الشركات العسكرية.. تصدر اللحوم إلى مصر.. خمسة جنيهات للكيلو .. ما فيش فايدة !! .. بقلم: عثمان محمد حسن    الناطق باسم مجلس السيادة يُقر بزيارة اسرائيلية "ذات طبيعة عسكرية" .. بقلم: أحمد حمزة    توني موريسون ... عملاقة الأدب وأيقونة الحريّة (2/2): تراجيديا الزمن الغابر في ولايات أمريكية لم تتحد بعد .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    نعتذر منك سيدي: في رثاء الراحل الإمام الصادق المهدي .. بقلم: فريدة المبشر - دبي    في رثاء حمد الريح .. بقلم: تاج السر الملك    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    التعليم العالي تقرر تخفيض اعداد المقبولين للجامعات للعام الحالي بنسبة 5.4%    تجمع الحرفيين يكشف عن اختفاء أسهم مالية    الكوادر الطبية بالذرة تنفذ وقفة احتجاجية أمام مستشفى الخرطوم    الذين يحكمون بالأكاذيب!! .. بقلم: طه مدثر    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    المريخ يتعادل مع أوتوهو الكونغولي    المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قراءة في "روح العاشقة" .. قصائدٌ مِنْ عَوَالِم النَفْسِ الخَفِيَّة .. بقلم: دينقديت أيوك
نشر في سودانيل يوم 21 - 09 - 2020

صَدَرَ لِكَاتِبَنا النِحْرِيرَة وشَّاعِرَتِنَا الجَلِيلَة، نيانجانق موريس مجوك دودي، عن دار الدَّلِيل الثقافي بالقاهرة، هذا العام (2020م)، ديوانان ممتلئان بالقصائد الأول: (روح العاشقة) ويقع في (149) صفحةً، والثاني: (هجاءُ الأساطير) ويبلغ عدد صفحاته (172) صفحةً، مِنْ القطعة المتوسطة، وكلها مكتوبةٌ باللغة العربية الفصحى.
يحتوي الديوان الأول (روح العاشقة) على (39) قصيدةً متنوعة ما بين القصيدة الحُرَّة والقصيدة الموزونة المنظومة، كما يحتوي الديوان الثاني على (21) قصيدةً مُنَوَّعَة ما بين الشِّعْر النثري وشِّعْر الكلام الموزون المقفى. وهذا في رأيي إنتاجٌ أدَّبِيٌّ غزيرٌ ينبغي أن نستقبله بتقدير، ثُمَّ نقوم بقراءته وفحصه وتحليله من خلال القراءات الأدبية واستخلاص الرسائل التي تُرِيدُ الشَّاعِرَة ايصالها للقُرَّاء من موضوعاته.
قبل أن أُعَلِّقُ على أشعار الديوان، دعوني أقول شيئاً عن الشَّاعِر والشِّعْر، لأنَّ هناك جدلاً في المجتمع السُّودَانِي الجَنُوبي، وبالتحديد في الأوساط الشبابية، وليس كل الشباب؛ بل بين أبناء الجيل الذي وُلِدَ جُلّهُم أو بعضهم في شمال السُّودان وذهب بعضهم إلى الشمال من الجنوب في الصغرِ، وترعرعوا فيه، وتلقوا جميع مراحل تعليمهم بالعربية في السُّودَان الشمالي؛ عن الشَّاعِر ومَنْ يَكُون أو الشَّاعِرَة ومَنْ تَكُون. ومِنْ الملاحظ أن الجدل يأتِ مِنْ "منطلقات تنظيرية" بحتة؛ لا تستند إلى مناهج أدبية وأصولها، حَتَّى مِمَنْ ليس لهم دِرَايةٌ بالشَّعْرِ عن طريق القراءة والاطلاع على ما يكتبه جموع الكُتَّاب والشُعْرَاء مِنْ شِّعْرٍ باستمرار. هذا جدلٌ تنظيريٌّ بيزَنْطِيٌّ وَسَفْسَطَةٌ لا يُرِيدُونَ منه إِلَّا الغلبة دون التزام بالمناهج والأصول الأدبية. هؤلاء ليسوا إِلَّا مُسَفْسِطُون، وما سفسطتهم إلا بَاطِلٌ أُريد به "بَاطِلُ الأَبَاطِيل"، كما يقول الحكيم الملك في أورشليم.
في تعريفاتٍ بسيطة، الشَّاعَرُ في اللغة، اسم يُطْلَقُ على قائل الشَّعْر أو كاتبها أو مَنْ ينشد أشعاراً. والشَّاعِر أيضاً فاعل مِن (شَعَرَ)، والجمعُ شُعْرَاء وشَّاعِرَات وشواعر. والشَّاعِرُ أيضاً عند العرب من يتكلم بالشِّعْرِ، أي كلاماً موزوناً وموسيقياً. والشَّاعِرُ عند أهل المَنْطِق، مَن يتكلم بالقياس الشِّعْرِي.
ويقسم العرب الشُعْرَاء إلى:
جاهليون كأمرئ القيس وعنترة بن شداد وطرفة وزهور والنابغة الذبياني.
مخضرمون وهو أي المخضرم من قال الشِّعْر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام كلبيد وحسّان. وقد يقال لكلّ من أدرك دولتين وأطلقه المحدثون على كلّ من أدرك الجاهلية وأدرك حياة النبي صلّى الله عليه وسلم وليست له صحبة، ولم يشترط بعض أهل اللغة نفي الصحبة.
متقدمون ويقال الإسلاميون وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق.
مولّدون وهم من بعدهم كبشار.
ومحدثون وهم من بعدهم كأبي تمام والبحتري.
متأخرون كمن حدث بعدهم من شُعْرَاء اليمن والحجاز والعراق.
شُعْرَاء العصر الحديث وهم أصحاب مدرسة الشِّعْر الحديث: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة في المقدمة وآخرين.
1. التقاط صورة فوتوغرافية للشِّعْر وتطوير نظرية له
البعض يُرِيدُ أن يرَ للشِّعْر وجهاً حاضراً أمامه بملامح ثابتة، ويدفعهم ذلك ليرفع كاميراتهم، ويحاولون التقاط صورة فوتوغرافية له، لكن هذا غير ممكن. لا يمكن رسم وجه محدد للشِّعْر، ولا ينبغي بناء غرفة خاصة له ليسكن فيها، ولا مدرسة يدخلها بلا تخرج، أو وزناً مشروخاً ولا موسيقى مألوفة، ولا يُفتح له فضاءً يطيراً فيه بعيداً عن النَّاس حتى يتقربوا منه أو إليه. يجب أن يكون الشِّعْر حُرٌ لأنه حٌرٌ وسيبقى حُرٌ في عصر الشِّعْر الحُرُّ والحُرِّيَّة.
ليس المقصود من هذا الكلام فتح عالم الشِّعْر لِكُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ؛ بل المقصود هو عدم وضع شروط تعجيزي مخيف لكِتَابَة الشِّعْر للمبتدين في مجال كِتَابَة الشِّعْر، وممارسة الإرهاب الفكري عليهم قصداً أو دون ذلك، وتصوير عالم الشِّعْر لهم كعالم بشكلٍ متعمد كعالم يستحيل اقتحامه والدخول إلى دهاليزه والسير في أورقته. أنا ضد أية محاولات من هذه الشاكلة. أنا كذلك ضد من ينصبون أنفسهم كقابلة أدبية لمن يقتحمون عالم الشِّعْر في حداثتهم الشِّعْرِي (والقابلة مؤنث) وهي التي تتلقى الولد عند ولادته.
يقول الشَّاعِر الراحل المقيم نزار قباني: "ليس للشِّعْر صورة فوتوغرافية معروفة، وليس له عمرٌ معروف، أو أصل. ولا أحد يعرف من أين أتى، وبأي جواز سفرٍ يتنقل. المعمّرون يقولون: إنه هبط من مغارة في رأس الجبل، واشترى خبزاً، وقهوة، وكتباً، وجرائد من المدينة.. ثم اختفى". ويتابع قباني قوله: "ماذا قال سكان الشواطئ عنه وماذا قال أطفال المدينة ونساء المدينة، ومعلمو المدارس؟!"، وتأويل كل ذلك أنه ليس ثمة تعريف للشعر: ليس هناك نظرية محددة للشِّعْر. كل شَّاعِر يحمل نظريته معه. وهذه العبارة الأخيرة رُبَّمَا كانت الأقرب إلى اللغة النقدية أو العقلية أو التجريدية الذهنية.
العرب إحدى الشعوب التي تحب الشِّعْر كثيراً، ولديها إرثٌ شِّعْرِيٌّ يعود إلى زمنٍ بعيدٍ. والشَّاعِر عند العرب، كما عند سائر الشُّعُوب هو قائل الشِّعْر. والشَّاعِرُ قديماً عند العرب مذمومٌ، إذ كان يعتبر كاذبٌ فيما يقول، أي أنه يقول ما لا يفعله. ويُقَال هذا شَّاعِرٌ ضِلِّيلٌ، أي صَاحِبُ غواياتٍ وَضَلَالٍ. وفي القرآن الكريم سُّورة كاملة باسم الشُعْرَاء وهي السُّورة رقم (26) في ترتيب المصحف، المَكِّيَّ، عدد آياتها سبعٌ وعشرون ومئتا آية. ومنه قوله تعالى: "الشُّعَرَاءُ يتبعون الغَاوُون. ألم تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ. وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ". ويقول المفسرون في هذا الصدد: "على ظاهر الآية، غالب الشُعْرَاء هكذا، يقولون ما لا يفعلون وفي كل وادٍ يهيمون، تراه يتكلم هنا أو هنا أو هناك بغير حقيقة، بل أشياء يتخيلها ثم يتكلم فيها أو يكذب لحاجات في نفسه أو لِأَسْبَابٍ أُخرى، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (الشعراء:227) استثناهم الله جل وعلا، فهم الذين أشعارهم طيبة ومفيدة، كحسان بن ثابت، شاعر الرسول صلى عليه وسلم، كعب بن مالك، وعبدالله بن رواحة وغيرهم مِنْ شُعْرَاء المؤمنين، ثم من بعدهم في عهد التابعين وعهد أتباع التابعين إلى يومنا هذا".
فالمؤمنون أشعارهم مفيدة ونافعة مثلما قال النبي (ص): إن من الشِّعْرِ حكمة، وأمر النبي (ص) حسان أن يهجو قريش، أن يهجو الكفار وقال: "إنه أشد عليهم من وقع النبل، وقال: اللهم أيده بروح القدس يعني: جبرائيل".
فالشعر الذي يصدر من المؤمن في نصر الحق وتأييده وفي ذم الباطل وتفنيده، أمر مطلوب وصاحبه مشكور ومأجور وفقاً للدسن الإسلامي، وهؤلاء هم المراد في قوله سبحانه: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (الشعراء:227)، استثناهم الله من الشعراء المذمومين. الشِّعْر فن إنساني دنيوي ممتع، تغذي العقول وتهذبها وتتوه بها في بحور اللغة والتورية والرمزية والكلام الموزون ذات قياس، واستمتع به كثيراً من هذا المنطلق.
2. أنواع الشِّعْر والشُعْرَاء
والشُعْرَاءُ أنواع حسب المدارس الشِّعْرِيَّة القديمة والحديثة. هناك شَّاعِرٌ حُرٌّ وهو مَنْ يَكْتُبُ الشِّعر الحُرٌّ ولا يلتزم فيه القافية الموحدة مثل نزار قباني. وهناك شَّاعِرٌ ناثرٌ، يَكْتُبُ قصيدة النَّثْر أو أشعاراً منثورةً مثل التجاني حاج موسى وقصيدته الشهيرة (واحشني) التي تغنى بها الفنان أبو عركي البخيت. وهناك شَّاعِرٌ يكتب القصيدة المنظومة بعدد الكلمات والقافية، مثل أحمد شوقي.
الشِّعرُ في (اصَطلاح المنطقيين) : قول مؤلَّف من أمور تخييلية، يقصد به الترغيب أو التنفير، كقولهم: "الخمر ياقُوتة سيالة، والعَسَل قئُ النحْل". والشِّعرُ المنثور: كلامٌ بليغٌ مَسْجوعٌ يجرى على نهج الشِّعْر في التخييل والتأثير دون الوَزْن. ليت شِعرى ما صنع فلان: "ليتني أعلم ما صنع والجمع: "أشعار. أوابِدُ الشِّعْر: ما لا تُماثَل جودتُه أو قوافيه الشاردة .. ربَّة الشِّعْر: إلهة الشِّعْر عند الوثنيِّين. شطرا بيت الشِّعْر: الصدر والعجز .. شِعْر مُفْتعَل: مبتدع أغرب فيه قائله .. شعر منثور: كلام بليغ مجموع يجري على منهج الشِّعْر في التخييل والتأثير دون الوزن .. لَيْت شِعْري!: أودُّ لو كنتُ أعلم وهي عبارة تعجُّب".
مِصْراعا الشِّعْر: ما كان فيه قافيتان من بيتٍ واحدٍ، مِنْ عيون الشِّعْر العربيّ: مِنْ أفضل النماذج الشِّعْرِيّة .. الشِّعر الحُرُّ: شعر لا يتقيّد بالقافية الموحَّدة، الشِّعر المتحرِّر من الوزن والقافية .. الشِّعر المُرْسَل: الشِّعر غير المقفَّى.
شِعر الحكمة: شعر يمتاز بالحكمة وضرب الأمثال .. شِعر المديح: الفن الشعريّ الذي يتناول مناقبَ شخص من الأشخاص، أو مدح شيء أو معنًى من المعاني أو الأشياء .. شِعر المناسبات: شِعر يُكتب أو يُقال خِصيِّصَى لمناسبة معيَّنة هي عادة الاحتفال بذكرى حدث اجتماعيّ أو تاريخيّ أو أدبيّ .. بيت الشِّعر: كلام موزون مؤلَّف عادةً من شطرين، (صدر وعجز)، وقد يكون شطراً واحداً.
3. إفريقيا والشِّعْر
في إفريقيا، شُعْرَاء منذ زمن بعيد، وفي العصر الحديث، هناك شُعْرَاء كتبوا الشعر بلغاتهم المحلية، وبلغات أُخرى تعلموها. والأُغنيات التي يغنيها الرعاة عند مغارب الشمس وفي منتصف النهار، وفي الساعات الأولى من الصباح بعد الشروق في المراعي والمروج الخضراء في السُّودان الجَنُوبِي، وإفريقيا عامة، عبارة عن أشعار غنائية. والشعراء الأفارقة المعاصرين معروفين أمثال ليوبولد سيدار سينغور الذي كان شاعراً، وأول رئيس لدولة السنغال، والشاعرة الأمريكية الزنجية مايا أنجلو، وبوب مارلي الذي ألف أشعاره ثُمَّ مشى في الأرض يتغنى بها، وشينوا أشيبي الذي كتب أشعاره بلغة شعبه (الإبيو)، وشُعْرَاء سُّودَانِيين مثل إدريس جماع، محمد مفتاح الفيتوري، اسحاق الحلنقي، روضة الحاج، صديق مدثر، وغيرهم من آلاف الشُعْرَاء السُّودَانيين الذين اثروا الساحة الثقافية والأدبية بأشعارهم وشكلوا وجداناً أدبياً مشتركاً للشَّعب السُّوداني، ولايزال قطار الأدب السُّودَاني مستمرٌ في السير منذ محطة أغنية الحقيبة، ودوبيب، وحلمتيش إلى زمن حلقات ريحة البن التلفزيونية، وطرب الغبش وغيرها من المنابر الأدبية السُّودَانِيَّة.
4. الشِّعْرُ فن يتناول الواقع
الشِّعْر كضربٌ من ضروب الفن على اختلاف مدارسها وأنواعها واللغات التي يُكْتَبُ بها، لا بد أن يُرَاعِي فيها كاتبها أبجديات هذا الفن. ما هي أبجديات الشعر إذن؟ من الأبجديات الكتابة المنظمة النابعة عن شعور أو مشاعر أو خيال أو مناسبة مديح ووصف لمشهد أو مشاهد تأثر بها الشاعر. ولا يجب على الشاعر في كُلِّ الأحوال احتراف العزف على أوتار القافية لئلا يغرقه في بحور الشعر العربي القديم وعروضه الستة عشر، وكذلك ينبغي أن يكون خبيراً بقواعد اللغة العربية من صرفٍ ونحوٍ ومعانٍ وبيان وعلم البديع ولغة واشتقاق وتاريخ وعروض وقواف وإنشاء .. إلخ إذا كان يَكْتُبُ اشعار أو ينشدها باللغة العربية مثل هذه الشَّاعِرَة؛ لأن النظم الأربعة أنواع، منها أنواع النظم الخالية من العيب والضرورة ونظم فيها عيب وقبيح، وهذا مبتذل، ونظم فيه ضرورة مقبولة يجوز للشاعر ارتكابها بدون مؤاخذة، وهذا ما لا يفهمه كثيرون مِنَّا في الأوساط الشبابية التي تُدَّعِى الثقافة بغيرة وتحتكرها هذه الأيَّام.
القصيدة الشِّعْرِيَّة تجربة إنسانية، وليس الشِّعْر مجموعة من العواطف والمشاعر والأخيلة والتراكيب اللغوية أو تعابير بليغة، فإلى جانب كل هذا، الشِّعْر طاقة تعبيرية تتمظهر في خلقها القدرات والامكانيات الانسانية مجتمعة، وتكون موضوعاته موضوعات الحياة عامة، وتلك الموضوعات تعبر عن لقطات أو مشاهد عادية وتتناول قضايا، وتتطور بالحتمية الطبيعية لتصبح كائناً عضوياً يقوم بوظيفة حيوية في المجتمع الإنساني. ومن أهم المواضيع الشِّعْرِيَّة، ما يكشف عن الواقع مِنْ الزيف والضلال أو النفاق ونقد مواطن التخلف والجوع والمرض والحروب الباطلة أو عنصرية أو عادات ضارة وتقاليد بالية غير مرغوب فيها، وهذا كله من شأنه دفع النَّاس نحو التغيير وتقويم المجتمع إلى الأفضل. إذن وظيفة الشعر هنا إنه أداة لنقد الواقع بغرض تقويمه وخلق التغيير.
ويجب أن تبرز في الأشعار سمات فنية من الوحدة الموضوعية، والوحدة العضوية والموسيقية. أضف إلى ذلك تحررها من القيود الشكلية التي تحد من قدراتهما وانطلاقهما في التعبير عن خوالج نفسه بحرية وعفوية تامتين .
5. روح العاشقة .. قصائد من عوالم النفس الخفية
الروح هي النفس، والنفس لغوياً لها أكثر من تعريف، فهي تعني الروح أو الدم أو الجسد، ونفس الشيء بمعنى عينه. يوجد اختلاف في الثقافات وحتى في نفس علم النفس، وقال بعض العلماء بأنها "ذلك النشاط الذي يميز الكائن الحي ويسيطر على حركاته. فسرها البعض بأنها القوة الخفية التي يحيا بها الإنسان. عرفها فريق بأنها وظيفة العقل والجهاز العصبي أو محرك أوجه نشاط الإنسان المعرفية والانفعالية والسلوكية والعقلية". وهناك رأي لغوي في محيط المحيط أن كلمة نفس مذكر ومؤنث في نفس الوقت فكلمة نفس المذكرة تعني الإنسان كاملاً جسداً وروحاً أما نفس المؤنثة فهي الروح وزبدة القول هي أن النفس لم يعرف لها تعريف دقيق ما هي ولا أين توجد لا يوجد يقين عنها، ولكن أرجح الظن أنها اتصال بين الجسد والروح.
في أيدينا ديوانان الأول (هجاءُ الأساطير) والثاني (روح العاشقة)، لكن حديثي هذا سيتناول ما جاء في (روح العاشقة) من قصائد. والسبب في اختياري لهذا الديوان هو ارتياحي نفسياً للرومانسية وحبي لها وانغماسي في كتابة النصوص الرومانسية منذ زمن. ويُقال إن العشق درجة أرفع من الحب. في العشق تَعَلُّق وهو الهوى، وحين هزى فلان كذا وكذا، نعني أنه هواه، أي أحبه وتعلق قلبه به وأحبَّه حباً شديداً. والعشقُ غرامٌ وحبٌ شديدٌ وهُيَّام. ويُقال أن الهُيَّامُ هو الجنون من العشق.
وروح العاشقة ديوان شِّعْرِي ملئ وحاشد بالمشاعر الصادقة النابعة من عوالم النفس الخفية للشَّاعِرَة، لأنه إذا قرأته، ستشعر بنفس الشاعرة الثانية وشخصيتها غير المنظورة في جميع القصائد، وتعبر القصائد فيه عن الآسف والبكاء تارةً وانتفاضة المرأة ضد ظلم الرَّجُل لها في الحب والغرام والعشق تارةً أُخرى، ورسم عوالم رومانسية أقرب إلى عوالم غير منظورة خارج هذا الكون وبعيداً عنه في تعبير جمالي أخاذ ومبدع.
6. اللغة الرمزية والموسيقى
اللغة الرمزية من الأشياء التي يتصف ويتميز بها الشِّعْر عموماً، إذ يخفي الشَّاعِرُ ما يُرِيدُ قوله وراء اللافتات الرمزية على متن القصيدة. وقد نجحت الشَّاعِرَة نيانجانق موريس مجوك في استخدام اللغة الرمزية في قصائدها، فمثلاً هناك قصيدة اسمها (نواح الكلمات ص 11 - 13). ستذكرون أن كلمة نواح من مصدر (ناح)، والنواح هو البُكَاءُ المَصْحُوبُ بِالصِّيَاح، والنواح أيضاً، صوت كلام مع البكاء، صوت المرأة وعويلها مع بكاء على عزيزٍ فقدته. وقد نفهم هنا حرفياً أن الكلمات باكية، ولكن هل تبكي الكلمات حرفياً حقاً؟ الجواب في هذه الحالة هو (لا). الكلمات في حد ذاتها، لا تبكي، بل كاتبتها هي الباكية، فهي تبكي ببكاء الكلمات على صفحةٍ من صفحاتِ هذا الديوان، لأنّ الشاعرة رسمت لنا أحرف دامعة نادبة راثية؛ وهذا هو الإبداع في توظيف الرمزية. وحين يقرأ القارئ هذي القصيدة، يرَ أسباب البكاء والحالة النفسية التي كانت عليها الشَّاعرة عند البكاء أو حين كتبت باكية على القراطيس، وهنا يصل القارئ إلى الخلاصة ويتلقى الرسالة المراد ايصالها. هناك موسيقى شعرية أيضاً في هذه القصيدة وغيرها من القصائد والرمزية الطاغية على صفحات الديوان.
في قصيدة (طبعتك ذكرى ص 18 – 19)، نجد الشاعرة في حالة يأس لأنها كتبت إلى الحبيب بعد أن جفت قوافي كلماتها، واضمحلت أشواقها ونضبت زفراتها (وهذا تعبير بليغ للغاية)، ورغم اليأس، سطرت في عمق الدُجَى رقتها وحنانها، في حيرةٍ من أمرها، إذ اقتحمها العشق في عوالم نفسها الخفية، في تلك اللحظات اليأسة الواهنة المظلمة التي كتبت فيها، وراودها آمال عراض في غمرةِ اليأسِ والقنوطِ؛ وأحَبَّتْ حبيبها في مشاعرها ليجسد لها المفقود من إحساسها، وزرعته شتول من آمال جددت أنفاسها المتقطعة من شدة الخيبة. وتأتِ قصيدة الشاعرة في بقية أبياتها في سياقٍ من الانعكاس لتعقيدات الحب وتقلباته من الحب الذي يحمي وطيسه ويبلغ أعلى درجات غليانه، ثم يتطور ليصبح عشقاً، فتطبع الحبيبة الحبيب في ذاكرتها (أي في إنسانها الباطن وعوالمها الخفية)، ثُمَّ لا يلتزم الحبيب بما منحه له الحبيبة مِنْ مكانٍ في العوالم الخفية لنفسها، وهذا ما سبب لها احباطات وخيبات في تجليات القصيدة؛ وأحدثت ثورة في نفسها كأنثى في سطور قصيدتها فانتفضت في وجه الرَّجُل الذي لم يقدرها وتلظت بنار ظلمه وجوره لها. إنها ثورة الأنثى في الشعر ضد تقاليد الذكورية والعقلية الذكورية التي تسعى جاهداً لتذكير كل شيء حتى المشاعر التي لا نوع أو جنس لها.
بعد الخيبات المتتاليات، روادت الشاعرة أحلام الرحيل في قصيدة (حلم الرحيل ص 20)، والرحيل هنا هجرة الحبيبة للحبيب العنيد الجافي، بعد أن وقعت له أسيرة وصريعة الإحساس، كما تقول في مطلع القصيدة. ولا تختلف أسبأب الرحيل في (حلم الرحيل) عن أسباب الرحيل في قصيدة (الأطلال المهجورة ص 23) التي هي أيضاً تعبير رومانسي بليغ ووصف لحالتها وحيدةً في البيت الخالي من وجود الحبيب الذي يسكن روحها، وترى طيفه بين الجدران المهجورة، وتحس به في روح عشقها له، وتراه في عقلها الباطن، لكن قصتها المرهفة تنتهي بإدراك أن كلماتها تنقصها المشاعر، فخرجت بلا رحيق وتساقطت علقم (بمرارة) بلا إسناد من الحبيب لغيابه ووجود شبحه فقط، وهذا تعبير أظهرت فيه الشاعرة مدى خيبتها وخُسرانها. إنها حبيبة مكتوية بنار الخيبة. ويا لحظها! لقد وجدت خيبتها مساحة للتوثيق على متنِ عددٍ مِنْ القصائد. كم امرأة تتكسر قلبها خيبةً ألف مرة في اليوم، ولم تجد تلك الخيبات حظها من التسجيل. لا بأس، نحن نعيش في عالمٍ تتشابه فيه الحالات، وفي التشابه التقاء وتفاعل.
إني أرَ نفس هذه الخيبة طاغية الحضور في طيات قصيدة (الأبنوسي ص 31)، التي أراها بكاءً صامتاً، (وما أمر البكاء الصامت!) وحروفٌ دامعة تحكي فيها حضورها إلى القاهرة، واستدراكات واستفهامات حول انتظار الربيع (ربيع العمر) لها أم أنها ستجد خريف العمر (تقدم العمر) قد تسرب كمياه عطرة عندما تعود إلى الحبيب. في القاهرة ظلت منتظرة في أشواقها الحبيب وترجت لقائه، لكن انتظارها كان معانقة للسراب (ص 32)! وفي قصيدة (احترقت كلماتي الرقيقة ص 99)، يرَ القارئ حجم خيبة الأمل، حيث احترقت الكلمات في جحيم الجفاء وماتت (زفرات الحياة)، كما جاء أيضاً في قصيدة (طبعتك ذكرى ص 18 – 19). وهنا نجد اختلافاً بديعاً في التعبير وتطابقاً في المعنى ما بين (نضوب الزفرات) و(موت الزفرات) في القصيدتان.
أخيراً وليس آخراً، (روح العاشقة) مجموعة من القصائد المنحدرة من عوالم النفس الخفية للشاعرة. وفي قصيدة (ثرى الذكريات 51 - 53)، تتحدث الشاعرة عن ماضيها بلسان العشق للحبيب وتتحدث عن مطاردة طيف الحبيب لها، فتصبح أسيرة الألم وتعبر عن تعرضها للخيبة، وتندب حظها العاثر في الحياة وتختم أسفارها بصد الحبيب عن المجئ إليها، ما يُشِيرُ إلى نسيانها له إلى الأبد! وهذه هي صورة الحب تجلياته وتقلباته. الحب حاضرٌ في مشاعرٍ مثقلةٍ بالعاطفةِ الجياشة تجاه الحبيب، وتَعلُّقٌ شديد به، وتجليات نعمة الحب وسعادته ونعيمه، والأشواق العميقة التي يشعر بها كل طرف إذا حدث فراق بينهما إلى حين ولفهة اللقاء، ولعنة الفراق والندم والحسرة والبكاء ودخان الاحتراق ورماد الذوبان الأسود الحالك. والحب برغم أنه نعمة، إلا أننا نحوله إلى لعنة وإنفيرنو بإرادتنا وتصرفاتنا. وتعكس الديوان معاناة المرأة في عالمٍ حقيقي، لكنه افتراضي نوعاً ما، في كثيرٍ مِنْ الأحيان اسمه الحب وعش الزواجية ومطاردة الأحلام المخملية.
7. الخلاصة
نيانجانق موريس مجوك، شاعرة تتناول موضوعات الواقع في قصائدها وأعمالها الأدبية المليئة بمزايا القصيدة الحديثة، والحضور اللغوي الحاشد والمعاني الجميلة، والبيان وحسن البديع والرمزية الشعرية، ومشاعر صادقة وأحاسيس مرهفة؛ تبين في كثير من قصائد ديوان (روح العاشقة). ومع ذلك، لايزال أمامها مساحات لصقل موهبتها واقتحام دروب الإبداع أكثر وأكثر وتقديم أفضل ما لديها من الإبداع الأدبي للمجتمع. وفي الختام، "كل إناء ينضح بما فيه"، وها هي نيانجانق موريس إناءً للأدب، تنضح لنا بما فيه من أشعار اللغة العربية الفصحى ومفردة أدبية فريدة مستخرجة من عوالم نفسها الخفية.
الجمعة 18 سبتمبر 2020م القاهرة
دينقديت أيوك كاتب وصحفي ومترجم وشاعر. صدر له ديوان شعر بعنوان (الحب والوطن) في مطلع العام 2018م. نُشِرَ له عدداً من المقالات السياسية والثقافية في الصحف الورقية والإلكترونية.
المصادر والمراجع:
- اقتباسات من القرآن الكريم عن الشعر في قوله تعالي: "الشعراء يتبعهم الغاوون .. إلى آخر الآية"، وتفسير المفسرين للآية في كتب التفسير.
- الموسوعة الإلكترونية الحرة – ويكبيبديا في تعريفها ل(نفس أو روح).
- نزار قباني والشعر
- تعريف الشاعر والشعر من موقع (موضوع) الإلكتروني
- قاموس المعاني (أنواع الشعر)
- تاريخ شعراء العرب وتصنيفهم
- رموز المدرسة الشعرية الحديثة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.