قوات الدفاع المدني تنفذ حملة واسعة النطاق لمكافحة نواقل الأمراض وإصحاح البيئة بمحلية جبل أولياء    المريخ في اختبار صعب أمام أمام روستيرو عصرا    دعم إفريقي واسع للهلال السوداني..سيكافا والرواندي في المقدمة واتحادات موريتانيا والسنغال والكاميرون تلوح في الأفق    وزارة الداخلية توضّح بشأن دوي انفجار هزّ منطقة شرق الخرطوم    الصفا الأبيض يهز شباك الرفاق... وانطلاقة قوية في الدورة الثانية    تطوّرات في ملف شكوى الهلال ونهضة بركان    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الممثل ذاكر سعيد في فاصل كوميدي : (لا أشجع فريق برشلونة ولا ريال مدريد أشجع الفريق البرهان "ضقل" بالمليشيا كورة مرقهم في الخلا)    شاهد بالصورة والفيديو.. ضحكات ومزاح بين الفنانة إيمان الشريف و "البرنس" في لقاء داخل سيارة الأخير    بالصورة والفيديو.. شاهد لحظة القبض على أخطر شبكة تقوم بسرقة العربات و"اسبيراتها" بالخرطوم بعد كمين محكم    شاهد بالفيديو.. الفريق أول ياسر العطا يحظي باستقبال تاريخي من جنود الجيش والمستفرين بعد ساعات من تعيينه رئيساً لهيئة الأركان    شاهد بالفيديو.. الفنانة إنصاف مدني تفاجئ الجميع وتقتحم بث مباشر لزميلتها ميادة قمر الدين: (أنا مفلسة أعملوا لي مبادرة)    "تأسيس" و"صمود" يدينان استهداف أسامة حسن في غارة مسيّرة على نيالا    تطور جديد في جلسة محاكمة منيب عبد العزيز شمال السودان    يوم اليتيم.. نصائح لدعم اليتيم نفسيا في يومه السنوي    صمود يحذر من كارثة إنسانية مع استمرار العمليات العسكرية في النيل الأزرق    ماجد المصرى: شخصية راغب الراعى مرهقة بسبب تعدد علاقته داخل الأحداث    محمد مهران يكشف أصعب مشهد فى كواليس مسلسل درش    ماذا يحدث لجسمك عند التوقف عن تناول منتجات الدقيق الأبيض لمدة أسبوعين؟    ما حقيقة زيارة وفد إيراني إلى السودان سرًا؟    "العاصفة الحمراء" التي ضربت دولا عربية.. هل هي خطيرة؟    "يديعوت أحرونوت": واشنطن بدأت عملية إجلاء طارئة ل60 ألف أمريكي من مصر    الدولار يتراجع مع تصاعد توقعات التهدئة في الشرق الأوسط    بالصورة.. أبعدوه حتى لا يرى قبرها ويقوم بنبشه.. قصة مؤثرة تدمي القلوب لشاب سوداني معاق ذهنياً في يوم وفاة والدته التي كان متعلق بها ومداوم على مسك "ثوبها"    شاهد بالفيديو.. "ماما كوكي" تتحدث عن قضية الساعة.. مطربة شهيرة تقيم علاقة عاطفية مع "البرنس" بعد طلاقها من زوجها وردة فعل أهلها جاءت صادمة لها    المغرب يثبت نفسه بين الكبار ويواصل الهيمنة عربيا في تصنيف فيفا    أدوية منسية في المنزل قد تهدد صحة العائلة.. تخلص منها فورا    نوع نادر من السرطان.. ما هو التليف النخاعى؟    سوداني يسأل: (أنا مغترب وحصلت مشكلة بين زوجتي وزجة أخي واخوي اتصل علي قال لي طلقتها ليك هل الطلاق واقع؟)    اللجنة الإقتصادية العليا تصدر عدداً من القرارات المهمة لتحقيق استقرار سعر الصرف    السودان.. وفاة لاعب كرة قدم    وزير المعادن ونائب المدير العام المفتش العام للشرطة يدشنان مركبات لتعزيز مكافحة تهريب المعادن وتأمين مواقع التعدين    السودان.. وزير يشرع في تكوين قوّة عسكرية ضاربة..ماذا هناك؟    ارتفاع وارد واسعار الذرة والسمسم بسوق القضارف    قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نداء من مواطن: من أجل الوحدة والسلام .. الخروج في سلسلة بشرية! .. بقلم: د. عمر محمد علي أحمد
نشر في سودانيل يوم 07 - 11 - 2010


من أجل الوحدة والسلام
الخروج في سلسلة بشرية!
د. عمر محمد علي أحمد
ونحن نستشرف انطلاقة الحملة الإعلامية حول خياري الوحدة والانفصال وهي الحملة التي تمتد لمدة شهرين اعتباراُ من السابع من نوفمبر 2010 يخطر بأذهاننا سؤال هام وهو: كيف يعبّر الشارع الشمالي عن حرصه على الوحدة وتمسكه بالسلام؟
لقد ظل المواطن السوداني الشمالي حتى الآن متلقياً لما تبثه أجهزة الإعلام وتنشره الصحف كما ظلت الشرائح المستنيرة تتابع ما يدور من سجال حول الوحدة والانفصال في المنتديات الفكرية التي تنظمها مراكز البحوث والدراسات أسوةً بالجامعات السودانية.. فهل تكفي هذه الإسهامات الصفوية في غياب المشاركة الشعبية القاعدية؟ وهل يكفي هذا التناول لقضية هي الأخطر في تاريخ البلاد؟
لأسباب موضوعية ومفهومة لم تعط اتفاقية السلام الشامل المواطنين في شمال السودان الحق في المشاركة في الاستفتاء رغماً عن كونهم معنيون بها بقدر لا يقل عن المواطنين بجنوب البلاد كما تشير كل التوقعاتً! لسد هذه الثغرة يستطيع المواطن في شمال السودان استخدام وسائل التعبير الجماهيري ليؤكد للجنوبيين وللعالم أجمع إيمانه العميق بالسلام وحرصه على الوحدة.
باستخدام وسائل التعبير الجماهيري يتحول المواطن السوداني العادي – أي رجل الشارع – من المتلقي الصامت إلى الفاعل الايجابي وصانع للحدث!
إن المشاركة الجماهيرية الواسعة – إذا ما تحققت – هي القادرة على أن تبعث برسالة قوية ونافذة لكل أهل الجنوب وبصفة خاصة إلى نشطاء الانفصال. رسالة فحواها أن الشمال يكن لهم المودة و الاحترام ويحرص على بقائهم أخوةً في الوطن الواسع العريض. فحواها أيضاً أنه يرفض الانفصال لأنه بغيض ولأنه يفتح أبواب الجحيم على كل السودان – شماله وجنوبه على السواء ولأنه ينسف المصالح المشتركة ويعطل التنمية ويناقض لغة العصر.
هي رسالة تحمل بين ثناياها أن الشعب السوداني يتبرأ من أخطاء حكام السودان منذ الاستقلال ويعتذر عن التقصير الذي حدث باسمه.. ليس في حق الجنوب فحسب وإنما في حق الشمال وفي حق كل الأقاليم المهمشة كما يعتذر عما عاناه الجنوب ودارفور من أهوال الحرب. هذا إن كان للإعتذار معنى وفي أذهاننا الاحصاءات المهولة والمفجعة عن ضحايا الحروب : من فقدوا أرواحهم ومن تشردوا.هي في ذات الوقت رسالة تحمل بين طياتها دعوة صادقة وأمينة لطي صفحة الماضي البغيض والسعي المشترك لإرساء علاقة سويّة وقائمة على العدالة و الاحترام المتبادل كما ينبغي على قادتنا التحلي بالمرونة للوصول إلى تسويات يفرضها العقل والمسئولية التاريخية.
هي أيضاً رسالة موجهة إلى بعض دول الجوار التي تدفعها أطماعها الاقتصادية وطموحاتها الإستراتيجية إلى إزكاء الروح الانفصالية. يتجلى خبث هذه الدول في دفعها للجنوب لفتح منافذ لتعاملاته الخارجية عبر أراضيها بحيث يتحمل تكلفتها الباهظة من موارده الشحيحة خصماً على مشاريعه التنموية والخدمية لتجني هي المكاسب! هي في النهاية رسالة إلى المجتمع الدولي ليراجع حساباته ويعيد النظر في مواقفه حيال وحدة السودان.
كيف نصيغ رسالة قوية؟
إن وسائل التعبير الجماهيري كثيرة وتتنوع حسبما يقتضي الأمر. إن أكثر الوسائل شيوعاً عندنا هي التظاهرات الصاخبة التي ظل الشارع السوداني يمارسها منذ مطلع الثلاثينات من القرن الماضي حينما خرج طلبة الكلية الحربية في تظاهرة جابت شوارع الخرطوم وانتهت باعتقالهم في باخرة في عرض النيل!
إن وسائل التعبير الجماهيري ليست قاصرة على التظاهرات فهناك الكثير...
هنالك المسيرات فمنها الطويلة بين المدن ومنها القصيرة الهادرة داخل المدن وهناك المهرجانات الخطابية والليالي السياسية والندوات المفتوحة.
هناك التظاهرات الجالسةsquatting كأبلغ أسلوب في التعبير السلمي كما هو الحال في حمل الشموع ليلاً للتظاهرات الحزينة والتجمعات الابتهالية.
هناك أيضاً مغزل المهاتما غاندي الذي بشيوعه بين الهنود ضرب صناعة النسيج في لانكشير بالكساد!
هناك العصيان المدني الذي استخدمه الشعب السوداني في أكتوبر وأبريل.
وهناك التوقيعات بشكليها التقليدي والإلكتروني.
وهناك الرسائل المباشرة التي يستخدمها الناشطون في حقوق الإنسان.
في الولايات المتحدة وفي ذروة المقاومة السلمية للفصل العنصري والمطالبة بالحقوق المدنية التي قادها مارتن لوثر كنج شاعت في تجمعات ومسيرات الزنوج ومناصريهم من البيض أغاني التحرر وأنشودات النصر فكانت أشهرها أنشودة "سننتصر" We will overcome كأسلوب للتعبير الجماهيري!
أما تجمعات وتظاهرات الشباب الأمريكي وأنصار السلام إبان حرب فيتنام فقد اتخذت لها شعاراً أغنية أعطوا السلام فرصةGive peace a chance فشاعت هي الأخرى كوسيلة للتعبير الجماهيري.
للفنانين التشكيليين أيضاً إبداعاتهم في التعبير وذلك من خلال لوحاتهم ومجسماتهم ومعارضهم ومن خلال الجداريات والقرافيتيGrafitti.
وهكذا تتعدد وتتنوع أساليب وأنماط التعبير.
من بين وسائل التعبير الجماهيري نقترح أكثرها نفاذاً وأقواها فاعلية وأثر وهي السلسلة البشرية.
تتميز السلسلة البشرية بكونها تتسع لعدد غير محدود من المشاركين ولا يحدها إلا مستوى الإقبال والحيّز المكاني، كما أن تنظيمها لا يكلف كثيراً كما سنرى. إن السلسلة البشرية التي نتطلع إلى تنظيمها هي بحجم السودان أرضاً وشعباً وهي بحجم الطامة المقبلة والخطر المحدق!
إن السلسلة البشرية التي نقترحها هي في واقع الأمر سلسلتين متوازيتين تتمددان على جانبي الطريق على مسار شبه دائري أو بيضاوي عبر المدن الثلاث، تخصص إحدى السلسلتين للذكور والثانية للإناث تمشياً مع تعاليم ديننا الحنيف وتقاليدنا. في هاتين السلسلتين يتماسك المشاركون والمشاركات بالأيادي تعبيراً عن الوحدة والتضامن ومن خلفهم يصطف حاملو اللافتات والأعلام والرايات.. أعلام السودان والحركة الشعبية وكل راية تحمل رسالة أو تعلن عن مشاركة كما يقف حاملو أوراق شجر الموز وأغصان شجر المانجو بجانب جريد أشجار النخيل في إشارة لتلاحم الغابة والصحراء ثم يأتي من خلفهم الجمهور المشارك.
إن أردنا للسلسلة البشرية أن تجتذب أكبر عدد من سكان العاصمة لابد من استيفاء ثلاثة شروط أساسية وهي: -
أولاً: أن تكون الدعوة دعوة مفتوحة لكل مكونات المجتمع السوداني وبهذا نعني كل التنظيمات السياسية سواء أكانت في الحكومة أو المعارضة، النقابة العامة للعاملين والنقابات الفرعية، اتحادات المزارعين وكل الاتحادات والروابط الفئوية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني، التنظيمات الإسلامية والطرق الصوفية، الكنائس بمذاهبها والجمعيات المسيحية، القوات النظامية، اتحادات المعاشيين المدنيين والعسكريين، الجامعات السودانية أساتذة وطلاباً والمدارس بكل مستواياتها، اتحاد أصحاب العمل بكل مكوناته، الفرق الرياضية وتشمل الفرق الرياضية بالأحياء، الفنانون بمختلف مشاربهم وتوجهاتهم .. وهكذا.
ثانياً: أن يكون مسار السلسلة عبر أو عند أطراف الأحياء الشعبية ما أمكن لسبب بسيط وهو كثافتها السكانية العالية واستجابت سكانها التلقائية للأحداث وحتى تتقلص الحاجة لنقل المشاركين.
لتجنب تعطيل دولاب العمل – وإن كان للحدث أهميته – لعله من المناسب أن يتم تنظيم هذه التظاهرة في يوم عطلة كيوم السبت مثلاً. لحسن الطالع تتزامن بداية الحملة الإعلامية مع إطلالة فصل الشتاء مما يهيئ طقساً ملائماً ويشجع على المشاركة الكثيفة تشمل حتى كبار السن والأطفال.
ثالثاً: لابد من تغطية إعلامية واسعة لتشرح مغزى تنظيم السلسلة البشرية. تلك هي مسئولية أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة كما هي مسئولية الصحف بتوجهاتها السياسية والرياضية والاجتماعية. هي أيضاً مسئولية المعلمين والمعلمات في مؤسسات التعليم العام كما هي مسئولية كل الأحزاب والفعاليات الاجتماعية والطوعية.
لتجنب التسبب في اختناقات المرور في وسط العاصمة – وإن تم تنظيم السلسلة في يوم عطلة – ولنجعل دائرة السلسلة أكثر اتساعاً وبالتالي أقوى تأثيراً إعلامياً وأكثر نفاذاً عاطفياً وسياسياً ولتتاح المشاركة لأكبر عدد ممكن من سكان العاصمة، نرى أنه من المناسب أن تتواصل السلسلة البشرية عبر الجسور الطرفية على النيل وهي جسور الإنقاذ "الفتيحاب"، المنشية/الجريف وجسر الحلفاية
السيناريو..
بالطبع لا معنى في خروج سكان العاصمة بهذه الأعداد الضخمة ثم يقفلوا راجعين إلى منازلهم إذ لابد من احتفائية يعيشونها ولابد من ذروةClimax للحدث. هذا ما نحاول ايجازه في السيناريو التالي:
* تتشكل الاحتفائية من بث الأغاني الوطنية والأناشيد الداعية للوحدة من مكبرات الصوت الثابتة والمتحركة. لعله من المناسب هنا الإشارة إلى تجربة سبق للعاصمة المثلثة أن عاشتها.. بُعيد الاستقلال احتفل السودان المستقل بشراء أول مجموعة من الطائرات – مدنية أم عسكرية؟ - بأسلوب مبتكر. طافت تلك الطائرات في سماء العاصمة المثلثة وفي أحداها كان الشيخ عوض عمر الإمام رحمه الله يتلو آيات من القرآن الكريم بصوته الاثير عند المستمعين لراديو أم درمان والمصلين بمسجد أم درمان الكبير. كانت التلاوة تُبث من مكبرات الصوت المثبتة على أجنحة الطائرة. أينما مرت الطائرة كانت الحركة تهدأ ويطبق صمت مهيب على الشوارع والأحياء التي كانت قليلة السكان والسيارات! فيصمت الناس خاشعين لتلك التلاوة المتنزلة من السماء! كان حدثاً فريداً ما زال مختزناً في ثنايا الذاكرة رغماً عن مرور أكثر من نصف قرن! فهل نعيد هذه التجربة ولدينا شيخ الزين وأخوته الكرام ليرددوا لنا الآيات الداعية للمحبة والسلام ثم يتبادلون المايكروفون مع رجال الدين المسيحي ليقرأوا مقتطفات من الكتاب المقدس تحمل ذات المعاني السامية؟ هذا بالطبع بجانب الأغاني الوطنية والأناشيد.
تزداد الاحتفائية زخماً بأعلام السودان والحركة الشعبية وباللافتات الداعية للوحدة والسلام و تلك التي تعلن عن هوية وانتماءات المشاركين باللغتين العربية والإنجليزية ولا بأس من إضافة السواحلية والأمهرية والفرنسية لنشرك دول الجوار في تظاهرتنا. لنستصحب الخالدين معنا نرى أن ترفع صور لرموز الحركة الوطنية وهي قائمة طويلة تبدأ بالإمام محمد أحمد المهدي وتنتهي بالدكتور جون قرنق وما بينهما قائمة مفتوحة لا تسقط أعضاء مؤتمر جوبا في عام 1947 الذين اتفقوا على وحدة البلاد ولا الناظرين دينق مجوك وبابو نمر رمزا الحكمة.
أما الوجه الآخر للاحتفائية فيتمثل في موكب السيارات المكشوفة – البكاسي والدفارات؟ - بحيث يمثل كل شرائح ومكونات المجتمع السوداني..
يتحرك الموكب من حدائق الشهداء – حيث يقام مهرجان ضخم للأغاني والأناشيد الوطنية والأغاني الشعبية وكورالات النيليين بجنوب السودان التي تعكس تنوع ثقافات السودان – ينطلق الموكب تتصدره السيارات الحاملة لأطفال السودان بتنوعهم العرقي والجهوي ثم مجموعة من الأمهات برفقة صغارهن باعتبار هاتين المجموعتين أكثر شرائح المجتمع المعنية بالسلام. يأتي بعد ذلك طلاب وطالبات المدارس بذات التكوين كرموز للمستقبل ثم يليهم كبار السن من الجنسين وهم آباء وأمهات السودان الذين حافظوا عليه موحداً. يتبع ذلك السيارات الحاملة لقيادات كل التنظيمات المشاركة أو من ينوب عنها وذلك بالإضافة لمجموعات صغيرة من كل الوحدات من القوات النظامية تعبيراً عن إيمانها بالسلام وتأكيداً لانحيازها التاريخي لخيارات الشعب.
ينتهي الموكب من حيث بدأ أي في ساحة الشهداء وهنا تصل الاحتفائية إلى ذورتها. من الصغار والصبية الذين شاركوا في الموكب تتكون سلسلة بشرية صغيرة بحيث تبدأ من ساحة الشهداء وتمتد إلى داخل القصر الجمهوري. يتقدم صبي وفتاة يمثلان الجنوب والشمال في أجواء تصدح بالأغاني الوطنية الخالدة.. عزّة ، سوداني، يا وطني، أنا سوداني.. وكورالات القبائل الجنوبية النيلية وغيرها.. يتقدمان ليسلما إنابة عن الشعب السوداني رسالة مزدوجة إلى السيدين رئيس الجمهورية ونائبه الأول رئيس حكومة الجنوب أو إلى من ينوب عنهما.
في رأينا أن أهم النقاط التي ترتكز عليها الرسالة هي أن السلام والوحدة يرتبطان ارتباطاً عضوياً ويتأكد ذلك من عدد وتعقيدات القضايا العالقة والأجواء المتوترة السائدة حالياً.
عليه فإن مخاطر الانفصال التي باتت واضحة ستجعل من التعجل في إعلانه أول خطوة في طريق الحرب والدمار ولذلك ينبغي أن يتوافق الجميع على الوحدة مهما كانت التضحيات. أما إن رجحت كفة الانفصال فالحكمة تقتضي تمديد أجل اتفاقية السلام الشامل بحيث تنتهي متزامنة مع نهاية ولايتي السيدين رئيس الجمهورية ونائبه الأول رئيس حكومة الجنوب وهو التاريخ الذي يعلن فيه ميلاد دولة الجنوب المستقلة بهذا التمديد يزول الانفعال وتهدأ النفوس مما يسمح بمعالجة كل قضايا الانفصال وعلى رأسها القضايا الإنسانية الخاصة بالجنوبيين في الشمال والشماليين في الجنوب. بهذا التمديد يخرج الوطن من هذه الأجواء الملبدة بالغيوم التي تنذر بروقها بعواصف وزوابع رعدية وصواعق حارقة وبهذا التمديد يتحقق الهبوط السليمSafe landing للوطن ويتحقق الانفصال السلس والجوار الأخوي المتسامح والمتعاون و المتكامل.
التمويل ... والأمن
كما يتضح من سياق هذا الطرح فإن السلسلة البشرية المقترحة ما هي إلا مظاهرة طوعية شعبية لا تستند على دعم حكومي ولكن تنظيمها يفترض موافقة والي الخرطوم. بهذا الفهم فإن القائمين على أمرها هم متطوعون من نشطاء السلام والوحدة. بهذه الروح يستطيعون تعبئة المعينات القليلة التي يحتاجون إليها لتنظيم السلسلة. إن أهم مطلوبات السلسلة هي سيارات النقل التي يسهم بها أصحابها تطوعاً لنقل المشاركين من المواقع البعيدة حول العاصمة كقرى السلام ومن ثم إعادتهم. هناك أيضاً السيارات المكشوفة – كالبكاسي – للمشاركة في الموكب وهناك مكبرات الصوت ونقل أوراق الموز وجريد النخل وتوزيعه وكلها تنتظر مشاركات طوعية من أصحاب السيارات مباشرة أو من خلال غرفة النقل باتحاد أصحاب العمل.
أما الأمن فسيتوفر تلقائياً بالحضور الكثيف للقوات النظامية وانتشارها على امتداد السلسلة للتعبير عن إيمانها بالسلام.
أما فيما يختص بتنظيم السلسلة وإخراجها بمستوى يليق بالسودان فإننا نرى جدوى الاستعانة بالتنظيمات الكشفية والمتطوعين من طلاب وطالبات الجامعات أسوةً بالمتطوعين من التنظيمات السياسية والنقابية المشاركة.
دور الإعلام والصحافة
لإيصال نداء الوحدة والسلام لابد من تغطية إعلامية واسعة من قبل وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية. بداهةً لن تدخر وسائل الإعلام جهداً في التغطية الأرضية ولكننا نرى أن تغطية هذا الحدث باتساعه المكاني وبالكثافة البشرية المتوقعة لن تكتمل إلا بالتغطية الفوقية أي "البانورامية". لهذا سيكون من الضروري توفير عدد من المروحيات والتنسيق مع المركز القومي للمعلومات لضمان التغطية الفضائية بواسطة الأقمار الصناعية!
إن مؤسسات الإعلام العالمية والفضائيات ستجد في تظاهرة شعبية بهذا الحجم لقضية تتعلق بالسلام والوحدة ستجد فيها مادة إعلامية جاذبة. لهذا فإن دعوة هذه المؤسسات والقنوات التلفزيونية الدولية إذا ما اقترنت بتوفير المعينات سيجعلها تتدافع لرصد ونقل وتوثيق الحدث.
خاتمة
إن الرسالة التي تحملها السلسلة البشرية رسالة واضحة ومحددة وهي السلام أولاً ثم الوحدة ثانياً.
بداهةً قد لا تتحقق الوحدة ولكن عدم تحقيقها لن يقلل من شأن السلسلة البشرية فإن مجرد تنظيمها والمشاركة فيها يحقق مكاسب هامة وهي:
• ألا يشعر المواطن في شمال البلاد أنه مجرد متفرج على مسرح الأحداث بل له صوت داوي ودور إيجابي في صناعتها.
• أن المشاركة في التظاهرات والاضرابات– كيفما كانت طبيعتها – من شأنها أن تفرع شحنات عاطفية قوية تعيد للمجتمع توازنه العاطفي كما هي ترياق ضد تراكم الغُبن المفضي إلى العنف. تلك حقيقة يؤكدها المختصون في علم سيكولوجية الجماعة. لهذا تؤمّن الديمقراطية على حق التظاهر والإضراب عن العمل كحق أصيل حتى وإن استطالا وتسببا في خسارات تصل إلى البلايين.
• بالمشاركة في المسيرة يسعد المواطن – وما أحوجه لشيء من السعادة! – بأنه قام بدور وطني وشارك في صنع الأحداث في أكثر منعطفات تاريخ السودان حساسية وخطورة. سيظل المشاركون – حتى الصغار منهم – يجترون ذكرى هذه المشاركة ليروها بفخر لأجيال صاعدة أو هي في رحم الغيب. هذا ما يفعله كبارنا الذين تعرضوا للاعتقال أو شاركوا في تظاهرات الجمعية التشريعية عام 1948 أو للتعبير عن مناهضتهم للاستعمار وللأنظمة القمعية التي حكمت البلاد.
• ستبعث السلسلة البشرية رسالة نافذة ومؤثرة إلى الجنوبيين بالشمال بأنهم في وطنهم وبين أهلهم فمعظمهم ولدوا وترعرعوا وشبوا بيننا. هي رسالة من شأنها أن تبطل مفعول التصريحات المنفلتة التي صدرت – وقد يصدر المزيد منها! – من بعض المسئولين. كما هي رسالة من شأنها أن تمتص المرارات التي يشعرون بها بسبب ما يكتب أو يقال أو يُفعل في شأنهم من بعض الشماليين من ذوي المفاهيم التي عفا عليها الزمن وركلتها الإنسانية في تعفف!
• من زاوية أخرى يشكل تنظيم السلسلة البشرية دعماً معنوياً لأنصار الوحدة من الجنوبيين بجنوب البلاد وهو تعويض وبديل لهم عن الحصار الذي قد تواجه حملتهم والتحرشات من غلاة الانفصاليين بجنوب البلاد. هي رسالة فحواها أن القاعدة العريضة من الشماليين ليست كما يصورها غلاة الانفصاليين من الجانبين.
• هي أيضاً موآزرة ودفع معنوي للشماليين بجنوب البلاد وهم في محنتهم تنتابهم المخاوف حول سلامة أسرهم وأمنهم وسلامة ممتلكاتهم كما تعصف بهم الهواجس حول مستقبلهم.
• بتنظيم السلسلة يحق للسودانيين أن يفخروا بأنهم عبّروا عن أنفسهم في قضية مصيرية ومفصلية بأسلوب حضاري رفيع سيشهد عليه العالم من خلال الفضائيات كما هي ممارسة ديمقراطية تزيد من رصيدنا من مكارم الأخلاق وحسن الخصال وترفع من شأننا بعد ما نعتنا بكل ما هو قبيح!
• إن وجدت هذه الفكرة قبولاً من الرأي العام والتنظيمات السياسية والأجهزة الرسمية يصبح من الضروري التعجيل في إخراج السلسلة البشرية. نظراً لضيق الفترة المتاحة للدعاية فإن التعجيل يعني ضمناً التعبئة للتسجيل والإقتراع كما يعني إمكانية تنظيم سلاسل بشرية أخرى في المدن الرئيسة في الشمال وفي جنوب السودان.
• من رأينا أن تتاح لأنصار الانفصال بالشمال أن يعبروا عن أنفسهم بالوسيلة التي يرونها ،وقد يكون حدثاً مثيراً أن يتوافق على التظاهر سوياً أنصار الانفصال من الجنوبيين والشماليين طالما الهدف واحد!
إن ما أوردناه في هذا النداء ما هو إلا إطار عام لفكرة في طورها الأولي. لصقل هذه الفكرة وإنضاجها ومن ثم تحويلها إلى مشروع جماهيري وطني لابد من أن تتبناها جهة أو جهات تهتم بقضايا الوحدة والسلام ومن ثم تدعو لها أهل الفكر والرأي والخبرة للتداول حولها والاستئناس بخبرة سلطات المرور لإخراجها بمستوى يليق بمراميمها وأهدافها.
إن معاهد ومراكز دراسات السلام بالجامعات السودانية بما تتمتع به من مكانة أدبية مرموقة وجامعة السلام الناشئة هي خير من يتبنى المبادرة. متما تحقق ذلك فإننا نتوقع أن ينطلق المشروع بقوة دفع ذاتية!
والله الموفق
د. عمر محمد علي أحمد
الخرطوم في6/11/2010م
alsir sidahmed [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.