلقد شعر السيد فضل في فترة من فترات رئاسة السيد الصادق للوزراء ، أن الأمور التنظيمية في حزب الأمة ليست علي ما يرام لأن السيد الصادق كرئيس للحزب ، لا يعطي الحزب الوقت والجهد الذي يحتاجه لتنظيم الحزب وتطويره ، فتجرأ بالحديث مع السيد الصادق في الأمر مقترحاً عليه ترك رئاسة الوزراء والتفرغ لرئاسة الحزب من أجل مستقبل الوطن . وكذلك تحدث معه مرة عن موضوع إمامة الأنصار قبل وقت طويل من المؤتمر الذي تم فيه تنصيب السيد الصادق إماماً للانصار بجانب رئاسته لحزب الامة . لكن في كل الاحوال لم يجد فَضُل أذناً صاغية ، وكان يرد عليه السيد الصادق بوجهات نظر مخالفة فيتقبلها الرجل بصدر رحب ومحبة ، لكنها تبقي دون شك لتثبت ما للكاتب من جرأة وشجاعة، ومقدرة علي أخذ المبادرات ، حتي في الأمور الكبيرة والحساسة .
جزء كبير من الكتاب يسجل تجربة المؤلف في إدارة المركز العام لحزب الأمة وهو أبداً لم يسعي لتلك الوظيفة ، ولكن إمكاناته الادارية وإخلاصه لمبادئه هي التي جعلت رئاسة الحزب وأمانته العامة توكل إليه هذه المهمة الكبيرة في ظروف صعبة جداً ووسط تقلبات سياسية وتغيرات في الأنظمة السياسية والبيئة الامنية . لكن واضح أن الرجل كان قدر المسؤولية وترك في رئاسة الحزب بصمات إدارية وتنظيمية لا تخطئها العين ، ولكنه دفع ثمنها تهديدات وإعتقالات وتشريد ومرض إحتسبه جميعه من أجل الوطن والعقيدة . أن الكيفية التي أدار بها رئاسة الحزب في فترتين مختلفتين وما صنعه أو إستحدثه من ترتيبات إدارية وتنظيمية وتأمينية ، لأمر يستحق التقريظ والإعجاب والتسجيل . لقد كان قوياً ومتماسكاً حتي في الفترات العصيبة التي كان فيها الحزب مستهدفاً وكانت دار الأمة قبلة للمظاهرات والمسيرات السياسية المعادية للحزب ولرئيس الوزراء السيد الصادق المهدي . لكن حِكمة السيد فضل وحسن إدارته وتدبيره حفظت الدار وأهلها ، ولم تتعدى علي حقوق الآخرين في التعبير عن مواقفهم السياسية المعادية ، وبقي صامداً إلي أن أجبرته ظروفه الصحية علي ترك العمل في رئاسة الحزب ، والتفرغ لحياته الخاصة ، مع أداء بعض الواجبات الإجتماعية تحت مظلة هيئة شؤون الأنصار .
وهكذا قدم السيد فَضُل النور جابر كتاباً قيماً يستحق القراءة والتأمل . ففي بضع صفحات إستعرض شذرات من حياة حافلة إمتزج فيها الخاص بالعام بتفاصيل مهمة وثروة من المذكرات والرسائل التاريخية والتجارب النضالية الذاتية والعامة . وحتماً لاتغني أي مقالة مختصرة عن قراءة الكتاب كاملاً وهو يستحق موقعاً مميزاً في مكتبات الأسر لتطلع الأجيال المتعاقبة علي بعض صفحات من كفاح الآباء ، وماتركوه من بصمات في جبين الوطن ، وما عانوه من ويلات الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التي أبتلي الله بها السودان منذ إستقلاله ، وحتي يوم الناس هذا ، الذي لايزال يلعب فيه العسكر دوراً ما كان له أن يكون بعد ثورة الشعب المجيدة في ديسمبر 2019م
وإن كان هناك من ملاحظات طفيفه فهي تتعلق بصغر حروف الكتاب ، وقلة ورداءة الصور الفوتوغرافية . ومع قيمة الكتاب وصدق ما فيه من روايات ، كان سيزداد قيمة توثيقية وتاريخية إذا اشتمل علي صور حقيقية للمذكرات والرسائل السياسية التي تم تبادلها مع نظام عبود العسكري ، ولبعض المنشورات السياسية التي كان الشباب يقومون بإعدادها وتوزيعها ضد كل الأنظمة العسكرية التي إبتلي بها الوطن . وليت الطبعة القادمة من الكتاب تخلو من الباب الثامن لأنه يتعلق بأمور شخصية بحتة ليس لها علاقة مباشرة بتاريخ السودان وتوثيقه ، وليتها تحتوى علي بعض الخطب السياسية التي ألقاها قادة حزب الأمة التاريخيين كالأمير نقدالله وأمين التوم والمحجوب وعبدالرحمن علي طه وغيرهم ممن أثروا حياتنا السياسية بتعدد ثقافاتهم وتمايز أساليبهم الكتابية والخطابية يوم كانت الزعامة متعددة الاقطاب . ويا حبذا من زيادة في ملحق القصائد فهي تراث أدبي وتاريخ تسجيلي .
بروفيسور / مهدي امين التوم
21 يناير 2020م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.