مشاهدات زائر للسفارة بعد التغيير .. بقلم: جمال أحمد الحسن – الرياض    البحث عن الإيمان في أرض السودان .. بقلم: محمد عبد المجيد امين (براق)    الأمة القومي يجمد المفاوضات مع (قحت) ويهدد بعدم المشاركة في الحكومة    تجمع المهنيين يعلن جدول التصعيد الثوري لاغلاق مقار اعتقال الدعم السريع    مصدر: حمدوك لم يستلم ترشيحات (قحت) للوزارة ويشترط الكفاءة    العناية بالاعمال الصغيرة تقود الي اعمال كبيرة ونتائج اكبر وأفضل .. بقلم: دكتور طاهر سيد ابراهيم    المتعة مفقودة .. بقلم: كمال الهِدي    اللجنة المنظمة لمنافسات كرة القدم تصدر عدداً من القرارات    عندما يكيل الجمال الماعون حتى يتدفق .. بقلم: البدوي يوسف    إنهم يغتالون الخضرة والجمال .. بقلم: ابراهيم علي قاسم    السودان ضمن دول عربية تبحث مع إسرائيل تطوير الطاقة    بستان الخوف، الراوية التي أفزعت الأخوان المسلمين فصادروها ومنعهوها .. بقلم: جابر حسين    هل توجد وظيفة في ديننا الحنيف تسمي رجل دين ؟ .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    وزارة الصحة السَودانية: مابين بروتوكولات كوفيد والذهن المشتت .. بقلم: د. أحمد أدم حسن    شباب الكباري .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    ترامب أخيرا في قبضة القانون بالديمقراطية ذاتها! .. بقلم: عبد العزيز التوم    التحذير من اي مغامرة عسكرية امريكية او هجمات علي ايران في الايام القادمة .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا    (سلطان الكيف) !! .. بقلم: عبد الله الشيخ    الاستئناف تشطب طلب هيئات الدفاع عن المتهمين في قضية انقلاب الانقاذ    الإمارات والاتفاقية الإبراهيمية هل هي "عدوان ثلاثى "تطبيع بلا سند شعبى؟ (3/4) .. بقلم: عبير المجمر (سويكت)    تعليم الإنقاذ: طاعة القائد وليس طاعة الرسول .. بقلم: جعفر خضر    مصرع 11شخصاً في حادث مروري بطريق كوستي الراوات    تفكيك شبكة إجرامية يتزعمها أحد أكبر التجار بمنطقة الصالحة بامدرمان    التعليم الحديث والقطيعة المعرفية مع الموروث الشعبي: الكرونة والأدوية البلدية نموذجاً .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





كُهُوفُ الوَهْمِ وَالوَاقِع !! .. بقلم: كمال الجزولي
نشر في سودانيل يوم 29 - 09 - 2020


الإثنين
يُكثر الإمام الصَّادق المهدي، وهذا حقُّه بالطبع، من التَّنويه بمشروع «عقد اجتماعي جديد» طرحه حزبه، في 26 مارس 2020م، بعد أشهر طوال من ثورة ديسمبر 2018م، وانتصارها في أبريل 2019م. استند المشروع إلى ركائز أساسيَّة، أهمُّها قيادة الحريَّة والتغيِّير للثَّورة، وبرنامجها، وانحياز العسكر لها، مِمَّا مهَّد لشراكتهم في التَّغيير، وأثمر وثيقة حكم انتقالي دستوريَّة لثلاث سنوات، من21 أغسطس 2019م، يتخللها مؤتمران دستوري واقتصادي، وتعقبها انتخابات عامة.
لكن «المشروع» رصد، في التَّفاصيل، ما يراه عيوباً نشبت في الحكم الانتقالي، أهمُّها: تفكُّك الشَّرط القيادي باختلال القيادة السِّياسيَّة، وانفلات بعض مكوِّناتها التَّنفيذيَّة إلى المزايدة الحزبيَّة؛ والتفاوض مع مجلس السَّيادة بلا تنسيق؛ وتفاهمات المجلس، نفسه، معها منفرداً؛ وعدم عبور لجان المقاومة إلى المساهمة في التَّغيير؛ وتحوُّل الاختلاف حول الملف الاقتصادي إلى اصطفاف حاد؛ والتَّعاطي مع ملف السَّلام بلا منهجية استراتيجية؛ وعجز المجلس المركزي عن حسم هذه الاختلافات؛ وتجاوز الوثيقة الدُّستوريَّة بصورة مدمِّرة؛ وتنازع الاختصاص بين أطراف الحكم؛ وحتى «نداء السُّودان» الذي يشغل فيه حزب الأمَّة مكانة قياديَّة، يعاني، هو الآخر، من خلافات بين مكوِّناته المدنيَّة؛ ومن مفاوضة عضويَّته المسلحة للمكوِّن السَّيادي بلا توافق.
ولأن «المشروع» يرى أن الاستمرار بهذا الشَّكل المختلِّ مستحيل، ويمثِّل تنصُّلاً عن المسؤوليَّة الوطنيَّة، فيقترح، بالنِّسبة لتجمُّع المهنيِّين الذي يرى أن قوى ضئيلة حاولت اختراقه، إمَّا تحويله لحزب أو لنقابة؛ وبالنِّسبة للمجتمع المدني ألا يمارس عمل الأحزاب، إلا إذا تحوَّلت تكويناته إلى أحزاب! أمَّا القوى السِّياسيَّة والمدنيَّة الجَّادَّة، فيقترح «المشروع» اصطفافها مع لجان المقاومة البنَّاءة، بعنوان «مؤتمر القوى الجَّديدة» (لاحظ حنين الإمام لتكرار تجربته القديمة عقب ثورة أكتوبر 1964م). وإذن، فهذا الاصطفاف الجَّديد تطوير، بحسب المشروع، لتنظيم جبهوي بميثاق يمثِّل عهداً اجتماعيَّاً جديداً، أهمُّ معالمه وضوح الرُّؤية الفكريَّة حول «الدِّين والعلمانيَّة»، بتأسيسها على «مدنيَّة الدَّولة»، و«الفصل بين المساواة في المواطنة والانتماء الديني»، والالتزام بمنظومة حقوق الإنسان الأمميَّة، ومبادئ الحكم الأساسيَّة، كالمشاركة، والمساءلة، والشَّفافية، وسيادة القانون؛ وتحقيق السَّلام العادل الشَّامل بإزالة أسباب الحرب، وإزالة آثار الاقتتال، وعدم السَّماح باختطاف منبر السَّلام لصالح أيَّة برامج سياسيَّة بدون انتخابات؛ والاهتمام بالمكوِّن العسكري كشريك في التَّغيير، وفي «العدالة الانتقاليَّة» القائمة على الحقائق، وإنصاف الضحايا؛ والتزام العسكريين بتوحيد مؤسَّستهم، وبميثاق حماية المدنيَّة، والاستعداد للفصل بين العسكريَّة والسِّياسة في ضوء الدُّستور؛ والاتِّفاق على أسس المشاركة، في المرحلة الانتقاليَّة، للقوى السِّياسيَّة والمدنيَّة التي ساهمت في معارضة النظام المباد؛ ومخاطبة جماعة المؤتمر الوطني لتمارس نقداً ذاتيَّاً يعترف بخطايا الانقلاب، والإقصاء، والتَّمكين، والاستعداد للمساءلة القانونيَّة؛ والاتِّفاق على علاقات خارجية متوازنة عربيَّاً، وأفريقيَّاً، وإسلاميَّاً، ودوليَّاً؛ والالتزام بإحسان إدارة التَّنوُّع الثَّقافي، والجِّهوي، والنَّوعي، والعمري؛ وإصلاح الأجهزة المدنيَّة والعسكريَّة؛ وإنصاف المفصولين؛ وتطوير الخدمات الاجتماعيَّة بخطة تراعي الأولويَّات والتَّوازن، وإزالة آثار الحرب بالتَّركيز على المناطق الأقلِّ نموَّاً؛ وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة عبر برامج رعاية لمكافحة الفقر؛ والاهتمام ب «العدالة الانتقاليَّة»، والقصاص للشُّهداء، وغيرها من مهام الوثيقة الدُّستوريَّة.
ويرصد «المشروع»، أيضاً، بعض المهام العاجلة، كتكوين المفوَّضيَّات القوميَّة؛ وإصلاح عملية السَّلام بجوبا لتكون شاملة بمنأى عن أيِّ مصالح حزبيَّة؛ وتكوين المجلس التَّشريعي بصورة متوازنة تعبِّر عن التَّمثيل الحقيقي للشَّعب؛ وعقد المؤتمرات القوميَّة تباعاً كالاقتصادي، والدُّستوري؛ وتجاوز فجوات الوثيقة الدُّستوريَّة التي سمحت لأطراف السُّلطة الانتقاليَّة بتعدِّي اختصاصاتهم، وذلك بالتَّوافق على دستور انتقالي للفترة الانتقاليَّة؛ وجدولة انتخابات التَّحوُّل الدِّيموقراطي بدءاً بالانتخابات المحليَّة فوراً، ثم انتخابات الولاة والمجالس التَّشريعيَّة الولائيَّة، وانتهاء بالانتخابات العامَّة في نهاية الانتقال.
هكذا يشتمل «المشروع» على عديد الجوانب التي يمكن الاتِّفاق أو الاختلاف حولها. غير أن عواره الأخطر، من وجهة نظرنا، هو تبنِّيه اقتصاد «السُّوق الحرِّ»، بدعوى أن ذلك يضمن التَّنمية والعدالة الاجتماعيَّة! مع أن الحقيقة الاقتصاديَّة السَّاطعة، كضوء الشَّمس، تجأر بأن «السُّوق الحرَّ» يتناقض، طرداً على عكس، مع فكرة «العدالة الاجتماعيَّة»، كما أن الواقع، نفسه، المتمثِّل في حكم النِّظام المباد في السُّودان، خلال العقود الثَّلاثة الماضية، تكفَّل بإثبات هذه الحقيقة، عمليَّاً، بما لا يدع، البتَّة، مجالاً لمزيد من التَّجريب!
مهما يكن من شئ، فقد وددتُّ لو أن الإمام كان نظر في مشاريع أخرى ربَّما أجدى استصحابها. ففي أغسطس 2018م، قبل الثَّورة بأربعة أشهر، وبمبادرة من الحركة الشَّعبية لتحرير السُّودان – شمال (عقار/عرمان)، وبمشاركة خبرات من مختلف المناطق المهمَّشة، وطيف واسع، إلى ذلك، من مفكرين، ومتخصِّصين، ومثقَّفين، وأكاديميِّين سودانييِّن، من شتَّى الخلفيَّات الفكريَّة، والسِّياسيَّة، والثَّقافيَّة، في مجالات التَّنمية الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، والقانون الدُّستوري، وحقوق الإنسان، والحقوق المدنية، والسِّياسة الخارجيَّة، والحوكمة، والأمن، والثَّقافة، والهويَّة، تكوَّنت «لجنة استشاريَّة» عكفت على صياغة وإصدار «وثيقة» مرجعيَّة، باللغتين العربيَّة والانجليزيَّة، بعنوان «عقد اجتماعي واقتصادي وثقافي جديد»، حوت العناصر المطلوبة لخارطة طريق التَّحوُّل المستدام، والسِّياسات المستقبليَّة البديلة التي تحدُّ من التَّدهور المتسارع، وتوقف الانحدار إلى نفق الفوضى والتَّفكُّك، خصوصاً بعد انفصال الجَّنوب في 2011م، ومع تفاقم جرائم الحرب والإبادة في دارفور والمنطقتين. فبرغم غلبة الجَّانب النظري على هذه «الوثيقة»، كونها طُرحت قبل الثَّورة، إلا أنَّها استهدفت القطيعة مع السِّياسات البالية، ونقل البلاد إلى مسار مغاير يوقف الانهيار الاقتصادي، ويحسِّن الأوضاع المعيشيَّة، ويضع حدَّاً لانتهاكات حقوق الإنسان، وينشر، بشكل واسع، مناخ الحريَّات، وسيادة حكم القانون، واحترام مبادئ العدالة، وتأسيس نموذج جديد للتَّنمية، والحوكمة، والقضاء على التَّمييز، والإقصاء، والفساد المستشري. وتستند «الوثيقة» إلى رؤية ل «السُّودان الجَّديد» تجسِّد مصالح كلِّ السُّودانيِّين، خصوصا المهمَّشين والفقراء، بما يتجاوز الفشل التَّاريخي الموروث في الاتِّفاق على مشروع وطني، مِمَّا أفضي إلى خلق الأوضاع الكارثيَّة التي ظلت تعمُّ البلاد، من أقصاها لأقصاها، منذ نيلها استقلالها السِّياسي عام 1956م.
بهذا الاتِّجاه شخَّصت «الوثيقة» الأوضاع، وحدَّدت المعالجات، وقدَّرت الفترات اللازمة لإنجاز التَّغييرات الهيكليَّة، وحصرت الموارد الضَّروريَّة لذلك، وألزمت الدَّولة بطرح السِّياسات البديلة، ومصفوفة تطبيقها منذ اليوم الأول، في إطار الالتزام بالحكم الرَّشيد، واحترام حقوق الإنسان بمعاييرها العالميَّة، والإعلاء من شأن الحقوق المدنيَّة المتساوية، وأولويَّة الحصول على الماء النظيف، والعلاج، والتَّعليم، والسَّكن، وخلافه.
كذلك أقرَّت «الوثيقة» بأن العمل على إنهاء معاناة شعبنا تشكِّل بداية جديدة لتخطيط نظام اجتماعي اقتصادي ثقافي جديد يغير شروط الحياة مستقبلاً، ويكفل التَّحوُّل الدِّيموقراطي على قاعدة المواطنة كأساس للحقوق والواجبات، والتَّنمية المستدامة، بتركيز خاص على فئات وشرائح النِّساء، والشَّباب، والأطفال. وإلى ذلك دعم علاقات التَّكامل الإقليمي، والتَّعاون مع دول الجِّوار، إضافة إلى الاستمساك بالإسهام في توطيد السِّلم والاستقرار الدَوليَّين، وببناء علاقة استراتيجيَّة بين دولتي السُّودان وجنوب السُّودان.
أخيراً نوهت «اللجنة الاستشاريَّة»، التي شرفنا بعضويَّتها، إلى أن مساهمة المرأة الواسعة تعتبر شرطاً ضرورياً للانتقال إلى نظام جديد بمصداقيَّة وجديَّة. كما أعلنت، في ذلك الوقت السَّابق على الثَّورة، عن ضرورة الاستمرار في التَّشاور، ليس، فقط، مع الحركة الشَّعبيَّة التي يسَّرت صياغة هذا المشروع، بل ومع قوى المعارضة كافَّة، فضلاً عن منظمات المجتمع المدني، بهدف تطوير هذا البرنامج، ودعم إنشاء مؤسَّسة بحثيَّة لمواصلة هذا الجهد بما يخدم مستقبل البلاد.
الثُّلاثاء
شهد المحامون من جيلنا، والأجيال السَّابقة، فضلاً عن الكثير من الأجيال اللاحقة، عهداً لم يكن القضاة ليتهاونوا فيه، أو يتسامحوا مع أيٍّ مِمَّن تسوِّل لهم أنفسهم الاستهانة بإجراءات التَّقاضي، أو الاستهتار بهيبة المحاكم. كان القاضي، في تلك الحالات، لا يتردَّد في تحرير محضر فوري لمرتكب الواقعة، تمهيداً لنيله العقاب الذي يستحقُّه. بل لم يكن نادراً ما يبادر المحامون أنفسهم برفض ذلك المسلك، وتقديم الطلبات اللازمة بشأنه. أمَّا الآن، فها نحن، للأسف، نشهد قدراً من الاستخفاف، وعدم الاحترام، يتعامل بهما بعض المتَّهمين مع الإجراءات القضائيَّة؛ فحين يُسألون، مثلاً، عن أسمائهم ينخرطون في «دوبيت» مطوَّل على طريقة «الهمباتة»، أو يُستفسرون عن أوضاعهم الاجتماعيَّة فينطلقون في تباهٍ سخيف بأعداد زوجاتهم، مثنى وثلاث ورباع، بلا مسوِّغ سوى الاستهزاء الواضح، بينما ذووهم يتضاحكون، ويتغامزون، ويتلامزون، والقاضي صامت لا يحرِّك ساكناً!
الأربعاء
النِّظام البائد، فضلاً عن نظامين شموليَّين سبقاه، علَّموا العسكريِّين، للأسف، إلا من رحم ربُّك، أنهم لا كبير فوقهم من المدنيِّين «المَلَكيَّة» في هذه الدَّولة؛ ولذا، ما لم يُفطموا مِن هذا الذي تعلموه، يكون مفهوماً تماماً، ما اتَّخذه الفريق شرطة بشير الطاهر، مدير عام الجَّمارك، من موقف مضادٍّ لقرار رئيس النِّيابة العامَّة، قطاع الخرطوم، برفع الحصانة عنه، تمهيداً لمحاسبته، بعد تدوين إجراءات في مواجهته بنيابة الخرطوم شمال، لرفضه تنفيذ فتوى المحامي العام بوزارة العدل، القاضية بإعادة مال كانت الجَّمارك تحصَّلته من رجل أعمال دون وجه حق. لكن الذي لا يمكن قبوله، البتَّة، بله فهمه، هو أن يساير د. حمدوك، رئيس الوزراء، موقف الفريق الطاهر في مقاومته لقرار النِّيابة!
لكن ثمَّة مفارقة ينبغي إيرادها هنا، وهي أن التُّرابي، عندما تولى منصب وزير العدل النَّائب العام، مطلع ثمانينات القرن المنصرم، ألزم كلَّ من يخالف، مِن الموظَّفين العموميِّين، توجيهات الوزارة في شأن أيِّ نزاع، مع أيِّ مواطن، سواء كان شخصاً طبيعيَّاً أو اعتباريَّاً، بتحمُّل مغبَّة تلك المخالفة، خصوصاً إذا ترتَّب عليها، لاحقاً، حكم قضائي في النِّزاع، وكان من الممكن تفاديه بالالتزام بتوجيه الوزارة؛ فإن تضمَّن ذلك الحكم سداد مال، فإنه، في هذه الحالة، يُقتضى من الموظَّف العمومي، شخصيَّاً، مهما كان منصبه، حتى لو لزم ذلك الاقتضاء خصمه، قسراً، من استحقاقات ما بعد خدمته!
أمَّا الآن فرئيس وزراء الثَّورة التي أطاحت بنظام التُّرابي يشجِّع، للغرابة، مدير الجَّمارك على مخالفة فتوى المحامي العام بوزارة العدل .. فتأمَّل!
الخميس
في كتابه «الوهم والواقع Illusion and Reality» توقف كريستوفر كودويل عند ملاحظات ثلاث بشأن «رسومات الكهوف» التي يعتبرها الباحثون مصدراً مهمَّاً لدراسة المراحل الأولى للمجتمعات البدائيَّة: الأولى اقتصار غالب تلك الرُّسومات على موضوعات الصَّيد، والثَّانية تصويرها الفريسة مطعونة، دائماً، في مواضع قاتلة من جسمها، والثَّالثة وجودها، عادةً، في الجُّزء الأكثر بُعداً عن ضوء الشَّمس داخل الكهف! إستنتج كودويل من ذلك أن تلك الرُّسومات لم تكن لمحض الزِّينة، أو لمجرَّد التعبير الجَّمالي، بقدر ما كانت ترميزاً باكراً عن احتياج الانسان، المكبَّل بأشراط محدوديَّته البشريَّة، للاستقواء بطاقات روحيَّة أعلى، في مواجهة المجهول الذي ينتظره أثناء كدحه اليومي، لإنتاج وتأمين مقوِّمات بقائه. هكذا كان التَّصويرُ «الطقسى» لعملية الصَّيد المُتخيَّل، في عتمة الكهف، شرطاً روحيَّاً لازماً لجعلها ناجزة مسبقاً، وفق «تشهيَّات» الصَّيادين قبل خروجهم للصَّيد الفعلي!
هذه الخاطرة سبق لي أن نشرتها على خلفيَّة مشهد الموكب الذي سيَّره بشوارع الخرطوم، خلال أحد نهارات شهر مارس من عام 2003م، المؤتمر الوطنى الحاكم، آنذاك، لتسجيل موقف رافض، في ما قيل وقتها، للحرب ضدَّ عراق صدَّام! غير أن المتظاهرين حملوا، للعجب، نعوشاً رمزيَّة ما لبثوا أن ألقوا بها على الأرض يدوسونها بأقدامهم، ويركلونها بعنف! ولئن كانت مفهومة تماماً «تشهيَّات» صَّيادي «الكهوف» المشار إليهم في المجتمع البدائي، فهي، ذاتها، «تشهِّيات» الحزب الحاكم من «طقس النُعوش السِّحري» في مطلع الألفيَّة الثَّالثة!
غير أن الصَّديق الرِّوائي حمور زيادة نحى منحى مغايراً، تماماً، في تفسير ممارسة الإنسان البدائي ل «رسومات الكهوف»، إذ اعتبر أنه اتَّجه إلى ذلك «الفنِّ»، قاصداً تخليد «حكايات صيده»، و«قصص معاركه» مع الوحوش الأسطوريَّة في «عمل جمالي متكامل»، حيث أن «انشغال البشريَّة بإنتاج الجَّمال .. هو العمل الغريزي الأكثر إثارة!» (المواكب؛ 20 سبتمبر 2020م).
والآن .. ما هي الأقرب إلى الحقيقة التَّاريخيَّة: نظريَّة كودويل، أم نظريَّة زيادة؟!
الجُّمعة
هذه المقالة سبق أن نشرتُها في 8 سبتمبر 2017م. والآن أعيد نشرها، مع تجدُّد موضوعها الذي هو تطبيع السُّودان مع إسرائيل، حتَّى لقد قالت «رويترز»، اليوم 25 سبتمبر 2020م، ما كنَّا قلنا في روزنامة سبقت، من أن هذا التَّطبيع ينضاف، الآن، كشرط جديد، أو، بالأحرى، كعقبة جديدة على طريق رفع اسم السُّودان من قائمة الدُّول الرَّاعية للإرهاب، وإن كنت، في نفس الوقت، لا أخفي تعجُّبي من التزام مبارك الفاضل الصَّمت، والدُّنيا تقوم من حول هذا الموضوع، ولا تقعد، وفي ما يلي نص المقالة:
ربَّما لو لم يكن مبارك الفاضل هو نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الاستثمار، لما احتاج لإطلاق دعوته للتَّطبيع مع إسرائيل ك «بالون اختبار»؛ فليس من المعتاد أن يُطلق دعوات مجَّانيَّة مَن يرى نفسه أجدر بقيادة «حزب الأمَّة القومي» من الصَّادق المهدي، فينشقُّ، ويظلُّ يناور، ويحاور، ويداور، حتَّى يصعد إلى قمَّة سنام السُّلطة! لذا، مهما نسب النَّاس هذه الدَّعوة إلى ذرائعيَّة الرَّجل، فإن أحداً لن يستطيع أن يقنع أحداً بأنه ما أطلقها إلا لمجرَّد ما ساق بنفسه من بيع الفلسطينيِّين لأراضيهم، أو «حفرهم» للسُّودانيين في الخليج، أو تعطيل قضيَّتهم للعالم العربي، أو متاجرة بعض الأنظمة العربيَّة بها، وهلمَّجرَّا؛ فليس هو مَن تزعجه مثل هذه المسائل، أو يبني مواقفه عليها! وإذن، فثمَّة «مآرب» أخرى، ولا بُد، شكَّلت دوافعه الحقيقيَّة، سواء من تلقاء نفسه، أو بالائتمار مع جناح في السُّلطة!
غير أن دافعنا، الآن، لهذه الكتابة، هو اتِّخاذها مدخلاً لطرح مسألة أخرى لا تقلُّ أهميَّة، فإذا كان ذلك هو ما يمكن أن يشكِّل «مأرباً» من وراء دعوة مبارك المفاجئة، عام 2017م، للتَّطبيع مع إسرائيل، فما كان «مأرب» التُّرابي من وراء دعوته المفاجئة، عام 1995م، ل «تخلي» المسلمين عن الجَّهر بانتمائهم إلى محمَّد (صلعم)، وتبنِّي الانتماء إلى إبراهيم عليه السَّلام، بكلِّ رمزيَّته بالنِّسبة لعصبيَّة «القوميَّة اليهوديَّة» الدَّافعة لتأسيس دولة إسرائيل، رغم أن الإسلام يعتبره أبا الأنبياء جميعاً؟!
لقد سبق أن طرحنا هذا التَّساؤل، في شِقِّه المتعلق ب «مآرب» التُّرابي، في أكتوبر عام 2015م، تحت عنوان «الإبراهيميَّة السِّياسيَّة». لكننا نعود، اليوم، لطرحه، مجدَّداً، كوننا لاحظنا أن دعوة مبارك لفتت إليها الأنظار بشدَّة، وأقامت عليه الدُّنيا ولم تقعدها، بما فيها جماعته نفسها، بينما لم ينتبه الكثيرون لدعوة التُّرابي التي ألجمت جماعته، على وجه الخصوص، وألزمتها الصَّمت، طوال ما يناهز ربع القرن حتَّى الآن!
وأصل الحكاية أن عقد التِّسعينات كان ينزلق نحو منتصفه، عندما راح القلق يستبدُّ بهذه الجَّماعة، بسبب أزمة نظامها الذي أسَّسته على انقلاب يونيو 1989م، والمتمثِّلة في تفاقم عزلته الخارجيَّة، عن دول الغرب بالذَّات، دع تزايد ضغوط المعارضة الدَّاخليَّة، وحصولها على منصَّةٍ لوجستيَّةٍ لدى مصر. وإزاء ذلك المأزق شديد التعقيد كان لا بُدَّ لأساطين الجَّماعة من التفكير في مخرج معقول! فكان منطقيَّاً أن يتَّجه التَّفكير، تحت ضغط تلك الظروف، نحو أنجع المخارج: استرضاء رعاة إسرائيل الغربيين، والتَّلويح لمصر بإمكانيَّة التَّقارب مع غريمتها الرَّئيسة، وذلك لتحقيق التَّقارب المفقود مع الغرب أولاً، وحصر مبلغ همِّ القاهرة، ثانياً، في ضرورة إخماد ألسنة نيران المعارضة عن ملامسة جلباب النِّظام في الخرطوم!
هكذا انطلق التُّرابي، على كلتي الجَّبهتين، النَّظريَّة والعمليَّة، يسافر، ويحاضر، ويحاور، ويداور، هنا وهناك، مقترباً أو مبتعداً عن موضوعه الأساسي، ، بشكل محسوب! وجاءت، في السِّياق، أبرز زياراته، ومقابلاته، وإفاداته، في الفاتيكان، وواشنطن، وأوتاوا، ومدريد، وباريس، وغيرها. كان مضمون تلك الخطة عدم الاقتصار على تقديم الأطروحة الجَّديدة في مستوى «السِّياسة العمليَّة»، فحسب، وإنَّما دلق «مدلولات دينيَّة» قويَّة التَّأثير على سطحها! غير أن نقطتي ضعف جدِّيَّتين ما لبثتا أن احتوشتا تلك الخطة من جهتين:
فمن الجِّهة الأولى هدفت الخطة إلى تقديم الإسلام إلى الذِّهنيَّتين الغربيَّتين، المسيحيَّة واليهوديَّة، بالتَّركيز على أنه مصدِّق، أساساً، لما أنزل على عيسى وموسى، بما ينفي عنه التَّشدُّد في معاداة «الآخر الدِّيني». غير أن المشكلة هي أن المسيحيَّة واليهوديَّة لا تعترفان بالإسلام، أصلاً، فلا معنى لأن يقال لجمهوريهما إنه يعترف بموسى وعيسى!
أمَّا من الجِّهة الأخرى فقد كان من شأن تلك الخطة، إنْ لم يتم التَّمهيد لها بصورة كافية، أن تفضي إلى وضع في غاية الخطورة، حين تصطدم، داخليَّاً، بالنَّعرات الإسلاميَّة التي تحتاج إلى معجزة كي تقتنع بتجرُّع مثل هذه الجُّرعة المرَّة!
إزاء ذلك جرى «الانقلاب الأكبر»، يومها، على ظهر مغامرة «فقهوفكريَّة» غير مسبوقة، إذ لم يجد التُّرابي ما يواجه به ذلك التَّحدِّي، سوى خطة بديلة بلا مثيل في أدبيَّات الإسلام السِّياسي في السُّودان، بل وفي المنطقة، ومستخلصها أنه، طالما كان المسلمون يعترفون بجميع الأنبياء، في تسلسل رجوعيٍّ حتَّى أباهم إبراهيم، فلماذا يصرُّون على الانتساب الضَّيِّق إلى محمَّد، لا الانتساب الواسع الجامع إلى إبراهيم، ما أسميناه، وقتها، (الإبراهيميَّة السِّياسيَّة)؟!
في الإطار نشر التُّرابي مقالة توجيهيَّة من جزئين، بعنوان «مرتكزات الحوار مع الغرب»، بمجلة «دراسات أفريقيَّة» المُحكِّمة، الصادرة عن «مركز البحوث والتَّرجمة بجامعة أفريقيا العالميَّة». وفي ما يلي نقتطف ما يلي من «الجزء الثَّاني» منها، تاركين للقرَّاء تقدير الفكرة الرَّئيسة التي ينطوي عليها:
«إن غالب الأوربيِّين، وقد غفلوا عن دينهم، قد يستفزُّهم المسلم إذا خاطبهم من خلال المشترك الفكري للأديان الكتابيَّة، لأنهم، أصلاً، لا يعترفون بالإسلام، ولهذا نرى أن يكون الخطاب مدرجاً في سياق المقارنة من خلال الحدث الإبراهيمي لأنه هو الأصل المشترك للأديان جميعاً، فيمكن للمسلم ألا ينسب نفسه إلى محمَّد النَّبي، بل يمكن أن يقول، تلطفاً، إنه لا يريد أن يُسمَّى (محمَّديَّاً)، ليخاطبهم كأنه يريد التَّحدُّث عن هذا التَّقليد الدِّيني الواحد في السِّلسلة النَّبويَّة منذ إبراهيم، وأن تتابع الأنبياء جميعاً ليس إلا تجديداً في تنزيل ذات القيم والمعاني خطاباً لأقوام مختلفين، وفي ظروف وابتلاءات مختلفة. إن هذا هو منهج القرآن في الحوار بين المسلمين والكتابيِّين في سورة البقرة، إذ بعد أن بيَّن العلل التي طرأت على الدِّيانة الكتابيَّة بعد الرِّسالة، ردَّهم كافَّة إلى أصول الدِّين الإبراهيمي، وهو الإسلام. ومن هذا الأساس نحن ندعو إلى أن يتحوَّل الخطاب الإسلامي إلى هذا المشترك الرِّسالي الذي تبدأ به السِّلسلة النَّبويَّة، وكيف أنه لم يقتصر على المحليَّة الجُّغرافيَّة، ولا على الجُّغرافية الزَّمانيَّة، وإنَّما تحرَّك برسالته في كلِّ الشَّرق الأوسط، من العراق إلى فلسطين، فهناك زرع أبناءه وخلافته التي حملت سنَّته، ومن ثمَّ إلى أطراف مصر، ثمَّ إلى مكَّة حيث ترك هناك تراثه وخلافته أيضاً، وبعد ذلك كان إبراهيم عليه السَّلام أوَّل من بدأ يوسِّع دعوة الدِّين السَّماوي الكتابي، لا لقومه خاصَّة مثل الأنبياء من قبله، ولكنه أوَّل نبي وسَّع امتداد الجُّغرافيا على سياق خطابه العالمي، ففتح آفاقاً عالميَّة لرسالته. إننا بمثل هذا السِّياق العلمي في الطرح نستطيع أن ندخل على الغرب الذي يتأثَّر بالعالميَّة» (دراسات أفريقيَّة، ع/12، يناير 1995م، ص 18 19).
السَّبت
في ورشة عمل كلفت بتيسيرها facilitation، مؤخَّراً، حول مفهوم «العدالة الانتقاليَّة»، أثار بعض المشاركين ما يُفهم منه اعتقادهم بوجود تناقض، أو، على الأقل، اختلاف بين هذا المفهوم ومفهوم «العدالة التَّرميميَّة». وتعميماً للفائدة أستعيد، هنا، خلاصة ما تمخَّضت عنه المناقشة التي أدرناها سويَّاً حول تلك المسألة. فالعدالة، أصلاً، من حيث هي أحد الأركان الأساسيَّة للسَّلام الاجتماعي، احتاجت، دائماً، لما تتحقَّق به. ومع الزَّمن والتَّطوُّر اتَّخذ هذا التَّحقُّق عدَّة أشكال، أهمُّها وأكثرها شيوعاً الارتقاء من شكل «الثأر الشَّخصي» إلى شكل «العدالة العقابيَّة» التي تُعتبر، في الظروف العاديَّة، إحدى أهمِّ وظائف الدَّولة. غير أن هذه «العدالة العقابيَّة» تعتبر الجَّريمة مجرَّد خرق للقانون، فتركِّز عليها ب «العقاب»، بدلاً من أن تركِّز على «إصلاح/ ترميم» ما قد يكون ترتَّب عليها من آثار! بعبارة أخرى تكاد «العدالة العقابيَّة» لا ترى أبعد من «فعل الجَّاني» في «الماضي»، فلا تتجاوزه إلى «مستقبل» هذا الجَّاني، لجهة ما ينبغي أن يدفعه، هو نفسه، إلى استشعار ندم حقيقي عميق على خطئه، كما ولا تتجاوزه إلى مستقبل الضَّحيَّة، لجهة ما يعينه على تخطي أزمته، دَعْ عدم تجاوزه إلى مستقبل المجتمع بأسره، لجهة مساعدته على التَّعافي والتَّصالح مع ذاته وتاريخه. هذه العيوب الهيكليَّة، النَّاشبة، خلال الظروف العاديَّة، في عمق مفهوم «العدالة العقابيَّة»، جعلت من الضروري اعتماد مفهوم مغاير، خلال الظروف غير العاديَّة، هو مفهوم «العدالة الانتقاليَّة»، حيث يكون المجتمع في حالة انتقال من «حرب» إلى «سلم»، أو من «شموليَّة» إلى «ديموقراطيَّة»، فيتجذَّر هذا النَّوع من العدالة، فضلاً عن مساءلة الجَّاني، في جبر ضرر الضَّحايا، والاعتراف بكرامتهم، كمواطنين وكبشر. ولأن تجاهُل الانتهاكات الواسعة قد يكون مَهْرَبا سهلاً، رغم تدميره لمنظومات القيم التي لا غنى عنها لبناء أيِّ مجتمع محترم، فإن «العدالة الانتقالية» تطرح أصعب الأسئلة التي يٌمكن تصوُّرها في جدل القانون والسِّياسة. وأكثر الإجراءات التي تُتَّبع في تنفيذ هذا المفهوم المغاير هي ما يعنى بشكل «الإصلاح/التَّرميم».
وإذن، فإن أكثر ما يهمُّ «العدالة العقابيَّة/التَّقليديَّة» هو معاقبة الجَّاني على ما ارتكب في «الماضي»، أمَّا «العدالة الانتقاليَّة/التَّرميميَّة» فتعطي الأولوية ل «الإصلاح/التَّرميم» في «المستقبل»، بما يشمل «المجتمع» بأسره، عبر برامج أساسها الحوار الافتراضي بين مصلحة «الضَّحيَّة» ومصلحة «الجَّاني».
الأحد
ظلت تتملكني الدَّهشة كلما طالعت الأخبار حول الإعداد لعقد المؤتمر الاقتصادي القومي «الأوَّل!» الذي تمَّ تدشينه بالسبت 26 سبتمبر 2020م، إذ بدا لي، دائماً، أننا «نبدأ»، في كلِّ مرَّة، من حيث «بدأنا»، لا من حيث «انتهينا»! وإلا فكيف نعقد المؤتمر الاقتصادي القومي «الأوَّل»، بعد زهاء ربع قرن من عقدنا، في مارس 1986م، للمؤتمر الاقتصادي القومي .. «الأوَّل»؟!
***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.