مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان بين وعود ومخاطر سد النهضة (2): الفوائد المتوهمة .. بقلم: د. أحمد عبد الله الشيخ
نشر في سودانيل يوم 28 - 04 - 2020

تحدثت في المقال السابق عن غياب الاستراتيجية عن المفاوض السوداني وارتباكه، وعددت فوائد سد النهضة بالنسبة للسودان كما ذكرها المتحدثون في ندوة السيد وزير الري في واشنطن.
وتظل قناعتنا أن السادة المتحدثين في ندوة واشنطن يَسُوقون ويُسَوقون حجج بهدف إقناع السودانيين بأهمية سد النهضة للسودان، تساق تلك الحجج دون الاستناد إلى دراسات أو بحوث علمية، وإنما بنظرٍ قاصر ليس فاحص ولا متعمق.
لنتناول الحجج والرد عليها تباعاً: -
1/ الحماية من الفيضان
هذه الحماية متوهمة، وعلى أقل تقدير هي لا تتوفر إذا كان الفيضان كبيراً. الفيضان الكبير (مثل فيضان سنة 1988) يهدد سلامة السد، إذ لا مفر من أن تفتح بوابات السد وفي هذه الحالة، فإن خطورة الفيضان وأضراره على السكان أسفل النهر تتضاعف في حالة وجود السد بالمقارنة مع حالة عدم وجوده (3)(4). وقد حذرت منظمة الأنهار الدولية من الاعتقاد بأن بناء السدود الكبيرة يقي من خطر الفيضانات، واعتبرت المنظمة أن هذا الاعتقاد يعد من أكبر الحيل التي تستخدم من قبل الحكومات لإقناع السكان بجدوى السدود (4).
ذكر وليام فيرفوت أستاذ علوم المياه في جامعة سيدني-استراليا، أن بناء السدود يتم لعدة أغراض منها (5):
1. الكهرباء 2. الري 3. الحماية من الفيضان
ولكن الأغراض المذكورة أعلاه تبدو متناقضة، فمثلا السد الذي يبني لغرض الحماية من الفيضانات يكون خاليا معظم الأوقات لاستيعاب الفيضان، بينما السد الذي يبني لإنتاج الكهرباء يظل ممتلئاً أغلب شهور السنة. يتم اتباع إجراءات سلامة محددة ودقيقة بالنسبة للسد المصمم لإنتاج الكهرباء منها السماح للمياه الزائدة بالعبور من خلال البوابات عند حدوث الفيضانات الكبيرة مما يسبب أضرار كارثية أسفل النهر، خصوصا إذا أُوهِم السكان بأن خطر الفيضان قد زلال للأبد (4)(5).
الغرض من سد النهضة هو إنتاج الكهرباء، وهذا يعني أن منسوب المياه في بحيرة السد سيكون مرتفعا نسيبا طوال العام، وأن أي زيادة غير معتادة في منسوب الأمطار في المنطقة مصحوبة بفتح بوابات سد النهضة يمكن أن تؤدي إلى فيضانات كبيرة ستكون هي وآثارها غير مسبوقة في مناطق النيل الأزرق والجزيرة والخرطوم.
قد يقول قائل إن دراسة لأحوال المناخ في السنوات الأخيرة أجريت قبل الشروع في بناء السد، ولكن الناظر إلي تحذيرات علماء المناخ من أن العالم سيشهد في غضون السنوات القادمة موجات غير مسبوقة من أمطاراً غزيرة وفيضانات مدمرة، يدرك أن لا جدوى لتلك الدراسات (6). بالنسبة للسودان هنالك حاجة حقيقية للفيضانات وبخاصةٍ في المناطق التي تقع من شمال الخرطوم الي الحدود مع مصر لطبيعة تلك المناطق الصحراوية. إذ تهب كثير من الرياح التي تجرف معها الرمال من الصحراء وتكون كثبان رملية على ضفتي النيل، ولكن في موسم الفيضان يتم جرف تلك الكثبان أمام الفيضان وتستبدل بطمي من النيل، هذا الطمي يجدد التربة في تلك الضفاف مما يسمح بزراعتها. وبالتالي انقطاع دورة الفيضان عن تلك المناطق يعني عدم تجدد التربة، وانعدام الخصوبة بل والحياة عنها، وتتسارع عمليات التصحر مما يحول الأراضي الي صحراء جرداء مع مرور الزمن.
أورد الدكتور رشدي سعيد في كتابه نهر النيل نشأته واستخدامه مياه في الماضي والمستقبل الصادر عام 1993 أن أحد المشكلات التي تجلت بعد بناء السد العالي، اتساع عمليات التصحر وتَكوّن الكثبان الرملية في الأراضي الزراعية بجانبي نهر النيل في مصر نتيجة لانقطاع دورة الفيضان (7).
أما القول بأن فيضان النيل الأزرق يهلك الحرث والنسل وبخاصةٍ في مناطق جنوب النيل الأزرق، هذا القول مردود عليه بأن أهلنا في تلك المناطق سكنوا في "حرم النيل" أي في مناطق يتمدد فيها النيل طبيعيا، والحل ممكن وليس بالعسير، بأن يتم ترحل أهلنا من "حرم النيل" إلى مناطق أخري، كما فعل الانجليز في السابق مع عدد من السكان في أكثر من منطقة. وفي عصرنا الحاضر دأبت كثير من الدول على السماح للنهر بالتمدد الطبيعي بدلاً من العمل على منع الفيضان، مع تفعيل بعض الاليات التي تقلل من آثار الفيضانات وتوعية السكان بخطورة السكن والاستثمار في مناطق الفيضانات (5). أسلوب السماح للنهر بالتمدد الطبيعي ليس هو الأسلوب الطبيعي فحسب، إنما هو الأنفع كذلك، أنفع لمن كانوا يجاورن النهر، وأنفع للحكومة أو الدولة.
2/حجز الطمي
الطمي يجدد التربة ويزيد من خصوبتها ويمنع عنها الملوحة مما يقلل استخدام الأسمدة والمخصبات والمبيدات. ومن المعلوم أن الزيادة في استخدام هذه المواد يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة وتلوث المياه الجوفية وفقدان المنتجات العضوية (organic products).
ذكر تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة-الفاو صدر في العام 2005 بعنوان استهلاك المحاصيل للأسمدة في مصر أن استهلاك مصر للأسمدة قد تضاعف ثلاث مرات خلال الثلاثين عاماً الماضية، أرجع التقرير ذلك لعدة أسباب من بينها (عدم تجدد التربة بعد بناء السد العالي) (8). ومن جهة زاد متوسط استهلاك الأسمدة الكيميائية في مصر من (46) كيلو جرام للفدان في خلال السنوات (1961 - 1965) إلى (103) كيلو جرام للفدان سنة 1987، هذه الزيادة الكبيرة نتجت عن انقطاع عمليات تجدد التربة بعد حجز الطمي خلف السد العالي (7).
أيضا من مضار حجب الطمي تغير طبيعة المياه، فتصبح قليلة العكارة (بيضاء)، وتقل فيها تغذية الأسماك مما يؤثر سلباً على الثورة السمكية. كان في مصر قرابة الخمسين نوعاً من الأسماك في العام 1948 أي قبل بناء السد العالي، وانخفض الرقم الي ستة عشرة نوعاً بعد بناء السد العالي (7).
من المؤمل أن تقوم وزارة الري بالسودان بعمل أنموذج أو جدول حسابي يقارن بين تكلفة إزالة الطمي في 50-100 سنة القادمة وبين تكلفة فقدان خصوبة التربة واستخدام الأسمدة والمخصبات والمبيدات وانتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه ونقص الثروة السمكية وملوحة وتلوث المياه الجوفية وفقدان صناعة الطوب وحماية قنوات الري والمجاري والشواطئ من التآكل لمعرفة أي الحالين أجدى اقتصادياً.
هنا تساؤل: هل ستنتهي عمليات ترسيب الطمي بعد الانتهاء من بناء السد؟ والإجابة القاطعة ب لا، سوف يتراكم الطمي خلف السد، ومع مرور الزمن سيقلل ذلك باضطراد من قدرة السد على إنتاج الكهرباء، التي من المزمع تزويد السودان بها.
في جانبٍ آخر، ذكر المهندس/ دياب حسين دياب عضو لجنة الخبراء الدوليين لتقييم سد النهضة في حديث منشور على موقع صحفية أخبار اليوم الاليكترونية بتاريخ 29/3/2020(9)، أن السعة التخزينية للسدود السودانية تساوي أكثر من (20) مليار متر مكعب، موزعة كالتالي:
الروصيرص 5.5 مليار م3، مروي 8 مليار م3 (ورد بالصحيفة أن الرقم 8 مليار م3 والصحيح 12 مليار م3)، جبل أولياء 3 مليار م3، خشم القربة 0.5 مليار م3 وسنار 0.5 مليار م3، ستيت 2.5 مليار م3. لكن المساحات المزروعة في السودان تناقصت إلى أكثر من 60%، كل هذه المياه تستخدم في توليد الكهرباء ولا يستفاد منها في الزراعة. تذهب مياه السودان إلى مصر نتيجة لمشاكل في الزراعة وليس لمشاكل في التخزين.
3/ تغذية المياه الجوفية
تتم تغذية المياه الجوفية في وسط وشمال السودان عبر ثلاث آليات (10):
الأمطار في موسم الخريف.
عمليات الري في المشاريع الزراعية.
نهر النيل.
ذكرت دراسة بعنوان المياه الجوفية في شمال ووسط السودان أن نهر النيل يغذي المياه الجوفية في المناطق المجاورة له (في حدود تقل عن 25 كم)، بينما لا يغذي النهر المياه الجوفية أبعد عن هذه الحدود (10). وذكرت دراسة بعنوان تأثير سد النهضة على مياه الجزيرة الجوفية السودان، أنه إذا وجدت تغذية مباشرة للمياه الجوفية من النيل الأزرق، فإن سد النهضة سيجعل منسوب المياه الجوفية مرتفعا طوال العام (11).
من جهة أخري أشار الدكتور رشدي سعيد (مرجع سابق) إلى ظهور عدد من المشاكل الكبيرة في صرف الأراضي بعد بناء السد العالي وانتظام معدل ووتيرة جريان نهر النيل وكميات المياه (7). هذه المشاكل لم تكن معروفة قبل بناء السد العالي، إذ كان يرتفع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وينخفض بانحسار الفيضان. ولكن بعد اكتمال السد العالي ارتفع منسوب المياه الجوفية إلى مستوي عالٍ طوال العام نتيجة التغذية المستمرة. هذا الارتفاع الدائم في منسوب المياه الجوفية قاد الي زيادة في ملوحة التربة مما أدى الي مضاعفة عدد مرات الري لأي محصول، كما عانت جذور النباتات كثيراً من المشاكل بسبب ارتفاع منسوب المياه المستمر.
يبدو أن التغذية المستمرة طوال العام للمياه الجوفية ستصبح من أكبر التحديات التي ستواجه النشاط الزراعي بعد سد النهضة. وأن هذا الارتفاع للأسف لا يغذي المناطق البعيدة من النيل (التي تبعد عن 25 كم كما سبقت الإشارة) (10) في حين أن هذه المناطق قد تكون في أمس الحاجة لتلك المياه.
يتساءل المرء: أين تقارير وزارة الزراعة، ودراسات المياه الجوفية، ونماذج المحاكاة التي استندت عليها وزارة الري لتصدير فكرة أن التغذية المستمرة للمياه الجوفية التي تجعل منسوب المياه الجوفية عاليا خلال العام أفضل من الدورة الطبيعية التي يتم فيها ارتفاع منسوب المياه الجوفية في موسم الفيضان وهبوطه بعد انقضاء موسم الفيضان؟
4/ زراعة الجروف (الري الفيضي)
مما جاء في الندوة عن وزير الري د. ياسر أن هنالك حوالي 125 ألف فدان من الجروف سوف تتأثر بسد النهضة، وأنه من الممكن تحويل هذه الجروف من كونها مناطق زراعة موسمية لتصبح مناطق زراعة دائمة عن طريق ريها بالطلمبات من النيل طوال العام (1). وأن 150 ألف فدان مساحة صغيرة جداً بالمقارنة مع زيادة المساحة المزروعة التي سوف يتم استغلاها بعد قيام سد النهضة. لكن الوزير لم يذكر مواقع ومساحات تلك الاراضي وكمية المياه وخطط وزارتي الري والزراعة لاستغلال تلك الأراضي.
زراعة الجروف التي تعتمد على الري الفيضي من أهم الأنشطة الزراعية حول الخرطوم ومناطق نهر النيل وشمال السودان، إذ تغمر مياه الفيضان تلك الأراضي ثم تنحسر عنها فتحتفظ التربة بكميات جيدة من المياه فيستغلها المزارع للزراعة دون الحاجة إلى ريها البتة أو ريها مرة أو مرتين إن لزم الامر. هذا النشاط الزراعي يرفد الخرطوم بكثير من الخضروات والأعلاف. وفي ولايتي الشمالية ونهر النيل يستغل المزارعون تلك المساحات في زراعة الخضروات والويكة أو البامية والفول والبصل، وهذه تمثل جزءا كبيرا من قوت الناس، كما يقومون بتسويقها للحصول على نقد هم في أمس الحاجة إليه، أما قول الوزير باستخدام الطلمبات للري عوضا عن الري الفيضي، فمردود عليه أيضا بارتفاع كلفة الوقود، هذه الكلفة تجعل من الزراعة نشاطاً غير مجدي اقتصادياً. يلاحظ القاري أن مشكلة السودان ليست في تخزين المياه، وإنما في سوء إدارة الموارد الزراعية، عِوضاً عن مساعدة مزارعي الري الفيضي وتطوريهم، تريد الحكومة أن تضمهم الي سلسلة المشاريع التي تعاني من الفشل.
ونتساءل هنا أيضاً: كم من الأسر تطعمهم (150) ألف فدان؟ وكم تمثل هذه المساحة من الناحية الاقتصادية؟ وهل ستقوم إثيوبيا بدفع تعويضات لهؤلاء المزارعين؟ أو ماهي البدائل التي ستوفر أو يجب أن توفر لتعويض هؤلاء المزارعين؟
5/ زيادة الدورات الزراعية الي ثلاث
ذكر أيضا في الندوة أن قيام سد النهضة سيتيح للسودان زيادة عدد الدورات الزراعية إلى ثلاثة (1). يعني زراعة أي مساحة في مشروع معين بمعدل ثلاث مرات خلال السنة. الدورة الزراعية عبارة عن عملية يتم من خلالها تنظيم زراعة أو فلاحة رقعة زراعية وفق تقسيمات من حيث المساحة ومن حيث نوعية المزروعات خلال مدة زمنية محددة (سنة) وذلك بغرض تحسين الانتاجية وتقليل التكلفة مع المحافظة على خصوبة التربة (12). وقد شرح لي وزير الري الأسبق المهندس كمال حسن علي طرق الزراعة أو ماهية الدورة الزراعية في مشروع الجزيرة (عمدة المشاريع الزراعية في السودان) كما يلي:
زراعة: -
الفول السوداني (بين عشرين مايو الي عشرين يونيو).
الذرة (العيش) (بين عشرين يونيو الي عشرين يوليو).
القطن (بين عشرين يوليو الي عشرين أغسطس).
حصاد: -
الفول (بين عشرين أغسطس الي عشرين سبتمبر).
الذرة (العيش) (بين عشرين سبتمبر الي عشرين اكتوبر).
زراعة القمح (بين اول نوفمبر الي اول ديسمبر).
حصاد القطن قصير التيلة (بين اول ديسمبر الي اول يناير).
حصاد القطن طويل التيلة (بين اول يناير الي اول فبراير).
حصاد القمح (بين اول فبراير الي منتصف مارس).
ثم تترك الأرض بوراً لفترة، خلالها تنظف قنوات الري، وتحديداً في شهر أبريل لتبدأ العجلة في الدوران من جديد في شهر مايو. يتضح من شرح الباشمهندس كمال أن النشاط الزراعي في مشروع الجزيرة مستمر طوال العام. ليطرح سؤالاً: ماذا يقصد بثلاث دورات زراعية؟ هل سيتم تغير التركيبة المحصولية للمشاريع الزراعية؟ أم سيتم إحداث تغيرات؟ وكيف أن قيام سد النهضة سيتيح للسودان الاستفادة من ثلاث دورات زراعية؟ وقبل ذلك: أين صوت المسؤولين والمختصين بوزارة الزراعة؟
6/ تزويد السودان بكهرباء رخيصة
رداً على هذه المزية (المزعومة) أشير إلى ما ذكره الدكتور اسفاو بيني أستاذ الهندسة الميكانيكية بجامعة سان ديغو في الولايات المتحدة في موقع قادا الإلكتروني: أن سد النهضة لا يمكنه إنتاج 6000 ميقاواط لأنه يحتاج إلى متوسط معدل سريان يبلغ 4700م3/ الثانية بينما يبلغ متوسط سريان النيل الأزرق 2350م3/الثانية، أي نصف المعدل المطلوب لإنتاج 6000 ميقاواط (13). من الوارد ألا يكون ما ذكره الدكتور اسفاو بيني دقيقاً، لكن قوله يوجب على وزارة الري في السودان إجراء الدراسات المناسبة للوقوف على حقيقة تمكن سد النهضة من إنتاج 6000 ميقاواط، وتأكيد حقيقة أن إثيوبيا وقعت على اتفاق بيع الكهرباء للسودان بسعر زهيد، قبل التحدث عن شراء الكهرباء الوفيرة الرخيصة.
من جهة أخري، ذكر ديل ويتنغتون أستاذ الهندسة المدنية بجامعة كارولينا الشمالية تشاب هيل بولاية كارولينا الشمالية الولايات المتحدة، في مقالة بعنوان "لماذا الحاجة الي مباحثات فنية لسد النهضة" المنشور في موقع كونفرزايشن بتاريخ 8/6/2016، أن حاجة إثيوبيا من الكهرباء لم تتعد ال 2000 ميغاوات، وأن استيراد كينيا من الكهرباء الإثيوبية لم يتجاوز ال 400 ميغاوات، ولإثيوبيا أن تبيع الكهرباء للسودان(14)، لكن الخط الحالي الناقل للكهرباء من إثيوبيا للسودان لا تتجاوز حمولته ال 100 ميغاوات، مما يتطلب إنشاء خطوط ومحولات جديدة ذات ضغط عالي لاستيعاب الكهرباء المُحتملة من سد النهضة. أما تقرير بعنوان "سد النهضة فرصة للتعاون والفوائد المشتركة في حوض النيل الشرقي" الصادر عن معمل عبد اللطيف جميل للأمن الغذائي ومياه العالم في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا بولاية ماساشوستس الولايات المتحدة عام 2014، فقد أشار الي أن إنشاء خطوط جديدة ذات ضغط عالي بين إثيوبيا والسودان ومصر قد يستغرق خمس سنوات (15).
وعلي نفس الصعيد، ذكر الدكتور محمد نصر علام وزير الري المصري الأسبق في مقالة بعنوان "مقاطعة كهرباء سد النهضة" في صحيفة الوطن المصرية بتاريخ 20/12/2014(16). أن شبكات الكهرباء في إثيوبيا حاليا لا تستطيع أن تتحمل أكثر من سدس (1/6) إنتاج الكهرباء المحتمل من سد النهضة، وان تكلفة نقل كهرباء سد النهضة من خلال خطوط ضغط عالي، سوف يكلف خزينة إثيوبيا أكثر من مليار دولار، أضف إلى ذلك سعر الكهرباء التشجيعي، فان العائد من بيع الكهرباء لن يفي بمصروفات تشغيل سد النهضة. أما خيار التوسع في شبكة توزيع الكهرباء الإثيوبية الداخلية لاستيعاب الزيادة الهائلة في الكهرباء من سد النهضة، فان إثيوبيا قد تحتاج الي 30 عاما لإنجاز تلك المهمة. أما خيار تصدير الكهرباء للسودان، فان السودان وإثيوبيا مجتمعين ليس لديهما الحوجة او القدرة لاستغلال نصف الكهرباء المنتجة من سد النهضة مما يفرض على إثيوبيا ان تبيع الكهرباء للسودان بسعر التكلفة. ولكن مصر هي الدولة الوحيدة التي لديها القدرة على استيعاب كامل الكهرباء المنتجة من سد النهضة وأن رفض مصر شراء كهرباء سد النهضة قد يعرض إثيوبيا لخسارة مقدارها 6-7 مليارات دولار مما يؤثر على قدرة إثيوبيا في الإيفاء بالتزاماتها المالية تجاه السد.
د. أحمد عبد الله الشيخ
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المراجع
1.https://www.facebook.com/Satintoad/videos/10215452412163847/?d=n
2. https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/egypt/2020/03/03/أزمة-سد-النهضة-تتصاعد-اثيوبيا-سنبدأ-الملء-ولا-قوة-تم
3. https://www.youtube.com/watch?v=76QIyubPks4
4. https://www.internationalrivers.org/sites/default/files/attached-files/irfactsheet_dammed_rivers_lores.pdf
5. https://www.smh.com.au/politics/federal/building-more-dams-is-no-way-to-prevent-flood-catastrophe-20110111-19mkm.html
https://www.smh.com.au/politics/federal/building-more-dams-is-no-way-to-prevent-flood-catastrophe-20110111-19mkm.html
6. Adhikari, U., Nejadhashemi, A., Woznicki, S. (2015). Climate change and eastern Africa: a review of impact on major crops.
7. رشدي سعيد. نهر النيل نشأته واستخدامه مياه في الماضي والمستقبل. القاهرة. دار الهلال. 1993.
8. Food and Agriculture Organization (2005). "Fertilizer use by crop in Egypt". Rome.
9.http://www.akhbarelyoum.net/tfr/6009?fbclid=IwAR02KJFiDvZKZkKd7u6FZn-tPjnzgSXCdsEE4MjDpkRS6Sld7RU0wAIYHLY
10. Vrbka, P., Bussert, P., Abdalla, O. (2008). "Groundwater in north and central Sudan". Applied Groundwater Studies in Africa.
9. Sharaky A.M., Elewa H.H., Kasem A.M. (2017). "Impact of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) on Gezira Groundwater, Sudan". In: Negm A., Abdel-Fattah S. (eds) Grand Ethiopian Renaissance Dam Versus Aswan High Dam. The Handbook of Environmental Chemistry, vol 79. Springer, Cham.
12. جواد عبد الكريم كمال. استخدام الدورة الزراعية لأغراض صيانة التربة. مجلة القادسية للعلوم الانسانية. المجلد الثامن. العدد الاول. 2005.
13. http://gadaa.com/oduu/20303/2013/06/19/why-is-the-hydroelectric-dam-on-the-blue-nile-the-grand-ethiopian-renaissance-dam-gerd-sized-for-6000-mw/
14. http://theconversation.com/why-technical-discussions-are-needed-for-the-grand-ethiopian-renaissance-dam-60004
15. Abdul Latif Jameel World Water and Food Security Lab, M. I. T. (2014). The Grand Ethiopian Renaissance Dam: An Opportunity for Collaboration and Shared Benefits in the Eastern Nile Basin. Cambridge, Massachusetts Institute of Technology: 17.
16. https://www.elwatannews.com/news/details/623526
17. محمد أحمد المحجوب. الديمقراطية في الميزان. الخرطوم. مطبعة العملة. 2004.
18. United States Bureau of Reclamation (1964). Land and water resources of the Blue Nile basin: Ethiopia. Appendix II. Washington, DC, Dept. of the Interior.
19. Zhang, Y., P. Block, et al. (2015). "Ethiopia's Grand Renaissance Dam: Implications for Downstream Riparian Countries." Journal of Water Resources Planning and Management 141 (9): 05015002.
20. Girdler, R. W. and D. A. McConnell (1994). "The 1990 to 1991 Sudan Earthquake Sequence and the Extent of the East African Rift System." Science 264(5155): 67-70.
21. DesRoches, R., M. Comerio, et al. (2011). "Overview of the 2010 Haiti Earthquake." Earthquake Spectra 27: S1–S21.
22. Pacific, W. H. O. R. O. f. t. W. (2011). The great east Japan earthquake: a story of devastating natural disaster, a tale of human compassion, World Health Organization 74.
23. Gahalaut, K. and A. Hassoup (2012). "Role of fluids in the earthquake occurrence around Aswan reservoir, Egypt." Journal of Geophysical Research: Solid Earth 117(B2).
24. Grigoli, F., S. Cesca, et al. (2017). "Current challenges in monitoring, discrimination, and management of induced seismicity related to underground industrial activities: A European perspective." Reviews of Geophysics 55(2): 310-340.
25. Moore, M. (2009). Chinese earthquake may have been man-made, say scientists The Telegraph.
26. Staff, R. (2017). Bereaved families scuffle with rescue workers at Ethiopian landslide site. Reuters.
27. Ismail, E. H., J. D. Rogers, et al. (2017). "Landslide susceptibility mapping of Blue Nile and Tekeze River Basins using oblique rainfall-aspect rasters." Bulletin of Engineering Geology and the Environment.
28. Wieland, M. (2010). Dam safety and earthquakes. International Water Power and Dam Construction.
29. Williams, P. (1991). The debate over large dams, Civil Engineering—ASCE, Vol. 61, Issue 8, Pg. 42-48.
30. ابراهيم الامين. السودان الاخضر بين دفتي السد العالي وسد النهضة. الخرطوم. 2015.
31. محمد عبد الحميد. تداعيات من ثنايا الذاكرة حول مخاطر سد النهضة. سودانايل 4/11/2019.
. 32. أحمد عبد الله الشيخ. سد النهضة بيع الماء أم الكهرباء! سودانايل 1/05/2018.
33. مصطفي عبد الجليل مختار. السودان وسد النهضة (2/3): بين الشراكة المجانية واحتلال الفشقة. سودانايل 15/03/2020.
34. الصادق المهدي. مياه النيل الوعد والوعيد. القاهرة. مركز الاهرام للترجمة. 2000.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.