قالت إنّها خرجت من آلية تحديد أسعار الوقود..الطاقة تكشف تفاصيل 20 باخرة في محيط البحر الأحمر    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    شاهد بالفيديو.. الفنانة هدى عربي تخلع حذائها أثناء الحفل وتدخل في وصلة رقص مثيرة    اختبار نسخة مدفوعة جديدة من "إنستغرام"    "آبل" تستعد لإطلاق أول آيفون قابل للطي    النفط ينخفض 1% بعد تقرير ترامب إنهاء حرب إيران    "يغفر الله للجميع إلا باجيو!".. مأساة اللاعب الذي مات واقفا – فيديو    عيد ميلاد إيمى سمير غانم.. خطوات ثابتة واختيارات مدروسة فى مسيرتها الفنية    قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    (أماجوجو والنقطة 54)    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر والسودان: أوكازيون الأموال المنهوبة .. بقلم: مصطفى عبد العزيز البطل
نشر في سودانيل يوم 25 - 05 - 2011


يا مبارك يا طيار فين السبعين مليار؟
[email protected]
(1)
مع دخول الصيف بدأ في مصر موسم الأوكازيونات. لا أعرف أصل كلمة أوكازيون. سعيت الى المعاجم الإلكترونية فلم أهتدِ الى شيء سوى شروحات سطحية مثل: (موعد يتم فيه خفض الأسعار)، ولكن مصدر الكلمة غاب عني. أغلب الظن أن يكون الأصل والمصدر فرنسياً أو إيطالياً. ما علينا. المهم أن موسم الأوكازيونات قد بدأ. في كل مكان تجد لافتات ضخمة تحمل عبارات: تخفيضات كبيرة.. حسومات مدهشة.. تنزيلات هائلة!
(2)
أكبر "تنزيلات" أو "حسومات" هذا الموسم على الإطلاق كان التخفيض الفلكي الذي طرأ على الرقم الكلي للأموال التي (نهبها) الرئيس السابق حسني مبارك. إذ جرى تخفيض المبلغ بصورة مباغتة من سبعين ملياراً، الى أحد عشر ملياراً، ثم الى تسعة مليارات. هكذا، ضربة لازب، تم "حسم" واحد وستين مليار دفعة واحدة. والأوكازيون لا يزال مستمراً، حيث ان المستشار عاصم الجوهري مساعد وزير العدل لشئون جهاز الكسب غير المشروع، المشرف على التحقيقات مع الرئيس السابق وزوجته ورموز النظام الآخرين، لم يقتنع حتى بمبلغ التسعة مليار، إذ استكثر الرجل هذا الرقم في مؤتمره الصحفي المثير الأسبوع الماضي، على أساس أن كل الأرقام المبعثرة على قارعة الإعلام والصحافة لا أساس لها من الصحة، وانها مجرد هلوسات وفرقعات مرسلة في الهواء الطلق. وأبدى الرجل استياءه من الأضواء الكثيفة التي وجدتها تصريحات كان قد أدلى بها في حوار أجرته معه صحيفة "الأهرام" الصحافي الكبير محمد حسنين هيكل الذي نُسبت اليه أرقام ما بعد الأوكازيون. وأمر المستشار الجوهري باستدعاء هيكل للتحقيق معه بخصوص رقم التسعة مليار الأخير، ومطالبته بكشف المصادر التي استند اليها.
(3)
قبل أشهر قليلة أدلى مدعي المحكمة الجنائية الدولية، لويس مورينو اوكامبو، بتصريحات صحفية جاء فيها أن لديه معلومات فحواها أن الرئيس السوداني المشير عمر البشير يحتفظ في بنوك أوربية بمبالغ تصل قيمتها الى تسعة مليار دولار. حاولت متابعة ردود الفعل الداخلية فلم أجد من اهتم بالتصريحات داخل السودان. ولكنني تلمست بعض الصدى بين الإسفيريين من أهل المهاجر. بمرور الزمن غابت الرواية عن ذاكرتي، كما غابت عن غيري. ولكن حالة من الحيوية والانفعال أخذت بتلابيبي عندما تذكرت رقم التسعة مليار التي يفترض أن الرئيس البشير قد نهبها، في نفس الوقت الذي كنت أقرأ فيه تصريحات الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي قام بتنزيل الاموال التي نهبها حسني مبارك من سبعين مليار الى تسعة مليارات!
كما تعلم - أعزك الله - فإنني لا أخفي على أحد ميولي وقناعاتي الوحدوية. أنا أؤمن بوحدة وادي النيل وأدعو لها. وقد نهضت في مقامات كثيرة الى مهمة تبيان القواسم المشتركة التي تجمع بين شعبي الوادي، وتحتم عليهما العمل، يداً واحدة وقلباً واحدا، باتجاه التقارب والوحدة. لذلك فقد وجدت في خبر المليارات التسعة التي (نهبها) رئيسنا المفدى المشير عمر البشير وأودعها بنوك سويسرا وبريطانيا، كما أفادنا أوكامبو، نفعنا الله بعلمه، فألاً طيباً وبشارة خير ودلالة بركة، تدفع بقضية وحدة وادي النيل الى الأمام. ذلك أن (الوحدة) في رقم "تسعة مليار" في الحالتين تقدم لنا - سبحان الله - إضافة نوعية متميزة في مقام القواسم المشتركة الرابطة بين البلدين الشقيقين، تؤمن على خصوصية العلاقة وتجذّرها تجذيراً، فإذا بأصلها ثابت في الأرض "بعمق" تسعة فراسخ، وفرعها في السماء بارتفاع "تسعة مليار" قدم!
هل هي مصادفة أن رقم الأموال التي (نهبها) حسني مبارك، بحسب الأستاذ هيكل، هو تسعة مليارات، والرقم بالنسبة للأموال التي (نهبها) عمر البشير، بحسب اوكامبو، هو تسعة مليارات أيضاً؟! أبداً. لا يمكن ولا يعقل أن تكون المصادفة وحدها هي التي تجعل رئيسين من دولتي وادي النيل ينهبان تسعة مليارات دولار بالضبط، لا تنقص ولا تزيد، لكل واحد منهما؟! بل هو ترتيب إلهي قدري. وإنما أراد رب العالمين أن يبعث لعباده في شقي الوادي برسالة مبطنة جوهرها أن يا شعبي وادي النيل اتحدا، فإن ما يجمع بينكما اكبر مما يفرق. حتى الأموال التي ينهبها رؤساؤكم متحدة. ومما يدعم هذه الرؤية الربانية الصادقة أن الرقم تسعة ليس رقماً اعتيادياً. بل هو من الأرقام الإعجازية المبروكة، ذات القدسية الخاصة عندنا نحن المسلمين. الجنة في الإسلام لها تسعة أسماء، ولسورة الفاتحة، التي هي أفضل آي القرآن المجيد، تسعة أسماء، والغزوات التي قاتل فيها رسولنا الكريم تسع، وآيات موسى الى فرعون تسع، وهلمجرا، فعجائب الرقم تسعة لا تنقضي. لا غرو أن رؤساءنا الفضلاء يحبون في المليارات الرقم تسعة، دون غيره من الأرقام!
(4)
في الحوار المشار اليه والذي أجراه لبيب السباعي رئيس مجلس إدارة "الأهرام، لم يعين هيكل أي مصادر، ولكنه ذكر عبارة بدت لي غريبة الى حد كبير إذ قال: (هذا الرقم يتطابق مع معلومات البنك الدولي والمخابرات المركزية الأمريكية)! أساس الغرابة في تصريح هيكل عندي هو انه في عالم اليوم ليس هناك أسرار من أي نوع حول الأموال والثروات والاستثمارات المكدسة بأسماء الشخصيات الدولية تستدعي أن تتخذ المخابرات الأمريكية من متابعتها ورصدها مجالاً لنشاطها. كما إن البنك الدولي منظمة تحكمها مواثيق ولوائح واختصاصات محددة تتصل بالتمويل التنموي ودعم وتقوية البنيات الأساسية وتقديم المشورة الفنية للدول النامية، وليس من بين هذه المهام رصد الثروات الشخصية للأفراد حول العالم!
هناك جهات معلومة في الولايات المتحدة واوربا تختص برصد وتقديم أدق المعلومات حول ثروات واستثمارات الناس. هذه المهمة ليست صعبة أو معقدة بأي حال من الأحوال. في الولايات المتحدة مثلاً يستطيع أي شخص أن يحصل في ظرف ساعة واحدة على قائمة بممتلكات العبد الفقير لمولاه كاتب هذه الكلمات. لن يكلفه الأمر أكثر من أن يذهب الى مكتب العقارات ببلدية داكوتا، ويقدم طلباً مكتوباً يعلن فيه رغبته في معرفة العقارات والاستثمارات المسجلة باسمي. وفي ظرف وجيز سيجيب المكتب طلبه فيتحصل على رقم المنزل الذي أملكه وأسكنه بضاحية بيرنزفيل، ومساحته وعدد الغرف، وقيمته التجارية والضرائب العقارية المدفوعة عنه، بالإضافة الى أية استثمارات أو أسهم يمكن أن أكون قد تملكتها داخل المقاطعة. قد يبدو مثل هذا الحديث غريباً لكثير من السودانيين، بما فيهم بعض المقيمين في الولايات المتحدة. ولكن هذه هي الحقيقة المجردة!
في الولايات المتحدة جميع الاستثمارات العقارية والتجارية والممتلكات المتداولة في البورصات والشركات الكبرى والمؤسسات المالية مفتوحة للجميع ومبذولة تحت الشمس. والحصول على التفصيلات المتعلقة بأي مالك أو مستثمر متاحة لكل من هب ودب. هناك مؤسسات متخصصة في رصد أموال وممتلكات الأثرياء عن طريق متابعة سجلات مكاتب العقارات بالبلديات والمقاطعات، ومراجعة تقارير جميع المؤسسات المالية والتجارية في طول البلاد وعرضها. وفي مواسم الانتخابات الرئاسية والنيابية يقوم المتنافسون على البيت الأبيض والكونغرس ومناصب حكام الولايات وغيرها باستئجار خدمات هذه المؤسسات للحصول على معلومات تفصيلية عن ممتلكات وثروات خصومهم، بأمل العثور على ثغرات تصلح لإضعاف مواقف هؤلاء الخصوم أمام الناخبين. وفي مساء يوم كتابة هذا المقال - الأحد الثاني والعشرون من مايو - وقع المستر نيوت غينغريش، رئيس مجلس النواب السابق، والذي طرح نفسه مؤخراً مرشحاً باسم الحزب الجمهوري ضد الرئيس باراك اوباما، في شر أعماله. إذ فاجأته الوسائط الإعلامية بمعلومات ظهرت فجأة، مثل القضاء المستعجل، حول معاملة مريبة تصل قيمتها الى خمسمائة الف دولار بينه وبين زوجته وإحدى شركات بيع المجوهرات. وقد استبسل المرشح الرئاسي في الدفاع عن نفسه وسمعته. غير أن جميع المحللين الذين ملأوا شاشات التلفاز في ذات المساء أجمعوا على أن هذا الخبر كافٍ جداً لنسف حملة غينغريش وأحلامه الرئاسية.
الخلاصة - يا عزيزنا الأكرم - أن السبيل الوحيد المتاح لإخفاء اموالك وممتلكاتك في عوالم الفرنجة المفتوحة والممعنة في الشفافية هي دفنها تحت البلاط. أما إذا كنت (مثل حبيبنا حسني مبارك) تنوي إخفاء سبعين مليار دولار في جخانين سويسرا وفرنسا وأمريكا.. فلك الله!
(5)
من أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في رصد ثروات واستثمارات الأغنياء في أركان المعمورة الأربعة مؤسسة فوربس، التي يرأس مجلس إدارتها المرشح الرئاسي الجمهوري السابق ستيف فوربس. وهي المؤسسة التي تصدر عنها المجلة الشهيرة الناشرة للقوائم السنوية لثروات وممتلكات أغنياء العالم وتشتمل على رصد متكامل ودقيق لجميع الثروات والممتلكات. وفقاً لتقرير فوربس الصادر في 2011م فإن الجالس على عرش أغنى أغنياء العالم اليوم هو المكسيكي اللبناني الأصل كارلوس سليم الذي تبلغ ثروته 53.5 مليار دولار، يليه الأمريكي بيل غيتس الذي يملك 53 مليار دولار، ثم في المرتبة الثالثة الأمريكي وارن بافيت بثروة بلغت 47 مليار دولار. أما على الصعيد العربي فقد حافظ الأمير الوليد بن طلال على المركز الأول بثروة بلغت 19.4 مليار دولار.
(6)
كشفت اتصالات مندوبي وزارة الخارجية وديوان النائب العام المصري بالجهات المختصة في عدد من الحكومات الاوربية، كما نقلتها الصحف، وتقرير المستشار خالد سليم، رئيس هيئة الفحص والتدقيق بجهاز الكسب غير المشروع، أن جملة ثروات وممتلكات آل مبارك المرصودة تم حصرها في حدود 231 مليون دولار. وتشمل عبارة (آل مبارك) الرئيس السابق وشقيقه عصام وزوجته وأشقائها ونجلي الرئيس علاء - الذي تفرغ للتجارة والأعمال منذ ربع قرن من الزمان - وجمال، وزوجتيهما خديجة الجمّال وهايدي راسخ، اللتين تنتميان الى اسرتين من أثرى الأسر المصرية. وذلك بينما يصر محامي الرئيس السابق الأستاذ فريد الديب على أن مجمل ثروة آل مبارك داخل مصر وخارجها لا تتجاوز 180 مليون دولار. وهناك بالطبع قضية ال 145 مليون دولار من حصيلة منح اجنبية تحصلت عليها زوجة الرئيس بصفتها راعية لمكتبة الاسكندرية ووضعتها في حساب خاص بالبنك الأهلي، لم يصرف منه غير أربعمائة ألف دولار لمقابلة بعض منصرفات مناشط خاصة بالمكتبة خلال السنتين الماضيتين، غير أن باقي المبلغ ظل موجوداً بكامله دون أن يُمس. وتواجه سوزان بشأنه تهمة شبه إدارية تتعلق بلوائح تسكين الموارد الحكومية، ولا صلة للأمر بذمتها الشخصية لأن المبلغ محفوظ كما هو.
وبحسب نفس المصادر فإنه لم يتم التعرف على عقار واحد في دولة الاتحاد السويسري مسجل باسم حسني مبارك، بالرغم من الأخبار التي ذهبت الى ان القطاع الأغلب من الثورة المليارية المهولة المنسوبة للرئيس تتكون من استثمارات عقارية في سويسرا وفرنسا. ولكن اللجنة ما زالت تواصل تحرياتها واستقصاءاتها على أية حال، وسنعرف الحصيلة النهائية لمسيرة البحث عند فراغ القائمين عليها من مهمتهم الجليلة.
المفارقة في الأمر كله تتجلى في أن "الحسم" أو "الخصم" الذي حصل عليه الرئيس السابق، خلال موسم أوكازيون الصيف، والذي وصل حتى الآن الى 61 مليار دولار، يفوق ثروة أغنى أغنياء العالم، الأمريكي اللبناني كارلوس سليم، التي حددها تقرير فوربس ب 53.5 مليار دولار، مما يجعل هذا "الخصم" مؤهلاً لدخول سجل غينيس للأرقام القياسية باعتباره أكبر "خصم" - أو أكبر أوكازيون - في تاريخ البشرية على الإطلاق. كما إن التخفيض يفوق ثروة أغنى أغنياء العرب الأمير الوليد بن طلال بما ينوف على الثلاثة أضعاف! المدهش أن الرئيس السابق كان قد قام، من محبسه في شرم الشيخ، بتسجيل شريط كاسيت بصوته أذاعته قناة "العربية" وعدد من القنوات الأخرى قبل حوالى شهرين، ذكر فيه انه لا يملك مليماً واحداً خارج مصر، وأن كل الأموال التي تخصه مودعة في بنك واحد فقط داخل المحروسة، وأنه على أكمل استعداد للتوقيع على توكيل يفوض بموجبه لأي جهة قانونية حق البحث والتفتيش عن أي أموال أو عقارات مزعومة منسوبة اليه في أي مكان خارج البلاد. ولكن كلمات الرئيس المخلوع ذهبت أدراج الرياح، فلا بد من السبعين مليار.. وإن طال المشوار!
(7)
ولكن من الذي كان قد قال أصلاً إن ثورة حسني مبارك (المنهوبة) من خيرات مصر تبلغ سبعين ملياراً من الدولارات؟ الواقع أن الرقم لم يصدر عن أي جهة دولية معتمدة ومعترف بها في مجال حصر ورصد الثروات. بل انه ورد في قصاصة من صحيفة الغارديان البريطانية، حيث كتب أحد محرريها في سياق تقرير خبري، بعد أيام من اندلاع ثورة يناير في مصر، أن هناك مزاعم تقول بأن ثروة الرئيس السابق تتراوح بين أربعين وسبعين مليار دولار. وفي لمح البصر تخطفت قناة الجزيرة تلك القصاصة وأخذت تهرول بها في شوارع وحواري العالم العربي. لم يأبه أحد الى أن مثل هذه المعلومات، التي لا تستند الى مصادر معتمدة ومسمّاه، تتطلب التثبّت والاستيثاق، ولا أن الغارديان ليست مصدراً جيداً في شئون رصد الثروات والأموال، إذ تلك مهمات تنهض بها في حياتنا المعاصرة - كما ذكرنا - جهات خبيرة ومتخصصة. وضاعت في الهواء كلمات مساعد رئيس تحرير مجلة "فوربس"، كلاوس نيل، الذي سألته شبكة ان بي سي الأمريكية عن صحة خبر السبعين مليار فضحك، ثم قدم شرحاً للمناهج العلمية التي تتبعها مؤسسته لرصد ثروات وممتلكات الأثرياء في أي مكان من العالم، ثم اختتم تعليقه بأن وجود أموال وممتلكات في أوربا وأمريكا بهذا الحجم تخص شخصية واحدة دون أن يتم رصدها بواسطة أي جهة متخصصة كل هذه السنوات يعتبر نكتة سخيفة. كما لم يعر أحد في مصر والعالم العربي، المهووس بالإثارة والألعاب النارية التي برعت فيها قناة الجزيرة، أي اهتمام لعبارة (بين أربعين مليار وسبعين مليار) كما وردت في رواية الغارديان، بل تمترس الجميع خلف رقم السبعين السحري. خاصة مع التكرار المنظم لعبارة "سبعين مليار" وهي تندلق بصورة راتبة من أفواه عبد الباري عطوان وعزمي بشارة وعصام العريان وغيرهم، من خلال قناة التحالف الإسلاموقومجي. وهكذا أصبح هتاف الثوار الأكثر رواجاً هو: (يا مبارك يا طيار.. جبت منين سبعين مليار)؟! وعلى مدى أسابيع طويلة أخذت القنوات التلفازية تقدم عدداً مهولاً من (المثقفين) و(العلماء)، من بينهم أساتذة في كليات القانون والاقتصاد، وصحافيون كباراً يرتدون السترات الفاخرة وربطات العنق، يشرّعون وينظّرون حول كيفية استرداد مبلغ السبعين مليار دولار، ويبسطون المقترحات بشأن توظيف تلك الأموال الخيالية في بناء مصر وجلب الرخاء الموعود لشعبها. كما أدمنت قناة الجزيرة تقديم لقطات مركزة ومتكررة لنماذج من المعوزين تصيدتهم من أحياء القاهرة الفقيرة وهم يندفعون في أحاديث مؤثرة والدموع تملأ وجوههم: (بالله شوف إحنا مش لاقين رغيف نعشي بيه ولادنا، وهو محوّش سبعين مليار في سويسرا)!
(8)
كتب صحافي مصري انه التقى الأستاذ فريد الديب، محامي الرئيس السابق حسني مبارك، في مناسبة عزاء بحي حلوان خارج القاهرة، وسأله عن الإستراتيجية التي يتبعها فريقه في الدفاع عن الرئيس السابق بالنسبة لقضية الأموال (المنهوبة). رد الأستاذ فريد الديب بأنه وفريقه من المحامين يتبعون إستراتيجية "الصباح رباح". فلما سأله الصحافي عن هذه الإستراتيجية القانونية التي لم يكن قد سمع بها من قبل أجاب المحامي: (يعني كل يوم نقعد بالليل نقزقز لب، وبعدين نقوم نروح بيوتنا على أساس أن الصباح رباح. يعني نصحى الصبح نلاقي المبالغ تخس، وحجم الاتهامات يتضاءل من نفسه كده، كل يوم حتة، زي لوح التلج، من غير ما إحنا نعمل حاجة)! وفي تصريحات أكثر جدية نشرتها صحيفتي "الشروق" و"اليوم السابع" ذكر المحامي فريد الديب أن كل الأرقام المليارية التي تداولتها وسائل الإعلام عن ثروة مبارك وهم لا وجود له، وأن جميع الأجهزة الرقابية المصرية متضافرة، بعد أربعة أشهر من العمل المضني، لم تستطع أن تثبت صحة رقم واحد من هذه الأرقام الفلكية المتداولة!
(9)
كنا قد أشرنا الى أن مساعد وزير العدل المصري، عاصم الجوهري، الذي عقد مؤتمراً صحفياً أبدى فيه استياءه من حالة المبالغات وعدم المسئولية في إلقاء الاتهامات وتسويق الأرقام الفلكية أمر باستدعاء الأستاذ محمد حسين هيكل لمساءلته عن الرقم الذي أدلى به لصحيفة "الأهرام" الأسبوع الماضي. وقد كان. أول أمس - الاثنين الموافق الثالث والعشرين من مايو - مثل الأستاذ هيكل فعلياً أمام المحققين بجهاز الكسب غير المشروع ونقلت جميع الصحف خبر اللقاء مساء ذات اليوم. كما نشرت البيان الذي أصدرته وزارة العدل في نهاية اللقاء. زبدة الأمر أن هيكل أقر بأنه ليست بحوزته أية أدلة أو مصادر ذات قيمة، واعترف بأنه نقل الأرقام من مصادر إعلامية مفتوحة.
أما البيان الذي أصدره المستشار عاصم الجوهري مساعد وزير العدل ورئيس جهاز الكسب غير المشروع فقد جاء فيه بالنص: (انطلاقاً من هذه الشهادة فإن الجهاز يرغب في أن يضع بين يدي الرأي العام عدداً من الحقائق. أولاً: إن الوصول بالتحقيقات لغايتها المنشودة، سبيله الدليل الجازم المبني على وثيقة أو وسيلة قانونية وقاطعة. ثانياً: إن إلقاء أرقام الثروات جزافاً من شأنه أن يشيع في أوساط الرأي العام ما من شأنه أن يؤخذ على أنه حقائق وهي في الأساس أوهام. ثالثاً: الجهاز يناشد الإعلام والقائمين عليه ألا يقعوا في غواية إرضاء الرأي العام)! ويُخيل اليّ أن عبارة "غواية إرضاء الرأي العام"، التي وردت في البيان، هي العبارة المفتاحية التي قد تقود الى تفسير وتفكيك كل طلاسم الروايات المليارية من ألفها الى يائها.
(10)
يحيرني جداً أن طاغية بغداد صدام حسين كان يدير العراق، كما هو في علم الكافة، وكأنها ضيعة ورثها عن والده. ومع أن ولديه عدي وقصي لم تكن لهما صفة دستورية في هيكل الحكم والدولة، فقد كان لهما حق التصرف في موارد البلاد وأموالها بغير قيود. بلغ الأمر ذروته - بحسب الدكتور علاء بشير الطبيب الخاص لصدام حسين وصديقه الشخصي، وبحسب نائب محافظ البنك المركزي العراقي فالح داؤود سلمان، في إفادات منشورة - أن قصي صدام حسين ذهب قبيل الغزو الأمريكي بأيام الى البنك، وأمر المسئولين بإخراج كل ما حوته خزينة البنك من عملات صعبة فأخرجوها ووضعوها له في صناديق فوق سيارة شحن تتبعها مقطورة كانت تقف بالخارج، ثم غادر قصي المكان. ولا يعرف أحد حتى الآن مصير تلك الأموال! وكما هو معلوم فقد نشرت الصحافة الأوربية والأمريكية خلال حقبة الثمانينات والتسعينات أطناناً من الغسيل عن الأموال الخاصة بصدام وزمرته في البنوك الأوربية، والتي كان يشرف عليها ويديرها، من مقره في جنيف، أخوه غير الشقيق برزان التكريتي. ومع ذلك فقد ظل صدام حسين غزالاً في أعين سدنة التحالف الإسلاموقومجي، ممن ملؤوا الدنيا ضجيجاً عن المليارات السبعينية المباركية الوهمية.
هل يا ترى لو كان لحسني مبارك وولديه "كوبونات نفط" يوزعونها على الصحافيين والإعلاميين العرب والأجانب، مثل "كوبونات صدام" الشهيرة، التي طالما نكّست للرجال جباهاً، وأراقت من الوجوه مياهاً، وأخزت عيوناً، وملأت بطوناً، في طول العالم وعرضه، هل كنا قد رأينا اختلافاً نوعياً في مواقف هؤلاء النفر من فضلاء بني يعرب؟!
نصوص خارج السياق
(إذا أقبلت الدنيا على أحد خلعت عليه محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه).
الإمام علي بن أبي طالب
عن صحيفة "الأحداث"- 25 /5/ 2011


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.