ارتفاع حصيلة أعمال العنف القبلي بالجنينة إلى 243 شخصاً    الكتل الثورية ترهن عودتها لتجمع المهنيين بتوقيعه على الميثاق    صحة الشمالية تكشف عن ارتفاع الوفيات بكورونا الى 91 وفاة    الثروة الحيوانية قد لا تظل طويلا ثروة متجددة! .. بقلم: اسماعيل آدم محمد زين    ويسألونك عن العيش .. بقلم: د. فتح الرحمن عبد المجيد الأمين    عامٌ من حزمة الإصلاحات الاقتصادية: هل بالإمكان أفضل مما كان ؟ .. بقلم: شريف إسماعيل محمد بنقو    أهلي شندي يسقط أمام الشرطة القضارف .. فوز هلال كادوقلي على مريخ الفاشر    المحكمة ترفض طلبا للدفاع باستبعاد الشاكي في قضية علي عثمان    مقتل مواطن سوداني في انفجار جسم غريب    الي جنات الخلد يا نهلة والتعازي للأخ الصحفي مصطفي سري وآل عبد الرسول الجاك ببري واسرة مانشستر الكبري ببريطانيا .. بقلم: د. سعاد الحاج موسي    كائن اسطوري: ربع قرن على الرحيل .. الموسيقار مصطفى سيد احمد .. بقلم: اسماعيل عبد الله محمد حسن    مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





السودان: الوضع يحتاج لموجة حراك تصحيحي من الثوار .. بقلم: دكتور جمال آدم
نشر في سودانيل يوم 05 - 09 - 2020

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الرحمة والمغفرة لكل شهداء بلادي، والشفاء العاجل للجرحى، وانشاء الله ربنا يجمع المفقودين مع ذويهم.
انني انتظرت كثيرا أن أقول شيئا عما يحدث في السودان الآن، لأنني كنت أتمنى، بل أتوقع، أننا جميعا قد استفدنا شيئا مفيدا لندفع به بلدنا نحو الامام من الفشل الذي لازمنا نحن السودانيين منذ الجلسات السياسية الأولى التي سبقت استقلال السودان (يناير 1956) بأكثر من 10 سنوات التي فشلنا خلالها في وضع مرتكزات قوية لتحديد مصير البلد قبل استغلاله. نعم، كنت اتوقع أن السودانيين جميعا قد تخرجوا من هذا الفشل الطويل الذي يزيد عن 70 سنة بمفاهيم، وأفكار، و عزيمة مليئة بالتجرد و الحب و الصبر لبناء سودان فدرالي و ديمقراطي حقيقي تسود فيه العدالة و المساواة—خاصة بعد اندلاع ثورة الشباب و المهنيين المجيدة في ديسمبر 2018 التي شكلت والوجدان السوداني المشترك الذي لم يحدث من قبل، و حولت الانتماءات العرقية، و الاثنية، و الثقافية، و الدينية، و الجهوية الى أمة سودانية واحدة ذات شعور قومي مشترك أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة التي انحاز بعض من قياداتها الي مطالب الثوار السلميين التي تلخصت في شعار الكلمات الثلاثة المشهورة، "حرية، سلام، و عدالة" التي حفظها الجميع حتى أطفال في عمر ثلاثة سنوات. لكن يبدو أن هناك عدد كبير من السودانيين أدمنوا الفشل ويحاولون تكرار نفس الخطأ هذه المرة أيضا بعد كل هذه المدة الطويلة، لكن الأمل معقود في يقظة شبابنا وادراكهم الواسع هذه المرة حتى لا يرجعنا مدمني الفشل الى الوراء.
لذلك، لم يتحقق أي من هذه المطالب حتى الآن بعد زمن يقارب السنتين من اندلاع الثورة، وبعد سنة كاملة من تشكيل الحكومة الانتقالية، بل صار واضحا أن هناك تراجع تدريجي عن مبادئ الثورة. سبب التراجع عن شعار الثورة يرجع لأسباب كثيرة منها الآتية:
أولا، فشل الثوار في تشكيل الحكومة بعد وصولهم القيادة العامة مباشرة في 6 ابريل 2019. لو تم تشكيل الحكومة أمام القيادة العامة من الثوار بمساعدة تجمع المهنيين، لكان الوضع مختلف الآن، ونكون قد خطونا خطوات كبيرة في تنفيذ الحرية والسلام والعدالة بروح الثورية بعيدا عن المجاملات والمساومات الكثيرة التي بدأت تفرغ الثورة من محتواها تدريجيا. السبب يرجع، و يا للأسف الشديد، لتولي الأحزاب قيادة الأمور. هذا خطأ كبير وقع فيه الثوار و تجمع المهنيين، لأن احزابنا هي ليست بأحزاب وطنية، بل هي أجسام تقودها أسر وجماعات تربطهم مصالح ضيقة مشتركة، والكثير من هذه الأحزاب عاشت مع النظام البائد في علاقة أشبه بزواج المصلحة، وانضمت الى الثوار بعد أن تأكدت من زوال نظام الإنقاذ ونجاح الثورة، فالوطن والمواطن ليسوا من أولويات هذه الأحزاب التي تفتقر برامجها السياسية من رؤى وطنية شاملة لحل مشاكل البلد بعدالة وتجرد تام، بل الغالبية منها لا برامج لها أصلا غير الوصول الى السلطة وتعجز كيف تحكم عندما تصل السلطة لأنها تفتقر من الحرية والديمقراطية في داخلها.
ثانيا، ظهور المجلس العسكري واعلان نفسه حاكما للبلد بعد أسبوع واحد من بداية الاعتصام رغم ان المجلس العسكري في الأصل هو مجلس أمن نظام الإنقاذ، وغالبية أفراده هم شركاء النظام البائد في معظم الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها في معظم انحاء السودان. رغم أن العقلانية تقتضي أن يساعد المجلس العسكري الثوار في تشكيل حكومة انتقالية من المهنيين ثم يتعذر للسودانيين—وخاصة لأهل المناطق الأكثر تضررا—عن الانتهاكات التي شارك فيها معظم أعضائه ويعطيهم الخيار في أن يعفي عن المجرمين من أعضائه أو يحاكمهم، حاول الاستئثار بالسلطة لحماية نفسه وحماية المصالح الضيقة لأعضائه. لكن لم يكن أعضاء المجلس العسكري بذات القدر من الحكمة والعقلانية، لأن ذلك المستوى من العقلانية والحكمة لا يصله الا الذين تعمقوا في دروب الوعي الانساني واستخلصوا منها دروسا تجعلهم يضحون بأنفسهم من أجل مواطنيهم ووطنهم. أيضا، حب السلطة وحماية المصالح الضيقة دفعت المجلس العسكري في ارتكاب مجزرة القيادة العامة جاعلا منطقة "كولمبيا" سببا في ارتكاب الحماقة المحيرة في 3 يونيو 2019 (رغم أن وجود "كولمبيا" سبق قيام الثورة بسنوات)، وبها صار كل أعضاء المجلس العسكري متهمون بارتكاب المجزرة و خيانة الثوار، في حالة أشبه بحالة شخص مسكين جاء محتميا بشخص آخر في داره طالبا حمايته من المجرمين، فيغدر به الأخير و يقتله ليأخذ منه حقه—هذا رغم أن القيادة العامة هي دار للسودانيين قبل أن تكون دارا للجيش، لأنه لم يكن هناك وجود للجيش من غير الشعب.
ثالثا وأخيرا، دخول قوى اعلان الحرية والتغيير في التفاوض مع المجلس العسكري الذي قرر سرقة الثورة لحماية نفسه، رغم أن المنطق السليم يقول إن يسلم العسكر السلطة للثوار، ثم يلزم ثكناتهم، أو تنتزع منهم السلطة بطرق سلمية متعددة ان رفضوا. نتجت من تفاوض الطرفين "الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019" التي وقع عليها الطرفان نهائيا في 17 أغسطس 2019. بالرغم من انه كان من المفترض ألا تكون الوثيقة الدستورية نتيجة تفاوض بين المجلس العسكري وقوى اعلان الحرية والتغيير (بل وثيقة عمل انتقالي يضعها الثوار بمساعدة العسكر)، لكن لو طبقت محتوياتها بجدية خالصة ونية صادقة نكون قد وخطونا خطوات بعيدة في أنجاز برامج الفترة الانتقالية في السنة الأولى. هذا رغم الغموض الكبير الذي يغطي الوثيقة الدستورية في جوانب كثيرة من أهمها عدم تعريف بعض المصطلحات المهمة التي تضمنتها والتي تعتبر من ضمن أهداف الثورة، ولم تتحدث عن كيفية تعيين الولاة ومدراء المحليات ولم تشترط صفات تعيينهم، ولم تذكر شيئا عن علاقة الأقاليم بالمركر، أو تضمن الإدانة في جريمة القتل من ضمن شروط الاستبعاد من مجلس السيادة، مجلس الوزراء والمجلس التشريعي وحكومات الولايات وغيرها من مواقع القرار المهمة.
من الطبيعي جدا أن تكون معظم نتائج سنة كاملة من عمر الفترة الانتقالية اما أقل بكثير أو عكس ما كانت تتوقها غالبية الشعب السوداني الصابر، ونجمل بعض أهم هذه النتائج فيما يلي:
أولا، لم تتحقق الحرية أو السلام أو العدالة حتى الآن. قد استغربت جدا عندما ذكر عضو لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد و استرداد الأموال في مساء 23 اغطس في الفضائية السودانية أن الحرية تحققت، و بقيت السلام و العدالة، في الوقت الذي تعاني فيه مناطق كثيرة من انعدام الامن الكامل في دارفور و جبال النوبة و شرق السودان، فمثلا هاجمت عناصر من الجنجويد مواطنين عزل و هم في طريقهم بين كدنير و فينا في شرق جبل مرة بجنوب دارفور و نهبت ممتلكاتهم و كان الحادث بتاريخ 21 أغسطس بالرغم من وجود معسكر للجيش في المنطقة بهدف حماية المواطنين، لكن لم يتم تتبع الجناة، هذا بالإضافة الى أحداث بورونقا، كتم و فتابورنو، نيرتي، قريضة، ساني دليبة، و الجنينة التي قامت بها الجنجويد و الوافدين الجدد في دارفور، و احداث خور ورال في جنوب كردفان، و احداث كسلا و بورتسودان و حلفا الجديدة في شرق السودان غيرها من الأحداث المؤسفة التي تهدد ليست حرية التعبير و العمل و الحركة فقط، بل تتعداها لتصل الى تهديد حق الناس في الحياة. ربما توطدت الحرية في الخرطوم والجزيرة و الشمال (مثلث عبد الرحيم حمدي)، لكنها لم تتحقق منها شيئا في معظم أجزاء البلاد خارج ذلك المثلث، لأن الحرية تشمل أيضا حرية الحركة و حرية العمل أضافة الى المعاني الأخرى، لكن حرية الحركة و العمل لا توجد في مناطق كثرة خاصة في دارفور التي يشيع فيها الجنجويد و الوافدون الجدد عدم الأمن و عدم الاستقرار حتى في مدينة كبرى مثل مدينة نيالا التي توجد فيها احياء يسكنها الوافدون الجدد صارت أوكارا للجريمة يخرج منها المجرمون لارتكاب جرائم كبيرة في أجزاء مختلفة من المدينة و لا يستطع رجال الشرطة تتبعهم لأن الأسلحة التي توجد في تلك الأحياء أقوى بكثير من الأسلحة التي يستخدمها رجال الشرطة. لذلك يعتبر الحديث عن أن الحرية قد تحققت حديث غير صحيح لأن الحرية مرتبطة بالأمن ولا وجود لها من دونه. بخصوص السلام، فأنه لم يتحقق حتى الآن، وقد تجاوز المدة التي حددتها له الوثيقة الدستورية ب 6 أشهر، والسبب في ذلك انه بدأ خطأ، وسينتهي خطأ وبدون نتائج تلبي طموحات الجميع وخاصة أهل الهامش الذين انكوا بنيران الحرب اللعينة لعشرات السنين. هذا الاخفاق الكبير هو من مسؤولية المجلس العسكري الذي طمع في الانفراد بالسلطة بعد اعلان نفسه رئيسا للسودان في الأسبوع الثاني من ابريل 2019 واقصى الجميع بمن فيهم الحركات المسلحة (بدلا من أن ينادي الجميع ليجلسوا معا في داخل السودان ويحلوا المشكلة من جذورها بصدق، ويرسموا خارطة واضحة في كيفية حكم البلد). لكن فرض المجلس العسكري نظرته الضيقة في حل مشكلة البلد على الجميع، ولم تستطع قوى اعلان الحرية والتغيير أو مجلسي السيادة والوزراء بعد تشكيل الحكومة الانتقالية في تغيير رؤية المجلس العسكري في عملية السلام، والنتيجة هي أن عملية التفاوض أخذت شكلا غريبا وكأن الحركات المسلحة تمردت على الحكومة الحالية ويتفاوض الطرفان خارج السودان بوساطات أجنبية. لكن ، يقول المنطق السليم ان تجتمع كل الحركات المسلحة في جسم واحد و تفاوض الحكومة على ذلك الأساس لأن مشكلة السودان واحدة و أن تجزئتها يبعدنا دائما عن الوصول الى حل سليم و مستدام، لكن أطماع ممثلي الحكومة و ممثلي الحركات اقتضت أن تجزأ عملية التفاوض من أجل السلام الى "مسارات" و محاصصات بدلا من حل القضايا الأساسية و على رأسها العدالة، توفير الأمن و الحرية، عودة النازحين و اللاجئين الطوعية، أعمار المناطق المدمرة، حل كل المليشيات التي أنشأها النظام البائد بدون أي استثناء، و تأسيس جيش وطني قوي رسالته حماية الوطن و المواطن (ليس قهر المواطن)، كيفية حكم البلد، الهوية، و غيرها من القضايا الأساسية. بخصوص العدالة، رغم أن النشاط الذي تقوم به لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال نشاط مقدر ومحترم نحو العدالة، لكن كان من الأفضل أن تبدأ العدالة بمحاكمة الذين استباحوا دماء المواطنين العزل ونهبوا ثروات البلد لثلاثة عقود كاملة وأن يكون قد تم تسليم المطلوبين منهم للمحاكمة أمام المحاكم الدولية. لكن وجود هؤلاء المجرمين في السجن، وبل البعض منهم طلقاء ويحاولون عرقلة عملية التغيير، يعني أن النافذين في السلطة الانتقالية لا يودون أن يكون هناك تغيير حقيقي نحو سودان جديد الذي يحلم به الثوار ويعملون من أجله. لذلك يبدو أن هناك تياران في السلطة الانتقالية: تيار يعمل بصدق لدفع قطار الثورة نحو سودان الحرية والسلام والعدالة الذي يحلم به غالبية السودانيين، وتيار آخر (وهو الأقوى) لبس قناع الثورة لكنه نوى أن يفرغ الثورة من محتواها بوسائل مختلفة مستخفا بكل البطولات التي قدمها الثوار.
ثانيا، لم يتم تكوين المجلس التشريعي بعد سنة كاملة من تشكيل الحكومة الانتقالية رغم أن الوثيقة الدستورية حددت قيامه خلال 90 يوما بعد تشكيل الحكومة. السبب أيضا يرجع لتلكأ النافذين في السلطة لأن المجلس سيراقب ويقيم اداء الحكومة الانتقالية بصورة دورية ويوجه الحكومة في تصحيح الأخطاء ويحاسبها في حالة الإخفاق.
ثالثا، تم تعيين الولاء المدنيين بعد حوالي سنة من تشكيل الحكومة الانتقالية، ويبدو أن عملية تعيينهم بعد كل هذه الفترة الطويلة من التأخير لم تكن ديمقراطيا في بعض (ان لم تكن في كثير من) الحالات. فبدلا من أن يختار سكان الولايات حكامهم بحريتهم، تدخلت أحزاب الخرطوم وفرضت حكاما على المواطنين في بعض الولايات—وخاصة في ولاية جنوب دارفور التي عين لها حاكما لم تتوقعه غالبية سكان الولاية ولا تعلم كيف تم تعيين الوالي وكأننا لم نكن في عهد ثورة شعارها حرية، سلام وعدالة. فأي ديمقراطية هذه التي لا تختار فيها القواعد حكامها؟ يبدو أننا لم نودع النظام الذي سميناه بالبائد الا اسميا—خاصة في جنوب دارفور التي تم تعيين حاكمها الحالي على أساس التقسيم العرقي العنصري البغيض الذي ابتدعه النظام البائد لتنفيذ مشاريعه الهدامة، هو وهم لا يدعمه الواقع. فتقسيم دارفور الى 5 ولايات لم يكن الغرض منه تخفيف الظل الاداري أو توكيل السلطات الى المجتمعات المحلية، بل هو كان وسيلة من وسائل تنفيذ ما كان يعرف بالمشروع "الحضاري". فنحن نتطلع الى نظام ديمقراطي فدرالي حقيقي في حكم السودان الذي تدار فيه الأشياء من أسفل الى أعلى وليس من أعلى الى أسفل، وينتخب فيه أهل الولايات حكامهم دون أي تدخل من الحكومة المركزية أو الأحزاب الخرطوم.
رابعا، الوضع الاقتصادي في تدهور مستمر وواحد من أهم أسباب تدهوره هو وجود دولة طفيلية داخل الدولة التي يدعمها الثوار، فدولة الثوار لم تقف برجليها الا إذا تمت تصفية تلك الدولة الطفيلية التي تتلاعب شركاتها باقتصاد البلد وعملته. لذلك، كان من المفترض أن تبدأ إزالة التمكين ومحاربة الفساد بتعميم شركات المنظومة العسكرية والأمنية وشركات المليشيات وتحويل تبعيتها لوزارة المالية، فواجب المنظومة العسكرية والأمنية هو الدفاع عن الوطن والمواطنين وحمايتهم وليس امتلاك شركات طفيلية تعمل في الخفاء ولا تدفع الضرائب.
خامسا وأخيرا، قد صدمت جدا عندما قرأت مقالا للصحفي المختص، الأستاذ صلاح شعيب، بعنوان " وزارة الخارجية: ماذا يعني إعادة تدوير السفراء الاخوان؟" الذي استنكر فيه إعادة تعيين سفراء التمكين، وهذا يعني أن الحكومة الانتقالية تبني في جهة وتهدم في جهة أخرى وتجعل نفسها تدور في حلقة مفرغة تقريبا عن قصد، لأنها كونت لجنة إزالة التمكين وفي نفس الوقت تعين جماعة التمكين في قيادة البلاد في وزارة الخارجية. أيضا، قرأنا الكثير في وسائل التواصل الاجتماعي في فترة تعيين الولاة أن بعض الولاة كانوا من جماعة نظام الإنقاذ، وهذا يعني أن للنظام البائد أنصار مقنعين بقناع الثورة ويحاولون هدمها من الداخل.
كل هذا يعني ان قطار الثورة في وحل حقيقي ويحتاج لموجة تصحيحية تخرجه من هذا الوحل، وفي تقديري الحل الأمثل هو إحلال ممثلي لجان المقاومة وتجمع المهنيين محل قوى اعلان الحرية التغيير، وتشكيل حكومة كفاءات حقيقة متسمة بالجدية والشفافية والوضوح الكامل في المركز والولايات والمحليات—حكومة تبني أساسا متينا لسودان فدرالي ديمقراطي حر، لتكون مرآة تعكس صورة حقيقية لكل مواطنيه بانتماءاتهم المختلفة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.