مجلس الوزراء يرفض بيان "مجلس شركاء الفترة الإنتقالية"    المريخ يسعى لحسم تأهله لدور ال32 بدوري الأبطال بمواجهة أوثو دويو الكونجولي مساء اليوم الجمعة    يوميات محبوس (11) .. بقلم: عثمان يوسف خليل    زمن التوم هجو ! .. بقلم: زهير السراج    غاب الإمامُ .. بقلم: عباس أبوريدة/الدوحة    قصة أغنية بدور القلعة: حسناء القلعة تهزأ بالشاعر أبو صلاح: الأغنية التي أشعلت التنافس بين وردي ومحمد الأمين! .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    وقفة وفاء وتحيه النور إشراقه منسية في عوالم الصوفية ! .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / لندن    قراءه منهجيه لإشكاليات الفكر السياسي السودانى .. بقلم: د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه في جامعه الخرطوم    عمليات تهريب في انتاج الذهب بشمال كردفان    بدء الإنتاج النفطي بحقل الراوات    200 مليار جنيه عجز الموازنة الجديدة    النائب العام يشدد على بناء أجهزة عدلية قادرة على القيام بمهامها المقررة في الوثيقة الدستورية    أقر بوجود لقواته بليبيا وينفي مشاركتها في الحرب: مني يتبرأ من دعوة المصالحة مع الاسلاميين ويصفهم بالسيئين    وزير الصحة يعلن عن ترتيبات لتوفير الأدوية    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





أحزاب الأيديولوجيا الوافدة: الخضوع للشعب أم إخضاعه؟! .. بقلم: سمير محمد علي حمد
نشر في سودانيل يوم 25 - 10 - 2020

الاحزاب والكيانات السياسية الفاعلة التي تشكل الفضاء السياسي السوداني الراهن يمكن تصنيفها بناءً على الطبيعة التكوينية والفكرية لها، الى اربعة تكتلات اساسية هي: (1) مدرسة مؤتمر الخريجين (مثال لها: الاحزاب الطائفية والحزب الجمهوري وحزب الاشقاء)، و(2) مدرسة الأيديولوجيا الوافدة (مثال لها: احزاب اليسار واليمين والقومية العربية)، و(3) مدرسة الحركة الطلابية (مثال لها: حزب المؤتمر السوداني)، و(4) المدرسة المناطقية (مثال لها: مؤتمر البجا والحركة الشعبية شمال بجناحيها وحركات دارفور).
مدرسة مؤتمر الخريجين تشمل الاحزاب التي تشكلت من المجموعات التي كانت تتصارع للسيطرة على توجهات مؤتمر الخريجين الذي تأسس في العام 1938م حيث افضي ذلك الصراع في العام 1945م الي تكوين حزبين كبيرين هما حزب الاشقاء وتسنده طائفة الختمية وحزب الامة تحت رعاية طائفة الانصار اضافة الي احزاب اخري صغيرة منها الحزب الجمهوري. وبحلول ستينيات القرن الماضي ذابت معظم احزاب هذه المدرسة في الحزبين الطائفيين الكبيرين الاتحادي الديمقراطي والذي تكون من اندماج عدة احزاب واصبح تحت سيطرة ال الميرغني وحزب الامة الذي يسيطر عليه ال المهدي. والعقلية الطائفية لهذين الحزبين كانت من اسباب تعثر الديمقراطية في السودان [1]، فهذه الاحزاب لا تهمها الديمقراطية التي تتمسح بها بقدر ما يهمها المحافظة على المكاسب الاقتصادية والسياسية والمكانة الدينية والاجتماعية للطائفتين والمورثة منذ عقود. فهذه الاحزاب بعيدة عن مفهوم التنمية حتي عن مناطق نفوذها فجماهيرها في شرق وغرب السودان تعاني الفقر والجهل والتخلف وهي من الاسباب الأساسية للاضطرابات الامنية التي تحدث في هذه المناطق. فليس من المصادفة ان معظم مناطق التوترات الامنية في السودان هي نفسها مناطق النفوذ التاريخية للأحزاب الطائفية. اما مدرسة الايدلوجيا الوافدة فتشمل تلكم الاحزاب التي تحمل فكراً عابرا للحدود له صبغة عالمية او اقليمية ومنشاءه خارج السودان.
سيطرة الصراع الطائفي بين احزاب المدرسة الاولى والصراع الأيديولوجي بين احزاب المدرسة الثانية مع غياب التنمية المتوازنة بين جميع اقاليم السودان ادى لظهور احزاب المدرستين الثالثة والرابعة. فحزب المؤتمر السوداني نشأ كحركة طلابية مستقلة منذ سبعينيات القرن الماضي رافضة لأطروحات اليسار واليمين وكل ما افرزته التجربة السياسية السودان منذ الاستقلال، ثم تطور الى حزب سياسي في يناير 1986م، بينما ادى غياب التنمية المتوازنة من قبل الحكومات المختلفة عن مناطق شرق وغرب وجنوب السودان وانشغال الاحزاب الطائفية بالمحافظة على امتيازاتها التاريخية الاقتصادية والسياسية والدينية والاجتماعية المورثة والتي اكتسبتها منذ عقود عن المساهمة في تطوير وتنمية هذه المناطق والتي تعتبر مناطق نفوذها، الى تفشي الفقر والجهل ونقص الخدمات وتفشي العطالة بها، فبدأ سكان هذه المناطق الشكوى، ثم تطورت هذه الشكاوى الي مطالبات سياسية انتظمت في شكل حركات مناطقية اتخذت النضال المسلح وسيلة لتحقيق اهدافها، وهكذا نشأت الحركات المناطقية كرد فعل رافض لسياسات الحكومات المركزية المتعاقبة.
فمأزق السياسة في السودان هو ان الاحزاب السودانية اما احزاب طائفية تسيطر عليها عقلية رجعية تتعارض مع مفهوم الديمقراطية، وتهيمن عليها بيوتات حولتها الى ملكية خاصة (تم تناول الطائفية بالتحليل في مقال سابق [1])، او احزاب عقائدية تحمل افكاراً وافدة ثبت عدم صلاحيتها للبيئة السودانية وهي غير قابلة للتعايش معاً او مع الاخر عموماً (وهي ستكون موضوع هذا المقال)، اضافة الى احزاب حديثة التكوين نشأت على مبدأ رد الفعل، فهي اما نشأت كرد فعل رافض لفكر احزاب المدرستين الاولى والثانية او كرد فعل متمرد على سياسات السلطة المركزية عبر حقبة الحكومات الوطنية المختلفة. فمثل هذه التشكيلة الحزبية بحالتها الراهنة لا يمكن ان تقود الي ممارسة ديمقراطية راشدة تفضي لرفعة الوطن ورفاه مواطنه ما لم تُخضع فكرها ومنهجيتها في العمل السياسي الى مراجعات حقيقية عميقة ينتج عنها فلسفة جديدة اساسها الخضوع للإنسان وليس اخضاعه. واهم ما تفتقده معظم هذه الاحزاب – خاصة احزاب المدرسة الثانية - هو قبول الاخر، فعليها ان تتعلم التواضع مع الاخر على اقصى حدود مشتركة ممكنة وان تجعل من الوطن هو القاسم المشترك الاعظم بين الجميع، وعلى هذا الاساس يجب ان تعيد كتابة افكارها ومنهجها في العمل السياسي. وهذا لن يتحقق الا بسودنة الفكر اولاً وجعله نابعاً من حاجة الانسان السوداني وليس الانسان الاوربي او العربي او الاسلاموي او غيرهما والكف عن محاولات اخضاع السودان لأفكار مستوردة لا يمكن ان تثمر علي الارض السودانية. ولعل التجربة الاسلاموية السودانية والتجربة المايوية المتأرجحة بين الاشتراكية العروبية تارة والاسلاموية تارة اخرى تدلل على النهايات المدمرة التي يمكن ان تقود اليها محاولات التطبيق القسري لمثل هذه الافكار المستوردة.
نشأت العلمانية في الاصل لفصل الدين عن السلطة السياسية، فاذا وسّعنا مفهوم الدين مجازاً ليشمل العقائد الفكرية الدنيوية، فان العلمانية في تقدير كاتب المقال تقتضي حيادية السلطة تجاه كل الايدلوجيا وليست تجاه الدين فحسب، فبعض الاحزاب السودانية اتخذت من فكرها ما يشبه الدين تعمل في التبشير به ونشره في عصبية تماثل الى حد بعيد الجماعات الاسلاموية في دوغمائيتها ونزوعها الى رفض الاخر المختلف معها ومحاولة إخضاعه لعقيدتها بكل السبل. ولعل الحيادية التي تضفيها العلمانية على السلطة السياسية تجاه الاديان هي ما ساهمت في تعزيز ثقافة قبول الاخر في الغرب، فالنهج العلماني الحيادي للممارسة السياسية في الغرب خلّص الاحزاب هناك من سطوة الدين على السياسة كما كسر حدة الصراع الأيديولوجي فكاد ان يتلاشى، وامتثل الجميع لثقافة قبول الاخر، فتوجهت طاقات هذه الاحزاب نحو خدمة الانسان بدلاً عن اخضاعه. الوصول الى السلطة عند هذه الاحزاب ليس هدفه اخضاع الشعب الى عقيدة او فرض رؤية ما، وانما تتسابق لخدمته وارضاءه من خلال برامج وسياسات تلبي تطلعاته في الحياة الكريمة وحفظ حقوقه داخل او خارج بلده، فهي دائماً خاضعةً لإرادة الشعب وليس العكس، ويتمحور عملها حول رفعة الوطن ورفاه المواطن وليس حول الايدلوجيا. اما في دول الجهالة السياسية ومن بينها السودان نجد ان الاحزاب السياسية تهدر طاقاتها في صراعات ايدولوجية مدمرة للإنسان وللوطن ساعية لإخضاع انسان جائع، غير آمن، جاهل، ومريض الى رؤي وافكار لا تشببه ولا تعكس تطلعاته، بدلاً من الخضوع له وتلبية حاجاته والسعي اولاً لسد جوعته، وتحقيق امنه، وازالة جهله، وعلاج مرضه.
فمدرسة الايدلوجيا الوافدة والتي تشمل احزاب اليمين واليسار السوداني والتي تبدو مختلفة ظاهرياً واحيانا علي طرفي نقيض الا انها متشابهة السمات ولها نفس المنهجية في العمل السياسي، فجميعها تحمل عقيدة فكرية وافدة، والدولة القطرية بالنسبة لها ليست الا حلقة من حلقات مشروعها العالمي او الاقليمي، وهي اقصائية ومستبدة ولا تستبعد استخدام الوسائل العنيفة للوصول الي اهدافها، وعادة ما تلجأ الي فرض مشروعها من خلال الاستيلاء علي السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية. اهم احزاب هذه المدرسة في السودان: الحزب الشيوعي السوداني واحزاب الحركة الاسلاموية السودانية وفروع احزاب البعث بالسودان والاحزاب الناصرية.
كل هذه الاحزاب تحمل ايدلوجيا وافدة، فالنظرية الشيوعية بدأ تطويرها والتنظير لها في اوروبا في القرن التاسع عشر وانتقلت الى السودان في اطوارها اللاحقة عن طريق الطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون بالجامعات المصرية، فالحزب الشيوعي السوداني كانت نواته من خلية من الطلاب السودانيين الدارسين بجامعة القاهرة بمصر والذين تم تجنيدهم بواسطة احد التنظيمات الشيوعية المصرية، فجميع الشيوعيين السودانيين الاوائل كانوا طلابا في الجامعات المصرية [2]. الامر نفسه ينطبق على احزاب الحركة الاسلاموية السودانية فهي امتداد لحركة الاخوان المسلمين في مصر وانتقلت الي السودان عن طريق الطلاب السودانيين بالجامعات المصرية. اما احزاب البعث السودانية فهي في الاصل عربية الفكر والمنشأ وتم استيرادها من بلاد منشأها في سوريا والعراق، والاحزاب الناصرية تم استيرادها من مصر.
تسيطر على هذه الاحزاب فكرة القائد الكاريزمي المفكر عوضاً عن قوة المؤسسة الحزبية، لذا ينشأ منتسبوها على تقديس زعاماتها وجعل كل ما يصدر عنها كانه الحق الذي لا يقبل التعديل، فنجد الشيوعية مثلا ارتبطت بنظريات ماركس ومقولات لينين حتي اصبحت الشيوعية مرادفة للماركسية اللينينية. فما انتجه ماركس يدخل في باب النظرية العلمية وينطبق عليها ما ينطبق على كل نظرية علمية، قد تفسِّر بعض الظواهر وتقصِّر في اخرى، ولكن الماركسيون جعلوا من هذه النظرية الحق الاوحد لحل مشكلة الانسان وما عداها باطل. كما نجد ان الكيانات البعثية ارتبطت بميشيل عفلق وجعلت من المبادئ التي وضعها ورفاقه في دستور الحزب لا يمكن تغييرها بتاتاً بنص الدستور البعثي [3] كأنها قرآن منزل، فاصبح ما قرره ميشيل عفلق قبل اكثر من 70 عاماً من مبادئ هو ما يعتنقه بعثيو السودان اليوم دون أي سلطة لهم في تغييره، بل ويعملون على ان يعتنقه جميع اهل السودان! وتأسست افكار اليمين الاسلاموي في السودان على رسائل وافكار حسن البنا وسيد قطب والتي وجدت طريقها للتطبيق الفعلي والكامل على السودان في الفترة من 1989م الى 2019م (تم تناول التجربة الاسلاموية السودانية بتوسع في مقال سابق [4]). فسيطرة فكرة القائد الملهم على عقلية منتسبي هذه المدرسة جعلت منهم لا يرون في نجاح الكيان السياسي الا بوجود قائد ملهم يفكر لهم ويهتدون به ويجعلون كلمته هي العليا، لذا نجدهم ينزعون لصناعة وزعماء علي نفس منوال لينين، وسيد قطب، وميشيل عفلق ويجعلون منهم مفكرين لا يأتيهم الباطل ابداً فكانت نتاج تجربتهم جلها باطل دمر السودان.
فاليسار الماركسي السوداني جعل من عبد الخالق محجوب مفكراً وزعيماً لا شبيه له، فتبعه منتسبوه حتى قادهم تناقضه بين رفض الانقلابات كوسيلة للتغيير وفي نفس الوقت عدم ممانعته في دعم الانقلابات طالما كانت تحت سيطرة حزبه، الى تورط الحزب في انقلابين عسكريين كان نتاجهما كارثياً على الحزب. فالحزب الشيوعي تحت زعامة عبد الخالق محجوب يرفض الانقلابات العسكرية وفي نفس الوقت يسمح لعضوية حزبه باختراق المؤسسة العسكرية وتكوين عناصر من ضباط الجيش الشيوعين داخلها (او ما يسمى الاقسام الثورية المسلحة في ادبيات الحزب)، فما الجدوى من ذلك اذا كان الحزب يرفض الانقلاب العسكري كوسيلة للتغيير؟! فهذا الامر مربك ومتناقض وعصي على الفهم. هذا التناقض هو ما ادى الى حدوث انقلابي مايو 1969م ويوليو 1971م الكارثيين على الحزب الشيوعي والبداية الفعلية للدمار الذي يعيشه السودان حالياً. فانقلاب مايو كان بترتيب خلية مما عرف بالضباط الاحرار المدعومين من القيادة المصرية وبموافقة عبد الخالق محجوب تحت الحاح قائدي الانقلاب جعفر نميري وفاروق حمد الله، حيث وافق تحت الحاحهم قائلاً: "أذهبوا، إذا نجحت العملية فسنؤيدكم ونقف معكم، وإن فشلت العملية، فسندافع عنكم في المحاكم" [5]، ولم يكتف بذلك بل قام بزيارة القوات الانقلابية المرابطة في خور عمر، وقام الرائد فاروق حمد الله بتنويره بالقوات [5]، اما انقلاب يوليو كان تدبيراً شيوعياً بمساندة من حزب البعث العراقي، حيث ايدته الحكومة البعثية في العراق [2]. ومما لا شك فيه وبغض النظر عن حجم الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي في هذين الانقلابين الا ان العناصر الشيوعية التي تم حقنها في جسد الجيش السوداني في الفترة من 1949م الي 1971م كان لها دور فعال فيهما. ويظهر تناقض الحزب الشيوعي ونهجه البراغماتي جلياً في بيانه الصادر بعد انقلاب مايو 1969م بساعات حيث اقر الحزب ان "ما جري صباح اليوم انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً قامت به قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح" [6]، ولكنه في نفس الوقت يسوق مبررات تنطوي على خداع للنفس وجماهير الحزب لتسند قراره " في دعم وحماية هذه السلطة (سلطة مايو الجديدة) ضد خطر الثورة المضادة" [6]، وهكذا يشارك الحزب الشيوعي في دعم وحماية انقلاب مايو بحجة قطع الطريق على قوى "الثورة المضادة" ليبرر تناقضه، ومن الواضح ان هذا البيان كان خداعاً للجماهير، فقيادة الحزب كانت تعلم مسبقاً بالانقلاب واعطت الضوء الاخضر لقادته [5]، كما تم بيانه اعلاه. وعندما فشل الحزب في السيطرة علي الانقلاب وتوجيهه وفق اهدافه، توترت العلاقة بينه وسلطة مايو وعندها "رأى عبد الخالق محجوب الأمين العام للحزب ضرورة النضال الحزبي لتطبيق الشيوعية واعلان حكم شيوعي في السودان وسانده ثلاثة من مجلس قيادة الثورة وهم من الشيوعيين" [2]، ربما كانت رؤية عبد الخالق محجوب هذه هي البداية الفعلية للتخطيط لانقلاب 1971م الفاشل الذي انتهى بإعدام عبد الخالق محجوب وانتهت معه اسطورة اقوى الاحزاب الشيوعية في المنطقة الافريقية والعربية.
وبدلاً من ان تكون تجربة اليسار الماركسي الفاشلة في السودان موعظة لكل الاحزاب السودانية نجدها فتحت الطريق لليمين الاسلاموي للمضي قدما في هذا النهج، وتكررت نفس المأساة ولكنها بصورة اكثر تدميراً محولة اكبر قطري افريقي واكثرها غناً بالثروات الى دولتين فاشلتين. فعلى غرار عبد الخالق محجوب تم صناعة حسن الترابي كزعيم ومفكر لا شبيه له، فتبعه الجميع كأنهم مسحورون او منومون الى هلاكهم ودمار السودان. فالترابي الذي تم تنصيبه مفكراً وزعيماً اوحداً للحركة الاسلاموية السودانية في الفترة (1964م - 2016م) ظل يبشر بحكم الشوري والديمقراطية بيمينه [7]، في حين كانت شماله تخطط وتتآمر للانقلاب على نظام دستوري كان هو وحزبه جزءاً منه. هذا المنهج المتناقض في التبشير بالديمقراطية جهارا والعمل التأمري سراً والذي كان قد اهلك اليسار الماركسي من قبل، بدأته الحركة الاسلاموية تحت امرة زعيمها حسن الترابي منذ العام 1977م بعد مشاركته في نظام مايو عقب ما عرف بالمصالحة الوطنية، ما اتاح له تكوين خلايا من عناصر اسلاموية داخل الجيش السوداني مكنته من تنفيذ انقلابه في يونيو 1989م، والذي قاد السودان كله الي الدمار وشطره الي قطرين. وما يحمد للترابي انه قدم اعترافات كاملة عن دوره في انقلاب 1989م وان كان ذلك بعد رحيله، بينما ظل الشيوعيون يدورون حول الحقائق فيما يتعلق بانقلابي 1969م و1971م دون ان يتحملوا مسئولية تورطهم فيها. اما احزاب البعث السودانية فقد باءت محاولاتها بالفشل في الوصول او حتى المشاركة في السلطة في السودان، حيث فشلت محاولتهم في دعم الانقلاب الشيوعي في 1971م عندما تحطمت الطائرة التي كانت تحمل مساعدات الي قادة الانقلاب ارسلها صدام حسين مع قيادي من حزب البعث السوداني في مطار جدة في 22 يوليو 1971م، كما فشلت محاولتهم الانقلابية في ابريل 1990م على النظام الاسلاموي، ولكن عضوية الحزب الموالية للعراق او سوريا ساهمت في صنع دكتاتورية صدام حسين في العراق وحافظ الاسد في سوريا، والجميع يعلم ما وصل اليه حال كل من العراق وسوريا بفضل هذين الزعمين المستبدين.
الدولة القطرية بالنسبة لكل احزاب هذه المدرسة ما هي الا حلقة من حلقات مشروعها العالمي او الاقليمي. فالحزب الشيوعي السوداني يعمل في السودان كحزب سوداني ولكنه جزء من الحركة الشيوعية العالمية ويعمل على التبشير بأيدولوجيتها رافعا شعارها العالمي " يا عمال العالم اتحدوا" الذي اطلقه منظرا الشيوعية ماركس وانجلز في كتابهما " البيان الشيوعي" الصادر عام 1848م. وكان الحزب يتلقى مساعدات ثقافية ومنح دراسية لعضويته من دول اوروبا الشيوعية اضافة الى الدعم السياسي وحتى التدريب العسكري لعضويته [8]. وكذا الحال بالنسبة للحركة الاسلاموية السودانية، فهي جزء من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، فالاسلامويون يعتبرون ان "لا وطن للمسلم الا الذي تقام فيه شريعة الله ... ولا جنسية للمسلم الا عقيدته ... ولا قرابة للمسلم الا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله ... ليست قرابة المسلم اباه، وامه واخاه، وزوجته وعشيرته، ما لم تنعقد الاصرة الاولي في الخالق فتتصل من ثم بالرحم" كما يقول سيد قطب [9, p. 138]. كما ان حزب البعث في السودان ما هو الا فرع لحزب حزب البعث العربي الاشتراكي ومنوط به تحقيق المصلحة العربية العليا وليس المصلحة السودانية، فالمادة الاولى لدستور الحزب تنص على ان: " حزب البعث العربي الاشتراكي حزب عربي شامل تؤسس له فروع في الأقطار العربية، وهو لا يعالج السياسة القطرية إلا من وجهة نظر المصلحة العربية العليا" [3]، كما يعتبر ان: " الوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ ولا يمكن لأي قطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته منعزلاً عن الآخر"[3] ، ويفرض من جانبه التعريف التالي للوطن العربي: "الوطن العربي هو هذه البقعة من الأرض التي تسكنها الأمة العربية والتي تمتد ما بين جبال طوروس وجبال بشتكويه وخليج البصرة والبحر العربي وجبال الحبشة والصحراء الكبرى والمحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط" [3]، ثم يعطي لنفسه الحق في تطبيق رؤاه العروبية في هذا الفضاء دون ان يكون لمواطني هذا الفضاء راي في هذا التعريف المفروض عليهم!
لعل اسوأ ما في احزاب هذه المدرسة انها اقصائية ومستبدة، فكل احزاب هذه المدرسة تؤمن بفكرة عقائدية تعتبرها هي الحق المبرأ من كل عيب وكل ما عداها باطل وتعمل علي اخضاع الأخرين لهذه الفكرة بكل الوسائل. لذلك نجدها دائمة النزوع الي الاستيلاء على السلطة سوى كان ذلك عبر الوسائل المدنية او عن طريق الانقلابات العسكرية لفرض فكرتها بقوة السلطان. ولم تسلم حتى المنظمات والكيانات ذات الطبيعة الخدمية مثل النقابات المهنية واتحادات الطلاب من هذا النهج السلطوي والإقصائي، حيث افرغتها هذه الاحزاب من مضامينها المطلبية المهنية والاجتماعية والخدمية، فحولتها الى ساحات للصراع الأيديولوجي والسياسي يسعى كل حزب للسيطرة عليها واخضاعها باستخدام كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة وتجييرها لخدمة مصالحه السياسية بدلاً عن اداء عملها الاساسي في خدمة الفئة التي يمثلها الكيان. فعندما تسيطر مثل هذه الاحزاب على السلطة تعمل على اخضاع كل الدولة لأيدولوجيتها والغاء كل ما عداها مما يفسد التطور الثقافي والاجتماعي والسياسي الطبيعي للدولة ويشوه جسد هويتها الوطنية بدمامل ثقافية واجتماعية وسياسية تبقى عالقة عليه ويصعب ازالتها.
لعل تجربة الاحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفيتي قبل البروسترايكا والصين والاحزاب البعثية في سوريا والعراق والحزب الاسلاموي في السودان (1989م – 2019م) وتجربة مايو والحزب الشيوعي في السودان (1969م – 1985م) خير مثال للنزعة الاقصائية والميل للانفراد بالسلطة تحت سيطرة الحزب الواحد لهذه المدرسة. فمثل هذه الاحزاب نشأت في الاصل لفرض رؤية محددة على الاخرين ولها مواقف مسبقة تجاه القضايا الوطنية نابعة من أيدولوجيتها تعمل على فرضها وليست بالضرورة ان تكون متوافقة مع مصلحة الشعب او الوطن، لذا تجدها في حرب لا هوادة فيها ضد الكل حتى تفرض رؤاها، وهذا ما جعل شعوب الاتحاد السوفيتي السابق ترفض الشيوعية مفضلة ان ينفرط عقد ذلك الاتحاد والاتجاه الى الغرب حيث تعلو قيمة الانسان وحريته فوق قيمة الايدلوجيا التي تقدسها احزاب هذه المدرسة. فتجربة هذه الاحزاب في السودان اوضحت انها لا تكترث ابدا للشعب لأنها في الاصل لم تنشأ من وسطه ولا تعكس تطلعاته بل جاءت اليه محملة بأفكارها المعدة مسبقاً والوافدة من الخارج لتفرضها فرضاً عليه متى ما وجدت الى ذلك سبيلاً، وتسبب ذلك في ان يظل السودان مسرحاً لصراع دائم وعقيم منذ استقلاله بين ايدولوجيات غريبة عنه ولا تمثل تطلعاته، ادت في نهاية الامر الى تفتيته وتدميره.
فالحزب الشيوعي السوداني مثلاً كان في فترة الستينيات يعتبر "الماركسية اللينينية هي السلاح الباتر في يد الشعوب لتنهض بحركتها الجبارة ولتزيل من مسرح التاريخ النظام الراسمالي" [10]، وهذا صراع بين الشيوعية العالمية والرأسمالية فما شان السودان وشعبه في ذلك ولماذا الزج به فيه؟ وبعد تراجع الشيوعية امام الرأسمالية، اعترف الحزب الشيوعي السوداني بانهيار النموذج السوفيتي للاشتراكية ودولة الاتحاد السوفيتي ومنظومة دول المعسكر الاشتراكي ونجاح الرأسمالية في الوقت الراهن، الا انه مازال يغالط الواقع ويجعل من الماركسية عقيدة يسعي منتسبوه "بعقل جماعي مفتوح لاستيعابها، ومن ثم للاستعانة بها لدراسة وفهم الواقع السوداني وتغييره" [11]، فالحزب الشيوعي السوداني "يهدف الي تغيير المجتمع السوداني بإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية والسير بالبلاد نحو الاشتراكية فالشيوعية" [10]، فأدبيات الحزب تجعل من ربط المجتمع السوداني بالماركسية طريقاً الي تغييره نحو التطور: "بتأسيس الحزب الشيوعي السوداني تحولت الماركسية في السودان الى حركة ثورية منظمة تسعى بالنضال الجماهيري، والعمل الفكري الدؤوب و المثابر لمعرفة خصائص الواقع السوداني لربط الماركسية به وتحقيق افكارها فيه من اجل تغييره لارتياد افاق التطور الاقتصادي والاجتماعي" [11]. وهكذا يجعل الحزب الشيوعي من الماركسية شرطاً ضرورياً للتطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان، فكيف ستحقق الماركسية في السودان ما لم تستطع تحقيقه في اي دوله اخرى حتى الان؟ فالصين مثلاً تحتكم الى الشيوعية في نظامها السياسي ولكنها لم تتطور اقتصادياً الا بعد ان تبنت نموذجاً اقرب للرأسمالية في نظامها الاقتصادي، فالماركسية اللينينية لم تنجح حتى الان في تقديم المثال النموذجي الذي يمكن الاحتذاء به.
وهذا النهج الذي يستهدف اعادة صياغة المجتمع لتحقيق اهدافه، هو نفسه الذي جعل الحركة الاسلاموية السودانية تحاول عبثاً طوال 30 عاماً تغيير المجتمع السوداني وفق مشروعها الحضاري المزعوم مع اختلاف العقيدة المرجعية لكل من الشيوعية والاسلاموية. يقول د. الترابي زعيم الحركة الاسلاموية في حوار معه كاشفاً عن هدفه في ان يجعل من السودان بلداً عربيا مسلماً خالصاً: "أن الصراع في أفريقيا صراع حضاري بين العروبة والإسلام من جهة، وبين الشرق والغرب من جهة أخرى، وإذا أصبح السودان عربيّاً مسلماً خالصاً، سيقلب موازين القوى في المنطقة" [12]، فهذا الهدف والذي عمل الترابي على تحقيقه فعلياً بانقلابه في 1989م هو ما فاقم حروب السودان الاهلية وجعله منه بلدا مهددا للأمن والسلم الدوليين ومنبوذا حتى انتهي به الامر الي الانشطار الي دولتين بائستين. وهو نفس النهج الذي جعل العقيدة البعثية ان تشكل المجتمعات في سوريا والعراق وفق رؤاها بالقوة القسرية فانتهت الى ما انتهت اليه الان ونحمد الله تعالى انها لم تجد فرصة مماثلة في السودان. واللافت ان كل مشاريع الاخضاع السلطوية هذه انتهت بتدمير او تفتيت البلدان التي طبقت فيها.
والسؤال الذي يبرز بإلحاح هو لماذا تهدر احزاب الايدلوجيا في السودان طاقاتها في محاولة تغيير الانسان واعادة صياغته وفقا لرؤاها بدلا من اعادة صياغة افكارها وفقا لتطلعات الانسان؟ فكيف يمكن الوصول لهدف "تحرير الانسان" الذي تعمل من اجله هذه الاحزاب كما تتدعي من خلال اعادة صياغته واخضاعه لسيطرتها الفكرية؟ فهل هذا تحرير ام استعباد؟ فالإنسان يحتاج ان يعيش بحرية وكرامة ورفاه، وليس من الشروط المسبقة لتحقيق ذلك ان تتم اعادة صياغته ليكون اسلاموياً او ماركسياً او بعثياً او ... الخ. فالمولي عز وجل جعل الإنسان حرا في اعتقاده الديني ومسئول عن حريته امام الله: ﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ...﴾ [13]، فباي حق اراد عبد الخالق محجوب وحسن الترابي وميشيل عفلق عبر وكلائه اخضاع السودانيين لأفكارهم التي لم تولِّد الا البؤس تحت دعاوي انقاذه او تحريره او نهضته، مستخدمين في ذلك كل الوسائل الاخلاقية وغير الاخلاقية، السلمية والعنيفة منها. فتجارب التآمر على النظم الدستورية التعددية والاستيلاء علي السلطة عنوة في مايو 1969م ويوليو 1971م ثم يونيو 1989م وأبريل 1990م والمحاولات الأخرى الفاشلة، والنزعة المتأصلة في هذه الاحزاب لإخضاع الشعب لرؤية احادية، كانت كارثية على السودان وانسانه وعلى هذه الاحزاب نفسها. فما جدوى احزاب لا تجيد الا مثل هذا الصراع العقيم والمدمر ومنهجية السيطرة على الاخر، ولماذا لا تستفيد من تجاربها وتجارب غيرها السابقة لتغيير فلسفتها ومنهجها في تعاملها مع الوطن وانسانه؟ لم اجد اجابة لهذه التساؤلات غير ان كل من هذه الاحزاب من فرط غباءه السياسي يعيش وهم انه المحور الذي يجب ان يدور في فلكه الجميع، وان ما يحمله وفقط ما يحمله من رؤي وافكار هي كل الحكمة التي تحمل في باطنها ما فيه صلاح البشرية وانقاذها من الضياع، رغم ان واقع الحال اثبت بوار وعقم هذه الافكار يمينها ويسارها.
مما لا شك فيه ان احزاب الايدلوجيا الوافدة في السودان هي احزاب النخب المثقفة والطلاب ومن نالوا حظاً من التعليم، لذلك نجدها اكثر تنظيماً في العمل السياسي ولها المقدرة على التأثير الفاعل في المشهد السياسي بما لا يتناسب مع ثقلها الجماهيري المتواضع. نأمل من هذه الاحزاب بما تملكه من قدرات وكفاءات علمية وسط منسوبيها الي اعادة قراءة عميقة لتجربتها السابقة وتجربة الحكم الوطني في السودان منذ استقلاله وحتى الآن، للخروج بمنهج جديد لحقبة جديدة من العمل السياسي في السودان، تبدأ فيها هذه الاحزاب اولاً بفك ارتباطها تماماً بتلكم الافكار الوافدة والتحرر من قوالب الايدلوجيا التي تجمدت فيها، والتي لم يجني منها السودان سوى البوار خلال اكثر من 64 عاماً من الحكم الوطني، ثم العكوف على تطوير فكر سياسي سودانوي وفق فلسفة جديدة اساسها الخضوع للإنسان السوداني وليس اخضاعه.
25 أكتوبر 2020م
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
المراجع:
[1] "فصل الطائفة عن السياسة واصلاح الديمقراطية في السودان"، بقلم: سمير محمد علي حمد، صحيفة سودانايل الالكترونية، 28 مايو 2020م.
[2] د. حسان ريكان خلف و د. عبد الستار جعيجر عبد، "الحزب الشيوعي السوداني ونشاطه في السودان حتي عام 1971م"، مجلة مداد الاداب، العدد 15، ص 307.
[3] دستور حزب البعث العربي الاشتراكي.
[4] "الاسلاموية السودانية .. ازمة القيم وفشل المشروع"، بقلم: سمير محمد علي حمد، صحيفة سودانايل الالكترونية، 11 أغسطس 2020م.
[5] "عبد الخالق الرجل النبيل والراوي"، محمد إبراهيم عرب، صحيفة الراكوبة الالكترونية.
https://www.alrakoba.net/31462669/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d9%84%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d9%88%d9%8a/
[6] "الوثيقة الملعونة: ما جرى صباح اليوم (25 مايو 1969) انقلاب عسكري"، بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم، صحيفة سودانايل الالكترونية.
[7] "الشوري والديمقراطية: اشكالات المصطلح والمفهوم"، د. حسن عبد الله الترابي، ورقة علمية قدمت بمعهد الدراسات الاستراتيجية بالخرطوم في سبتمبر 1984م.
[8] "عادل عبد العاطي والحزب الشيوعي: قوم شوف غراب جزو"، بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم، صحيفة سودانايل الالكترونية.
[9] "معالم في الطريق"، سيد قطب، دار الشروق، الطبعة السادسة، 1979م.
[10] دستور الحزب الشيوعي السوداني المجاز في المؤتمر الرابع 1967م.
[11] برنامج ودستور الحزب الشيوعي السوداني المجازين في المؤتمر الخامس، يناير 2009م. https://webcache.googleusercontent.com/search?q=cache:1ZMkoUhMDXMJ:https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp%3Faid%3D169166+&cd=5&hl=ar&ct=clnk&gl=sa&client=firefox-b-d
[12] فقه الدعوة .. ملامح وآفاق "الجزء الثاني "فقه المرحلة والانتقال من المبادئ إلى البرامج في حوار مع: الدكتور حسن عبد الله الترابي. https://www.islamweb.net/newlibrary/display_umma.php?lang=&BabId=2&ChapterId=2&BookId=219&CatId=201&startno=0


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.