والي الشمالية يتفقد انطلاقة العمل بمستشفى محمد زيادة المرجعي للأطفال بدنقلا    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مريخ الممتاز يؤدي مرانه الختامي للقاء ملوك الشمال    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم جابر ينفي خبر حل اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى الخرطوم    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    الصحفية سهيرة عبد الرحيم: (شعرت للحظة أن وزير الخارجية المصري سيهتف داخل القاعة "جيش واحد، شعب واحد" من فرطٍ حماسه في الجلسة)    شاهد بالفيديو.. والدة الفنان الراحل محمود عبد العزيز: (اتخذلت في هذا المطرب!! وكل من كانوا حول الحوت منافقون عدا واحد)    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    شاهد بالصورة.. اللاعب هاني مختار يتوشح بعلم السودان في جلسة التصوير الخاصة بناديه الأمريكي    شاهد بالفيديو.. بتواضع كبير "البرهان" يقف بسيارته في الشارع العام ليشرب عصير من الفواكه قدمه له أحد المواطنين بدنقلا    وزير الخارجية والتعاون الدولي يلتقي رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    وزارة الشباب والرياضة تواصل انفتاحها على الولايات    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    وفاة ثالث رضيع تناول حليبًا ملوّثًا بفرنسا    مشروبات طبيعية تدعم مناعتك.. روشتة حمايتك من العدوى    دراسة تربط طنين الأذن بالإنتاجية في العمل    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    جوجل تسهّل إزالة المعلومات الشخصية والتزييف العميق من نتائج البحث    "ميتا" تبني مركز بيانات بقيمة 10 مليارات دولار    إضافة علامة تبويب الإعدادات بواجهة "واتساب"    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصالحة التاريخ السوداني مع تاريخ الفكر ومصالحة الدكتور عبد الله الطيب مع إليوت .. بقلم: طاهر عمر
نشر في سودانيل يوم 11 - 03 - 2021

الارادة الالهية أم العقلانية و ارتياد الانسان لمسيرته التراجيدية المأساوية بلا قصد و لا معنى في اعتماده على نزعته الانسانية عبر تجربة الانسان و ضمير الوجود. هنا تتلاقى أفكار جون لوك الأب الشرعي لليبرالية السياسية مع أفكار توماس بين. جون لوك في مقته عدم فصل الدين عن الدولة كما مقته للإلحاد و توماس بين في مقته للكنيسة في تمسكها بالسلطة و كذلك تمسك الأسر المالكة و الاستعمار كما كانت بريطانيا في استعمارها للولايات المتحدة لذلك يجهل كثر أثر جون لوك و فضل فلسفته على تاريخ الليبرالية الأمريكية في فصلها للدين عن الدولة حيث يصبح للفرد مستويين من الاجتماع مجتمع بين الفرد و ربه بعيد عن تجار الدين و وعاظ السلاطيين و مجتمع يصترع فيه الفرد مع المجتمع مع خصوصية تاريخ أمريكا في أثر صراع الأعراق و استمراره الى لحظة خطبة مارتن لوثر في ستينيات القرن المنصرم.
جون لوك في كتابه رسالة في التسامح يحدثنا قائلا بأن لا نتحدث عن التسامح في ظل خطاب ديني فلا يمكن لأي دولة دينية أن تتحدث عن التسامح و هنا يظهر لنا استهبال النخب السودانية عندما تتحدث عن التسامح و هي خانعة لأسر أحزاب الطائفية أو سلفيين أو أتباع الحركة الاسلامية السودانية فلا يوجد تسامح أبدا في ظل خطاب ديني و هنا يغيب كليا أفق تصالح تاريخنا الأقتصادي و تاريخنا الاجتماعي مع تاريخ أفكار الشعوب الحية في تفهمها لمفهوم السلطة في ظاهرة المجتمع البشري ففي أي مجتمع بشري كانت السلطة سابقة للأديان و جاءت لحظة قد أصبح فيها الدين يلعب دور السلطة و ها هي البشرية اليوم تتخطى فكرة دولة الارادة الالهية و هي في مستوى الدولة الأمة أو الدولة الوطنية و تتهئ الآن للابحار باتجاه الدولة الحقوق في سبيل ترسيخ فكرة العيش المشترك و هنا يمكنك أن تطرح السؤال لماذا تأخرنا كثيرا في مسألة مصالحة تاريخنا السوداني مع تاريخ الأفكار عند الشعوب الحية و هو تاريخ يعتبر مختصر لتاريخ البشرية كافة رغم مماحكات عبدة النصوص و عبدة الوثيقة المقدسة من المؤرخيين السودانيين في انبهارهم بالمنهجية التاريخية؟
و الاجابة لأننا ما زلنا يسيطر على مكتبتنا السودانية فكر نتاج بحوث المنهجية التاريخية و ما زال يسيطر على رفوف مراكز بحوثنا كتّاب المنهجية التاريخية لذلك تجد من بين مفكرينا الأكثر شهرة هم من ما زالوا في وحل المنهجية التاريخية و تجد كتّاب رجال دين و الكتّاب الدبلوماسيين و العسكر في وقت فارقت فيه مراكز البحوث لما يقارب القرن المنهجية التاريخية و قد حلت محلها مدرسة الحوليات و قد غيرت ملامح مراكز البحوث و قد خلفت على أقل تقدير التفكير النقدي الذي يقود مراكز البحوث اليوم
أدم اسمث و فك ارتباط الاقتصاد بكل من الفلسفة و الدين. بالمناسبة يجب ملاحظة تزامن صدور كتاب ثروة الأم لأدم اسمث مع تاريخ استقلال أمريكا عام 1776 و الحدث الآخر في تزامنه مع صدور كتاب أدم اسمث و استقلال أمريكا هو بزوغ فجر الثورة الصناعية و هنا ينبغي ملاحظة تحول المفاهيم و هنا يكون دور الريادات الواعية في تحديد لحظات انقلاب الزمان و كيفية صياغ ما يتناسب معها من أفكار لذلك نجد أن أدم اسمث في حديثه عن اليد الخفية قد استلف هذا المصطلح من كتابات وليم شكسبير في ابداعه في مكبث حيث نجد اليد الخفية في أفكار أدم اسمث في فكرة الاقتصاد الحر و قدرته على توازنه التلقائي فاليد الخفية لأدم اسمث في فكره الاقتصادي ماهي إلا اليد الخفية لشكسبير في كتابه مكبث.
لا تستغرب ايها القارئ عندما تجد أن شارلز ديكنز في قصة مدينتين أختار لها العام 1776 لأنه عام بزوغ فجر الثورة الصناعية و عام ظهور كتاب أدم اسمث ثروة الأمم و فوق كل ذلك عام استقلال أمريكا و هنا نلاحظ علاقة الأدب بتاريخ الفكر السياسي و الاقتصادي و رصده مهم جدا في تحديد ازمنة تحول المفاهيم و كيفية الاستدلال بها على مسيرة الانسانية مثلا كثر من علماء الاجتماع يستدلون بقصيدة الأرض اليباب لتوماس استرينز إليوت على أنها تمثل آخر أشعة خروج الدين نهائيا من أن يلعب دورا بنيويا على صعد السياسة و الاجتماع و الاقتصاد فماذا تقول ايها القارئ عن تحذير الدكتور عبد الله الطيب للقراء من أشعار إليوت و التأثر بها؟.
و عندما نتحدث عن أدم اسمث و قدرة أفكاره على فك إرتباط الاقتصاد بكل من الفلسفة و الدين قطعا يتبدى لنا تأثيره على عمانويل كانط و تأثره بأفكاره في كتابه السابق على ثروة الأمم و أقصد كتاب أدم اسمث نظرية المشاعر الأخلاقية و فيها نجد نزعتها الانسانية و عقلانيتها حيث يصفها أدم اسمث بمجد العقلانية و ابداع العقل البشري و هنا نجد أدم اسمث يلتقي مع فكر جون لوك و توماس بين في مسألة فصل الدين عن الدولة و أدم اسمث في الأساس فيلسوف أخلاق و هو بأفكاره من فتح الطريق لعمانويل كانط أن يتحدث عن أن الدين يبدأ بعد حدود العقل و من هنا لم تعد الميتافيزيقا أرض معركة في فكر عمانويل كانط و انفتح الطريق للحديث عن الأخلاق.
نجاح عمانويل كانط في جسر الهوة مابين الفلسفة المثالية الالمانية مع التجريبية الانجليزية هو ما جعله يتفوق على ماركس حينما فشل في جسر الهوة ما بين المثالية الألمانية و التجريبية الانجليزية و خاصة في محاولته فيما يتعلق بنظرية القيمة لديفيد ريكاردو. لم يستطع ماركس تخطي لاهوتية و غائية و دينية الهيغلية بعكس عمانويل كانط عندما استند على أفكار كل من أدم اسمث و ديفيد هيوم. لذلك نجد عمانويل كانط و بفضل فلسفة أدم اسمث في نظرية المشاعر الأخلاقية قد وصل لفكرة أن الانسان عقلاني و أخلاقي و أن الانسانية التاريخية تنبني على الأخلاق و ليس على الدين و بالمناسبة هنا يتلاقى عمانويل كانط مع علم اجتماع منتسكيو و من فكرهم نجد ماكس فيبر قد شن هجومه و اشتد نقده للماركسية و الهيغلية و عبر هذه الأفكار نجد انتصار فكرة العقد الاجتماعي عند فلاسفته عمانويل كانط و جان جاك روسو و منتسكيو و توكفيل و آخرهم جون راولز في نظرية العدالة.
فأفكار الكانطيين الجدد في انتصارهم للعقد الاجتماعي انتصار لفكر الليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و قد أصبحت تمثل أقاصي التاريخ الذي لا يتوج. عكس أوهام الماركسية فيما يتعلق بنهاية التاريخ لذلك أيها القارئ ينبغي أن تنتبه لتاريخنا السوداني غير المتصالح مع تاريخ الأفكار للشعوب الحية بعد أن أصبح مختصر لتاريخ البشرية و لا تضللك أفكار من أدمن تعاطي الوثيقة المقدسة و أصبح في انبهاره بالمنهجية التاريخية أضخم أصنامنا الذهنية فأنه يفتقر الى التفكير النقدي و لكنه قوي بروح الشلليات و المجاملات و الأخوانيات التي ساعدت على كساد الفكر في السودان و من علامات كساد الفكر في السودان عندما يتغنى الأفندي المضاد في شتمه للبرجوازي الصغير حتى صارت البراجوزية سبة في وقت لا يمكن أن يكون أي تحول اجتماعي و تحول ديمقراطي في غياب البرجوازية الصغيرة فلم تنجح أفكار مارتن لوثر في القرن السادس عشر قرن الاصلاح الديني الا عندما تصادفت مع رغبة البرجوازية في التغيير.
العقلانية ذات دور مهم جدا في فك ارتباط الدولة كمفهوم حديث من الدين كما فك أدم اسمث ارتباط الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين. مفهوم الدولة كمفهوم حديث هو نتاج فكرة العقلانية فالعقلانية هي الأم الشرعية للدولة كمفهوم حديث مع شقيقتها العلمانية و بها يتشح الانسان التاريخي و بالعقلانية يصبح أخلاقيا يرى امكانية بناء المجتمع على الأخلاق و ليس على الدين و بالتالي لم يعد الأنسان أسير علاقة العقل و التاريخ كما انشغل فكر الهيغلية و الماركسية و قد وصلا الى غائية و لاهوتية لا تختلف عن الأديان و لهذا السبب قد أصبحت الهيغلية و الماركسية كدين بشري أفشل من الأديان في انفتاحهما على نظم شمولية بغيضة عندما كانتا في مجافاة مع فكرة الذات و الموضوع بعكس ما كانت تعتقده الهيغلية و الماركسية فيما يتعلق بمسألة العقل و التاريخ و بالتالي يصبح الخط المعاكس للهيغلية و الماركسية هو ما يتعلق بالعقلانية و الأخلاق و لا يتحقق بغير معادلة الحرية و العدالة و هنا تتبدى لنا أهمية الليبرالية السياسية و الاقتصادية.
و بالمناسبة كانت الفلسفة الفرنسية أسيرة تحت قبضة الفلسفة الألمانية و لكن بفضل فلاسفة بقامة ريموند أرون في خمسينيات القرن المنصرم و غيره من الفلاسفة الفرنسين الذين فارقوا عمى الشيوعية كأيديولوجية متحجرة مثل كلود لوفرت و قد ساعدتهم مسألة فن القرأة في فك ارتباط الفلسفة الفرنسية من هيمنة الفكر الشيوعي و بالتالي قد تلاشت أوهام سارتر عندما كان يظن بأن الشيوعية أفق لا يمكن تجاوزه فمسألة مصالحة تاريخ السودان مع تاريخ الأفكار مفهوم مهم جدا فمثلا نجد أن فرنسا قد خاضت معاركه منذ خمسينيات القرن المنصرم بل قبل قيام الحزب الشيوعي السوداني عندنا في السودان من أجل تحرير الفلسفة الفرنسية من قبضة الفلسفة الألمانية و عليه ان تحقيق مصالحة تاريخنا السوداني مع تاريخ الأفكار لدي الشعوب الحية لا يكون بغير تجاوز فكر تلاميذ يوسف فضل كمؤرخيين ما زالوا تحت نير المنهجية التاريخية و نجدهم اما في لجؤهم الى أحزاب اللجؤ الى الغيب في طائفية الأحزاب السودانية أو في لجؤهم الى نسخة متحجرة من الشيوعية السودانية.
تمرحل و تحول المفاهيم من فكرة الدولة الارادة الالهية الى فكرة الدولة الأمة التي تتهئ للدخول على فكرة الدولة الحقوق قد أخذ زمن طويل في تاريخ الشعوب الحية ابتداء من القرن السادس عشر قرن الاصلاح الديني و ما أفرزته تجربة الانسان و قد أصبحت ممر إلزامي يفضي الى الأفق الذي لا يمكن تجاوزه و هو انفتاح مسيرة الليبرالية السياسية على اللا نهاية أي فكرة أن تاريخ البشرية قد توج بالتاريخ الذي لا يتوّج فمعادلة الحرية و العدالة قد أصبحت ديناميكية المجتمع البشري في مقاربات ما يواجه مسيرة البشرية من صعاب تجابه الانسانية فيما يتعلق بالحرية و العدالة بعيدا عن فكرة نهاية التاريخ و نهاية الصراع الطبقي فزماننا زمن الفرد و العقل و الحرية و قد أصبحت فكرة الشرط الانساني أي الفكر السياسي كالعمود الفقري و عندما نتحدث عن فكرة الاقتصاد و المجتمع في نظر ماكس فيبر فلم يعد الوطن كمسألة دينية و لم تعد المجتمعات على قياس الدين بل قد أصبحت تحت ظلال الأخلاق و السيادة مستمدة من الشعب و ليس من الدين لأن المجتمع مكون من أفراد لذلك تظهر مسألة الحرية و العدالة و لا يكون كل ذلك بغير العقلانية و العلمانية كأساس لمفهوم الدولة الحديثة.
تعلق النخب السودانية بفلسفة التاريخ التقليدية و مجافاتهم لفلسفة التاريخ الحديثة التي ابتدأت منذ عام 1889 جعلهم صيد سهل في شباك أحزاب الطائفية و الحركات الاسلامية و السلفيين و نسخة الشيوعية السودانية و بالمناسبة غياب أشعة فلسفة التاريخ الحديثة من رفوف المكتبة السودانية قد أفضى للكساد الفكري المسيطر على مشهد الفكر الآن في السودان و هذا ما أدى لغياب العقلانية التي تنتج الوعي و المعنى بمفهوم الدولة الحديثة و شقيقتها العلمانية لذلك يمكننا أن نستدل على تدني مستوى وعي النخب السودانية منذ فجر مؤتمر الخريجيين و حتى لحظة قيام الأحزاب السودانية فأغلب النخب السودانية قد دخلت الى العمل العام على ضؤ فلسفة التاريخ التقليدية و على جهل تام بفلسفة التاريخ الحديثة لذلك ما زالت المماحكات فيما يتعلق بفصل الدين عن الدولة الى لحظة تعثرها بما طرحه عبد العزيز الحلو.
و هناك مؤشر آخر مهم جدا يدلك على أن النخب السودانية لم تعرف الطريق لفلسفة التاريخ الحديثة حتى لحظتنا الراهنة و هو عدم قدرة النخب السودانية لتأسيس فكر يفتح على نمط الانتاج الرأسمالي بل تجدهم الى اللحظة يتحدثون عن الديمقراطية و لكنهم لا يؤمنون بالليبرالية السياسية بل ما زال كثر منهم يتحدثون عن ثورة في الثورة على هدى أفكار ريجيس دوبريه منذ ما يزيد على نصف قرن و يتحدثون عن لينين و كوبا في أواخر خمسينيات القرن المنصرم و كأنهم لم يسمعوا بما كتبه ريجيس دوبريه بعد كتابه ثورة في الثورة أو لم يسمعوا بزوال جدار برلين و بالتالي لم يسمعوا بأن فلسفة التاريخ الحديثة قد بدأت برفض كل من الهيغلية و الماركسية بعد ما أصبحت لا تجذب غير المثقف المنخدع بماركسية ماركس.
فلا يمكن أن تتحدث عن التحول الديمقراطي و تخوضه بأحزاب وحل الفكر الديني من طائفية و سلفيين و حركة اسلامية و نسخة الشيوعية السودانية و هذا يذكرنا انتقاد منصور خالد لحقبتهم بعد فوات الأوان حيث كانت النخب في العالم العربي و الاسلامي تؤمن بأن التنمية الاقتصادية في دول العالم الثالث يمكن تحقيقها عبر نظام الحزب الواحد و تحت ميول النخب بأتجاه الفكر الاشتراكي و هيهات. فلا يمكن للشعوب في العالم الثالث أن تحقق التحول الديمقراطي بغير الوعي بنمط الانتاج الرأسمالي و تحت اشراف أحزاب تؤمن بالليبرالية السياسية و الليبرالية الاقتصادية و هذا لا يتطابق مع أوصاف أحزابنا السودانية الغارقة في وحل الفكر الديني بما فيها نسخة الشيوعية السودانية كدين بشري أفشل من أحزاب الطائفية و الحركات الاسلامية.
نظرية المشاعر الأخلاقية و فكرة النزعة الانسانية و القطيعة مع التراث التي لم تجد أذن صاغية وسط المفكرين في السودان نجدها قد إلتقطتها عبقرية الشعب السوداني فيما يتعلق بمسألة تقدم الشعب و سقوط النخب في انجاز ثورة ديسمبر عندما كان شعار عطبرة العبقري كل البلد دار فور فقد وضحت مشاعرهم الأخلاقية فيما يتعلق عن وقوفهم بجانب ضحايا الحرب التي أنتجها خطاب النخب الغارق في وحل الفكر الديني و نجده الى لحظة كتابة هذا المقال أي خطابهم الديني الذي يخلد و يأبد فلسفة التاريخ التقليدية و نجده في حوار الدولة المدنية بعلمانية محابية للأديان في محاولات محمد ابراهيم نقد و المؤالفة بين العلمانية و الدين في مجهود النور حمد و المساومة ما بين يسار سوداني رث و يمين سوداني غارق في وحل الفكر الديني للشفيع خضر أو مهادنة للطائفية و النسخة السودانية للشيوعية للحاج وراق أو لاهوت التحرير عند حيدر ابراهيم علي و كلهم تحت تأثير فلسفة التاريخ التقليدية كأنهم لم يسمعوا بفكرة زوال سحر العالم لماكس فيبر في نقده للايمان التقليدي.
زوال سحر العالم و خروج الدين حيث لم يعد كجالب لسلام العالم و فكر الكانطيين الجدد و ماكس فيبر و العقد الاجتماعي حيث يفترض عقلانية الانسان و أخلاقيته و هنا يلتقي كانط بأدم اسمث و ديفيد هيوم و ماكس فيبر في مسألة أن يصبح الدين في مستوى دين الخروج من الدين و لا يعني ذلك ترويج للإلحاد بل أن يصبح للفرد مستويين من الاجتماع حيث اجتماع ما بين الفرد و ربه دون وساطة تجار الدين و وعاظ السلاطيين و اجتماع ما بين الفرد و مجتمعه حيث يصترع فيه على أساس معادلة الحرية و العدالة.
و لا تتم مصالحة تاريخ السودان مع تاريخ فكر المجتمعات الحية إلا بعيدا عن تاريخ جوارنا الذي لم ينتج غير الدولة الريعية و لا يكون بغير ترسيخ مفهوم مجتمع بأفق لا يمكن تجاوزه في قيامه على العقلانية و النزعة الانسانية و القطيعة مع التراث و ترسيخ لفكرة معادلة الحرية و العدالة بعيدا عن كل فكر غائي لاهوتي ديني كما نجده في فكر أحزابنا السودانية في لجؤها الى الغيب أم في نسخة الشيوعية السودانية و هذه هي اللجة التي قد غرق في وحلها الأذكياء من أبناء الشعب السوداني و هنا يتضح هدفنا في مصالحة تاريخ السودان الاجتماعي و الاقتصادي مع تاريخ فكر الشعوب الحية و أقصد تاريخ فكر الليبرالية السياسية و تاريخ الفكر الاقتصادي و لا تكون المصالحة بغير رفض كل من الهيغلية و الماركسية.
ان الشيوعية كدين بشري مع النازية و الفاشية ما هي إلا ظاهرة محاولة أفكار القرون الوسطى كفكر ديني لمعاودة الظهور من جديد في اصرار عجيب لذلك نجد ان نسخة الشيوعية السودانية هي نسخة دين بشري يوازي أتباع الحركات الاسلامية و الطائفية و تجعل أتباع النسخة الشيوعية السودانية في مستوى فهم متساوي مع أتباع الطائفية و السلفيين و أتباع الحركة الاسلامية في عدم مقدرتهم على الخروج من وحل الفكر الديني و عدم مقدرتهم على مفارقة فلسفة التاريخ التقليدية.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.