موسم الحجاج السودانيين الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات السيادية في الدولة    أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    وفد تسيير المريخ يزور القنصل حازم    توتيل يحسم أكوبام بثنائية في مواجهة مثيرة    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    اجتماع في الخرطوم لبحث إمداد الوقود    شاهد بالفيديو.. بشة يتحدث بشفافية ووضوح: (ضربة جزاء نهضة بركان جاءت بسبب "بلادة" وعدم تصرف من لاعب الهلال)    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنانة فهيمة عبد الله تشتبك مع أحد الشباب في حفل غنائي وتوبخه: (البتعمل فيها دي شغلة حريم اتكلم عديل وخليك راجل)    الفنانة إنصاف مدني تفاجئ متابعيها وتتراجع عن هجومها على مدير أعمال إيمان الشريف وتقول: (كل واحد يخلي ريستو في مريستو)    والي الخرطوم يقدم تنويرا لمسئولة الاتحاد الأوربي حول الأضرار التي لحقت بالمرافق الخدمية وجهود الولاية لإعادة إعمارها    شاهد بالصورة والفيديو.. الفنان سجاد بحري "يُقبل" فتاة أمريكية والأخيرة تتوارى خجلاً وتطلب الزواج منه بعد اللقطة المثيرة    صمغ السودان يتآكل... 70% من الإنتاج يختفي وتهريب يغيّر خريطة التجارة    شيرين عبدالوهاب: ما زلت أريد الحياة والنجاح.. ومشهد من "تيتانك" أعادني    توجيهات بتشكيل لجان الزكاة القاعدية بعدد 186 حيا سكنيا بالخرطوم    راشد الماجد يحيى حفلا غنائيا فى أبو ظبى 30 أبريل    الزمالك يُنهي اليوم استعداداته لمواجهة إنبي غدا للاقتراب من درع الدورى    تطورات ملف تعديل عقد إمام عاشور فى الأهلى وحقيقة الغرامة المالية    حبيب متسلط يوشم اسمه عشرات المرات على وجه صديقته    كيف استفادت انستجرام من سناب شات وتفاصيل تطبيقها الجديد Instants للصور المختفية    أدوات رقابة أبوية جديدة بميتا لمتابعة تفاعل المراهقين مع الذكاء الاصطناعى    يوتيوب تى فى يطرح ترقية كبيرة لميزة "العرض المتعدد" (Multiview)    welcome back.. بهذه الطريقة هيفاء وهبى تعلن عودتها للعمل بعد وقف الحرب    ذكرى ميلاد هالة فؤاد.. أعرف قصة الفوازير التى جمعتها بصابرين ويحيى الفخرانى    ريهام عبد الغفور ومايان السيد ونجوم الفن يهنئون هشام ماجد بعيد ميلاده    كيف تنظم الساعة البيولوجية الداخلية للكبد إفراز الدهون اليومى؟    دراسة : كثرة القيلولة تُنذر بتدهور الصحة    قائد بقوات النور قبة يحسم جدل فيديو    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    قضايا استراتيجية على طاولة الاجتماع الأول لمجلس الرومان الجديد    تطوّرات بشأن الميناء البري في الخرطوم    تفوق واضح للجراحة على المناظير في استبدال الصمامات الصناعية    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    زيادة أسعار غاز الطهي بالخرطوم    الهلال في اختبار لا يقبل التعثر    اللواء الركن (م) أسامة محمد أحمد عبد السلام يكتب: السيد رئيس الأركان هناك راجمة (ضاربة) على السودان    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    محافظ مشروع الجزيره :المليشيا نهبت ودمرت أصول المشروع بطريقة ممنهجة والخسائر بلغت 6 مليار دولار    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    إحباط محاولة تهريب في السودان    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    قضية أثارت جدلاً.. براءة عصام صاصا من تهمة المشاجرة بملهى ليلي    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السودان بين وعود ومخاطر سد النهضة (2): الفوائد المتوهمة .. بقلم: د. أحمد عبد الله الشيخ
نشر في سودانيل يوم 28 - 04 - 2020

تحدثت في المقال السابق عن غياب الاستراتيجية عن المفاوض السوداني وارتباكه، وعددت فوائد سد النهضة بالنسبة للسودان كما ذكرها المتحدثون في ندوة السيد وزير الري في واشنطن.
وتظل قناعتنا أن السادة المتحدثين في ندوة واشنطن يَسُوقون ويُسَوقون حجج بهدف إقناع السودانيين بأهمية سد النهضة للسودان، تساق تلك الحجج دون الاستناد إلى دراسات أو بحوث علمية، وإنما بنظرٍ قاصر ليس فاحص ولا متعمق.
لنتناول الحجج والرد عليها تباعاً: -
1/ الحماية من الفيضان
هذه الحماية متوهمة، وعلى أقل تقدير هي لا تتوفر إذا كان الفيضان كبيراً. الفيضان الكبير (مثل فيضان سنة 1988) يهدد سلامة السد، إذ لا مفر من أن تفتح بوابات السد وفي هذه الحالة، فإن خطورة الفيضان وأضراره على السكان أسفل النهر تتضاعف في حالة وجود السد بالمقارنة مع حالة عدم وجوده (3)(4). وقد حذرت منظمة الأنهار الدولية من الاعتقاد بأن بناء السدود الكبيرة يقي من خطر الفيضانات، واعتبرت المنظمة أن هذا الاعتقاد يعد من أكبر الحيل التي تستخدم من قبل الحكومات لإقناع السكان بجدوى السدود (4).
ذكر وليام فيرفوت أستاذ علوم المياه في جامعة سيدني-استراليا، أن بناء السدود يتم لعدة أغراض منها (5):
1. الكهرباء 2. الري 3. الحماية من الفيضان
ولكن الأغراض المذكورة أعلاه تبدو متناقضة، فمثلا السد الذي يبني لغرض الحماية من الفيضانات يكون خاليا معظم الأوقات لاستيعاب الفيضان، بينما السد الذي يبني لإنتاج الكهرباء يظل ممتلئاً أغلب شهور السنة. يتم اتباع إجراءات سلامة محددة ودقيقة بالنسبة للسد المصمم لإنتاج الكهرباء منها السماح للمياه الزائدة بالعبور من خلال البوابات عند حدوث الفيضانات الكبيرة مما يسبب أضرار كارثية أسفل النهر، خصوصا إذا أُوهِم السكان بأن خطر الفيضان قد زلال للأبد (4)(5).
الغرض من سد النهضة هو إنتاج الكهرباء، وهذا يعني أن منسوب المياه في بحيرة السد سيكون مرتفعا نسيبا طوال العام، وأن أي زيادة غير معتادة في منسوب الأمطار في المنطقة مصحوبة بفتح بوابات سد النهضة يمكن أن تؤدي إلى فيضانات كبيرة ستكون هي وآثارها غير مسبوقة في مناطق النيل الأزرق والجزيرة والخرطوم.
قد يقول قائل إن دراسة لأحوال المناخ في السنوات الأخيرة أجريت قبل الشروع في بناء السد، ولكن الناظر إلي تحذيرات علماء المناخ من أن العالم سيشهد في غضون السنوات القادمة موجات غير مسبوقة من أمطاراً غزيرة وفيضانات مدمرة، يدرك أن لا جدوى لتلك الدراسات (6). بالنسبة للسودان هنالك حاجة حقيقية للفيضانات وبخاصةٍ في المناطق التي تقع من شمال الخرطوم الي الحدود مع مصر لطبيعة تلك المناطق الصحراوية. إذ تهب كثير من الرياح التي تجرف معها الرمال من الصحراء وتكون كثبان رملية على ضفتي النيل، ولكن في موسم الفيضان يتم جرف تلك الكثبان أمام الفيضان وتستبدل بطمي من النيل، هذا الطمي يجدد التربة في تلك الضفاف مما يسمح بزراعتها. وبالتالي انقطاع دورة الفيضان عن تلك المناطق يعني عدم تجدد التربة، وانعدام الخصوبة بل والحياة عنها، وتتسارع عمليات التصحر مما يحول الأراضي الي صحراء جرداء مع مرور الزمن.
أورد الدكتور رشدي سعيد في كتابه نهر النيل نشأته واستخدامه مياه في الماضي والمستقبل الصادر عام 1993 أن أحد المشكلات التي تجلت بعد بناء السد العالي، اتساع عمليات التصحر وتَكوّن الكثبان الرملية في الأراضي الزراعية بجانبي نهر النيل في مصر نتيجة لانقطاع دورة الفيضان (7).
أما القول بأن فيضان النيل الأزرق يهلك الحرث والنسل وبخاصةٍ في مناطق جنوب النيل الأزرق، هذا القول مردود عليه بأن أهلنا في تلك المناطق سكنوا في "حرم النيل" أي في مناطق يتمدد فيها النيل طبيعيا، والحل ممكن وليس بالعسير، بأن يتم ترحل أهلنا من "حرم النيل" إلى مناطق أخري، كما فعل الانجليز في السابق مع عدد من السكان في أكثر من منطقة. وفي عصرنا الحاضر دأبت كثير من الدول على السماح للنهر بالتمدد الطبيعي بدلاً من العمل على منع الفيضان، مع تفعيل بعض الاليات التي تقلل من آثار الفيضانات وتوعية السكان بخطورة السكن والاستثمار في مناطق الفيضانات (5). أسلوب السماح للنهر بالتمدد الطبيعي ليس هو الأسلوب الطبيعي فحسب، إنما هو الأنفع كذلك، أنفع لمن كانوا يجاورن النهر، وأنفع للحكومة أو الدولة.
2/حجز الطمي
الطمي يجدد التربة ويزيد من خصوبتها ويمنع عنها الملوحة مما يقلل استخدام الأسمدة والمخصبات والمبيدات. ومن المعلوم أن الزيادة في استخدام هذه المواد يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة وتلوث المياه الجوفية وفقدان المنتجات العضوية (organic products).
ذكر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة-الفاو صدر في العام 2005 بعنوان استهلاك المحاصيل للأسمدة في مصر أن استهلاك مصر للأسمدة قد تضاعف ثلاث مرات خلال الثلاثين عاماً الماضية، أرجع التقرير ذلك لعدة أسباب من بينها (عدم تجدد التربة بعد بناء السد العالي) (8). ومن جهة زاد متوسط استهلاك الأسمدة الكيميائية في مصر من (46) كيلو جرام للفدان في خلال السنوات (1961 - 1965) إلى (103) كيلو جرام للفدان سنة 1987، هذه الزيادة الكبيرة نتجت عن انقطاع عمليات تجدد التربة بعد حجز الطمي خلف السد العالي (7).
أيضا من مضار حجب الطمي تغير طبيعة المياه، فتصبح قليلة العكارة (بيضاء)، وتقل فيها تغذية الأسماك مما يؤثر سلباً على الثورة السمكية. كان في مصر قرابة الخمسين نوعاً من الأسماك في العام 1948 أي قبل بناء السد العالي، وانخفض الرقم الي ستة عشرة نوعاً بعد بناء السد العالي (7).
من المؤمل أن تقوم وزارة الري بالسودان بعمل أنموذج أو جدول حسابي يقارن بين تكلفة إزالة الطمي في 50-100 سنة القادمة وبين تكلفة فقدان خصوبة التربة واستخدام الأسمدة والمخصبات والمبيدات وانتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه ونقص الثروة السمكية وملوحة وتلوث المياه الجوفية وفقدان صناعة الطوب وحماية قنوات الري والمجاري والشواطئ من التآكل لمعرفة أي الحالين أجدى اقتصادياً.
هنا تساؤل: هل ستنتهي عمليات ترسيب الطمي بعد الانتهاء من بناء السد؟ والإجابة القاطعة ب لا، سوف يتراكم الطمي خلف السد، ومع مرور الزمن سيقلل ذلك باضطراد من قدرة السد على إنتاج الكهرباء، التي من المزمع تزويد السودان بها.
في جانبٍ آخر، ذكر المهندس/ دياب حسين دياب عضو لجنة الخبراء الدوليين لتقييم سد النهضة في حديث منشور على موقع صحفية أخبار اليوم الاليكترونية بتاريخ 29/3/2020(9)، أن السعة التخزينية للسدود السودانية تساوي أكثر من (20) مليار متر مكعب، موزعة كالتالي:
الروصيرص 5.5 مليار م3، مروي 8 مليار م3 (ورد بالصحيفة أن الرقم 8 مليار م3 والصحيح 12 مليار م3)، جبل أولياء 3 مليار م3، خشم القربة 0.5 مليار م3 وسنار 0.5 مليار م3، ستيت 2.5 مليار م3. لكن المساحات المزروعة في السودان تناقصت إلى أكثر من 60%، كل هذه المياه تستخدم في توليد الكهرباء ولا يستفاد منها في الزراعة. تذهب مياه السودان إلى مصر نتيجة لمشاكل في الزراعة وليس لمشاكل في التخزين.
3/ تغذية المياه الجوفية
تتم تغذية المياه الجوفية في وسط وشمال السودان عبر ثلاث آليات (10):
الأمطار في موسم الخريف.
عمليات الري في المشاريع الزراعية.
نهر النيل.
ذكرت دراسة بعنوان المياه الجوفية في شمال ووسط السودان أن نهر النيل يغذي المياه الجوفية في المناطق المجاورة له (في حدود تقل عن 25 كم)، بينما لا يغذي النهر المياه الجوفية أبعد عن هذه الحدود (10). وذكرت دراسة بعنوان تأثير سد النهضة على مياه الجزيرة الجوفية السودان، أنه إذا وجدت تغذية مباشرة للمياه الجوفية من النيل الأزرق، فإن سد النهضة سيجعل منسوب المياه الجوفية مرتفعا طوال العام (11).
من جهة أخري أشار الدكتور رشدي سعيد (مرجع سابق) إلى ظهور عدد من المشاكل الكبيرة في صرف الأراضي بعد بناء السد العالي وانتظام معدل ووتيرة جريان نهر النيل وكميات المياه (7). هذه المشاكل لم تكن معروفة قبل بناء السد العالي، إذ كان يرتفع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وينخفض بانحسار الفيضان. ولكن بعد اكتمال السد العالي ارتفع منسوب المياه الجوفية إلى مستوي عالٍ طوال العام نتيجة التغذية المستمرة. هذا الارتفاع الدائم في منسوب المياه الجوفية قاد الي زيادة في ملوحة التربة مما أدى الي مضاعفة عدد مرات الري لأي محصول، كما عانت جذور النباتات كثيراً من المشاكل بسبب ارتفاع منسوب المياه المستمر.
يبدو أن التغذية المستمرة طوال العام للمياه الجوفية ستصبح من أكبر التحديات التي ستواجه النشاط الزراعي بعد سد النهضة. وأن هذا الارتفاع للأسف لا يغذي المناطق البعيدة من النيل (التي تبعد عن 25 كم كما سبقت الإشارة) (10) في حين أن هذه المناطق قد تكون في أمس الحاجة لتلك المياه.
يتساءل المرء: أين تقارير وزارة الزراعة، ودراسات المياه الجوفية، ونماذج المحاكاة التي استندت عليها وزارة الري لتصدير فكرة أن التغذية المستمرة للمياه الجوفية التي تجعل منسوب المياه الجوفية عاليا خلال العام أفضل من الدورة الطبيعية التي يتم فيها ارتفاع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وهبوطه بعد انقضاء موسم الفيضان؟
4/ زراعة الجروف (الري الفيضي)
مما جاء في الندوة عن وزير الري د. ياسر أن هنالك حوالي 125 ألف فدان من الجروف سوف تتأثر بسد النهضة، وأنه من الممكن تحويل هذه الجروف من كونها مناطق زراعة موسمية لتصبح مناطق زراعة دائمة عن طريق ريها بالطلمبات من النيل طوال العام (1). وأن 150 ألف فدان مساحة صغيرة جداً بالمقارنة مع زيادة المساحة المزروعة التي سوف يتم استغلاها بعد قيام سد النهضة. لكن الوزير لم يذكر مواقع ومساحات تلك الاراضي وكمية المياه وخطط وزارتي الري والزراعة لاستغلال تلك الأراضي.
زراعة الجروف التي تعتمد على الري الفيضي من أهم الأنشطة الزراعية حول الخرطوم ومناطق نهر النيل وشمال السودان، إذ تغمر مياه الفيضان تلك الأراضي ثم تنحسر عنها فتحتفظ التربة بكميات جيدة من المياه فيستغلها المزارع للزراعة دون الحاجة إلى ريها البتة أو ريها مرة أو مرتين إن لزم الامر. هذا النشاط الزراعي يرفد الخرطوم بكثير من الخضروات والأعلاف. وفي ولايتي الشمالية ونهر النيل يستغل المزارعون تلك المساحات في زراعة الخضروات والويكة أو البامية والفول والبصل، وهذه تمثل جزءا كبيرا من قوت الناس، كما يقومون بتسويقها للحصول على نقد هم في أمس الحاجة إليه، أما قول الوزير باستخدام الطلمبات للري عوضا عن الري الفيضي، فمردود عليه أيضا بارتفاع كلفة الوقود، هذه الكلفة تجعل من الزراعة نشاطاً غير مجدي اقتصادياً. يلاحظ القاري أن مشكلة السودان ليست في تخزين المياه، وإنما في سوء إدارة الموارد الزراعية، عِوضاً عن مساعدة مزارعي الري الفيضي وتطوريهم، تريد الحكومة أن تضمهم الي سلسلة المشاريع التي تعاني من الفشل.
ونتساءل هنا أيضاً: كم من الأسر تطعمهم (150) ألف فدان؟ وكم تمثل هذه المساحة من الناحية الاقتصادية؟ وهل ستقوم إثيوبيا بدفع تعويضات لهؤلاء المزارعين؟ أو ماهي البدائل التي ستوفر أو يجب أن توفر لتعويض هؤلاء المزارعين؟
5/ زيادة الدورات الزراعية الي ثلاث
ذكر أيضا في الندوة أن قيام سد النهضة سيتيح للسودان زيادة عدد الدورات الزراعية إلى ثلاثة (1). يعني زراعة أي مساحة في مشروع معين بمعدل ثلاث مرات خلال السنة. الدورة الزراعية عبارة عن عملية يتم من خلالها تنظيم زراعة أو فلاحة رقعة زراعية وفق تقسيمات من حيث المساحة ومن حيث نوعية المزروعات خلال مدة زمنية محددة (سنة) وذلك بغرض تحسين الانتاجية وتقليل التكلفة مع المحافظة على خصوبة التربة (12). وقد شرح لي وزير الري الأسبق المهندس كمال حسن علي طرق الزراعة أو ماهية الدورة الزراعية في مشروع الجزيرة (عمدة المشاريع الزراعية في السودان) كما يلي:
زراعة: -
الفول السوداني (بين عشرين مايو الي عشرين يونيو).
الذرة (العيش) (بين عشرين يونيو الي عشرين يوليو).
القطن (بين عشرين يوليو الي عشرين أغسطس).
حصاد: -
الفول (بين عشرين أغسطس الي عشرين سبتمبر).
الذرة (العيش) (بين عشرين سبتمبر الي عشرين اكتوبر).
زراعة القمح (بين اول نوفمبر الي اول ديسمبر).
حصاد القطن قصير التيلة (بين اول ديسمبر الي اول يناير).
حصاد القطن طويل التيلة (بين اول يناير الي اول فبراير).
حصاد القمح (بين اول فبراير الي منتصف مارس).
ثم تترك الأرض بوراً لفترة، خلالها تنظف قنوات الري، وتحديداً في شهر أبريل لتبدأ العجلة في الدوران من جديد في شهر مايو. يتضح من شرح الباشمهندس كمال أن النشاط الزراعي في مشروع الجزيرة مستمر طوال العام. ليطرح سؤالاً: ماذا يقصد بثلاث دورات زراعية؟ هل سيتم تغير التركيبة المحصولية للمشاريع الزراعية؟ أم سيتم إحداث تغيرات؟ وكيف أن قيام سد النهضة سيتيح للسودان الاستفادة من ثلاث دورات زراعية؟ وقبل ذلك: أين صوت المسؤولين والمختصين بوزارة الزراعة؟
6/ تزويد السودان بكهرباء رخيصة
رداً على هذه المزية (المزعومة) أشير إلى ما ذكره الدكتور اسفاو بيني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان ديغو في الولايات المتحدة في موقع قادا الإلكتروني: أن سد النهضة لا يمكنه إنتاج 6000 ميقاواط لأنه يحتاج إلى متوسط معدل سريان يبلغ 4700م3/ الثانية بينما يبلغ متوسط سريان النيل الأزرق 2350م3/الثانية، أي نصف المعدل المطلوب لإنتاج 6000 ميقاواط (13). من الوارد ألا يكون ما ذكره الدكتور اسفاو بيني دقيقاً، لكن قوله يوجب على وزارة الري في السودان إجراء الدراسات المناسبة للوقوف على حقيقة تمكن سد النهضة من إنتاج 6000 ميقاواط، وتأكيد حقيقة أن إثيوبيا وقعت على اتفاق بيع الكهرباء للسودان بسعر زهيد، قبل التحدث عن شراء الكهرباء الوفيرة الرخيصة.
من جهة أخري، ذكر ديل ويتنغتون أستاذ الهندسة المدنية بجامعة كارولينا الشمالية تشاب هيل بولاية كارولينا الشمالية الولايات المتحدة، في مقالة بعنوان "لماذا الحاجة الي مباحثات فنية لسد النهضة" المنشور في موقع كونفرزايشن بتاريخ 8/6/2016، أن حاجة إثيوبيا من الكهرباء لم تتعد ال 2000 ميغاوات، وأن استيراد كينيا من الكهرباء الإثيوبية لم يتجاوز ال 400 ميغاوات، ولإثيوبيا أن تبيع الكهرباء للسودان(14)، لكن الخط الحالي الناقل للكهرباء من إثيوبيا للسودان لا تتجاوز حمولته ال 100 ميغاوات، مما يتطلب إنشاء خطوط ومحولات جديدة ذات ضغط عالي لاستيعاب الكهرباء المُحتملة من سد النهضة. أما تقرير بعنوان "سد النهضة فرصة للتعاون والفوائد المشتركة في حوض النيل الشرقي" الصادر عن معمل عبد اللطيف جميل للأمن الغذائي ومياه العالم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بولاية ماساشوستس الولايات المتحدة عام 2014، فقد أشار الي أن إنشاء خطوط جديدة ذات ضغط عالي بين إثيوبيا والسودان ومصر قد يستغرق خمس سنوات (15).
وعلي نفس الصعيد، ذكر الدكتور محمد نصر علام وزير الري المصري الأسبق في مقالة بعنوان "مقاطعة كهرباء سد النهضة" في صحيفة الوطن المصرية بتاريخ 20/12/2014(16). أن شبكات الكهرباء في إثيوبيا حاليا لا تستطيع أن تتحمل أكثر من سدس (1/6) إنتاج الكهرباء المحتمل من سد النهضة، وان تكلفة نقل كهرباء سد النهضة من خلال خطوط ضغط عالي، سوف يكلف خزينة إثيوبيا أكثر من مليار دولار، أضف إلى ذلك سعر الكهرباء التشجيعي، فان العائد من بيع الكهرباء لن يفي بمصروفات تشغيل سد النهضة. أما خيار التوسع في شبكة توزيع الكهرباء الإثيوبية الداخلية لاستيعاب الزيادة الهائلة في الكهرباء من سد النهضة، فان إثيوبيا قد تحتاج الي 30 عاما لإنجاز تلك المهمة. أما خيار تصدير الكهرباء للسودان، فان السودان وإثيوبيا مجتمعين ليس لديهما الحوجة او القدرة لاستغلال نصف الكهرباء المنتجة من سد النهضة مما يفرض على إثيوبيا ان تبيع الكهرباء للسودان بسعر التكلفة. ولكن مصر هي الدولة الوحيدة التي لديها القدرة على استيعاب كامل الكهرباء المنتجة من سد النهضة وأن رفض مصر شراء كهرباء سد النهضة قد يعرض إثيوبيا لخسارة مقدارها 6-7 مليارات دولار مما يؤثر على قدرة إثيوبيا في الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه السد.
د. أحمد عبد الله الشيخ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المراجع
1.https://www.facebook.com/Satintoad/videos/10215452412163847/?d=n
2. https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2020/03/03/أزمة-سد-النهضة-تتصاعد-اثيوبيا-سنبدأ-الملء-ولا-قوة-تم
3. https://www.youtube.com/watch?v=76QIyubPks4
4. https://www.internationalrivers.org/sites/default/files/attached-files/irfactsheet_dammed_rivers_lores.pdf
5. https://www.smh.com.au/politics/federal/building-more-dams-is-no-way-to-prevent-flood-catastrophe-20110111-19mkm.html
https://www.smh.com.au/politics/federal/building-more-dams-is-no-way-to-prevent-flood-catastrophe-20110111-19mkm.html
6. Adhikari, U., Nejadhashemi, A., Woznicki, S. (2015). Climate change and eastern Africa: a review of impact on major crops.
7. رشدي سعيد. نهر النيل نشأته واستخدامه مياه في الماضي والمستقبل. القاهرة. دار الهلال. 1993.
8. Food and Agriculture Organization (2005). "Fertilizer use by crop in Egypt". Rome.
9.http://www.akhbarelyoum.net/tfr/6009?fbclid=IwAR02KJFiDvZKZkKd7u6FZn-tPjnzgSXCdsEE4MjDpkRS6Sld7RU0wAIYHLY
10. Vrbka, P., Bussert, P., Abdalla, O. (2008). "Groundwater in north and central Sudan". Applied Groundwater Studies in Africa.
9. Sharaky A.M., Elewa H.H., Kasem A.M. (2017). "Impact of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) on Gezira Groundwater, Sudan". In: Negm A., Abdel-Fattah S. (eds) Grand Ethiopian Renaissance Dam Versus Aswan High Dam. The Handbook of Environmental Chemistry, vol 79. Springer, Cham.
12. جواد عبد الكريم كمال. استخدام الدورة الزراعية لأغراض صيانة التربة. مجلة القادسية للعلوم الانسانية. المجلد الثامن. العدد الاول. 2005.
13. http://gadaa.com/oduu/20303/2013/06/19/why-is-the-hydroelectric-dam-on-the-blue-nile-the-grand-ethiopian-renaissance-dam-gerd-sized-for-6000-mw/
14. http://theconversation.com/why-technical-discussions-are-needed-for-the-grand-ethiopian-renaissance-dam-60004
15. Abdul Latif Jameel World Water and Food Security Lab, M. I. T. (2014). The Grand Ethiopian Renaissance Dam: An Opportunity for Collaboration and Shared Benefits in the Eastern Nile Basin. Cambridge, Massachusetts Institute of Technology: 17.
16. https://www.elwatannews.com/news/details/623526
17. محمد أحمد المحجوب. الديمقراطية في الميزان. الخرطوم. مطبعة العملة. 2004.
18. United States Bureau of Reclamation (1964). Land and water resources of the Blue Nile basin: Ethiopia. Appendix II. Washington, DC, Dept. of the Interior.
19. Zhang, Y., P. Block, et al. (2015). "Ethiopia's Grand Renaissance Dam: Implications for Downstream Riparian Countries." Journal of Water Resources Planning and Management 141 (9): 05015002.
20. Girdler, R. W. and D. A. McConnell (1994). "The 1990 to 1991 Sudan Earthquake Sequence and the Extent of the East African Rift System." Science 264(5155): 67-70.
21. DesRoches, R., M. Comerio, et al. (2011). "Overview of the 2010 Haiti Earthquake." Earthquake Spectra 27: S1–S21.
22. Pacific, W. H. O. R. O. f. t. W. (2011). The great east Japan earthquake: a story of devastating natural disaster, a tale of human compassion, World Health Organization 74.
23. Gahalaut, K. and A. Hassoup (2012). "Role of fluids in the earthquake occurrence around Aswan reservoir, Egypt." Journal of Geophysical Research: Solid Earth 117(B2).
24. Grigoli, F., S. Cesca, et al. (2017). "Current challenges in monitoring, discrimination, and management of induced seismicity related to underground industrial activities: A European perspective." Reviews of Geophysics 55(2): 310-340.
25. Moore, M. (2009). Chinese earthquake may have been man-made, say scientists The Telegraph.
26. Staff, R. (2017). Bereaved families scuffle with rescue workers at Ethiopian landslide site. Reuters.
27. Ismail, E. H., J. D. Rogers, et al. (2017). "Landslide susceptibility mapping of Blue Nile and Tekeze River Basins using oblique rainfall-aspect rasters." Bulletin of Engineering Geology and the Environment.
28. Wieland, M. (2010). Dam safety and earthquakes. International Water Power and Dam Construction.
29. Williams, P. (1991). The debate over large dams, Civil Engineering—ASCE, Vol. 61, Issue 8, Pg. 42-48.
30. ابراهيم الامين. السودان الاخضر بين دفتي السد العالي وسد النهضة. الخرطوم. 2015.
31. محمد عبد الحميد. تداعيات من ثنايا الذاكرة حول مخاطر سد النهضة. سودانايل 4/11/2019.
. 32. أحمد عبد الله الشيخ. سد النهضة بيع الماء أم الكهرباء! سودانايل 1/05/2018.
33. مصطفي عبد الجليل مختار. السودان وسد النهضة (2/3): بين الشراكة المجانية واحتلال الفشقة. سودانايل 15/03/2020.
34. الصادق المهدي. مياه النيل الوعد والوعيد. القاهرة. مركز الاهرام للترجمة. 2000.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.