القوز الإسطبلات و دائرة السيد عبدالرحمن المهدي: ماضي انطوي و ذكريات باقية (2) .. بقلم: حامد احمد منان    التكنوغلاظيا الاعلامية .. بقلم: د. وجدي كامل    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    مُؤانسات الجمعة .. بقلم: د. محمد حسن فرج الله    كلِّم قليبي .. بقلم: عبدالماجد موسى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    تجمع المهنيين ينفي دعوته لمؤتمر صحفي    "أنْتِيفا" التي يَتّهِمها دونالد ترامب.. ما لها وما عليها، وما هي؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    العالم يحتفل باليوم العالمي للبيئة .. بقلم: د. فراج الشيخ الفزاري    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    مسألة في البلاغة: تجري الرياحُ بما لا تشتهي السّفُنُ .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    كيف واجهت مؤسسة الطب السوداني اول وباء لمرض الايبولا (1976) الموت تحت ظلال الغابات الاستوائية .. ترجمة واعداد/ بروفيسور عوض محمد احمد    قرارت مرتقبة لتنظيم عمل المخابز بالخرطوم تتضمن عقوبات صارمة    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    سر المطالبة بتسريع التحقيقات ومحاكمات رموز النظام البائد والمتهمين/الجناة .. بقلم: دكتور يس محمد يس    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    قراءة متأنيَة في أحوال (شرف النّساء) الحاجة دار السّلام .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن/ولاية أريزونا/أمريكا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الإرهاب والكتاب - الجزء التاسع: سيداو (حقوق المرأة) والإرهاب الصامت (أ) .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة
نشر في سودانيل يوم 04 - 02 - 2020

إن الدين عند الله عبادته، والإيمان به وبكتابه الكريم عقيدةً، كما العدل المجتمعي والفضيلة لحفظ حقوق الغير من الضعفاء والمؤتمِنين لحمل الأمانة باسمهم ونكران الذات، "وبالوالدين احسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم" خُلُقاً، وخلاصة ذلك أن الدين عند الله هو عبادته وحمل أمانته بالتراحم ومكارم الأخلاق.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً59" النساء
"وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون151" الذاريات
ذلك البيان، مقروءاً مع الآيتين اللتين تلينه، يوضّح جليّاً أن ما لله لله وما للقيصر لقيصر، أو أن العبادة لله وهي واجب كل المخلوقات، ويحاسب عليها ويجزي فيها رب الكون بذاته يوم الحساب. أما ما لقيصر (العقد الاجتماعي للحاكم الذي يرتضيه القوم، بغض النظر عن أديانهم) فهو أمرٌ يجوز لهم فيه الخيار بالتنازل والتعاقد، التعاقد مثل العقد الاجتماعي والتعامل التجاري والمضاربات، والتنازل مثل الصفح والعفو مثلاً في القصاص سواءاً أكان نفساً بشرية أو جراحاً، أو الإيثار، وهو التنازل عن الحقوق ممن به خصاصة، فإذا استعصت الأمور فيجب ردّها إلى الله (في آياته المحكمات) ورسوله (في رسالته الكاملة من آياتٍ محكمات وآياتٍ متشابهات بتفعيل القياس)، وبالرجوع لأولي الأمر من المجتمع، أي ما تراضى عليه القوم في عقد اتحادهم (هويتهم) وبالإتفاقات الثنائية بقبول تفعيل حدود الله أو التنازل طوعاً لما يأتي به التفكّر والتعقّل للمصلحة المشتركة، وذلك بولاية من يمثل ذلك المجتمع وعقد حقوقه، وليس وصيّاً دينياً لأن الدين لا يحتاج لوصاية، فالدين عبادةٌ لله ولا وسيط بين العبد وربه.
فالتنازل والعفو يتم حول ما أحقّه الشرع الإلهي لمن أنزل في حقهم لحكمةٍ غالباً ما تكون من عند الله بدون شرحٍ مبرِّرٍ، مبررٍ مثل "الرجال قوّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم34" النساء، ، وتكون حقّاً يجوز التنازل عنه طواعيةً، أو بأمرٍ بدون تعليل كأمر الصيام او الوضوء أو التيمم، بدون حكمة مشروعية – لأنه عبادة، بأمره تعالى.
ففي العقد الاجتماعي، يتعاقد الناس على أن يُحكِّموا بينهم في الاتفاق الذي يجمعهم كشركاء، أي سند الهوية، وذلك هو الدستور الذي يجمع تلك الجماعة بهويتهم المرتبطة بالأرض التي ستكون وطناً لهم، ولا يفترض أبداً أن ذلك الحق المشترك يعني أن هناك تطابق مشترك في العقيدة أو اللغة أو العرق، رغم الإختلافات لابد من ضرب عقدٍ شراكة على أهم بندٍ فيها وهو الهوية (حق الإنتماء أو الملكية).
ولا يمنع ذلك من ضرب عقوداتٍ إضافية، جانبية بين أي قوميات أو جماعات داخل تلك المجوعة أو الدولة، سواءاً كانت مستدامة أو لأمرٍ مؤقت، مثل أمر الزواج، فيجوز للزوجين تعيين الأجر المطلوب سداده لنكاح الزوجة بالتراضي بينهما، ولا يكون تعدياً على حقوق الزوجة ما دامت على تمكنٍ من أمرها وليس استلاباً. كذلك يمكن للوريث أن يتنازل عن ورثته، أو يتنازل عن حظه في الميراث كذكر فيأخذ مثل حظ إخواته، كما ويمكن للزوجة أو الزوج السماح بالطلاق بينهما لينال أحدهما أو كلاهما حظاً في زيجةٍ أخرى، وأباحه الله تعالى في الطلاق المثلث أن تنكح الزوجة رجلاً جديداً، فإن قُدر لها طلاقٌ منه فيجوز رجوعها لزوجها: وانتقض تلك الرخصة أو الشرط الإلهي من ادعوا قولاً للرسول عليه صلوات الله وسلامه بأن من يقوم بذلك منبوذ ويسمى "ديّوس"، ويرجى ملاحظة ذلك السخط على ذاك "المحلل" كما يسمي أحياناً، بينما العقد المتفق عليه هو بين الزوجين "والديوس"! وبمباركة الله تعالى. هنا ترى كيف أن المستضعفين يُخسِرون، سواءاً كانوا يتامى أو نساءاً أو عبيد.
وتنظر مجدداً فترى الأثرياء وأهل السلطة والجاه يتزاوجون مثنى وثلاث ورباع، وليته كذلك فقط، بل منهم من يجوب البلدان، ويطلّق زوجةً ويتزوج أخرى في تجواله، وقد لا يكون الغرض فتح بيتٍ وانجاب أبناء، إنما هو لشراء الجنس في هيئة زواجٍ يشرّع له. ومنه الزواج العرفي وزواج المسيار وما تبع من مسميات: هي في حدها ليست رذيلةً ولا فحشاء مادامت بالتراضي وإيتاء الأجور، ولكنها هل هي زنا؟
لنتفكّر قليلاً في كلمة "زنا" هذه، فالزنا ليس فاحشة المتزوج أو المتزوجة مع آخر، إنما هي خيانة العهد. وكيف يكون العهد لتتم الخيانة؟
هي بالضبط حول أمر الله تعالى، مثلاً في حال ما ملكت إيمانكم: "فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات اخدان فإذا أحصن فإن اتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات" من الآية 25 النساء، أو "وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا أتيتموهن أُجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا" من الآية 10 سورة النساء، في حالة المؤمنات المهاجرات اللائي في عصمةِ أزواجهن الكفار.
فأجر النكاح (المهر) يقدمه الزوج بأمر الله للدخول في زواجٍ، رغم أنه قوّامٌ على المرأة بحكم مقدرته على الكد والاجتهاد غالباً لتميزه بالقوة والصلابة، فإن عطاء المرأة يفوقه نسبياً لضعف بنيتها وجهد صحتها وسلامتها في الحمل والوضوع والرضاع والتربية، كما وعليها أن تمتص كل أحزان وشقاء الزوج في عراكه مع بقية الرجال في حماية أسرته، بتهدئته وإطفاء ترويعه بالرقة والتراحم.
وذلك الأجر ليس بالضرورة مالاً أو مالاً لوحده، فهناك من تطلب مهرها جهاداً أو حفظ المصحف إلخ، ولكنه قطعاً يشمل غرضها في الزواج به أن تكون حبيبته ورفيقة عمره، وهناك أمثلة كثيرة لزوجاتٍ يدخلن الزوجية وهن أقدر على النفقة على الزوج من أن ينفق هو، ومع ذلك لها أجرها باختيارها، وقد لا ترغب في أيٍ من ذلك، إلا أنه حقّها الذي شرعه لها ربها العادل. ويجب إخطارها وتذكيرها بذلك الحق، فيمكن أن تشترط على زوجها عدم تعدد الزواج معها، وأنه إن كان يبغى الذرية وهي لم تستطعها أن تسمح له بالزواج عليها، وإن لم تطِق فالزواج بغيرها بعد طلاقها على أن تقبل الزوجة الجديدة بزواج الذرية الذي ينتهي بطلاقها والرجوع للأولى، وكل ذلك لا يمنعه شرع الله تعالى، ولكنه حتماً حق الزوجة قبل حق الزوج في التقرير فيه – من باب الأجر.
أما أن يجول الزوج في تجارة وأسفار، ويجامع النساء بباب تعدد الزوجات ثم الطلاق كما يقوم به أغلب أولي الجاه والسلطة، فهو يتخفى تحت عباءة الزواج من أجل النكاح المشترى، وهو أمرٌ سأناقش مدى حرمته وكيف في الحلقة (ب) من هذا الجزء، ولكن خيانة الزوجة هنا ليس فقط عدم أخذ موافقتها مسبقاً بتعدد الزوجات، إنما بالتعهد على ألا يأتي لها بإصابةٍ في مرضٍ جنسي قد ينهي حياتها أو حياة ما تحمل به من جنين، أو تشويه أو عذابٌ مدى الحياة لها ولجنينها، وهو ما لم تتعاقد عليه عند زواجها. وقد يكون الزوج متعدد الزوجات له زوجات محصنات من مثل ذلك الوباء، ولكن قد تخطئ إحداهن فتصيب المرض من شخصٍ آخر بالزنا أو الإغتصاب أو نقل الدم، فيحمله منها لزوجاته فينزل عليهن وعلى أجنتهنّ بلاءاً لا يُقبل في حقّهن، فهل تعول ذلك إلى أمر الله وحكمه بهذا الإهدار لأمن زوجة وأسرة تبعت هدي الإسلام؟
إن الحقوق التي يرخّص بها الله تعالى ليس للتمسُّك بها كمكسب صبّه ظلماً على شخص خصماً على حق آخر، إنما هو عدلٌ يتطلّب التفكّر فيه، مثلما أذكر دوماً في كتاباتي، فما هو إلا آيات متشابهات تستخلصها على ألا تتضارب مع الآيات المحكمات التي هي عماد الإيمان والعقيدة، مثل وحدانية الله، عدله تعالى، عدم تقصيره بالنسيان أو التراجع (وينعتونه بالنسخ خطأً حيثُ أن النسخ ما هو التخلي والتراجع، بل الإبانة والتوضيح – معجم لسان العرب).
وقال الله تعالى: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ176" النساء
يقول أنه في حالة الإجتهاد المضني (الكلالة) للبحث عن وريث شرعي للميت، شرح كيف يتم الإجتهاد بتوزيع الثروة حسب الأقرب والأقوم في الحظوظ، وشدد على الكلالة لأنها تنم عن أغلب الحالات الإرثية لأنها تتم بعد عمر جيلٍ كامل أو أكثر، حيث البحث مضني، وهو لا يشير إلى ذلك من أجل المحاسبة العسيرة، فولاية هؤلاء الورثة لحقوقهم تتعقد وتزداد تعقداً بمضي الزمن وتعدد الوارثين، حتى يرى من يعي كيف سيكون الزحف المؤلم فيها، فيسْهُل تحسُّب ذلك وتجنّبُه بالتنازلات للأضعف في الوارثين، صدقةً لا يضيع بها مالٌ قط.
ونرجع لموضوع حقوق المرأة في النكاح: فلم يقل زواجاً وإنما نكاحاً على سنة الله ورسوله، أي بالتراضي والأجر، ولا يلزم عمل عقدٍ فالعقد يستعمل لحسم النزاعات ليس إلا، ويوصي الله به ولكنه ليس ركناً من أركان الزواج، يبطل الزواج بعدم مهره. وهذا لا يختلف كثيراً في النكاح مع بنات الهوى، إلا في أنهن مسافحات متخذات أخدان، وهو نفس الأمر الذي أشرت إليه في تعدد الزوجات أن المسلم يدخل في تعدد الزوجات بأنه حق منحه إياه الله وينسى حقوق المرأة من شرط قبولها مسبقاً قبل الزواج بها، وكذلك عدم تحطيم الأسرة بما تحمله المسافحات المتخذات للأخدان.
ولكن إذا تطورت العلاقات الإنسانية، كما هي الآن في الدول المتقدمة، حيث يخدم العلم والإتصال كثيراً في تحرّي الأمراض الجنسية والحماية منها والأمن والتحسّب له، واللذان لا يحتاج المتزوجون وحدهم من التحوط منهما أو إقصائهما، بل من كل المجتمع الذي يمارس الجنس تحررياً، ولا يرغب في مصائبه، تجد أن هناك حلولاً قد يقبلها الفرد، وله أن يتنازل بموجبها إذا أراد بعقدٍ أو اتفاقٍ جانبي.
ولقد قمنا بممارسة العقود الجانبية هنا في إنجلترا في أواخر التسعينات من القرن الماضي، عندما استضافتنا قناة "المستقلة" أنا وزوجتي وطيفاً من الضيوف العرب، اغلبهم عراقيون، من الشيعة ومن السنة، في عدة مواضيع الساخنة في المجتمع وفي الدين. وكانت زوجتي، وهي محامية، تعمل في الإستشارات القانونية للجاليات العربية والإسلامية. نشأت بيننا وبين بعض هؤلاء الشيعة والسنة صداقات بحكم توافق آرائنا في درء الفتنة الكبرى التي يزداد لهيبها عندئذٍ والحاجة للحوار في خمدها، واجتمع فقهاء من الشيعة والسنة، الشيخ الهويدي – عراقي (شيعة)، والمرحوم دكتور زكي مصطفى – سوداني ، أستاذ الشريعة في جامعةٍ بلندن (سني)، وزوجتي عفاف طاهر مستشارة قانونية في مؤسسة مجتمعية وتعد رسالة الماجستير في القانون، والشيخ صهيب حسن، باكستاني من جامع لندن الكبير والذي يؤمه شيوخ من الأزهر الشريف، للنظر في حل قضية المسلمات اللائي منحتهن بريطانيا الطلاق القانوني، ولكنهنّ عجزن عن إستيفاء ورقة الطلاق الشرعية التي لا يمنحها إلا الزوج نفسه ويشترط لها دفع دية، هي الخُلع، وذلك في الجاليات الآسيوية، خاصةً الباكستانية والعراقية، والتي تعتبر في زواجها من آخر أنها متخذة أخدان. وهن لا حول لهن ولا قوة. كان الطريق الأوحد هو ان يستطيع الشيخ صهيب الإستفادة من القانون الشرعي المصري الذي يسمح بان يقوم السلطان بدور ولي الأمر لحل مشكلة الطلاق أو الزواج، إذا تعنّت والد الزوجة او الزوج ، ولكن خدماته وخدمات من يستعين بهم كانت عالية التكلفة. والشيخ الهويدي يتناول قضايا النساء الشيعيات، باستخراج ورقة طلاقهن الشرعية ، وزوجتي عفاف طاهر كانت تقوم بالإستعانة بمحامية انجليزية ي المؤسسة المجتمعية التي تجمعها معها باستخراج الطلاق البريطاني لتلك الزوجات وتأمين حقوقهن في نفقتهنّ، بذا تمكنت اللجنة من طلاقهنّ ورفع الولاية من أزواجهن بفضل النظام الفقهي المصري، ومع رفع تعجيز النساء بدفع "الخُلُع" الباهظ، إلا أن تكلفة خط الشيخ صهيب والفقهاء المصريين كان حملاً تقيلاً على تلك النساء، وهكذا تم احترام شرع الله المنزل، وليس التمسك الأعمى بتأويله فقهياً، والذي يتم استغلاله في غير ما أمر به الله.
ولا يعني هذا أن النساء وحدهم هن الضحايا، فهناك حالة كان فيها سوداني وزوجته في الخليج، وعزموا على الإنسراق إلى المملكة المتحدة، فجاءت الزوجة ومعها أطفالها وطلبت لجوءاً سياسياً، وكانت الخطة أن يقوم زوجها بدخول بريطانيا كلاجئ إرتري، ويلحق بزوجته باللجوء معها. ولكنه وجد زوجته تمكنت من استخراج ورقة طلاق بريطانية وتزوجت من رجلٍ آخر، ولما ثار فيها استدعت له الشرطة وانكشفت كذبته وتم ترحيله نهائياً من البلاد فراحت عليه زوجه وأطفاله. فلو كان هناك تنظيم لعمليات الزواج والطلاق ليتساير مع القانون الحقوقي لما فقد كل هؤلاء حقوقهم في معركة التحايل من فوق وتحت التضارب بين القانونين الشرعي والحقوق، وكلاهما يعمل على حماية الحقوق من الاستغلال، ولكن القانون الشرعي معصّب ومقيّد بتراث القهر الرجالي على النساء من مخلّفات الجاهلية العربية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.