ما زال البعثي فيصل محمد صالح -يكذب ويتحرى الكذب .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف    الحركة الشعبية لتحرير السودان: الموقف من مشروع لائحة مجلس شركاء الفترة الإنتقالية    مذكرات الفريق أول ركن صالح صائب الجبوري العراقي وحكاية " ما كو أوامر!" .. بقلم: الدكتور الخضر هارون    التاريخ والسرد واللاوعي السياسي.. أو ماذا فعل الطيب صالح بالمحمودين؟ .. بقلم: أحمد حسب الله الحاج    لا لن نحيد .. بقلم: ياسر فضل المولى    الحكومة هى عرقوب هذه الأمة!! .. بقلم: طه عبدالمولى    حركة/ جيش تحرير السودان تنعي الأستاذ/ محمد بركة المحامي    الذكرى السادسة لرحيل الاستاذ حسن بابكر عازف الكمان و مبدع اجمل الالحان !! .. بقلم: أمير شاهين    ما رأيكم؟! .. بقلم: كمال الهِدي    الدولة كمزرعة خاصة .. بقلم: الحاج ورّاق    دار الريح .. الزراعة هي المخرج ولكن! (2) .. بقلم: محمد التجاني عمر قش    نحو مذهب استخلافى في الترقي الروحي .. بقلم: د.صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلامية فى جامعة الخرطوم    يا حمدوك والحلو الودران خليتوهو وراكم في أمدرمان: حرية العقيدة في أصول القرآن أكثر كفاءة من العلمانية!! .. بقلم: عيسى إبراهيم    (213) حالة اصابة جديدة بفايروس كورونا و(4) حالات وفاة .. وزارة الصحة تنعي (7) اطباء توفوا نتيجة اصابتهم بفايروس كورونا    السودان: وزارة الصحة تعلن وفاة (7) أطباء في أسبوع    ترمب وديمقراطية سرجي مرجي!. بقلم: عمر عبد الله محمد علي    السودان والموارد الناضبة (2) .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    النصري في زمن الكورونا .. بقلم: كمال الهِدي    طريق السالكين للمحبة والسلام .. بقلم: نورالدين مدني    لابد من إجراءات قبل الإغلاق الكلي .. بقلم: د. النور حمد    ترامب يستثمر عيوب المسلمين .. بقلم سعيد محمد عدنان/لندن، المملكة المتحدة    وفاة(4) مواطنين إثر حادث مروري بحلفا    بيان لوزارة الداخلية حول ملابسات حادث محلية كرري    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





نظم الحكم والدستور فى فلسفة افلاطون ... بقلم: د. أمين حامد زين العابدين
نشر في سودانيل يوم 01 - 10 - 2010


USA

تعتبر الحضارة اليونانية القديمة احدي الحضارات الرائدة التي ساهمت بنصيب وافر في الانجازات الهائلة التي حققها الانسان منذ دخوله في طور التمدن في الحضارتين البابلية والمصرية القديمة. وبدأت هذه الحضارة في الظهور تدريجيا في القرن الثامن قبل الميلاد بعد الفوضي والاضطرابات التي واكبت الحضارة المينون-مايسينية في حوض بحر ايجة. ومن أبرز سمات الحضارة اليونانية نشوء المدن-الدولة التي انتظمت جميع أطرافها متمتعة بالسيادة الكاملة رغم انتماء سكانها العنصري والديني واللغوي والثقافي لحضارة واحدة. وقد نتج عن ذلك تجريب الحضارة اليونانية لكل أنواع الحكم التي توصلت اليها البشرية ، فكانت اسبارطة واثينا مهد الديمقراطية كنوع من الحكم وشهدت مدن اخري حكم الفرد المطلق والطغاة كما في سيراكيوز ، الي جانب وجود الانظمة الاوليجاركية والملكية والارستقراطية في مدن-دول يونانية أخري. وبغض النظر عن نوع الحكم في هذه المدن نشأت في معظم دول الحضارة اليونانية المؤسسات السياسية التي تمكن سكانها من ادارة شئونهم. ففي مدينة اثينا مثلا كانت سلطة سن القوانين من حق مجلس يتكون من من خمسمائة عضو يتقدم بمشاريع قوانينه الي جمعية شعبية مفتوحة لكل المواطنين الاثينيين لكي تتم اجازتها والتصديق عليها . اما السلطة التنفيذية فكانت في يد تسعة اشخاص يطلق عليهم اسم الارخونز 1 .
كذلك اتسمت الحضارة اليونانية القديمة بالنزعة الانسانية واعتبار العقل البشري المعيار الاساسي لفهم معضلات الكون والوجود الانساني وتنظيم حياة البشر ، ولعل السبب في طغيان هذه النزعة الانسانية عند قدامي اليونان يعود الي افتقارهم لكتاب مقدس يقدم تفسيرا شاملا لظاهرة الكون والحياة والمصير الانساني كالانجيل في حضارة اوروبا المسيحية والقرآن الكريم في الحضارة الاسلامية. فشحذ اليونانيون عقولهم الي أبعد مدي وتوصلوا الي نتائج باهرة في محاولاتهم للعثور علي أجوبة عن أصل الكون وفهم اسرار الطبيعة عن طريق العلم، كما استرشدوا بالعقل في ابتكار افضل النظم السياسية لحكم انفسهم استنادا علي نظام اخلاقي لضبط العلاقات بين الافراد من اجل تحقيق السعادة في المجتمعات الانسانية عن طريق القيم النبيلة مثل الخير والحق والحرية. ووصف بريكليس بأبلغ تعبير المستوي الحضاري الرفيع الذي بلغته اثينا بواسطة نظامها الديمقراطي في الخطبة التي ألقاها أثناء تشييع شهداء أثينا في بداية حرب البيلو بينزيانز في عام 430 ق.م حين قال :-
"اننا لم نقلد نظام حكومتنا من جيراننا وانما نحن القدوة والمثل لهم وليس العكس. ويطلق علي دستورنا صفة الديمقراطية لانه ليس في يد الاقلية وانما في أيدي الاغلبية. كما تؤمن قوانينا العدالة المتساوية للكل في خلافاتهم الخاصة وتكرم المواهب في كل فروع المعرفة والانجازات علي اساس جودة الاداء والتميز وليس لاي سبب آخر .وكما نتيح المجال الحر للكل في حياتنا العامة ،كذلك نتبع نفس الروح في علاقاتنا اليومية بين شخص وآخر، فنحن نؤثر الصداقة والصراحة في علاقاتنا الخاصة ونؤدي كل اعمالنا العامة في حدود القانون والنظام. فنحن نقر بقيد التبجيل والاحترام ونطيع كل من تولي السلطة كما نطيع القوانين خاصة تلك التي تكفل الحماية للمضطهدين واللوائح الغير مكتوبة والتي يؤدي انتهاكها الي جلب العار ...اما الثروة والغني فهي فرصة لنا من اجل الانجاز وليس لتحقيق صغائر الامور ، كما لانعتبر الفقر عارا لا نعترف به بل العار الحقيقي هو عدم القيام بأي جهد لازالته. فمواطنونا يهتمون بالواجبات العامة والخاصة ولايسمحون لشؤونهم المتنوعة بالتد خل في معرفتهم بشئؤون مدينتهم . ونحن نناظر ونقرر في كل شؤون السياسة عملا بالقاعدة التي تري بان كل الاعمال مصيرها الفشل اذا ما نفذت دون نقاش وجدل. فمن المشهور عنا حب المغامرة في الاعمال والتأمل والتدبير في نفس الوقت ." 2
وسنتعرض في هذا الفصل لموضوع انظمة الحكم و الدستور في فكر افلاطون في اطار أهم معالم فلسفته السياسية والمضمنة في أعماله الثلاثة الجمهورية ،السياسي والنواميس .
بالرغم من أن عنوان أشهر كتب افلاطون (الجمهورية) يوحي بانه يتناول موضوع السياسة فقط ،الا انه في الواقع يتعرض الي جانب العلوم السياسية الي الكثير من المواضيع الهامة التي تشكل جزءا اساسيا في فلسفته مثل نظرية المعرفة والميتافيزيقا والاخلاق والتعليم وفلسفة التاريخ . ويعتقد ارنست باركر ان افلاطون قد أفلح تناول هذه المواضيع في نسيج واحد متكامل مقدما بذلك فلسفة كاملة لفكر الانسان والقوانين التي تحكم هذا التفكير.3 ويوصف نيتيلشيب كتاب الجمهورية بأنه "كتاب عن الحياة البشرية وروح الانسان والطبيعة البشرية والمسألة الحقيقية فيه هي ،كما يقول افلاطون، كيف نعيش افضل انواع الحياة".4 وسنركز في نقاشنا لهذا الكتاب الهام علي تناول افلاطون لاحد اهم مظاهر الدستور وهو انظمة الحكم السياسية وافضل انواع الحكومات التي يمكن ان يعيش تحتها البشر. وأهتم افلاطون بهذا المسألة لسخطه من الاوضاع السياسية السائدة في اليونان وضيقه بالنظام الديمقراطي في وطنه اثينا الذي أعدم استاذه سقراط. فذكر في الخطاب السابع الذي يعتبر افضل سيرة ذاتية له "وقد ادركت اخيرا بان ادارة كل الدول اليونانية ،بدون استثناء، في زماننا هذا قد ساءت الي حد بعيد، وتدهورت احوال القوانين الي الدرجة التي يصعب بعدها اصلاحها الامر الذي يحتاج الي جهد خارق تصحبه ظروف جيدة لكي يحدث التغيير المطلوب."5 فلا غرابة ان نجد ان احد القضايا الاساسية في كتاب الجمهورية هو محاولة العثور علي افضل انواع الدساتير وأشكال الحكم وذلك من خلال تأسيس مدينة خيالية يمكن ان يستفيد البشر من العناصر القابلة للتحقيق فيها لكي يحسنوا من احوالهم. فالدولة ومؤسساتها هي في نظر افلاطون نتاج للعقل البشري الذي يمكن ان يساعد الانسان في تحقيق افضل النظم التي تكفل له السعادة الدنيوية. وربط افلاطون تأسيس هذه المدينة المثالية بقضية العدالة ، التي تعتبر احدي الاركان الاساسية التي لا يستغني عنها أي نظام حكم او دستور، وكانت بحق المدخل نحو تأسيس اليوتوبيا. وبما ان العدل يكمن في الفرد كاحدي الفضائل التي يتحلي بها الاخيار مثلما هو موجود في المجتمعات والدول الفاضلة كاحد صفاتها الاساسية "فيمكننا العثور علي العدالة بحجم اكبر وحروف بارزة في الكيان الاكبر مما يسهل التعرف عليها. لذلك اقترح ان نبدأ بحثنا بالمجتمع ثم الفرد بعد ذلك لنري اذا كان من الممكن العثور علي عناصر فيها شبيهة بتلك التي وجدناها في الكيان الاكبر"6
ويجدر بنا قبل ان نخوض في تفسير افلاطون لمعني العدالة وتصوره لافضل الدساتير واشكال الحكم التي تخلص الانسانية من شرور انظمة الحكم المتعارف عليها ان نعطي نبذة قصيرة عن مذهب افلاطون الفلسفي والذي كان الاساس النظري الذي استند عليه لايجاد الحلول لهذه المسائل التي يعتبرها من "اعظم وانبل الحقائق التي تفتقرالي صور خارجية لنفسها يستطيع الانسان رؤيتها بالعين7." اشتهر المذهب الافلاطوني باسم نظرية المثل او الصور وقد وصفه الفارابي في ابلغ عبارة واوجز لفظ حين قال : "..وفي كثير من اقاويله يومي ان للموجودات صورا مجردة في عالم الاله وربما يسميها المثل الالهية وانها لاتدثر ولا تفسد ولكنها باقية وان الذي يدثر ويفسد انما هذه الموجودات التي هي كائنة."8 ويمكن ان نستخلص مايرمي اليه افلاطون من مذهبه في المثل من محاولته لتعريف الفيلسوف الذي كان يري ضرورة تقلده مهام الحكم لكي يتم تحقيق المدينة المثالية علي ارض الواقع. فالفلاسفة هم قلة من البشر يتعطشون لتعلم كل انواع المعرفة ورؤية الحقيقة ويتميزون عن باقي البشر بمقدرتهم علي النظر فيما وراء الآراء المألوفة مثل الجمال والخير والعدل والتحقق من جوهرها والعلم بطبيعتها الحقيقية. فالجمال مثلا يأخذ اشكالا متعددة فنراه في الطبيعة او عند شخص معين او في عمارة تتسم بالتناسق المعماري البديع، ولكن الفيلسوف الي جانب ادراكه لهذه الاشياء الجميلة المألوفة يستطيع بثاقب بصيرته معرفة ورؤية الجمال كالاشياء التي يراها الانسان في الاحلام، اما الجمال الحقيقي فهو اشبه بنفس هذه الاشياء عندما يراها الانسان علي حقيقتها في عالم اليقظة.9
ويطلق افلاطون علي ادراك الفلاسفة لحقيقة الاشياء المألوفة اسم المعرفة، اما ادراك العوام لها فيسميه الرأي.10 ويتوصل الرأي الي معرفة الاشياء عن طريق ملكة الحس التي تختلف عن ملكة المعرفة لان ادراكه للاشياء قابل للخطأوالصواب ويقع في مرتبة بين المعرفة التي تختص بالاشياء الكائنة والجهل الذي ينتمي الي الاشياء في حالة العدم.11 فالشئ الجميل قد يكون قبيحا في نفس الوقت والعدد اربعة قد يكون ضعفا (ضعف العدد 2) ونصفا (نصف العدد 8)، والقمر والظل قد يكونا ثابتين ومتحركين في نفس الوقت، فأنت تنظر اليهما فتراهما ثابتين ولكن تدرك بعد ساعة بالمشاهدة انهما متحركان علي التدرج. اما المعرفة فتدرك بواسطة ملكة العقل الذي يتوصل عبر الجدل والمنطق الي الحقائق اليقينية الغير قابلة للخطأ.12
وحاول افلاطون تقريب مقاصد فلسفته الي الاذهان باستخدام سلسلة من التشبيهات : الشمس،الخط المقسم والتي وصلت القمة في تشبيه الكهف الشهير.13 فيطلب من قارئه في التشبيه الاخير ان يتخيل بعض الاشخاص الذين يعيشون في كهف منذ طفولتهم مقيدي الارجل والاعناق لكيلا يلتفتوا ورائهم. وخلف هؤلاء السجناء توجد نار مشتعلة في مكان عالي وبين النار والسجناء اشخاص يعرضون تماثيل لبشر وحيوانات مصنوعة من من الخشب والحجارة ويتحدثون فيما بينهم. وعندما يري سجناء الكهف صور هذه التماثيل التي انعكست في الحائط الذي امامهم ويسمعون اصوات الاشخاص الذين يعرضونها ، يترسخ لديهم الاعتقاد بأن هذه الصور المعكوسة هي كل الحقيقة وان الاصوات التي يسمعونها صادرة منهم. واذا ماقدر لاحد هؤلاء السجناء الصعود من الكهف الي الخارج فسيجد في البداية صعوبة في تمييز الاشياء الطبيعية نسبة لضوء الشمس الساطع، الا ان بصره يتكيف بعد برهة مع الضوء ويستطيع بعدها ان يري بسهولة البشر والحيوانات والاشجار كما هي في الطبيعة والواقع ويتنبه الي ان ما كان يراه ورفاقه في الكهف ماهو الا وهم وظلال باهتة ومزيفة للحقيقة التي يشاهدها في العالم الخارجي.
فالفيلسوف في تفسير افلاطون لهذا التشبيه الرمزي مثل السجين الذي خرج من الكهف وشاهد عالم الحقيقة في العالم الخارجي، وصعودالسجين من الكهف الي اعلا ماهو الا رحلة عقل الفيلسوف العلوية الي مراقي عالم العقليات والذكاء.14 ومثلما يجد ابن الكهف الذي صعد الي اعلا صعوبة في تأقلم بصره لظلام الكهف اذا ماعاد اليه مرة اخري وصعوبة في رؤية الاشباح وظلال الصور التي كان يراها من قبل مع رفاقه السجناء "فليس من المستغرب ان يبدو المرء الذي شاهد الحقيقة الباهرة عن طريق التأمل الفلسفي ساذجا وغبيا اذا ماعاد الي عالم الحياة الانسانية اليومية بمتاعبها ويجبر، قبل ان يتأقلم بصره علي الظلام المحيط به،علي الذهاب الي المحاكم القضائية ليجادل حول ظلال العدالة او الصور المختلفة التى تعكس هذه الظلال ويناقش ويتنازع مع العوام الذين لم يحظوا بمشاهدة جوهر العدالة الطبيعية كمثال مجرد،حول ارائهم ومفاهيمهم عن العدالة والحقوق"15 وعندما يعود الفيلسوف الذي بهرته الحقيقة الساطعة التي شاهدها عن طريق التأمل الفلسفي ، الي عالم الحياة اليومي ويتأقلم بصره علي الظلام "فسيكون بصره اكثر حدة وتميزا من الذين عاشوا طول عمرهم بدون ان يمروا بتجربة التأمل الفلسفي ويتعرف علي ظلال الصور الباهتة وماتمثله لانه شاهد العدل الحقيقي والخير الحقيقي.16
فما هي آراء العوام حول معني العدالة والتي تشبه ظلال الحقيقة الباهتة التي يشاهدها السجناء في كهفهم وتختلف عن المعني الحقيقي لها؟ يعرض افلاطون هذه الاراء في مستهل المحاورة وذلك عبر اراء السوفسطائيين ،والذين يعتبرهم خير معبر عن اراء العوام لان الجمهور يعتبر من اكبر السوفسطائيين.17 فالعدالة عندهم تارة تسديد ماعلي المرء من ديون 18،وتارة اخري اعطاء كل ذي حق الحق الذي يستحقه وذلك بالحاق الضرر بالعدو واسباغ الخير علي الاصدقاء.19 وفند سقراط،وهو المتحدث الرئيسي في محاورة الجمهورية والذي يعبر عن اراء افلاطون،التعريف الاخير بعدة حجج منها ان الحاق الاذي بالانسان يؤدي الي الانحطاط بأسمي مزاياه والتي هي العدالة ويفضي الي نقيضها وهو الظلم ،وبما ان الطبيب يوظف مهارته للعلاج والمدرس للتربية وتهذيب الاخلاق كما توظف النار لتسخين الاشياء وليس لتبريدها فمن الاجدر بالرجل الخير الذي يتجسد فيه العدل ألا يؤذي انسانا سواء ان كان صديقه ام عدوه لان الحاق الضرر يؤدي الي الظلم الدي هو ابعد الاشياء عن وظيفة الرجل العادل.20
ودفع تفنيد هذه التعريفات باالسوفسطائي سراثيماخوس الي تقديم تعريف آخر لمعني العدالة . فالعدالة في نظره هي كل ماكان في مصلحة الطرف الاقوي لان الحكام وأنظمة الحكم المختلفة يضعون التشريعات والقوانين التي تصون مصالحهم وتستوجب طاعة الجمهور لها ومعاقبة كل من يخرقها او يعتدي عليها .وفند سقراط هذا الرأي بحجة ان المهني الماهر لايهتم بمصلحته او مصلحة المهنة وانما يراعي في المقام الاول مصلحة موضوع مهنته فالطبيب مثلا تهمه مصلحة المريض وربان السفينة يضع مصلحة الركاب في المقام الاول .فاذا كان اصحاب المهن يهتمون بمصلحة كل مايقع تحت دائرة اختصاص مهنهم والتي تكون في الوضع الاضعف بالمقارنة معهم،فمن الاجدر بالحكام الاقوياء والذين يهتمون بمصلحتهم فقط كما يعتقد سراثيماخوس ،رعاية مصالح المواطنين الضعفاء الذين يحكمونهم21 . ويتضح من رد سقراط لدحض مقولة سيادة الاقوي ورعايته لمصلحته علي حساب الضعفاء محاولته شرح الاحوال في المعاملات بين البشركما ينبغي ان تكون عليه،اي رعاية الحكام لمصالح مواطنيهم ،وليست لما هي كائنة عليه في معترك الحياة اليومية. وانتبه سيراثيماخوس لذلك فوصم سقراط بالسذاجة لان المراقب الدقيق لما يدور في المعاملات المدنية بين البشر يجد العديد من الادلة التي توضح الخسران الذي يصيب من يحرص علي توخي العدل في المعاملات التجارية ،والكسب الذي يجنيه ابعد الناس عن العدل، كما ان الظلم يحيق دائما بالبسطاء الذين يعتقدون بأنهم يحققون العدالة بخدمة مصلحة الحاكم القوي والعمل علي اسعاده علي حساب راحتهم وسعادتهم22. فالظالمون حريصون علي ان لايصيبهم الظلم ولكنهم يرتكبونه للحفاظ علي مصالحهم الامر الذي يؤكد صدق تعريفه للعدالة بأنها تحقيق مصلحة الاقوي.
وازاء هذا المفهوم السوفسطائي الذي يزين الظلم ويجعل من يرتكبه سعيدا ولايري في العدل سوي جلب التعاسة لمن يتنكب طريقه يرد سقراط بحجة طويلة مفادها ان العادل اكثر حكمة من الظالم كما هو اشد منعة وأوفر سعادة. ويثبت النقطة الاخيرة ،اي ان العدل يجلب السعادة للانسان العادل، بواسطة فكرة الوظيفة المحددة التي تلعب دورا هاما في معظم ارائه الاخلاقية وخاصة في تعريفه للمعني الصحيح للعدالة. فكل شئ له وظيفة محددة وامتياز يتسم به،فالعين وظيفتها البصر وميزتها الخاصة جودة البصر وحدته، اما الاذن فوظيفتها السمع الذي تؤديه علي اكمل وجه اذا ما اتصفت بحسن السماع. واذا ما جردت أي من هذه الاشياء من ميزتها الخاصة التي تكفل لها حسن الاداء ،تعثرت في اداء وظيفتها وادائها علي اسوأ الوجوه.اما الانسان ككل فأهم مايتميز به العقل الذي يسيطر علي كل اعضاء الجسم لكي تحسن اداء مهامها ويقوم بالتفكير ويهب الحياة نفسها للانسان. وبما ان العدل هو من انبل المزايا التي التي يتصف بها العقل وتسمح له بأداء وظيفته علي اكمل الوجوه ، فان الرجل العادل والذي تغمر العدالة عقله ووجدانه ، يعيش حياة هانئة سعيدة بعكس الظالم الذي جرد عقله من اهم مزاياه اي العدل الذي يكون به كمال عقل اي انسان ،الامر الذي يجعله يعيش حياة بؤس وشقاء23.
وبالرغم من المنطق الرصين الذي اتسم به رد افلاطون لد حض حجة ان القوة اكبر من الحق وان الانسان العادل هو ابعد الناس عن السعادة،الا انه لم يقنع السوفسطائي غلوكون الذي اعتقد ان سيراثيماخوس لم يوفق في تقديم حجته بطريقة حسنة.فحاول غلوكون ايجاد تفسير لمعني العدالة عن طريق تقصي اصولها وطبيعتها.ففي بداية تكون المجتمعات البشرية ساد مبدأ البقاء للاصلح حيث كان معظم الناس يحرصون علي ظلم الاخرين والحاق الاذي بهم مع الحرص علي تجنب هذا المصير، ولكن بعد ان برهنت لهم التجربة مثالب الفوضي والعنف وصعوبة تلافيه في ذلك الوضع، قرروا الدخول في عقد يلزم كا امرئ بعدم الاعتداء علي اي شخص فسنوا القوانين لمعاقبة المعتدين والظالمين وليضمن كل انسان عدم وقوع اي اعتداء عليه. فهذه هي طبيعة العدالة التي "بين ماهو مرغوب ، اي ارتكاب الظلم وتجنب العقاب، وما هو مكروه وهو معاناة الظلم مع عدم وجود القدرة علي رده"24 . فالعدالة في نظر غلوكون هي شئ مصطنع وغير طبيعي ونتاج للقوانين التى حتمت ظروف العنف السائد سنها لكي تنشر العدالة وتصونها. فالانسان بطبعه يحب ان يحوز علي ممتلكات الغيرمتي ما سنحت فرصة عدم كشفه وتأكد من عدم تعرضه للعقاب، الا ان وجود القوانين وخوف الانسان من التعرض للعقاب اذا ما انكشف امره وهو يعتدي علي ممتلكات الاخرين يجبره علي توخي العدل والتصرف ضد ارادته وطبيعته البشرية اذا ماتركت علي سجيتها ورفعت القوانين التي تقيدها ولاندفعت دون وازع لتحقيق مصلحتها ولو بالاعتداء لكي تستولي علي ممتلكات الغير.
ونلاحظ في محاولة غلوكون للتعرف علي طبيعة العدالة وتقصي اصولها جذور نظرية العقد الاجتماعي التي احتلت مكانا بارزا في الفكر السياسي للعديد من فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشرفي اوروبا مثل هوبز ولوك وجان جاك روسو، وكذلك نلمس اثرا واضحا لرأي غلوكون بأن العدالة غير طبيعية في فلسفة هيوم السياسية والاخلاقية. فبينما توصل غلوكون الي ان العدالة فضيلة مصطنعة بحجة ان أي امرئ ،خاصة الرجل الذي اشتهر بالعدل، لن يتواني في الاستيلاء علي ممتلكات الغير متي ماسنحت له الفرصة بمأمن عن اعين الرقباء، حاول هيوم اثبات ان العدالة فضيلة غير طبيعية بقوله انه اذا ما توفرت في المجتمعات كل ضروريات الحياة وكمالياتها من غذاء وملبس ومسكن مثل توفر الماء والهواء الذي يكفي كل البشر، ولم يحتاج السكان الي امتلاك اي شئ لتيقنهم من وجودها والاستفادة منها متي ما احتاجوا اليها دون ان يكون هناك ضررلأي شخص، صارت العدالة عديمة الفائدة ولن يكون لها أي وجود "او مكان في كاتالوج الفضائل"25 . وحتي اذا افترضنا ان العدالة فضيلة غير طبيعية، وهو عكس مايراه افلاطون ، فان ذلك لايقلل من قدرها ويحط من شأنها كما يعتقد السوفسطائيين لان المحك لجودة اي من النزعات الانسانية وأهوائها او ردائتها ليس كونها طبيعية ،فاالحسد كما يقول الغزالي "يكاد يكون طبيعة في النفوس وان الامل في السلامة منه بالكلية بعيد" 26 وهو من الرذائل ، ومروءة الوالد لانقاذ ابنه من كارثة محققة حتي لو أدي انقاذ الطفل لهلاكه المحتم ، نزعة نفسية طبيعية وتعتبر من انبل الفضائل اي فضيلة التضحية ونكران الذات.
وبعد ان أصر السوفسطائيين علي تفسيرهم للعدالة كقوانين عرفية يضعها الاقوياء واالحكام لصيانة مصالحهم والسيطرة علي بقية المواطنين، اضطر افلاطون، وللاسباب التي ذكرناها فيما سبق، الي تأسيس مدينته الفاضلة لكي يعثر علي المعني الحقيقي للعدالة 27 . كما كانت هناك دوافع اخري حدت بافلاطون الي تأسيس اليوتوبيا مثل استيائه من النظم السياسية التي توصلت اليها دول اليونان في عصره ومحاولته لاعادة تنظيم المجتمع علي اسس دستور ونظام سياسي جديد يتجاوز الاخطاء والشرور التي وقعت فيها تلك النظم. ورأينا اعتماد السوفسطائيين في محاولاتهم لتوضيح مثالب العدالة والمزايا والفوائد التي يجنيها الظالم ، علي حجة سعي معظم الحكام في الدول اليونانية للظفر بالسلطة السياسية من اجل استغلال ثروات الدولة لتحقيق منافعهم الخاصة العاجلة الامر الذي يوضح سيادة النزعة الانانية في ذلك العصر والتي حاول افلاطون في مشروعه الاصلاحي عبر مدينته الفاضلة استئصالها من مجتمع تلك المدينة.
بدأ افلاطون تأسيس المدينة بتقديم لمحة سريعة تستند علي الاستقراء المنطقي عن كيفية انتقال المجتمعات البدائية البسيطة الي طور ارقي في سلم التطور الاجتماعي . فنتيجة للتطور الطبيعي للمجتمعات يستهدي الانسان بواسطة العقل الي ضرورة الاجتماع لشعور كل فرد في المجتمع باستحالة الاكتفاء ذاتيا واهمية التعاون لتبادل المنافع والاشياء التي يفتقدها خاصة وان لبعض الاشخاص استعداد فطري وملكة فائقة لاتقان بعض الاعمال(الزراعة والحرف اليدوية) التى يفتقدها الاخرين الذين قد تكون لهم مهارة فائقة في مجالات اخري تعود بالفائدة لبقية المجتمع28 . وكلما تطور المجتمع وازدهراقتصاديا برزت الحاجة الي استخدام النقود ونشأت طبقة التجار وحركة التصدير والاستيراد الامر الذي يؤدي الي مزيد من تقسيم العمل وظهور الكماليات التي لم تكن هناك حاجة اليها اثناء فترة البساطة. واذا مازاد عدد سكان مجتمعات مجاورة وصلت نفس الطور من الرقي الاجتماعي و حاولت احدى هذه المجتمعات توسيع رقعة اراضيها على حساب جيرانهم ادى ذلك الي نشوب الحروب 29 الإمر الذي يستدعي انشاء طبقة من المحاربين و الجنود المحترفين تكون مهمتهم الدفاع عن اراضي بلادهم و حماية مكتسباتها الحضرية 30. و بعد انقسام المجتمع الى طبقات المزارعين و ارباب الحرف و الصناعات و التجار نتيجة للتوسع الإقتصادي، يواصل افلاطون منهجه الطبقي في تأسيس مدينته فيجعل للطبقة العسكرية و التي اسمى افرادها بالحراس مكانا بارزا في المدينة الفاضلة ، و يشترط اختيار اعضائها من الاشخاص الذين يجب ان يكون لديهم الإستعدلد الفطري للوفاء بمتطلبات العمل العسكري من لياقة بدنية جيدة و شجاعة فائقة. و يحرص افلاطون على ان يوظف الجند روح التحدي و الإقدام على اداء الدولة فقط و لا يوجهونها ضد زملائهم مواطني المدينة الفاضلة الذين يجب ان يأخذوهم بالرفق و اللين. فيجب ان يكون الجند مثل كلب الحراسة الذي يفلح الى حد كبير في التوفيق بين النزعة الشرسة في نفسه و التي يوظفها ضد الغرباء و نزعة الرقة و البشاشة التي يقابل بها سيده و كل من يعرفه 31.
و يخضع المواطنون الذين تم تجنيدهم في سلك الجندية الى برنامج تربوي و تعليمي دقيق يهدف الى تهذيب نفوسهم و ذلك بتعليمهم الموسيقى و تنمية روح الشجاعة فيهم و تحسين لياقتهم البدنية و ذلك بتدريبهم على الألعاب الرياضية الشاقة32 . و الى جانب طبقة المهن الإقتصادية و الطبقة العسكرية، توجد في المدينة طبقة ثالثة و هي طبقة الحكام الذين يشترط ان يكونوا فلاسفة و يتم اختيارهم من بين الأشخاص الذين ابدوا نبوغا في التفكير الفلسفي و المؤسسة العسكرية. فعند بلوغ هؤلاء سن الخامسة و الثلاثين يبدأ تعليمهم دراسات معمقة في الفلسفة تستمر الى بلوغهم سن الخمسين لترقية ملكاتهم الذهنية لكي تتوفر لهم معرفة السبل الى التأمل الفلسفي العميق الذي يمكنهم من التميز بين ظلال الحقيقة الباهتة و الحقيقة ذاتها التي سيعرفون بمقتضاها "العدل الحقيقي و الجمال الحقيقي و الخير الحقيقي"33 فالعلم و المعرفة هي صنو النظام الإخلاقي الرفيع الذي تفتقده النظم السياسية السائدة ، و بما ان المعرفة تتجسد في الفيلسوف ، فهو اجدر الأشخاص في نظر افلاطون لتولي مقاليد الحكم "لكي تسلم المدن و الجنس البشري من الشرور و تبرز مدينتنا المثالية في حيز الوجود34" .
وينسجم هذا مع المكانة الرفيعة التي يعطيها افلاطون للعقل البشري في تنظيم حياة البشر علي اسس عقلانية لكي يتم للانسانية تحقيق ما تصبوا اليه من الخير والسعادة. ولم يكن لافلاطون اي تحفظات لدي تقلد المرأة لمهام الحكم متي مأبدت اي من النساء قدر عال من النبوغ والذكاء ومقدرة وكفاءة للانخراط في العمل السياسي. فقد كان افلاطون من اوائل المفكرين الذين ثاروا علي الوضع المزري للمرأة في المجتمع اليوناني الذي لم يسمح لها بمزاولة اي نوع من الاعمال سوي تربية الاطفال ورعاية شؤون المنزل . فعدا تفوق الرجل في القدرة الجسمانيةعلي المرأة ، يري افلاطون عدم وجود اي فرق بين الرجل والمرأة في المقدرات العقلية ، بل تتفوق بعض النساء علي بعض الرجال في الفطنة والذكاء. كما ان حرمان المرأة من مشاركة الرجل في جميع المعاملات السياسية والاجتماعيةوالاقتصادية فيه اهدار لنصف طاقة المجتمع الامر الذي يستوجب تحريرها والسماح لها بالخروج من المنزل والاسهام في ترقية المجتمع الي جانب الرجل35. ولكي تتفرغ النساء اللائي تم استيعابهن في الطبقة العسكرية وطبقة الحكام والفلاسفة لاداء وظائفهم في المجتمع يجب عدم تقييدهن بالارتباط بزوج واحد فقط في المدينة المثالية، بل يمكن لاكثر من شخص من طبقة الحكام ، عبر زواج سنوي تحت اشراف الدولة ، الاقتران بأي امرأة تنتمي الي تلك الطبقة، وتكلف الدولة بعض المرضعات لتربية الاطفال الذين يولدون نتيجة لتلك الزيجات السنوية 36الي جانب شيوعية المرأة والاطفال لدي الطبقة الحاكمة في المدينة المثالية حرم افراد هذه الطبقة ايضا من امتلاك اي شئ من المقتنيات كالارض والمنزل والذهب او النقود 37. وكان هدف افلاطون من تحريم الطبقة الحاكمة من اقتناء الممتلكات ومشاركتهم في الزوجات والاطفال استئصال نزعة حب التملك والتي تجد مجالها في الملكية الخاصة والغيرة علي الزوجات ، من نفوسهم الامر الذي يجعلهم يركزون كل جهودهم في خدمة ورعاية مصالح مواطني الدولة بدلا من الاهتمام بمصالحهم الخاصة وتسخير السلطة لتحقيق منافعهم 38 .
فكيف توصل افلاطون للعثور علي ضالته بالحروف الكبيرة 39 بعد ان فرغ من تأسيس مدينته الفاضلة والي اي مدي ساعده هذا المنهج في التعرف علي معني االعدالة في الفرد؟ لا تنفصم الاخلاق عن السياسة في فكر افلاطون ، فمن الطبيعي في رأيه ان تتجسد امهات الفضائل ، وهي الحكمة واالشجاعة والعفة والعدالة في المدينة المثالية التي أسسها ففضيلة الحكمة توجد في الفلاسفة الحكام الذين يدبرون شؤون الدولة، والشجاعة هي الفضيلة الرئيسية لدي افراد الطبقة العسكرية التي تتولي مهام الدفاع عن الدولة ، اما فضيلة العفة ، فرغم اهميتها لكل افراد المجتمع ، الا انها الفضيلة الاساسية للافراد الذين ينتمون الي طبقة المهن الاقتصادية مثل التجار والمزارعين لانهم اكثر حاجة اليها . فاذا ماتم بذلك التعرف علي مواقع هذه الفضائل الثلاثة في الدولة، تبقت الفضيلة الرابعة وهي العدالة والتي يري افلاطون ان حدها يكمن في مبدأ تم ترسيخه في بداية تأسيس المدينة المثالية وهو ان يقوم كل فرد في المجتمع بأداء الوظيفة التي له الاستعداد الفطري لتجويدها، فمن وهب حدة الذكاء عليه القيام بأعباء الحكم والرئاسة ولايتدخل في اعمال المتخصصين في الفلاحة والتجارة والصناعات الاخري، كما ينطبق الامر علي اصحاب هذه المهن الاخيرة. فالعدالة هي" التركيز علي الشؤون التي تخصصت فيها وعدم التدخل في شؤون الاخرين.
فاذا كان هذا هو المعني الحقيقي للعدالة الذي اتضح بحروف كبيرة بعد ان تم تأسيس المدينة المثالية ، فما هي العناصر الموجودة في الفرد والمشابهة لتلك التي وجدت في الدولة والتي يمكن بواسطتها تعريف العدالة في الفرد علي نفس النسق؟ يرتكز تفسير افلاطون لمعني العدالة في الفرد علي معتقده في طبيعة النفس الانسانية. فالنفس في رأيه تنقسم الي ثلاثة اجزاء هي القوة الشهوية التي يحقق الانسان بواسطتها رغباته والقوة العقلية التي يفكر بها الانسان ويتعلم الاشياء ، وتتوسط هذه القوي القوة الغضبية التي تدفع الانسان الي خوض المعارك دفاعا عن شرفه وتعتبر حليفة للقوة العقلية "فعندما تحتدم المعركة في النفس الانسانية بين العقل والشهوة ، تقف القوة الغضبية الي جانب العقل"41 . وتمثل هذه القوي الثلاثة في النفس البشرية الطبقات الاساسية التي ترتكز عليها المدينة المثالية: فالعقل يشبه طبقة الحكام الفلاسفة والقوة الغضبية تمثل الطبقة العسكرية حيث تسود هذه النزعة وسط افرادها لكي يكونوا شجعانا ، كما تمثل القوة الشهوية افراد الطبقة الاقتصادية مثل التجار والمزارعين وارباب الصناعات الذين ينتجون ما يلبي رغبات المجتمع وحاجاته المعيشية.
فاذا كانت العدالة في الدولة تعني بأن يؤدي كل من افراد الطبقات الثلاثة الدور المحدد له في المجتمع ، يكون معني العدالة في الفرد هو ان تؤدي كل من قوي النفس الثلاثة الدور المنوط بها وذلك بان تخضع كل من القوتين الشهوية والغضبية لسيادة العقل الذي يرشدهما الي اداء الوظائف المحددة لهم بطريقة منتظمة حتي يتحقق الانسجام داخل النفس 42 . اما نقيض العدالة ،اي الظلم، فينشأ حين يرضخ الانسان للقوة الشهوية فيصير سلس القياد في طلب اللذات فيجعل بذلك المخدوم خادما والخادم مخدوما الامر الذي يؤدي الي هلاك النفس 43 . فالعدالة اذن في نظر افلاطون ليست شئ خارجي تم تلفيقه واختراعه نتيجة لظروف معينة تتعرض لها المجتمعات الانسانية اثناء تطورها ، كما يعتقد السوفسطائي غلوكون ، وانما فضيلة داخلية تكمن في النفس البشرية منذ الازل ويكون بها كمال الشخصية الانسانية. فجوهر العدالة طبيعي كما تبدو كمثال مجرد للفيلسوف الذي استضاء بنور العلم والتأمل الفلسفي العميق ، وما اراء السوفسطائئين وعامة الناس عنها الا ظلال باهتة لحقيقتها وجوهرها الطبيعي44 .
وجه افلاطون اهتمامه بعد فراغه من تأسيس المدينة الفاضلة وتعرفه علي المعني الحقيقي للعدالة الي مسألة اشكال الحكم الدستورية وتفسير كيفية ابتعاد النظم السياسية التي توصلت اليها المجتمعات اليونانية في عصره عن النظام السياسي الكامل الذي تتجسد فيه العدالة والذي تمثله المدينة. ولكن هل كان يعتقد افلاطون بأن هذه المدينة التي ارسي قواعدها نظريا قابلة للتحقيق علي ارض الواقع ؟ رغم وجود بعض العناصر في المدينة المثالية التي يمكن اقتباسها لاصلاح بعض النظم السياسية الموجودة في الواقع ،مثل ضرورة ان يكون الحاكم فيلسوفا في النظام الملكي الدستوري ، الا ان الكثير من مظاهرها مثل مشاعية الزوجات والاطفال وتحريم الحكام من الملكية الخاصة تستدعي تغيير جذري في الطبيعة الانسانية يصعب علي الانسان القيام به . ويبدو ان هذه المدينة المثالية في نظر افلاطون هي المثال المجرد للنظام السياسي الكامل ، فعندما يتشكك غلوكون في امكانية تحقيقها ووجودها يرد افلاطون علي لسان سقراط "ربما تكون معلقة في المكان الاعلي كمثال حيث يمكن رؤيتها لمن يريد ان يشاهدها ويؤسسها في قلبه ووجدانه ، فليس المهم ان تكون موجودة او ستوجد في المستقبل 46 ". كذلك نوه منذ البداية ان الهدف الاساسي لكتابه هو البحث عن طبيعة العدالة وان تأسيس المدينة المثالية ما هو الا وسيلة للوصول الي ذلك الهدف وليست موضوع الكتاب الرئيسي47 . كما ذكر افلاطون في مكان اخربان احد اهداف البحث في طبيعة العدالة المطلقة هو الحصول علي مثال يمكن اتخاذه كمعيار للحكم علي الاوضاع الحقيقية في الحياة 48.
ويري افلاطون ان اقرب النظم السياسية في عالم الواقع الي مدينته الفاضلة هو النظام الملكي ، حيث يكون الملك فيلسوفا ، و الارستقراطي حيث يتولي شؤون الحكم نخبة قليلة من الحكام الذين تمت تربيتهم علي مبادئ فلسفية اشبه بتلك التربية الفلسفية التي تدرسها طبقة الحكام في المدينة الفاضلة لفترة زمنية محددة49 . ويلاحظ ان افلاطون يقصر تولي السلطة السياسية علي قلة من الافراد في المجتمع هم اولئك الذين وهبوا حدة فائقة في الذكاء وذلك لايمانه بالتفاوت الطبيعي في الذكاء بين البشر واهمية اراء اهل الفطنة والخبرة حتي ولو كانت مخالفة لرأي اغلبية المواطنين. ولعله قد تأثر بأستاذه سقراط الذي نجده ينصح اصدقائه في محاورة كريتو بأن يهتموا بأراء المتخصصين ، فاذا عرضت عليهم مسألة تختص بأجسادهم فعليهم قبول رأي الطبيب المتخصص وتجاهل اراء الاغلبية الذين ليس لهم اي معرفة بعلل الجسم والا "تعرضت اجسادنا للتهلكة اذا ماأخذنا برأي و نصيحة الاكثرية" 50 . وقد دفع تعصب افلاطون الي احقية صفوة الاذكياء وحدهم لحكم الدولة وتجاهله لمبدأ المساواة في الفرصة لتولي الزعامة السياسية الكاتب المعاصر كروسمان الي اتهامه بالدعوة الي دكتاتورية الرجل الفاضل 51، كما اتهمه الفيلسوف كارل بوبر بمناهضته للفكر الليبرالي وطغيان نزعة الحكم الشمولي المطلق في افكاره52. الا ان القراءة الفاحصة الدقيقة لكتاب الجمهورية توضح ان افلاطون قد كان ابعد الناس عن الدعوة لحكم الطغاة المطلق الذي شن عليه هجوما عنيفا ويعتبره اردأ انواع الحكم .
وفند ارنست باركر حجة طغيان النزعة الديكتاتورية في حكم الملك-الفيلسوف حين قال: "قد يكون حكم الفيلسوف متحررا من القانون المكتوب الا انه مقيد بما يمكن ان نسميه المواد الاساسية للدستور, فلا يمكن للفيلسوف ان يغير شكل الدولة حسب مزاجه بل عليه المحافظة عليها كما تنص المبادئ الاساسية الاربعة التي اوردها افلاطون وهي: ان يحرص الحكام علي عدم تسرب الفقر او الثراء الي الدولة. كما يجب عليهم ان يحددوا حجم الدولة والمحافظة علي وحدتها وجعلها مكتفية ذاتيا. ويجب علي الحكام ايضا مراعاة سيادة حكم العدالة وان يتأكدوا بان كل مواطن يؤدي الوظيفة الملقاة علي عاتقه فقط. اما المبدأ الرابع فهو تأكد الحكام من عدم ادخال اي بدع علي النظام التعليمي لان اي تغيير في الانماط الموسيقية مثلا قد يؤدي تلقائيا الي تغيير في قوانين الدولة الاساسية. وهكذا نجد افلاطون الذي كان امينا للافكار اليونانية يسعي الي جعل الفلاسفة- الملوك خدما للنظام الاجتماعي الذي لايتغير53.
اما النظم السياسية الفاسدة التي تخلف بعضها الاخر بسبب هجرها لمبدأ سيادة حكم العقل وابتعاده تدريجيا عن الشكل الدستوري المثالي فهي النظام التيموقراطي والاوليجاركي، الديمقراطي والاستبدادي أو الديكتاتوري . ويعتبر النظام التيموقراطي اول نتاج للفساد والذي يعتري الدولة المثالية وذلك عندما تسود نزعة الشجاعة وحفظ الشرف علي القوة العقلية فيحل العسكر محل الفلاسفة في ادارة شؤون الدولة التي يصبح هدفها الاساسي التوسع وتحقيق الانتصارات العسكرية لتبدأ اول اعراض اختلال التوازن الذي يؤدي انسجامه الي تحقيق العدل في المدينة الفاضلة. اما الشكل الدستوري الذي يعرف بالاوليجاركية فيبرز الي حيز الوجود عندما تقوي شوكة التجار واصحاب المال في النظام التيموقراطي الي ان تؤول اليهم السلطة السياسية فيصبح هاجس الطبقة الحاكمة الاساسي هو تكديس الثروة وجمع المال دون اعتبار لاحوال بقية المواطنين المعيشية فتزداد الهوة بين الثراء الفاحش للاقلية والفقر المدقع للاغلبية الساحقة من السكان . ونتيجة لهذه الاوضاع واحساس الجمهور بالظلم الواقع عليهم ، تهب جموعهم في ثورة تطيح بالنظام الاوليجاركي ليقوم النظام الديمقراطي علي انقاضه مرتكزا علي مبادئ السيادة الشعبية ، المساواة والحرية.
ولان الديمقراطية هي احد اهم النظم الدستورية التي يهتدي اليها البشر كصيغة معقولة لحكم انفسهم ، فلا بد ان تعتورها بعض الهنات نتيجة للضعف البشري خاصة وقد كان وجودها في نظر افلاطون هو الطور الرابع للمجتمعات الفاسدة التي تأتي في اعقاب المجتمع الكامل الذي يتجسد في المدينة المثالية. ومن هذا المنظور يمكن فهم النقد الذي وجهه افلاطون الي النظام الديمقراطي الذي عاش تحت ظله في اثينا والذي يجب ان لايفهم بانه كفر بواح بالديمقراطية كأسلوب للحكم ، وانما تسليط الضوء علي جوانب القصور فيها كما هي مطبقة في المجتمع الاثيني حتي يمكن تداركها. فتعيين الاشخاص لمناصب هامة في الجهازين القضائي والتشريعي للدولة في اثينا مثلا كان يعتمد علي مبدأ القرعة والتي قد تأتي بافراد لا يمتلكون الحكمة والمعرفة الكافية لاداء مهامهم فى هذه المناصب. واذا ما تذكرنا ايمان افلاطون بتفاوت البشر في الذكاء وضرورة تولي اهل المعرفة والعلم لشؤون الدولة السياسية، فيمكن فهم اللمز الساخر في وصفه للديمقراطية بأنها " تعطي المواطنين المساواة في الحقوق المدنية والتكافؤ في فرص تقلد المناصب السياسية خاصة وان التعيين للمناصب يعتمد علي نظام القرعة54 " . فالنظام الديمقراطي ، كأي مؤسسة بشرية يتحسن بمرور الزمن واصلاح الاخطاء التي تبرز من خلال الممارسة مثل الديمقراطية البريطانية التي كانت تشوبها العديد من المثالب في اواخر القرن الثامن عشر والتي تم اصلاحها بتمرير قانون الاصلاح لعام 1832 وادخلت الكثير من التعديلات عليها في فترات لاحقة لكي يجعل منها افضل الاشكال الدستورية للحكم. فنوع الديمقراطية التي كانت تسود في بريطانيا بعد الحرب العالمية الاولي(بعد تحريم الرأسماليين من استغلال الاطفال في المناجم والاعتراف بالنقابات العمالية ومنح حق التصويت الشامل) أفضل بكثير من الديمقراطية التي سادت فيها في عام 1768 "حادث ويلك مثلا"55 .وكان هجوم افلاطون علي ديمقراطية اثينا نقدا لاحد الاطوار التاريخية التي مرت بها في مجتمعه وليست ادانة كاملة للديمقراطية كمنهاج للحكم خاصة وان لكل بلد
ظروفه المعينة التي تتحكم في نجاح الديمقراطية او فشلها. واذا ما فشلت الديمقراطية في اي من المجتمعات فان النظام الذي يأتي علي انقاضها في معظم الاحوال هو النظام الاستبدادي او الديكتاتوري الذي شن عليه افلاطون هجوما عنيفا لانه اردأ انواع الحكم ، كما قدم وصفا للحاكم المستبد الطاغية في ابشع صورة بحسبه غاية ما ينحدر اليه الانسان في مهاوي الفسق والفجور والظلم 56.
اذا كان عرض افلاطون للانظمة الدستورية المختلفة في كتاب الجمهورية ينطلق من مبدأ فسادها الطبيعي نسبة لابتعادها عن العدالة التي تتجسد في المدينة المثالية ، فاننا نجده في محاورة "رجل الدولة" يعود الي ارض الواقع السياسي رغم محاولته في ثنايا المحاورة رسم صورة لرجل الدولة المثالي الذي يشفع له علمه الراسخ وبصيرته الثاقبة بالحكم المطلق وتجاوز القانون . ولكن بعد ان تأكد له استحالة وجود الانسان الكامل الذي يعصمه سمو النفس من استغلال سلطته المطلقة لتحقيق مصالحه الشخصية والحاق الاذي لمن يجهر بالمعارضة ، نجده يقدم تصنيفا لانظمة الحكم يعتمد في اول الامر علي فكرة حكم الواحد والاقلية والاكثرية حيث يمثل النظام الملكي حكم الواحد والنظام الارستقراطي حكم الاقلية والنظام الديمقراطي حكم الاكثرية57. ثم يلجأ بعد ذلك الي معيار التزام النظام الدستوري بسيادة حكم القانون او خرقه لهذا المبدأ لكي يحدد جودته او ردائته فيصنف الانظمة الدستورية الي ستة انواع علي النحو التالي58: اذا ماالتزم الملك في حكم الشخص الواحد باحترام القانون كان النظام ملكيا 59 ، واذا ما انحرف عن مبدأ سيادة حكم القانون صار نظاما ديكتاتوريا 60، اما حكم الاقلية فيكون نظاما ارستقراطيا 61 اذا ما احترم الحكام القانون واوليجاركيا اذا ما تجاهلوا حكم القانون. وتنقسم الديمقراطية التي تمثل حكم الاكثرية الي نوعين: احدهما الديمقراطية المعتدلة وهي التي تغرس في نفوس مواطنيها فضيلة احترام القانون واهمية سيادة حكمه وتكفل للمؤسسات الدستورية حق محاكمة واقالة الحاكم اذا ماثبت استهتاره بالقوانين وخرقه للدستور62،والاخري هي الديمقراطية المتطرفة التي يستغل حكامها سماحة الديمقراطية فيتخذونها مطية لتحقيق منافعهم فتخرق القوانين ويعم الفساد وسط افراد الطبقة الحاكمة الذين لايتورعون عن ممارسة العنف ضد كل من يعارض هذه الممارسات الخاطئة فيزداد السخط وتنتشر الفوضي الامر الذي يؤدي في النهاية الي زوالها 63.
وتبعا لهذا التصنيف نلاحظ ان افلاطون يقسم الانظمة السياسية الي قسمين اساسيين احدهما النظم السياسية التي تحترم حكم القانون وهي النظام الملكي الدستوري والنظام الارستقراطي والديمقراطية المعتدلة ، اما القسم الثاني فتندرج تحته انظمة الحكم التي تنتهك مبدأ سيادة حكم القانون وهي الديمقراطية المتطرفة والنظام الاوليجاركي والنظام الاستبدادي الديكتاتوري. ونسبة للارستقراطية الفكرية لافلاطون التي دفعته الي الايمان بحق الاقلية المستنيرة في الحكم لتفوقها في الذكاء علي العوام ، نجده يفضل النظام الملكي مادام ملتزما بالدستور والقانون كأفضل انواع الحكم ويليه النظام الارستقراطي ثم الديمقراطية المعتدلة. ويعزي افلاطون ضعف النظام الديمقراطي بالمقارنة مع النظامين الملكي والدستوري والارستقراطي الي تقسيم السيادة والسلطة فيه الي اجزاء صغيرة يتقاسمها عدة اشخاص يعملون في اجهزة ومؤسسات الديمقراطية المختلفة سوي اكانت تنفيذية ، تشريعية ام قضائية .
ووضع افلاطون في كتاب النواميس او القوانين الخطوط العريضة للدستور الذي يعتقد انه الامثل لحكم مستعمرة خيالية تملكها دولة جزيرة كريت ويقطنها عدد قليل من السكان يبلغ الخمسة الاف واربعين مواطنا فقط. ويمثل مجموع سكان هذه المستعمرة ، والذين تم تصنيفهم الي اربعة طبقات تعتمد علي مقدار مايملكونه من ثروة وممتلكات ، الجمعية العمومية التي يحق لها انتخاب اعضاء المؤسسات الدستورية مثل المجلس التشريعي والسلطة اللتنفيذية وقواد الجيش. اما المجلس التشريعي فيتكون من 360 عضوا يكون لكل فئة من طبقات المجتمع الاربعة حق ارسال تسعين عضوا من ممثليها سنويا للاشتراك في اعماله. ويضع افلاطون ضوابط محددة لانتخاب اعضاء كل مجموعة من الطبقات الاربعة فيلزم كل المواطنين بالمشاركة في انتخابات اعضاء الطبقتين الاولي والثانية في اليوم الاول والثاني للتصويت كما يلزم ايضا كل المواطنين الذين ينتمون الي الطبقات الاولي والثانية والثالثة بالمشاركة في التصويت في اليوم الثالث لاختيار اعضاء الطبقة الثالثة في المقاعد المخصصة لهم في المجلس.، ويكون التصويت لافراد الطبقة الرابعة في هذا اليوم اختياريا 65 . ويجري التصويت في اليوم الرابع لترشيح افراد من الطبقة الرابعة لاحتلال مقاعدهم في المجلس ويلزم القانون كل مواطني الطبقتين الاولي والثانية علي الاشتراك في عملية التصويت مع فرض عقوبة دفع غرامة مالية لمن يمتنع عن التصويت ويترك لمواطني الطبقة الثالثة والطبقة الرابعة حرية الاشتراك في التصويت او الامتناع عنه 66 . وفي اليوم الخامس والاخير لانتخابات المجلس يشارك كل المواطنين في اختيار مئة وثمانين شخصا فقط من كل مجموعة تمثل الطبقات الاربعة من الذين تم ترشيحهم في الايام السابقة لكي تتم تصفيتهم في المرحلة الاخيرة من الانتخابات بنظام القرعة ليتم اختيار تسعين شخصا لكل مجموعة من طبقات المجتمع الاربعة.
ويلاحظ ان هذا النظام الانتخابي يجمع بين حق التصويت العام لكل المواطنين مع اعطاء الطبقات العليا فرصة اوسع في العملية الانتخابية وذلك باجبارهم علي المشاركة في كل مراحلها، ونظام القرعة في الاختيار النهائي لاعضاء المجلس والذي كان السمة الاساسية لانتخابات نظام الحكم الديمقراطي في اثينا. وتعمد افلاطون ابتكار هذه الصيغة الانتخابية في محاولة منه ليمزج ويوفق بين العناصر الجيدة في كل من الدستورين الملكي والديمقراطي والتي يعتقد انها " المحاولة التوفيقية المثلي التي يجب ان ينشدها الدستور السليم 67 ". واذا كان افلاطون يعتبر المفهوم الشائع للمساواة من الحقوق الاساسية لكل الافراد والذين يجب ان يعاملوا بها بالدقة التي تتم بها في المقاييس والموازين والارقام الحسابية ، فانه اعتقد ان صيغة مزج الدستورين الملكي والديمقراطي تتضمن المفهوم الحقيقي والافضل للمساواة والتي يطلق عليها اسم المساواة النسبية . فليس من العدل ان يمنح الرجل الفاضل الذي نال قدرا كبيرا من المعرفة والعلم نفس التقدير الذي يمنح للشرير الجاهل ، فكل شخص من هؤلاء يجب ان يمنح او يعامل بما يستحقه 68 . ولكن معظم الدول والمجتمعات ، في محاولة منها لتجنب المشاحنات والبغضاء بين افراد المجتمع ، تعترف وتطبق في وقت واحد المفهوم الشائع للمساواة النسبية الذي يقر بالتفاوت الطبيعي بين الافراد في الذكاء وسمو الاخلاق . وانطلاقا من هذا الفهم يخصص افلاطون للطبقات العليا ، والتي يفترض توافرالحكمة والمعرفة في وسط افرادها ، وضعا مميزا في العملية الانتخابية كما يكفل في نفس الوقت لجميع مواطني الدولة حق المشاركة في الانتخابات واستخدام نظام القرعة التي كان يجد فيها عامة الشعب الاثيني فرصة اوسع للمساواة والحرية 69 .
ويقترح الدستور الذي وصفه افلاطون في كتاب النواميس وضع السلطة التنفيذية في يد سبعة وثلاثين عضوا يطلق عليهم اسم حماة القانون يتم انتخابهم علي ثلاثة مراحل حيث يتم اختيار ثلاثمائة عضو في المرحلة الاولي من التصويت وفي المرحلة الثانية يتم تصفية هؤلاء الي مئة عضو حيث تتم في المرحلة الثالثة والاخيرة انتخاب 37 شخصا من الذين نالوااكثر الاصوات من بينهم ليمثلوا السلطة التنفيذية. واعطي افلاطون اعضاء المجلس التشريعي حق مشاركة اعضاء الجهاز التنفيذي في تسيير شؤون الدولة التنفيذية وذلك عن طريق انتداب المجلس لثلاثين شخصا من اعضائهم في كل شهر من شهور السنة لمساعدة حراس القانون في اعمالهم مثل استقبال وفود وممثلي الدول الاجنبية وتنظيم عقد اجتماعات المجلس وحله في الاوقات اتي تستدعي ذلك 70 . ويقوم القضاء بأداء السلطة القضائية في ثلاثة انواع من المحاكم في دستور الدولة المقترح انشائها في كتاب النواميس ويمكن للمواطن العادي ان يكون حكما في الجرائم التي ترتكب ضد الدولة لان " الخطأ الذي يرتكب ضد الدولة هو جرم موجه لكل المواطنين في المقام الاول 71 ".
ونلاحظ ان السمة الاساسية للدستور الذى عرضه افلاطون في كتاب النواميس هي محاولته لمزج العناصر الجيدة في كل من الدستورين الملكي والديمقراطي وذلك بافساح المجال لعامل الحكمة والعلم الذي يؤمن بتوفره في اوساط الطبقات العليا ، التي تتيح لها اوقات الفراغ التي تتمتع بها التزود بالمعرفة والعلم ، وتضمينه في ذلك الدستور لكثير من عناصر النظام الديمقراطي مثل كفالة حق التصويت المباشر لجميع المواطنين وسيادة حكم القانون والحرية . فكل انظمة الحكم المختلفة ، في رأي افلاطون ، تفرعت من الدستورين الملكي والديمقراطي اللذين يعتبرهم ام الدساتير الامر " الذي يحتم علي كل نظام حكم ان يجمع بينهما اذا مااراد ان يستمتع بالحرية والصداقة في انسجام وتالف مع الرأي الصائب والحكم السديد 72 ." وتركت فكرة الدمج بين الدساتير لاستحداث افضل الصيغ للدستور الذي يحكم الدولة اثرها الكبير في الاراء الدستورية للمفكرين الذين جاءوا بعد افلاطون مثل تلميذه ارسطو وبوليبيوس ومونتسكيو .
فصل من كتاب قيد الاعداد بعنوان "نظم الحكم فى الفكر السياسى" ، د.امين حامد زين العابدين ،عضو سابق بهيئة التدريس ورئيس سابق لقسم التاريخ، كلية الاداب ،جامعة الخرطوم .
الهوامش
1- Aristotle ,Constitutions of Athens; ed. K. Fritz& E. Kapp, (New York,1971) P.71
2- Thucydides, The Peloppensian Wars, pp. 37-41
3- E. Barker, Greek Political Theory (London,1979)p.168
4- Nettleship, Lectures on the Republic of Plato, pp.4-5
5- Plato, The seventh letter,p.763
6- Plato,Republic,369
7- Plato, Politicus,285-286
8- الفارابى :كتاب الجمع بين رأى الحكمين ،تحقيق البير نادر(بيروت،1960) ص105.
9- Republic, 476; Symposium,209
10- Republic, 476 D
11- Ibid,477
12- Ibid.
13- Raven, Plato's thought in the making(Cambridge University Press,1965) pp.131-187
14- Republic, 517B
15- Ibid,517D
16- Ibid,520
17- Ibid.492A, 493 A
18- Ibid331 C
19- Ibid.332C
20- Ibid 335
21- Ibid. 342
22- Ibid. 343
23- Ibid. 352-354
24- Ibid. 328-359
25- D. Hume, Enquiry concerning the principles of morals(Oxford University Press,1978)p.p.183-184
26- زكى مبارك: الاخلاق عند الغزالى ص. 227
27- Vid. Supra.
28- "الاجتماع الانساني ضرورى ويعبر الحكماء عن هذا بقولهم الانسان مدنى بالطبع اي لابد له من الاجتماع.."ابن خلدون، المقدمة ،الكتاب الاول، الباب الاول .وقال ابن سينا " من المعلوم ان الانسان يفارق سائر الحيوانات بأنه لايحسن معيشه لو انفرد وحده شخصا واحدا يتولي تدبير امره غير شريك يعاونه علي ضروريات حاجته ..فانه لابد من ان يكون الانسان مكفيا باخر من نوعه ، ويكون ذلك الاخر ايضا مكفيا به وبنظيره فيكون هذا مثلا ينقل لذلك ،وذاك يخبز لهذا ، وهذا يخيط للاخر والاخر يتخذ الابرة لهذا ، حتي اذا اجتمعوا كان امرهم مكفيا به ولهذا مااضطروا لعقد المدن والاجتماعات .ابن سينا ،كتاب الشفاء ، المقالة العاشرة في فن الالهيات: فصل قفي اثبات النبوة . كما قال الغزالى "خلق الانسان علي وجه لايمكنه ان يعيش وحده اذ لايستقل بالسعي وحده في تحصيل طعامه بالحراثة والزرع والخبز والطبخ وفي تحصيل الملابس والمسكن فاضطر الي المخالطة والاستعانة ." الغزالي ،احياء علوم الدين ج 1 ،ص. 77- 78
29- "انه لمأساة ان يلازم الظلم الاجتماعي المتمثل في عدم المساواة الاقتصادية وتقسيم المجتمع الي طبقات الى نشوء الحضارة وبروزها الي الوجود . اما المرض الاخر الذى ابتليت به الحضارة منذ ظهورها فهو الحرب ."
A.J Toynbee, Study of History, vol. 12 (Oxford University Press,1961)p.278
30- Republic 272-274
31- Ibid.375
32- Ibid. 376-412
33- Vid. Supra
34- Republic.
35- Republic, 451-456.
36- Ibid, 457C-466D
37- Ibid,514-417
38- عندما اعترض اديمانتوس سقراط بقوله بأن افراد الطبقة الحاكمة لن ينعموا بالسعادة اذا ما حرموا من التمتع بالملكية الخاصة ،رد عليه سقراط بأن غرضهم ليس تحقيق السعادة لطبقة خاصة وانما جعل كل المدينة الفاضلة سعيدة بقدر الامكان . نفس المصدر . 420-419
39- Vid. Supra
40- Republic, 433B
41- Republic, 440B
42- Ibid. 441E-442C.
43- Ibid, 444B
44- Vid. Supra
45- اثار هذا السؤال الكثير من النقاش بين العلماء بين مؤيد لامكانية تنفيذ مشروع افلاطون للمدينة المثالية مثل Karl Popper, The open society and its enemies,vol.1(London,1966), R. Crossman, Plato Today(London,1937) ومن الكتاب الذين يرون استحالة تنفيذه J. Randall, Plato, Dramatist of the life of reason (New York,1970); P. Friedlander, Plato, vol.3 (London,1969,); R. Levinson, In Defence of Plato (Cambridge,,Mass.,1953); T. Saunders, Plato, The Laws, introduction & translation(London,1970):
46- Republic, 592
47- Ibid,369A, 371E, 372E, 376C. وعندما يسأل غلوكون في الكتاب الخامس عن امكانية تحقيق مدينة مثل هذه الي ارض الواقع، يذكره سقراط بأن الغرض من محاورتهم وهدفها هو العثور علي ماهية العدالة ونقيضها الظلم .
48- Ibid. 472C-D
49- Ibid. 445E
50- Plato, Crito
51- Crossman, Plato Today, pp.91, 125
52- K. Popper, The Open Society and its Enemies, vol.1
53- E. Barker, Greek Political Thought, pp.237-238.
54- Republic, 557A
55- For more details see, G. Rude, Wilkes and Liberty (Oxford University Press,1962)
56- Republic, 571-576.
57- Politicus, 301D
58- Ibid. 302D, E
59- مثل النظام الملكي الدستوري الموجود في بريطانيا حاليا .
60- مثال لذلك خرق الملك فاروق للدستور وتجاوزه للقانون عندما أقدم علي اقالة حكومة الوفد وحل البرلمان في عام 1937
61- مثل نظام الحكم في المقاطعات المتحدة الهولندية في اواخر القرن السادس عشر . .
62- مثل النظام الديمقراطي الراهن في الولايات المتحدة الامريكية .
63- كما حدث في نيجيريا في ديسيمبر 1983انظر L. Diamond, “ Nigeria in search of Democracy “62 Foreign Affairs, 4(1984)pp.905-27
64- Politicus, 303A.
65- Laws, 756
66- Ibid.
67- Laws, 756
68- Ibid.
69- انظر اعلاه ،.نجد في تخصيص دوائر خاصة للخريجين والسماح لهم بالتصويت مرتين في الانتخابات العامة اللتي جرت في السودان عام 1986 صدي لاراء افلاطون في المساواة النسبية وتفاضل اهل المعرفة علي الاخرين في بعض الاشياء . قال الله عز وجل "يرفع الله الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات " وقال الله سبحانه تعالي ايضا "قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لايعلمون. ". وقال ابن عباس رضي الله عنهما "للعلماء درجات فوق المؤمنين بتسعمائة درجة مابين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام
70- Laws. 785
71- Ibid. 768
72- Ibid. 693


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.