مجلس الوزراء يعلن ترحيبه بالبعثة الأممية للسودان    القوات المسلحة تؤكد حل الدفاع الشعبي    كَيْفَ نَحْمي السُّودان من أخطار سد النهضة ؟! .. بقلم: د. فيصل عوض حسن    مسامرات زمن حظر التجوال .. بقلم: عثمان أحمد حسن    المراية .. بقلم: حسن عباس    قون المريخ والعنصرية .. بقلم: إسماعيل عبدالله    تكامل الأدوار في محاربة مافيا الفساد .. بقلم: نورالدين مدني    "أحمد شاويش." ذلك العبقري المتواضع ... بقلم: مهدي يوسف إبراهيم    وزارة العمل والتنمية الاجتماعيّة تسلّم كروت الدعم النقديّ لعدد من الجمعيّات النسائيّة    المباحث تلقي القبض على قاتل ضابط الشرطة بولاية شمال كردفان    نحو صياغة برنامج اقتصادي وطني يراعي خصوصية الواقع السوداني .. بقلم: د. محمد محمود الطيب    أنا والفنان حمد الريح .. شافاه الله !! .. بقلم: حمد مدنى حمد    حول نقد الإمام الصادق للفكرة الجمهورية (2-4) .. بقلم: بدر موسى    أخطاء الترجمة: Bible تعني الكتاب المقدس لا الإنجيل .. بقلم: عبد المنعم عجب الفَيا    ترامب يتشبه بالرؤساء العرب .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    ذكريات وأسرار الحركة البيئية العالمية ومصائر الدول النامية .. بقلم: بروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد    باتافيزيقيا السّاحة الخضراء (1) .. بقلم: عوض شيخ إدريس حسن /ولاية أريزونا أمريكا    الدولة في الاسلام مدنيه السلطة دينيه اصول التشريع متجاوزه للعلمانية والثيوقراطية والكهنوت .. بقلم: د. صبري محمد خليل    قانون لحماية الأطباء فمن يحمى المرضى ؟ .. بقلم: د. زاهد زيد    الفقر الضكر .. فقر ناس أكرت .. بقلم: د سيد حلالي موسي    التعليم بالمصاحبة ( education by association ) .. بقلم: حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي    إحباط تهريب مصابين بكورونا من البحر الأحمر    الشرطة تنفذ حملة لمواجهة مخالفات الحظر الصحي ومعتادي الاجرام    كل ما هو مُتاح: مناعة القطيع .. مناعة المُراح .. بقلم: د. بشير إدريس محمد زين    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ملامح من تاريخ وتجارب الدبلوماسية السودانية ... بقلم: خالد موسي دفع الله
نشر في سودانيل يوم 27 - 04 - 2009

حيثيات محاضرة قدمت لمنتدي الجالية الثقافي بمنطقة واشنطون الكبري
[email protected]
مقدمة:
أظن أن الجالية عملت بالحكمة التربوية القديمة بأن يعين أكثر التلاميذ شغبا ألفة أو رئيسا للفصل ، ولعلهم أستذكروا لما كثرت مناكفتي من مجالس الحضور أن أقاموني عليكم ألفة في هذا المساء الجميل..لذا يحضرني في هذا المقام أن أستفتح بقصيدة الشاعر الخنذيذ محي الدين الفاتح أتطلع لأمرأة نخلة:
لا أذكر إذ أذكر يوما
كنت أنا طفلا يحبو
لا بل قل شبحا يمشو يكبو
قد أذكر لي سنوات ست ولبضع شهور قد تربو
أتساءل عن معني الأسماء
أتفاعل في كل الأشياء
والنفس الطفلة كما تشط لما تصبو
أذكر يوما أدخلنا في غرفة
كبرت جسما عظمت جوفا بعدت سقفا
وعلي أدراج خشبية كنا نجلس صفا صفا
والناظر جاء وتلا قائمة الأسماء
وأشار لأفخرنا جسدا أن كن ألفة
كان الألفة
إن قام فقامته أرفع
وأن جلس فمجلسه أوسع..وأن فهم فأطولنا أصبع
لذا كان فينا الألفة
كنا نهديه قطع العملة والحلوي...
لنتقرب اليه زلفي..
لذا أتقرب اليكم زلفي أيها الحضور الكريم بعملة الحوار قبل أن تدخل متحف التاريخ..لنمد من جسور التواصل في شأننا الوطني ونقلب علي سفود النقاش موضوعا حيويا ألا وهي الدبلوماسية السودانية.
أرتقي اليوم مرتقا صعبا،لأني كلما تأملت في وجوه الحضور، تمنيت أن أرتد الي مقاعد التلمذة..لأنهم أحق بالمحاضرة من المحاضر..ولكن منا المداد ومنكم الصحائف...لذا أستأذنكم بأن القي عليكم بعضا من همهمات تأملاتي في شأن قد بلينا بالمر من ثمره.وأنوه أبتداءا أنني أصدر في هذه المحاضرة عن نفسي لا أنوب فيها عن أحد، وأرد فيها الي حياض تجربتي وتأملاتي الشخصية وسقف أدراكي لمآل التجربة الكلية للدبلوماسية السودانية.
ولعل سحب الشكر تنسكب مدرارة علي منتدي الجالية الثقافي، الذي أضحي منبرا للأستنارة تشد اليه الرحال ، وتضرب له أكباد الطائرات ، وتسرج له ظهور السيارات والقطارات..كما تدفق وملأ الفضاء الأثيري فغدا شارة للأنتداء والتثاقف ومادة للحوار في المدن والقارات الأخري.والتحية لرئيس وأعضاء الجالية الذين أوقدوا شمعة للأمل بدلا من أن يلعنوا الظلام.
خطط لهذه الندوة أن تقوم من أمد طويل ، ولكن حالت دونها الحوائل،ولم يدفعها الي دائرة الحضور طرس المداد الذي غرد علي فنن الجالية، وبكي علي بوائق عذالها.
كما أتشرف بأن أقدم بين يدي هذا الأنتداء من لدن قامة سمقت في محيط العمل الأعلامي هو الأستاذ حسن أحمد الحسن..والشكر موصول للأستاذ مهدي داؤود الخليفة الذي كان من المفترض أن يدير هذه الندوة ولكن حالت ظروف خاصة دون مشاركته وهو كما تعلمون من الذين قدموا أسهاما وطنيا متميزا في ترسيخ الديمقراطية ،كما قاد دفة العمل الدبلوماسي وزيرا للدولة بوزارة الخارجية في فترة هي من أخصب فترات تجربتنا الديمقراطية .
في مصطلح الدبلوماسية:
يستخدم مصطلح الدبلوماسية عن طريق الخطأ كمرادف للسياسة الخارجية.لأن السياسة الخارجية هي جماع التوجهات الكلية والمواقف والسلوك الخارجي لدولة ما في خارج حدودها بغية تحقيق أهداف محددة. أي ما يعرف بالفعل والتفاعل ورد الفعل act, interact and react أما الدبلوماسية فهي أحدي وسائل تحقيق وتنفيذ السياسة الخارجية. وحسب تعريف معجم مصطلحات السياسة الدولية والموسوعة البريطانية فأن الدبلوماسية تعني أدارة العلاقات الدولية عن طريق التفاوض.وعليه فأن الدبلوماسية تتجاوز محدودية كونها أداة لأنها أحدي مؤسسات الدولة السيادية، وجزء أصيل من نظمها الحديثة. ولما عرفت الدبلوماسية عن طريق التمثيل، فقد تطور مفهوم التمثيل الدائم بعد بروز مفهوم الدولة القطرية أو القومية في أروبا.مؤتمر ويستفاليا عام 1864م.ورغم أشتعال الحروب، وأضطراب العلاقات الدولية ظلت الدبلوماسية أحدي أفعل وسائل الأتصال السياسي في ظل الحروب والأزمات.وظلت المدرسة الكلاسيكية تربط بين الفعالية الدبلوماسية والقوة العسكرية ، كما قال فريديرك الأكبر" الدبلوماسية دون قوة عسكرية تساندها كالموسيقي دون أدوات العزف".
الوظيفة الكبري للدبلوماسية هي التفاوض أي أدارة الحوار لتطوير لغة للمصالح المشتركة،وتخفيف مواطن الأختلافات وتفادي النزاعات.ولهذا أصبح التمثيل الدبلوماسي بين الدول هو قاعدة الدبلوماسية فنشأت السفارات وأرسل السفراء.
السفراء من أقدم المهن الأنسانية التي عرفها المجتمع البشري.وقال الدكتور جعفر ميرغني أول السفراء في تاريخ البشرية هم الملائكة إذ أرسل الله سبحانه وتعالي الملائكة لأبلاغ رسالاته للرسل والأنبياء قال الله تعالي " بأيد سفرة كرام بررة".وسفر بمعني بان ووضح لذا ارسل الرسول صلي الله عليه وسلم السفراء من اهل الفصحاحة والبيان يحملون رسائله للملوك والأمراء.
وشهدت المدن الأيطالية خاصة روما القديمة نشاطا بينا في نطاق التمثيل الدبلوماسي حتي تطور مفهوم التمثيل الدائم في القرن الخامس عشرpermanent representation.
تطور مفهوم العمل الدبلوماسي في عصر النهضة حيث تم البدء في تأسيس القواعد وتقعيد المفاهيم،فأنفتح النشاط الدبلوماسي علي تحليل المعلومات ، تحليل السياسات والأتجاهات السائدة، خدمة المصالح السياسية والعسكرية. وتطوير وسائل التبادل التجاري. ولعل التجارة أكثر من غيرها كانت هي أحدي أهم محركات العمل الدبلوماسي في السابق.
أستمر ذلك التطور حتي تم تأسيس قواعد الأسبقيات والمساواة في التمثيل في مؤتمر فيينا عام 1815. وشهد القرن العشرين نقلة كبري لتأسيس قواعد القانون الدولي ، وتم تقنيين القواعد المرعية والتقاليد الدبوماسية في أتفاقيات فينينا للعمل القنصلي والدبلوماسي في العامين 1961 و1963 علي التوالي.وأتفاقية فيينا لتفسير الأتفاقيات الدولية عام 1969.
تجابه العمل الدبلوماسي العديد من التحديات الماثلة بحكم التعقيدات الراهنة والتحولات العميقة التي تنتظم منظومة العلاقات الدولية، منها التعقيدات التي أفرزتها العولمة وتفشي النزاعات الأيدلوجية، والأنتقال من الدبلوماسية الثنائية الي المتعددة الأطراف Multilateral Diplomacy وتناقص نفوذ السفراء في صناعة القرار للأعتماد علي الدبلوماسية الرئاسية والمبعوثيين الشخصيين لرؤساء الدول أو ما يعرف ب Personal Diplomacy.أزدياد معدلات الأتفاقيات ، أستيعاب قضايا نوعية في أتجاهات الدبلوماسية الحديثة مثل التجارة الدولية ، وتزايد نفوذ الأعلام في عصر أنفجار المعلومات..، وأتساع مفهوم المجتمع الدولي وتزايد نشاط الفواعل من غير الدول none state actors وتدخل الوزرات والوكالات الحكومية الأخري ليست ذات الصلة بالعمل الخارجي.مثلا يشتكي العاملون في وزارة الخارجية الأمريكية من أتساع وتزايد نفوذ الوكالات الأخري في عمل السفارات الأمريكية بالخارج، وذكر تقرير أصدره مجلس الشيوخ في نوفمبر 2006 أن دبلوماسيي وزارة الخارجية يمثلون 42% فقط من جملة موظفي السفارة، فيما تشكل الوكالات الحكومية الأخري وغير الحكومية النسبة الباقية.ولاحظ التقرير تزايد نسبة وجود المخابرات العسكرية في السفارات الأمريكية بعد أحداث سبتمبر مما خلق كثير من الأشكالات بين السفراء من رؤساء البعثات ومندوبي الوكالات المختلفة.لعل الوضع في السودان يختلف بعض الشئ لأن الدولة تتبع نظام السلك الدبلوماسي بينما تتبع الولايات المتحدة نظام سلك الخدمة الخارجية ، حيث تصبح السفارة هي الأدارة المنوط بها التنفيذ والأشراف علي جميع الوكالات الأمريكية التي لها برامج عمل في الدولة المضيفة.
وظائف الدبلوماسية:
تري الموسوعة البريطانية أن الوظائف الدبلوماسية أجمالا تتلخص في الآتي:
1- التمثيل الرسمي للدولة وحماية مصالحها ، ورعاية أمنها القومي.
2- تطوير وتجديد وسائل وبرامج العمل لتطوير العلاقات الثنائية والدولية بما يخدم أهداف السياة الخارجية.
3- أدارة العلاقات الثنائية في جميع الأوجه مع الدولة المضيفة.
4- صنع وتأسيس القواعد للنظام الدولي، مما يعني أن الدبلوماسية هي الآلة للقانون الدولي والوسيلة للمنظمات الدولية.
5- رعاية مصالح الجاليات في البلد المضيف.
تنبع أهمية الدبلوماسية من أنها:
1- تلعب وظيفة تنموية وأضفاء مكانة دولية علي الوحدة السياسية.
2- تلعب دورا في تدعيم الأستقلال السياسي للدولة.
3- تأمين المصالح الخارجية للدولة.
4- تلعب دورا في تحقيق التكامل القومي والأستقرار السياسي.
5- أعطاء مكانة رمزية في العالم تتناسب مع مواردها وتطورها الحضاري.
6- تلعب دورا في الحفاظ علي الشخصية الأعتبارية والقومية للدولة.
محددات الدبلوماسية والسياسة الخارجية للسودان:
قبل أن ندلف لأستعراض التطورات التاريخية للدبلوماسية السودانية لا بد من وقفات لأدراك محددات السياسة الخارجية التي تقوم علي تفاعل طبيعي بين العوامل الداخلية والخارجية.ولعل أس وجوهر الدبلوماسية يستمد من خصائص الشخصية القومية السودانية،وعوامل الوضع الأقتصادي،وطبيعة النظام السياسي أضطرابه وأستقراره، الموقع الجيوسياسي، والمكانة الرمزية التاريخية والحضارية للدولة، وكذلك مهددات الأمن القومي.ولعله من المفيد أن نذكر أبتداءا أن وزارة الخارجية في أي بلد لا تصنع السياسة الخارجية بل تنفذها وتطبقها ، ولكن ربما تؤثر فيها حسب التوصيات والأستشارات التي تقدمها الي قيادة الدولة.في التجربة الأمريكية يقول لي هاميلتون الذي خدم في الكونقرس في لجنة العلاقات الخارجية لمدة 34 عاما أن السياسة الخارجية تعكس التوتر الخلاقCreative Tension بين الرئيس والكونقرس.. وقد قصد الآباء المؤسسون وواضعوا الدستور الأمريكي تقنين هذا الوضع لرعاية مبدأ توازن السلطات وفصلها، رغم أن السياسة الخارجية مبدأ هي من سلطات الرئيس.ففي السابق كانت السياسة الخارجية حكرا لنخبة قليلة حول مراكز صنع القرار ولكن في الوقت الراهن صار الرأي العام أكثر تأثيرا علي صنع القرارات في السياسة الخارجية من رأي النخب الصغيرة..ولعل منظمات المجتمع المدني مثل تحالف أنقاذ دارفور في الولايات المتحدة يؤكدون مدي تأثير الرأي العام علي صنع القرار في السياسة الخارجية..ولعل أوضح الأمثلة التي ترويها كتب التاريخ حول مدي تأثير الدبلوماسية في صنع السياسة الخارجية، هو التقرير الشهير الذي حرره الدبلوماسي الأمريكي في موسكو جورج كنان يوم 22 فبراير 1946 ردا علي برقية من وزارة الخارجية بواشنطون عن طبيعة المناخ السياسي السائد وكيفية التعامل مع الأتحاد السوفيتي.فقدم تقريرا شاملا حلل فيه طبيعة السلطة السياسية وتحولات السياسة الدولية والأقليمية ونفوذ الأمبراطورية المتزايد في العالم، وقدم توصيات صارت هي الركيزة لسياسة الأحتواء المزدوج Containment Policy الذي أصبحت هي سياسة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي طيلة حقبة الحرب الباردة.
1- يعتبر دارسوا النظم السياسية في العالم الثالث خاصة في أفريقيا أن السودان ينطبق عليه ما يعرف بنموذج الدولة الأسيرة Captive State لأنها أي كان موقعها الجغرافي أو نظامها السياسي محصورة بين ستة عوامل لا تستطيع أن تنفك عنها، ثلاثة داخلية هي:
أ‌- الكوارث الطبيعية
ب‌- الصراع القبلي الأقليمي
ت‌- الأرث الأستعماري.
وثلاثة عوامل خارجية هي:
أ- تبعية الموارد الأولية
ب- الجوار الخطر
ج- رأس المال الأجنبي
ويعاني السودان حسب تعبير الدكتور علي مزروعي من التهميش المزدوج Multiple Marginality تهميشا جغرافيا لأنه يعاني من مشاكل الموقع الجيوبولتيكي،إذ يجاور السودان تسع دول مختلفة العادات واللغات والأعراق، متنافرة الأفكار والتوجهات، تعاني من الصراعات وعدم الأستقرار السياسي ، مما جعل السودان مستقبلا لمجموعات كبيرة من دول الجوار بسبب المجاعات والحروب والكوارث الطبيعية.
2- تمتد حدود السودان مع دول الجوار الي 7 ألف ونصف كيلومتر مما يصعب مراقبتها والسيطرة عليها.
3- يقع السودان في منطقة تتقاطع فيها الحضارات والثقافات، مما أهله ليكون جسرا رابطا بين الحضارتين الأفريقية والأسلامية ، ولكن التناقضات جعلته يدفع ثمن هذا الموقع.
4- التنوع الأثني والثقافي مما جعل السودان أفريقيا مصغرة chromosome of Africa .
5- أشتعال قضايا الهوية مما أوجد التنازع في تكوين ثقافة مركزية غالبة تكون أداة للتصاهر القومي melting pot لأستيعاب الهجرات والتدفقات الديمغرافية من دول الجوار.
6- الوفاء بالتزامات دوائر الأنتماء الثلاث (العربية، الأفريقية والأسلامية).
7- ورث السودان أمراض الدولة ما بعد الكولونيالية مما جعل أرضه مسرحا لأطول الحروب الأهلية في أفريقيا مما أدي الي أستنزاف موارده البشرية والمادية، وقابليته لتجدد الصراعات علي أسس أثنية. رد البروفيسور علي مزروعي ذلك الي خطة الأستعمار الذي أستثمر في ما أسماه soft program وهي البرامج الثقافية في الجنوب التي قامت علي نشر المسيحية ، واللغة الأنجليزية. وبرامج البنية الأقتصادية hard program في الشمال مثل مشروع الجزيرة ومشاريع البنية التحتية الأخري.ويري الدكتور مزروعي أنه لا سبيل الي الخروج من هذا المأزق إلا نشر النموذجين بالتساوي بين شقي القطر.
8- السودان دولة غنية بالموارد الطبيعية إلا أنه دولة نامية يعاني من مشاكل التخلف السياسي والأقتصادي والسياسي nation in the making وتقوم بنيته الأجتماعية علي قاعدة القبيلة.مما يشي بأن مناط قوة النسيج السوداني هي مقاتله ونقاط ضعفه.حين يتحول الموقع الجغرافي من جسر رابط بين الحضارات الي موقع تحترب فيه الثقافات والأثنيات وتصدر اليه دول الجوار ثمار نزاعاتها الداخلية.وعندما تتحول الموارد الطبيعية الي نقمة.
هناك عامل فلسفي آخر هو كيف ينظر الأنسان والتاريخ والجغرافيا لخصائص الوجود الذاتي مقابل الآخر أو ما يعرف ب world view . لذا أستعرض أربع صور، أظنها تختزن بعض التعبيرات عن نظرة الأنساني السوداني الوجودية بمخزونه التاريخي والحضاري للعالم.
الصورة الأولي:أستنطاق الأرض:
يقول العلامة وليم آدمز في كتابه Nubia: Corridor to Africa في وصف أرض النوبة التي تمثل السودان القديم:
"التناقض الظاهر للتاريخ النوبي هو أن هذه الأرض الجرداء جذبت الدخلاء ، وأقصتهم علي صعيد واحد منذ البداية، فالمصريون في العصر الفرعوني غزوها ولكن دائما ما وصفوها بأنها منطقة تعيسة، أما قمبيز فكاد يفقد جيشه في منطقة النوبة فقفل راجعا.غزاها الرومان ولكن نيرون أعرض عن غزوها الي الأملاك الرومانية، أما جيوش الفتح الأسلامي فقد أكتفت بأبرام أتفاق بقيت معها المسيحية لمدة 800 عام.كما أحجم صلاح الدين الأيوبي فاتح مصر وسوريا وقاهر ريتشارد قلب الأسد بعد أن دق أبوابها، كما أنهزمت بريطانيا علي أسنة رماح الدروايش، فعادت مرة أخري بعد 15 بعد أنفقت كثير من الدماء والأموال لأستعادة السودان"..
هذا النص يوضح أن السودان منطقة جاذبة للدخلاء ، ولكن يستعصي علي التطويع ويطرد الدخلاء وان بقوا فيه ردحا من الزمن.
الصورة الثانية:أستنطاق التاريخ:
يقول محمد بن عمر التونسي في كتابه تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان وهو يصف حياته في دارفور وزيارة جبل مرة عام 1802، حيث يقول وهو يصف الفور في جبل مرة:
"حين رأوني أجتمعوا علي متعجبين من أحمرار لوني وأتوا الي أفواجا لأنهم لم يقع لهم رؤية عربي قبل ذلك، وأرادوا قتلي علي سبيل الأستهزاء، فحال مرافقي بيني وبينهم فسألت عن السبب فقال يريدون الفتك بك..لأنهم قالوا هذا لم ينضج في بطن أمه ، وبعضهم يقول لو نزلت عليه ذبابة لأخرجت دمه، وقال آخر انا اطعنه بحربة فأري مقدار ما ينزل منه من دم". هذا النص يؤكد أن بعض أطراف السودان كانت في عزلة جغرافية وثقافية عن المراكز الحضارية في المحيط الأقليمي وبالتالي أستبطن الأنسان السوداني موقفا عدائيا أزاء الغريب الوافد.وهو موقف وجودي ظل سائدا حتي تاريخ الدولة ما بعد الكولونيالية.
الصورة الثالثة:أستنطاق الأنسان:
روي عن الشاعر القومي عثمان جقود وكان يتعاطف مع دول المحور نكاية في الأنجليز:
عيونك يا بخيتة زي مدافع المانيا
الهدن دولة النمسا في أقل من ثانية
روسيا تقهقرت وتخاذلت بريطاني
أيطاليا أنزوت وفرنسا أضحت فانية
فحقق معه مفتش المركز الانجليزي وقضي بعقابه، وتوسط بعض أهل الخير ، فأمهله ثلاثة أيام ليؤلف شعرا يناقض فيه ما قاله، فقال جقود أمهلوني ثلاث دقائق وليس ثلاث أيام أعطوني ورقة وقلم فكتب:
تسلم يا الفريع الجيتا من رومانيا
شوف ياخي شوف شلوخها ثمانية
كل شلخا يدوخ دولة زي المانيا
فقال له مفتش المركز هذه أضعف من تلك ولكن عفونا عنك.
هذه الصورة تؤكد أن الأنسان السوداني يملك رؤية واضحة حول تحالفاته السياسية ضد الأستعمار ، ولكن يستطيع أن يتكيف إذا توالت عليه الضغوط.
الصورة الرابعة: أستنطاق الفنان
يقول الطيب صالح علي لسان الرواي في رائعته موسم الهجرة الي الشمال في مشهد المحاكمة:
"هنا أسترجع دخول قوات كتشنر عندما جاء محمود ود أحمد يرسف في الأغلال ، قال الدخيل لصاحب الأرض لماذ جئت كي تخرب وتنهب فليكن ذلك شأني معهم، أنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجنة، وقعقعة سنابك سيف اللنبي وهي تطأ أرض القدس، البواخر مخرت عرض النيل لأول مرة تحمل المدافع لا الخبز" ثم قال "جئتم غازيا، قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ".
ولعل مما يكمل هذه الصورة هو ما ذكرته الدكتورة آمال حسان في كتابها عن أستبطان الشرف في دراسة عن المرأة الهدندوية.أن المرأة في قبيلة الهدندوة تربط الشرف بالأرض ، وأن الغريب الوافد وإن جاء من قبيلة أخري يجلب اللعنة والدمار، ويشكل هاجسا وخوفا".
جملة القول كيف يمكن أستنباط سياسة خارجية تقوم علي أدراك هذا الخصائص الأيجابية ، والتحديات ومهددات الأمن القومي السوداني.وكذلك أستبطان نظرة الأنسان السوداني الوجودية للآخر.
نشأة وتطور وزارة الخارجية:
بدأت النواة الاولى لوزارة الخارجية بموجب اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير اذ تم الاتفاق بين دولتى الحكم الثنائى كملحق لهذة الاتفاقية ويقضى بأنشاء منصب وكيل وزارة فى السودان يتولاه سودانى ليكون حلقة وصل بين أول حكومة وطنية فى السودان وبين جنرال الحاكم العام فى بعض ما يتعلق بشئون السودان الخارجية .تم نشر هذا المحضر الهام فى غازيتة حكومة السودان بتاريخ11 مارس1953
وفى مايلى نصه:-
"أبد ت الحكومة المصرية وحكومة المملكة المتحدة العظمى وشمال ايرلندا الرغبة فى انشاء منصب وكيل وزارة فى السودان على ان يتولاه سودانى ليعمل كحلقة وصل بين الحاكم العام ومجلس الوزراء السودانى. وتكون مهمته الاعداد لتمثيل السودان فى المؤتمرات الدولية والفنية. وتوصى الحكومتان الحاكم العام للسودان ومجلس الوزراء السودانى بأنشاء هذا المنصب".
تم تعين الدكتور عقيل احمد عقيل فى يوليو 1954 ليكون أول وكيل وزارة فى السودان للشئون الخارجية كما تم تعين خليفة عباس العبيد ليكون نائب لوكيل الوزارة
تم تفعيل اختصاصات وكالة السودان الخارجية(وزارة الخارجية لاحقا) وفق ما جاء فى نص المحضر المتفق عليه بين دولتى الحكم الثنائى السابق ذكره . وتطورت تلك المهام والاختصاصات الى ما هى عليه اليوم.
ولعل مؤتمر باندونج في أندونسيا عام 1955 الذي شارك فيه السودان بوفد ترأسه رئيس مجلس السيادة أسماعيل الأزهري يمثل تدشينا حقيقيا للدبلوماسية السودانية قبل الأستقلال.
فى مساء يوم الاستقلال 1/1/1956 وبعد انتهاء الحفل مباشرة تم عقد أول أجتماع لوزارة الخارجية بمكان السراى العام دعى اليه جميع ضباط الاتصال وممثلو الدول الاجنبية وترأسه السيد مبارك زروق اول وزير خارجية بعد الاستقلال وحضره السيد يحى الفضلى وزير الاعلام توجهت فيه وزارة الخارجية بطلبها لمندوبى الدول وممثليها باعتراف حكوماتهم بجمهورية السودان، ومد وزير الخارجية بنسخ وتسجيل من النوتة الموسيقية للسلام الوطنى لكل بلد.وفى نفس الاجتماع تم ابراق حكومات العديد من الدول فى مختلف انحاء العالم بأعلان استقلال السودان............................
وقد كانت اول وفود استقبلها وزارة الخارجية للتهنئة من سوريا والاردن والعراق واندونيسيا وتركيا والمانيا الشرقية. وكان اول سفير قدم اوراقه هو السفير المصرى فى 14/1/1956 .
تكشف هذه التفاصيل بجلاء أن وزارة الخارجية ولدت كمؤسسة وطنية، قامت بمهام الأتصال وتسهيل الأنتقال بين الحكومة الوطنية المؤقتة والحاكم العام في شئون العلاقات الخارجية. كما كانت بعد الأستقلال هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي السوداني الذي كان يقوم علي صون الأستقلال السياسي للبلاد ، وتطوير العلاقات الخارجية لحماية الدولة الوليدة.كما أن سيطرة شعارات تحرير لا تعمير أسهمت تحديد أولويات السياسة الخارجية في ذلك الوقت مما جعل صون الأستقلال السياسي ، وحماية الدولة الوليدة من أولويات الدبلوماسية السودانية.
نسبة لضيق وقت الندوة سأستعرض في محطات عابرة تطورات العمل الدبلوماسي عبر الحقب السياسية والوطنية المختلفة. وسأترك التفاصيل الي فترة الأسئلة والنقاش.
الفترة الديمقراطية الأولي 1956-1958:
1- شهدت هذه الفترة أنشاء وزارة الخارجية واستقطاب كوادر وطنية مؤهلة لقيادة العمل الدبلوماسي.وقد تم استقطاب الرعيل الاول من الدبلوماسيين من مؤسسات الخدمة المدنية المختلفة خاصة سلك التدريس والشرطة.وقد مازت الخارجية منذ ذلك الوقت ميزتان الانضباط المهني الصارم professional discipline ومراعاة التراتيبية المهنية مثل سلك القوات النظامية.ربما لغلبة الكوادر المستقطبة من الشرطة. رغم أصطخاب اجواء الصراع السياسي الداخلي بين التيارين الأتحادي والأستقلالي حول التوجهات الكلية لسياسة السودان الخارجية ، إلا أن الدبلوماسية السودانية كانت واعية لتحديات المرحلة حيث عمدت الي تدعيم أستقلال السودان،ومحاولة فتح آفاق أقتصادية لتسويق مبيعات القطن السوداني.كانت للصداقة الممتدة بين مبارك زروق أول وزير خارجية سوداني والمحجوب الذي خلفه علي المنصب أسهام كبير في أستقرار الوزارة..حيث أشتهر عن المحجوب أنه قال عندما تولي وزارة الخارجية أنه لن يحرك كرسيا وضعه مبارك زروق في مكانه ، وأستمر في ذات السياسة التي رسمها وزير الخارجية الأول.
2- ظلت وفود الحزبين في زيارات متواصلة الي القاهرة لحل بعض القضايا العالقة مما يعني أن القيادات الحزبية كانت تمسك بموضوعات السياسة العليا أو ما يسمي high politics .كانت للقيادة الحكيمة لمحمد أحمد المحجوب دور فاعل في ترقية عمل الدبلوماسية، حيث أستطاع السودان تحت قيادته أن يكون ثامن دولة أفريقية ترفع علمها في أروقة الأمم المتحدة..كما أستطاع المحجوب بمواهبه المتعددة أن يكون متحدثا باسم المجموعة العربية في مقر الامم المتحدة عند وقوع العدوان الثلاثي علي مصر.ولمع اسم المحجوب في المحافل الدولية حتي رشحته الدول النامية لرئاسة الجمعية العامة.ولكنه فقد المنصب بشرف نتيجة لتآمر بعض الدول التي كانت تري ان صوته المجلل لمحاربة الاستعمار وفضح مؤامراته سببا في التأليب ضد رئاسته للجمعية العامة التي فاز فيها ممثل لبنان.برزت الدبلوماسية السودانية في قيادة الجهود العربية لمحاربة العدوان الأسرائيلي حيث دعا السودان الي مؤتمر في الخرطوم لمجابهة العدوان.كما سارت الدبلوماسية في دعم التحرر الوطني في العديد من دول العالم.وقد ظل وفد الكاميرون في الامم المتحدة مثلا يستخدم مقر المندوبية السودانية ..كما كانت الخرطوم تمثل مقرا لثورته الفتية.شارك السودان ايضا في مؤتمر اكرا بمعية سبعة دول اخري لمناقشة مستقبل افريقيا وكان ذلك المؤتمر هو النواة لمنظمة الوحدة الافريقية بعد بضع سنوات.كما استضاف السودان اجتماعات تأسيس الاتحاد الافريقي لكرة القدم.ورفض السودان في اول دورة افريقية مشاركة جنوب افريقيا لسياسات الفصل العنصري.
3- شكلت قضايا مياه النيل مع مصر، وتزايد النفوذ المصري في السودان ، وقضية المعونة الأمريكية أحد أهم تحديات السياسة الخارجية في ذلك الوقت.
4- ادت قضية المعونة الامريكية الي انقسام حاد في الشارع السياسي حيث رفضها اليسار وحزب الشعب بقيادة الشيخ علي عبدالرحمن بحجة انها جسرا للامبريالية والنفوذ الاجنبي في البلاد، بينما أيدها الأميرلاي عبدالله خليل وحزبه..وقد أحيل الأمر الي وزارة الخارجية لتقديم التوصيات الفنية بشأنها..ويروي الأستاذ السفير أبوبكر عثمان صالح في مذكراته أن وزارة الخارجية كانت تعج بالزوار من كبار المسئولين يجلبون الوثائق وقصصات الصحف لتدعيم وجهة نظرهم، وقد جاء رئيس الوزراء عبدالله بسيارته امام وزارة الخارجية حيث سلم رئيس اللجنة قصاصات ودوريات تعزز من وجهة نظره.
5- هذا يؤكد أنه رغم الصراعات الحزبية الصاخبة إلا أن قادة العمل الوطني حافظوا علي هيبة واستقلال ووقار الخدمة المدنية.
6- من ناحية قانونية لم يرد في دستور السودان المؤقت لعام 1956 اي أشارة الي موجهات السياسة الخارجية ولكن ورد في المادة 67 تخويل البرلمان سلطات المصادقة علي الأتفاقيات الدولية ورد الآتي:"لا يكون لأية معاهدة أو أي اتفاق مع دولة أو دول أخرى ولا يكون لأي قرار يتخذ في أي اتفاق دولي أو جمعية أو هيئة دولية ، أي أثر في السودان ما لم يصدق البرلمان على كل منها بقانون" .
حكومة الفريق عبود 1958- 1964:
1- قال الفريق عبود أن من أبرز دواعي الأنقلاب علي النظام الديمقراطي هو التدخل الأجنبي في شئون البلاد، وأزالة الجفوة المفتعلة مع مصر.وأعلن الفريق عبود التزامه بعدم الأنحياز.وقد ركز الامر الدستوري الاول كل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد الرئيس عبود.كما تم تعيين الأستاذ أحمد خير المحامي صاحب فكرة مؤتمر الخرجين ومؤلف كتاب كفاح جيل وزيرا للخارجية. وقال الأمر الدستوري الثاني أن "الوزراء مسئولون كل بمفرده عن إدارة وزاراتهم".مما يشير الي أن وزير الخارجية أحمد خير كان صاحب القرار الأول في السياسة الخارجية.
2- قبلت حكومة الفريق عبود بالمعونة الأمريكية بعد 12 يوم فقط من تسلمها السلطة مشيرة الي أنها لا يوجد فيها ما يهدد أستقلال السودان.ولكنه في ذات الوقت تعاون مع الأتحاد السوفيتي.نسبة للنظام الأبوي الذي فرضه الفريق عبود فقد أنفتح علي دول العالم، وتركزت العلاقات الخارجية علي ما يعرف بدبلوماسية القمة أو الدبلوماسية الرئاسية حيث زار السودان في تلك الفترة في زيارات متبادلة الملكة اليزابث الثانية، وبرجينيف السكرتير العام للحزب الشيوعي ، والرئيس اليوغسلافي تيتو ، ورئيس وزراء الصين شواي لاي ، ونائب الرئيس الأمريكي نيكسون.
3- حسب مذكرات السفير ابوبكر عثمان صالح الذي كان يشغل مدير الادارة السياسية بالانابة ان حكومة الفريق عبود لم يكن لها تصور واضح للسياسة الخارجية حيث طلب وكيل الخارجية محمد عثمان يس حينها من دبلوماسيي القسم السياسي وضع تصور للسياسة الخارجية للحكومة الجديدة.واقترح الدبلوماسي مهدي مصطفي الهادي وضع فقرة للاعتراف بالصين الشعبية ليتناسب ذلك مع زخم الثورة الجديدة.ولدهشتهم فقد اجاز الوزير احمد خير مسودة البيان واعترف السودان بالصين الشعبية وهو اقتراح من ناشئة السلك الدبلوماسي كما يقال في ادبيات وزارة الخارجية.ولقيت الخطوة ترحيبا كبيرا في دول المعسكر الاشتراكي.
4- كان الوزير احمد خير عراب دبلوماسية التنمية حيث قال قولته المشهورة انه يريد ان يحول السفارات الي دكاكين لبيع ولتسويق المنتجات السودانية.كما كان لأحمد خير فيلسوف وعراب النظام دورا كبيرا في تطوير وزارة الخارجية حيث حرص علي تدريب ناشئة السلك الدبلوماسي ، وأعطائهم الثقة والدفع المطلوب لأمتلاك روح المبادرة.
5- كان لنظام عبود توجها أقتصاديا واضحا في السياسة الخارجية ، حيث أستقطب القروض والمعونات الخارجية حيث تم أقامة مصانع كسلا لتعليب بكريمة ومصنع تجفيف البصل في كسلا.كما قامت المعونة الأمريكية بتنفيذ مشروع الجنيد ، وطريق الخرطوم مدني وبعض المشروعات الأخري.
6- نزع نظام الفريق عبود فتيل التوتر مع مصر، حيث قام بتهدئة قضية حلايب، وتوقيع أتفاقية مياه النيل التي أكدت الأيام ظلمها البين للسودان.وقد اعترض ممثل وزارة الخارجية الوكيل محمد عثمان يس علي بند التعويضات فاستعمل الوزير طلعت فريد سلطاته كرئيس للوفد لتمرير قراره فأستقال وكيل الخارجية من عضوية الوفد أحتجاجا وعاد قافلا الي الخرطوم.
7- شارك السودان في كل جهود تأسيس العمل الافريقي المشترك خاصة كعضو مؤسس لمنظمة الوحد الافريقية حيث شارك السودان في صياغة الميثاق الذي نص دعم وحدة افريقيا وتضامنها في 25 مايو 1963.
8- لعب السودان دورا محوريا في لجنة تصفية الاستعمار في الامم المتحدة ، وأستصدار القرار التاريخي 1514 الخاص بحق تقرير المصير ومنح الاستقلال للدول والشعوب التي ترزح تحت الاستعمار عام 1962.
9- زار المناضل نيلسون مانديلا السودان في اغسطس 1962 مصحوبا برئيسه ورفيقه اوليفر تامبو، وتم بمنحه جوازا سودانيا ودعما ماليا مقدرا لدعم حركة التحرر.
الفترة الديمقراطية الثانية 1964-1969:
1- لقد أسهمت شعارات أكتوبر "التطهير واجب واطني" في أضعاف الخدمة المدنية بوجه عام وقد تأثرت وزارة الخارجية جراء ذلك.
2- أسهمت روح أكتوبر في الدفع بأتباع سياسة خارجية متحررة تمثلت في تأييد حركات التحرر العربية والأفريقية مثل ثورة الجنوب العربي في عدن والثورة الأريترية.وهي أستمرار لذات النهج الذي سار عليه وزير خارجية أكتوبر محمد أحمد المحجوب عندما كان وزيرا في الديمقراطية الأولي، وكذلك الدعم المتواصل لحركة عدم الأنحياز.
3- لعل أبرز أنجازات الحكومة الأنتقالية برئاسة سرالختم الخليفة هي أنعقاد مؤتمر المائدة المستدير حول مشكلة جنوب السودان بالخرطوم في مارس 1965 بحضور مراقبين من الدول العربية والأفريقية.والأنفتاح علي حركات التحرر في العالمين العربي والأفريقي.
4- رغم مناخ الأضطراب السياسي الذي شهدته الفترة الديمقراطية الثانية في يونيو 1965، وتعدد الحكومات إلا أن السودان أستطاع أن يحدث أختراقا دبلوماسيا هاما وهو أنعقاد مؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم عام 1967.أستثمر السودان روح القبول التي كان يحظي بها لوسطيته المسماحة في العالم العالم العربي لتنقية الأجواء العربية حيث جمع بين الزعيمين جمال عبدالناصر والملك فيصل .وكان الزعيم علي الميرغني قد أوفد مبعوثه الخاص أبنه المرحوم أحمد الميرغني الي السعودية لدعوة الملك فيصل.كما تولي وزير الخارجية المحجوب دعوة عبدالناصر.وقد جمع المحجوب بين الزعيمين في منزله وقد فصل كل ذلك في مشهد رائع في كتابه الديمقراطية في الميزان.
5- أستطاع مؤتمر الخرطوم أن يضع لبنات العمل العربي المشترك لمجابهة العدوان حيث تم تكفلت الدول النفطية الغنية بتقديم الدعم المالي لدول المواجهة، وخصص المؤتمر 13 مليون دولار دعم سنوي للسودان وأعتباره أحد دول المواجهة عرفانا لدوره في جمع الصف العربي، إلا أن المحجوب أعترض بنخوة سودانية وكبرياء وطني مؤكدا أن السودان يقوم بواجبه الوطني والقومي ولا يريد مكافأة مالية مقابل ذلك.
6- قام السودان في أطار تضامنه العربي بقطع علاقاته الدبلوماسية بالولايات المتحدة وبريطانيا لموقفهما المؤيد لأسرائيل، وشهدت العلاقات جراء ذلك تحولا نوعيا تجاه الأتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية.
7- أنضم في تلك الفترة رئيس وزراء أكتوبر الأستاذ الراحل سر الختم الخليفة الي بيت الدبلوماسية حيث أصبح سفيراً في وزارة الخارجية في الاعوام 1965 وحتى عام 1969م . وقد تولى ابان عمله في وزارة الخارجية أعباء رئاسة السفارة السودانية في روما ، وبعدها رئاسة بعثتنا الدبلوماسية في لندن .
نظام مايو 1969-1985:
1- نسبة للتوجهات اليسارية والعروبية لنظام مايو أصبح للأيدلوجيا ولأول مرة دورا هاما في السياسة الخارجية.
2- تميزت الفترة من مايو 69 وحتي يونيو 1971 بمد يساري جارف أدي الي تأميم الصحف والشركات والبنوك مما كان له أبلغ الأثر علي توجهات السياسة الخارجية، وقد أرتبط النظام في بداياته بالمعسكر الأشتراكي حيث تم الاعتراف بالمانيا الشرقية.ولم يكن لوزارة الخارجية أي دور يذكر سوي أنفاذ توجيهات السياسة العليا .
3- من المحطات الهامة في هذه الفترة مشروع الوحدة الثلاثية بين مصر،السودان وليبيا.فبينما كان الرئيس عبدالناصر متفهما لظروف السودان يشاركه الصحفي الكبير هيكل في خطورة انضمام السودان لأي تكتل عربي وحدوي نسبة للتنوع الديمغرافي الكبير في السودان ، كان العقيد القذافي متحمسا للوحدة دون أبطاء.كان عبدالناصر يؤكد أن التحرر يسبق الوحدة.وكان الرئيس نميري للحقيقة يظن أن التعجيل بالوحدة العربية سيضر بقضية الوحدة الوطنية داخل السودان سيما وأن قضية الجنوب لم تحل بعد.وتم توقيع ميثاق طرابلس كأطار عام للوحدة في 1969 وكان السودان يتبني أسلوب التكامل وصولا الي وحدة دستورية متدرجة.بينما كان القذافي يتعجل وحدة سياسية فورية.وأضطر القذافي الي مخاطبة الجماهير في أم درمان مناديا بفصل الجنوب لأنه يشكل عائقا للوحدة الفورية.كما كان يظن ان الشيوعيين في نظام مايو هم العقبة الرئيسية في طريق الوحدة الثلاثية.
4- بعد فشل أنقلاب هاشم العطا حدث تحول جذري في النظام، حيث تم الأرتباط بكتلة الغربية، وصار من أولويات السياسة الخارجية أنهاء الحرب في جنوب السودان.وأستطاع نميري من أيقاف الحرب بتوقيع أتفاقية أديس أبابا 1972.كما شهدت تلك الفترة تدفقا في المعونات الخارجية وأنشاء كثير من المشروعات التنموية ، وقد أضطلعت وزارة الخارجية بجهد كبير في هذا الصدد.
5- ساهم الدكتور منصور خالد وزير الخارجية وقتها في خلق نقلة في العمل الدبلوماسي ، حيث تم مأسسة العمل وتوسيعه وأستحداث أدارات جديدة وقبول مجموعات أضافية من ناشئة السلك الدبلوماسي كما أهتم بتأهيل وتدريب الدبلوماسيين.كما عمل علي تفعيل دبلوماسية التنمية مما أدي الي أستقطاب الأستثمارات العربية والغربية للدفع بعجلة التنمية في البلاد.
6- ركز الدستور الدائم لعام 1973 السلطات في يد السيد رئيس الجمهورية،بيد أنه أحتوي علي تفصيل أكثر من الدساتير السابقة فيما يتعلق بالشئون الخارجية ، مثل تعريف الدولة بأنها جزء من الكيانين العربي والأفريقي ومثل سلطة أبرام المعاهدات والتصديق عليها..كما حفلت وثائق مايو السياسية بأدبيات جديدة في مجال السياسة الخارجية التي تم تفصيلها في ميثاق العمل الوطني.
7- قادت التوترات مع ليبيا نتيجة للتقارب بين نميري والسادات الي التعجيل بالحركة الوطنية عام 1976 التي وصفها نميري بحركة المرتزقة.وشهدت تلك الفترة تقاربا مع مصر حيث تم عقد أتفاقية الدفاع المشترك، وأتفاقية التكامل وقد أدي موقف نميري المساند للسادات بعد توقيع أتفاقية كامب ديفيد الي أضعاف موقف السودان داخل دائرة الأنتماء العربي.
8- قام السودان خلال تلك الفترة بدعم العديد من حركات التحرر الأفريقية ،في رواندا وأنقولا حيث ذكر السفير الراحل عبدالهادي الصديق في كتابه الأفريقانية أن السودان قدم حميرا لحركة التحرير في أنقولا بعد أن أتلف حبالها الصوتية لحمل العتاد الحربي كمجهود متميز لدعم حركات التمرد الافريقية.
9- تطورت علاقات السودان الخارجية مع الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة حيث ظل السودان من أكبر الدول المتلقية للمساعدات الأمريكية جنوب الصحراء حتي مطلع الثمانينات.
10- أدي القرار المرتجل الذي أصدره الرئيس نميري بأغلاق أكثر من 20 سفارة في الخارج الي أحداث هزة عنيفة في العمل الدبلوماسي، حيث تم بيع الأثاثات والممتلكات في مزادات علنية، وقد عرضت بعض الدول تغطية نفقات بعض السفارات علي أراضيها مثل الكويت إلا أن الرئيس رفض ذلك..وأضطر الرئيس نميري الي التراجع عن القرار بعد فترة مما كلف الدولة نفقات أضافية لأعادة شراء وتأجير وتأثيث السفارات من جديد.وقد فصل السفير أحمد دياب في مذكراته بعضا من هذه المشاهد.
11- تعد الفترة من 1983 وحتي سقوط النظام في عام 1985 من أسوأ فترات العمل الدبوماسي، حيث شهدت تلك الفترة توسعا في سلطات جهاز الأمن الخارجية مما أدي الي تقاطعات حادة مع العمل الدبلوماسي، ولعل خير شاهد هو أن عملية ترحيل الفلاشا لم تشرك أو تستشار فيها وزارة الخارجية ، وكذلك لقاء الرئيس نميري بشارون في نيروبي عام 1982.
12- شهدت تلك الفترة أستعانة نميري بمستشارين من خارج السودان لرسم وتحقيق أهداف سياسته الخارجية، وأعتماده علي الدبلوماسية الرئاسية ، ودبلوماسية المبعوثين الشخصيين.شهدت تلك الفترة توسع تمثيل الوكالات الحكومية الأخري في السفارات الخارجية، حيث درج جهاز الأمن علي أرسال مندوبين تحت الغطاء الدبلوماسي مما أساء الي العلاقات بين الجاليات والسفارات الخارجية.كما تم تعيين كثير من ضباط الجيش المحالين للتقاعد سفراء في الخارجية.وقد سعت وزارة الخارجية لاحقا لتقنيين هذا الوضع بتحديد فترة عمل السفراء القادمين من مؤسسات اخري تنتهي بفترة عملهم في الخارج ولا يتم أعتمادهم سفراء دائمين في السلك الدبلوماسي وذلك لأثراء وتنوع العمل والأستفادة من خبراتهم كما تفعل العديد من دول العالم.
13- ساءت علاقات السودان الخارجية بعد أعلان نميري تقسيم الجنوب الي ثلاثة أقاليم مما أشعل حرب الجنوب مرة أخري تحت لواء الحركة الشعبية لتحرير السودان تحت قيادة جون قرنق . وقد أدي ذلك الي عزلة أقليمية ودولية ، كما تم تقليص المعونات الخارجية خاصة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.حتي قامت الأنتفاضة في أبريل 1985م.
14- خلاصة القول أن الأضطراب السياسي والضعف الذي أصاب عصب النظام في أيامه الأخيرة أنعكس سلبا علي الأداء الدبلوماسي..وقد ساهم كثير من السفراء والدبلوماسيين الوطنيين في الدفع بعجلة التغيير كل حسب موقعه وقدرته، ولم تعزل الدبلوماسية بذلك نفسها عن مسار التطورات الوطنية في الداخل .
حكومة أبريل الأنتقالية 1985-1986م:
1- أعلن البيان رقم 3 الصادر في 6 أبريل أعادة التوازن لسياسة السودان الخارجية في علاقاته الثنائية مع دول الجوار بصفة خاصة ومع بقية دول العالم والمنظمات الدولية والأقليمية بصفة عامة.وتم علي هذا الأساس أعادة العلاقات مع ليبيا وأثيوبيا كما تم أعلان التمسك بمبادئ عدم الأنحياز أضافة الي تأكيد الأنتماء العربي ، الأفريقي والأسلامي للسودان.
2- تأكيدا لذلك نص الدستور الأنتقالي لعام 1985 في المادة14علي: "تقوم سياسة الدولة الخارجية على مبادئ عدم الانحياز وتوطيد السلام العالمي وفض المنازعات الدولية و الإقليمية بالطرق السلمية ورعاية حسن الجوار وتوطيد العلاقات مع الشعوب كافة لاسيما الشعوب العربية والأفريقية والإسلامية" .
3- قامت الدبلوماسية السودانية بالتبشير بالحكم الديمقراطي الجديد وأنفاذ موجهات السياسة الخارجية ، ومحاولة كنس آثار مايو من أروقة الدبلوماسية السودانية ، ولكن الشعارات كانت أكبر أنجازات العمل الفعلي.وتأكيدا لهذه المعاني فقد قاد سفنية الدبلوماسية في هذه الفترة السفير أبراهيم طه أيوب الذي تقلد وزارة الخارجية وهو أحد أبنائها الذين ترعرعوا في عرصاتها.
4- ساهمت الدبلوماسية أيضا في مواجهة المجاعة التي ضربت بعض أقاليم السودان ، حيث تم أستقطاب الدعم العربي والأسلامي ، وتنظيم العمل الأغاثي والأنساني مع المنظمات وهيئات الأمم المتحدة المختلفة.
الديمقراطية الثالثة 1986-1989:
1- كان السودان عقب أنتفاضة أبريل عاكفا كله علي كنس آثار مايو ، وأستدامة النظام الديمقراطي.
2- كانت التحديات التي تواجه السودان هي أيقاف حرب الجنوب ، أستدامة النظام الديمقرطي وتحسين الوضع الأقتصادي ، ومجابهة الكوارث الطبيعية وتحسين العلاقات مع دول الجوار خاصة أثيوبيا ،يوغندا ومصر.
3- رغم الكفاءات التي توفرت لقيادة العمل الدبلوماسي علي المستوي الوزاري إلا أن عدم الأستقرار السياسي وتعدد الحكومات أضعف من مردودها في تحقيق أهداف السياسة الخارجية.
4- قاد أختلاف الأحزاب الكبيرة في أهدافها ، برامجها وتوجهاتها الي وجود تناقضات في التطبيق العملي لأهداف السياسة الخارجية المعلنة والتي قامت علي تأكيد أنتماءات السودان العربية، الأفريقية والأسلامية، والألتزام بعدم المحورية والتوازن بين المعسكرين.
5- ذكر السفير الأمريكي السابق في السودان دونالد بترسون في مذكراته Inside Sudan أبان ذلك العهد أن من دلائل التناقضات في السياسة الخارجية هي تقارب حزب الأمة بزعامة رئيس الوزراء الصادق المهدي مع ليبيا وأيران وتوتر علاقاته مع مصر رغم توقيع ميثاق الأخاء.بينما قاد الحزب الأتحادي بزعامة الميرغني خط التقارب مع مصر ، العراق والسعودية.مما قاد الي توترات مع بعض دول الجوار.
6- رغم الأتفاق النظري علي توجهات السياسة الخارجية ، إلا أن الممارسة العملية اليومية جعلت من الأحزاب خارج المنظومة الحكومية أدوات فاعلة في صنع السياسة الخارجية.فقد عطل من قدرات وزارة الخارجية تغير الحكومات الوطنية ، وعدم أتفاق القوي الرئيسية علي ثوابت وطنية في شأن السياسة الخارجية..
7- أثرت رؤية الأحزاب لحل القضايا الداخلية في أضعاف مرود السياسة الخارجية ، فأتفاقية كوكادام عارضتها الجبهة الأسلامية ووقع عليها حزب الأمة.وأتفاقية الميرغني قرنق في عام 1989 عارضتها الجبهة وتحفظ عليها حزب الأمة..كما أن الديمقراطية الوليدة لم تجد ترحيبا من القوي الأقيلمية خوفا من يتسع مداها لتؤثر علي دولهم.
8- هناك أنجازات للدبلوماسية السودانية في هذه الفترة وهي أستقطاب الدعم المالي من نادي باريس والصناديق الأخري لدعم الزراعة والسلع والخدمات.
9- الحصول علي الدعم المالي والعسكري من الدول العربية لمحاربة الحركة الشعبية مثل تحرير الكرمك وقيسان الذي تم بسلاح عراقي حصل عليه الحزب الأتحادي الديمقراطي.
10- أستقلال القرار الوطني ، أذ أنه رغم الأضطراب السياسي إلا أن السودان في هذا العهد الديمقراطي شهدا أستقلالا للقرار الوطني ووقف الأملاءات الخارجية رغم التحالفات المعلومة في المحيط الأقليمي للنخبة الحاكمة.
11- تحريك قضية السلام، ومحاولة أحداث أختراق تاريخي فيها –أتفاقية الميرغني قرنق- رغم الأختلافات بين القوي السياسية.
حكومة الأنقاذ 1989-2005:
1- رحبت كثير من الدول في المحيطين الدولي والأقليمي بالتغيير الذي حدث في يونيو 1989 لفشل النظام الديمقراطي في تطوير نفسه وعجزه عن حل مشاكل السودان . وقد أستعملت مصر دبلوماسيتها ومكانتها الأقليمية في تقديم الحكم الجديد الي الدول العربية وبقية دول العالم، نسبة لضيقها بالنظام الديمقراطي في السودان.
2- برز العامل الأيدلوجي مرة أخري في مسار السياسية الخارجية.وجاءت أولي تحديات السياسة الخارجية للنظام الجديد في السودان بأشتعال حرب الخليج عام 1990. ونسبة لحداثة نظام الأنقاذ في معترك السياسة الدولية فقد تبني موقفا مغايرا للقوي التقليدية في المنطقة إذ نادي بحل القضية داخل البيت العربي ومنع تدخل القوات الأجنبية في الأقليم.ووقف ضد أدانة العراق داخل مجلس الجامعة العربية لفتح باب الوفاق بأعتبار أن الأدانة تغلق باب الحل نهائيا.
3- كان جوهر أعتراض السودان هو أن القمة حاولت أعطاء غطاءا شرعيا للتدخل الأجنبي في المنطقة..وقدم السودان ، والأردن واليمن ، ليبيا والجزائر مشروع قرار لتكوين لجنة مصغرة للأتصال بأطراف النزاع ، وأرسال قوات عربية تحل محل القوات الأجنبية..
4- عقد من الموقف أنفجار الشارع السوداني المؤيد للعراق بتحريض من قواعد حزب البعث.قاد ذلك الي تصنيفه ضمن دول الضد المناصرة للعراق وتم تبني سياسة جديدة لعزله من محيطه الأقليمي عقابا له علي موقفه.
5- قامت الأنقاذ بتعيين السفير علي سحلول وزيرا للخارجية، وخلقت دبلوماسية شعبية موازية لأغراض الأتصال والتواصل مع المجموعات المختلفة..ولعل من أكبر أخطاء تلك الفترة هي عزل كثير من الكفاءات الدبلوماسية بدعاوي التشكيك في أنتماءاتها السياسية أو الوطنية،مما زاد من حدة الأستقطاب السياسي ضد نظام الأنقاذ.
6- أستفاد التجمع الديمقراطي بالخارج من موقف الحكومة في حرب الخليج وقام بتعزيز صلاته مع دول الخليج لكسب تعاطفها ودعمها لأسقاط حكومة الأنقاذ.
7- أخطأ منظروا السياسة الخارجية في تشريح الواقع الدولي والأقليمي ، حيث توقعت الأستراتيجية القومية الشاملة زوال نظام القطب الواحد وبروز نظام عالمي جديد متعدد القطبية.مما يعني أن خيارات الحكومة في السياسة الخارجية هي مصادمة القطب الواحد وخلق تحالفات مع الأقطاب الأخري الناهضة.
8- أدي أنهيار الأتحاد السوفيتي الي خلل عميق في موازيين القوي لم تنتبه الي مآلاته كثير من دول العالم..
9- تصاعد أشتعال حرب الجنوب أدي الي أبتدار حملة شرسة تندد بأتهامات الأضطهاد الديني ، التطهير العرقي ، أنتهاكات حقوق الأنسان..وقد تحملت الدبلوماسية السودانية عبء التصدي لهذه الحملات ، والترويج لخيارات السلام عبر التفاوض السياسي وحل النزاعات سلميا.
10- ظلت حكومة الأنقاذ في فترتها الأولي منفعلة بمواقفها الأصولية في قضايا السياسة الدولية،وقد غاب عنها الحس الواقعي في تقدير مهددات الأمن القومي..ومثالا لذلك فقد أحتوت الأهداف العليا لسياسة السودان الخارجية التي نشرتها الأستراتيجية القومية الشاملة علي جعل السودان مركزا للتحرر من الهيمنة الغربية الجائرة علي موازيين القوي ومأوي للمستضعفين ونصرة المغلوبين والقيام بواجب المساندة والتأييد للشعب الفلسطيني في قضيته العادلة ودعم الأقليات الأسلامية المقهورة ومناهضة الأستبداد العرقي في أفريقيا الجنوبية..ولا يمكن بطبيعة الحال أن تكون هذه أحدي أهداف سياسة السودان العليا في وقت تسود فيه القطبية الواحدة التي خرجت منتصرة علي أكبر الأمبراطويات المعاصرة.وهي لم تراع الي حد ما تعقيدات الوضع في السودان الذي يواجه حرب أستنزاف أهلية ومهددات أمنية متطاولة ووضع أقتصادي مأزوم يحتاج فيها الي النصير الأقليمي والسند العالمي والأستثمارات الأجنبية.
11- أفرزت كل هذه التداعيات تعقيدات في العلاقات الخارجية التي شهدت توترات متصلة مع دول الجوار، أدت الي أن تشن ثلاث دول مجاورة بالتحالف مع الحركة الشعبية حربا شعواء ضد السودان.
12- كما تم فرض عقوبات أممية علي خلفية أتهامات متطاولة.
13- تصدت الدبلوماسية السودانية بحس واقعي شفاف الي حل هذه التوترات فبدأت بالقوي الأقليمية المؤثرة حيث تم تطبيع العلاقات مع مصر ، والسعودية ، أثيوبيا ، وأنتقلت الي دول الخليج حتي تم الغاء قائمة دول الضد..
14- تصدت الدبلوماسية السودانية لأشرس حملة في تاريخها الحديث ،عن أتهامات الأرهاب، حقوق الأنسان، الأضطهاد الديني ، التطهير العرقي، الترحيل القسري..وهلمجرا..ونجحت عبر المنابر الأقليمية في رفع العقوبات الأممية..فكانت خط الدفاع الأول عن الأمن القومي ، وأستطاعت أن تحدث تحولات ملموسة في توجهات السياسة الخارجية التي أصبحت تنحوا للواقعية والموضوعية.
15- تبنت الدبلوماسية سياسة الأتجاه شرقا لكسر حصار العزلة الأقتصادية ، حيث تم أستقطاب الأستثمارات من دول شرق آسيا والهند والصين للأستثمار في مجال الطاقة ومشروعات البنية التحتية.
16- حاول دستور عام 1998 أن يحدث تحولا في موجهات السياسة الخارجية وأهدافها العليا التي كانت سائدة من قبل حيث ذكرت المادة 17 بأن "تدار السياسة الخارجية لجمهورية السودان بعزة واستقلال وانفتاح وتفاعل ، من أجل إبلاغ رسالة المبادئ السامية ، وبلوغ المصالح العليا للبلاد وللإنسانية كافة ، وذلك بالسعي خاصة لتوطيد السلم والأمن العالمي ، وترقية التدابير لفض المنازعات الدولية بالحسنى ودفع التعاون في كل مجالات الحياة مع سائر الدول ، ولرعاية حق الجوار وعدم التدخل عدوانا في الشئون الداخلية للآخرين ، ولاحترام الحقوق والحريات الأساسية والواجبات والفضائل الدينية المثلى للناس جميعا ، ولحوار المذاهب والحضارات ، ولتبادل المنافع المثلى للناس جميعا".
17- قاد السودان أنجح حملة دبلوماسية بأعتراف الأمريكيين بعد ضرب مصنع الشفاء.حيث أستخدمت الولايات المتحدة يوم 20 أغسطس1998 عدد 13 صاروخ توما هوك لضرب المصنع بتوجيه مباشر من الرئيس كلنتون.
18- كان الأتهام الأساسي أن المصنع يملكه بن لادن وأنه ينتج غاز الأعصاب أكس لأستخدامه في الأسلحة البيلوجية. قام السودان بأدانة العملية بأعتبارها عملا أجراميا وتم فتح المصنع اليوم الثاني للصحفيين ورجال الأعلام..وكشفت الحكومة بالوثائق أن المصنع يملكه رجال أعمال سوداني وينتج نصف حاجة البلاد من الدواء..وكيف يتثني للمصنع أن ينتج هذا النوع من الغازات وهو موجود في قلب المنطقة الصناعية المأهولة بالسكان ، كما أن ضرب المصنع كان كافيا لتسرب الغاز وقتل السكان في المحيط الجغرافي للمصنع.طالبت الخرطوم من واشنطون أبراز أدلتها علي أن المصنع ينتج غازا ساما إلا أنها تمسكت بسرية أدلتها..وقام السودان بمساعدة بعض الأصدقاء الطلب من مجلس الأمن أرسال بعثة تقصي حقائق فعارضت الولايات المتحدة الطلب..
19- شنت الدبلوماسية السودانية حملة مكثفة في كل العواصم والمنابر الدولية ضد واشنطون تطالبها بأبراز الادلة وتطالب بأرسال بعثة تقصي حقائق لموقع المصنع. وقدم الصحفي السوداني محمد عثمان المقيم في أستراليا مقالا متميزا رصد فيه تطورات القضية. ولعل أقوي شهادة دعمت من موقف السودان هو ما أدلي به المهندس البريطاني توماس قرانفين والذي عمل مديرا فنيا للمصنع ونقلته الصحافة العالمية.في حينها حيث أكد أن المصنع لم يكن يحتوي على شيء سري و لم يكن تحت حراسة مشددة كما إنه لم يشهد قط أي دليل على إنتاج مكون لإنتاج غاز الأعصاب.
20- ولعل التطور القانوني الأهم هو أن النائب الجمهوري دانا رورباشار طالب في 28 سبتمبر 2000 بتشريع من المحكمة المختصة لدراسة ضرب مصنع الشفاء للأدوية في العاصمة السودانية والنظر في منح صاحبه رجل الأعمال السوداني صلاح ادريس تعويضاً ب50 مليون دولار.كما جمدت الحكومة مبلغ 25 مليون لصلاح أدريس في بانك أوف أمريكا.
21- أنتقد أيضا المفكر الأمريكي المرموق نوام تشومسكي قرار قصف المصنع وقال كان عملاً مرعباً قامت به حكومة الولايات المتحدة . و أوضح تشومسكي في إدانته الخالدة تلك إن ذلك القصف يشابه ( جرائم أخرى كبرى ) مثل إغتيال لوممبا الذى أدى إلى سقوط الكونغو في وحل من الذبح ما يزال مستمراً و كإنقلاب غواتيمالا عام 1954 م الذي أوقع البلاد بعده في 40 سنة من الفظائع.
22- استطاع السودان أن يحشد التأييد الدولي والأقليمي مطالبا مجلس الأمن في كل سنة للوفاء بالتزاماته تجاه القضية وفقا لقواعد القانون الدولي..وقد أيدت الجامعة العربية ، الاتحاد الأفرقي والمنظمة الؤتمر الأسلامي طلب السودان العادل في هذا الصدد.
23- ساهمت الدبلوماسية السودانية في أستكمال مسيرة السلام حتي تم توقيع أتفاقية السلام الشامل في يناير 2005..وقد أكدت الأتفاقية أن أهداف السياسة الخارجية خلال الفترة الأنتقالية هي تحقيق المصالح القومية العليا للبلاد من خلال دعم التكامل الأقليمي ، ورعاية مبادئ حسن الجوار وغيرها..
24- أكد دستور السودان الأنتقالي لعام 2005 علي ذات المعاني ودعا لعدم التدخل في شئون الآخرين.كما فصلت خطط وزارة الخارجية في ضرورة الترويج لأتفاقية السلام وتوفير الدعم الدولي والأقليمي لتطبيقها كما دعت الي الاهتمام بأوضاع السودانيين بدول المهجر ومتابعة ورعاية مصالحهم وحل مشاكلهم والعمل على ربطهم بقضايا البلاد، وتشجيعهم للعودة إلى الوطن والمساهمة في إعماره وتطويره .
25- كان من المؤمل أن تسهم الأتفاقية في تطوير علاقات السودان الخارجية ، إلا أن حل قضية دارفور ما زالت تمثل عقبة كأداء لبلوغ هذه الغايات والمقاصد.
26- من أهم أنجازات الدبلوماسية في هذه الفترة هي توسيع دائرة التمثيل الدبلوماسي حيث تم أفتتاح عدد كبير من السفارات في عدد من القارات خاصة أمريكا الجنوبية ، و أفريقيا..
27- كسر حاجز الحصار الأقتصادي وجذب الأستثمارات الخارجية والأسهام في جهود النهوض الأقتصادي.
28- زيادة الكادر الدبلوماسي وأستيعاب النسبة المقررة في الأتفاقية من ابناء جنوب السودان في الوزارة.
29- الحفاظ علي أستقلالية القرار السياسي مواصلة للنهج الذي كان سائدا في الديمقراطية الثالثة.
30- التصدي لمهددات الأمن القومي بأعتبارها خط الدفاع الأول، والأسهام في مشروعات السلام في جوانبها المختلفة.ولعل التحدي الأكبر للدبلوماسية في الوقت الراهن هو أحلال السلام في دارفور، معالجة أزمة المحكمة الجنائية الدولية والوصول بأتفاقية السلام الشامل الي بر الأمان.
31- لعل الأنجاز النوعي الأهم هو ترفيع التمثيل الدبلوماسي للمرأة حيث تم تعيين سفيرات لأول مرة في السلك الدبلوماسي بعد أن كان سقفها الوظيفي لا يتعدي درجة الوزير المفوض.وأحتكرت أقنس لوكود أول حاكمة علي ولاية سودانية في التاريخ الحديث لتكون كذلك أول سفيرة لتمثيل السودان خارجيا..ومع أزدياد نسبة الدبلوماسيات في السلك أزداد كذلك عدد السفيرات الاتي يمثلن السودان في الخارج حتي بلغن في الوقت الراهن أكثر من خمسة سفيرات يعملن كرئيسات للبعثات الدبلوماسية في الخارج وأكثر من ذلك في درجة السفير داخل الوزارة.
خاتمة:
1- رغم تقلب العهود السياسية عبر الحقب المختلفة إلا أن الدبلوماسية السودانية حافظت علي شخصيتها الأعتبارية كمؤسسة وطنية صميمة، أدت عملها بمهنية عالية وأحترافية متميزة.
2- أعطي الرعيل الأول من السياسيين الوطنيين الدبلوماسية حقها من الأحترام والتوقير، وحافظوا علي تقاليدها الراسخة وأستقلاليتها دون تدخل يخل بالتزاماتها المهنية.
3- توفرت علي الدوام وفي جميع الحقب السياسية قيادة وزارية متفهمة لمقتضيات الوظيفة الدبلوماسية فعملت علي دعمها وترقيتها..
4- رغم أن الدبلوماسية لا تشارك بطبيعة عملها في صنع السياسة الخارجية، إلا أن قدمت أستشارات وتوصيات مهنية رفيعة لصانعي السياسات لأتخاذ الخيارات المناسبة، كما أنها تصدت لمهددات الأمن القومي.
5- أحدي أوجه قصورها هي ضعف تواصلها مع المجتمع السوداني ، الذي ينظر اليها بأنها مؤسسة للنخبة والبيروقراطية ..مما جعل معظم أفراد المجتمع السوداني لا يلمون حتي بمسميات الدرجات والرتب الوظيفية للسلك الدبلوماسي.وهذا رغم أن معظم دبلوماسي الخارجية من أهل الأبداع الأدبي و الفني.
6- الدبلوماسية كمؤسسة تعاني أيضا من أمراض الخدمة المدنية.وهي قد أضرها التشريد والتطهير السياسي.لان حملة الافكار من الخلفيات المتباينة تثري من العمل الدبلوماسي طالما كانت الوطنية هاديا ومرشدا والسودانية توجها اصيلا.
7- ظلت وزارة الخارجية تتحلي في معظم الأوقات بانضباط مهني رفيع نسبة للتقاليد الراسخة والمرعية، وما تزال موئلا لقادة البلاد في توخي الاستشارات في كل ما يتصل بالشأن الخارجي لثباتها علي التوجهات القومية والوطنية.فمثلا أستمع الرئيس الأزهري الي نصح سفيره مصطفي مدني في لبنان بعدم تلبية دعوة الجامعة الأمريكية عام 1967 لحضور أحتفالات قدامي الخريجين رغم رغبته الشخصية وحرصه علي الحضور ، خوفا من أن تفسر سلبا أثناء الوضع الملتهب المعادي لأمريكا في ذلك الوقت..وذلك موقف السفير محمد الأمين عبدالله الذي رفض أيصال رسالة من الرئيس نميري الي الرئيس الأيطالي أحتجاجا علي أنها غير مصحوبة بصورة خارجية تمكنه من معرفة محتوي الرسالة لأنها لا يمكن أن يكون كالحمار يحمل أسفارا.فأعتذر له الرئيس نميري وعاقب من أرسل الرسالة بتلك الطريقة.
8- أختم بكلمة قالها لي دبلوماسي أمريكي بواشنطون أن السودان سيتحول الي قوة أقليمية كبري في القريب العاجل إذا أستطاع أن يحقق السلام لأنه يتمتع بدبلوماسية نشطة وذات مهنية رفيعة تستطيع أن تقود السودان وتضعه في مقدمة شعوب المنطقة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.