هل أنت مبستن؟    المسغف السوداني في فتيل نظرية الفأر    الرياضة و السلام    كباشي يحيي صمود مواطني شرق النيل ويوجه بزيادة محولات الكهرباء ومكاتب السجل المدني بالمنطقة    تطور حاسم بقضية "الاعتداء الجنسي" في منزل لامين يامال    مجلس شؤون الأحزاب السياسية بالسودان يعلن بدء تجديد البيانات    ولاية الخرطوم: توجيهات بإعداد وتنفيذ برنامج خاص لشهر رمضان وتكثيف المجهودات لاستقرار الخدمات الرئيسية    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    شاهد.. الفنانة مروة الدولية تغني لشيخ الأمين في حفل خاص: (الشيخ حلو لي والنظرة منك لي شفاء وبفهم مشاعرك بعرفها)    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    شاهد بالفيديو.. الفنان "الشبح" يرد على زميله "ريحان": (رددت الأغنية في حضورك وأنصحك بعدم البحث عن "الترند" بهذه الطريقة)    شاهد بالصورة والفيديو.. سيدة الأعمال ونجمة السوشيال ميديا الحسناء "ثريا عبد القادر" تستعرض جمالها بثوب "التوتل" الأنيق    مناوي .. استمرار الدعم السريع في ارتكاب جرائم ممنهجة بدعم خارجي يهدد وحدة السودان واستقراره    إلزام أبل وجوجل بتعديلات تعزز عدالة متاجر التطبيقات    "واتساب" تُتيح إجراء المكالمات من المتصفح    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    دراسة تؤكد أن للضوضاء تأثيراً كبيراً على الطيور وتكاثرها    هدى الإتربي تكشف كواليس مسلسل "مناعة": تجربة مختلفة بتفاصيل إنسانية    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    مدينة على القمر خلال 10 سنوات.. هل يتراجع حلم المريخ؟    علاجك من أحلامك.. دراسة تتوصل لإمكانية استخدام أحلام الشخص فى العلاج النفسى    7 أطعمة للإفطار لا ترفع مستوى السكر في الدم    الرابطة والتوفيقية يتعادلان في مباراة الأحداث المثيرة    الموسياب يبدع ويقسو على الأمل بثلاثية نظيفة    وزير التعليم العالي السوداني: العودة إلى الدراسة خطوة استراتيجية    الهلال ينفرد بصدارة الدوري الرواندي    ضياء الدين بلال يكتب: قوش وآخرون... جرد حساب!    عاطف حسن يكتب: بنك الخرطوم.. اعتذارك ماااااا بفيدك .. !!    بالصورة.. أمر قبض في مواجهة الشيخ محمد مصطفى عبد القادر.. ما هي الأسباب!!    ارتفاع وارد الذرة واستقرار أسعار السمسم في بورصة محاصيل القضارف    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    دوري أبطال أفريقيا يشتعل.. 3 أندية تتأهل رسميًا وصراع مفتوح على 5 بطاقات    عثمان ميرغني يكتب: كبري الحلفايا...    شاهد بالصور.. كان في طريقه للتوقيع لفريق الخرطوم.. لاعب سوداني يتعرض لإصابة نتيجة انفجار "دانة" تسببت في بتر يده ورجله والنادي يكرمه بعقد مدى الحياة    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار مع شارلز غردون .. ترجمة : محمد احمد عبدالله الجالي-جدة
نشر في سودانيل يوم 29 - 08 - 2011

الجنرال البريطاني شارلز غردون ، واحد من اعظم القاده العسكريين البريطانيين، كان حاكما للسودان، الذي صار محافظة مصرية من عام 1877 الي عام 1880. في عام 1883 القائد الديني والسياسي السوداني محمد احمد ، المعروف بالمهدي، قاد تمرداً وهاجم وقضى على حاميه من القوات البريطانية والمصرية في السودان. وليم استيد محرر صحيفة (بال مول) استطلع اراء غردون حول المذبحة ونشر هذا الحوار في التاسع من يناير عام 1884م. في فبراير عام 1884م تم ارسال غردون للاشراف على اجلاء القوات الانجليزية-المصرية من السودان. قتل غردون في يناير عام 1885م عندما استولي المتمردون على الخرطوم.
الحوار:
غردون الصيني وصل الي لندن من بروكسل في طريقة الي الكنغو ، عندما اعلن عنه في الصحف بالامس، تم الاتصال به حالا في (ساوثابتون) ، حيث وصل، وتم سؤاله ان كان يأذن بعقد حوار معه حول موضوع السودان مع مندوب صحيفة (بال مول). بتهذيب مطبوع ، طلب الجنرال غردون ان يقبل عذره، لان اراءه غير مهمه بما يكفي لتكبد عناء الرحله الي (ساوثابتون). مندوبنا غادر المدينه في اول قطار ووجد الجنرال غردون في منزل اخته الكائن بأطراف (ساوثابتون).
لقد ابدى ممانعه شديده في ابداء رأيه حول الموضوع ، لكن عندما اوضحنا له بطريقة قويه انه هو من بين كل الناس في البلاد الاكثر دراية بالسودان، ومن ثم الاكثر قدرة على الكلام عن مشكلة الساعة، وافق على الولوج في الموضوع. وبمجرد ما ذاب الجليد بدأ يعبر عن رأيه بحيوية كبيرة و حماس ووضوح شديد ، مركزاً على كل جوانب مشكلة الساعة. لا يمكن لأي كلمات مكتوبه ان تُعطي فكرة عن الطريقة التي ناقش بها حاكم عام السودان السابق في ذلك اللقاء ، الذي استمر لأربعة ساعات ، وبأدق التفاصيل المشاكل التي يجب ان تُواجه. وأبان بأقصي درجات الدقة والثقة اسباب الكارثة والوسائل التي يمكن مواجهة الازمة بها.
بازالة كل الامور الهامشية عن اساسيات الموضوع وبتركيز الانتباه بقوه على النقطة المركزية يمكن نقل بعض انطباع عما يفكر به غردون الصيني فيما يخص السودان في المسودة التاليه من حديثه ، حيث قال:
" اذن سوف تغادر السودان؟ لكن شرق السودان مهم جدا لمصر. سوف تتكلف المحافظة على سيطرتك على مصر اكثر في حال تركت شرق السودان للمهدي او للاتراك من التكلفة اللازمة للمحافظه على شرق السودان بواسطة الاماكانات الموجودة بالمحافظات. يجب التخلي عن دارفور وكردفان، أقر بهذا , لكن المحافظات التي تقع الي الشرق من النيل الابيض والشمال من سنار يجب المحافظة عليها. الخطر الذي يجب ان نخشاه ليس ان المهدي سوف يتحرك الي الشمال عبر وادي حلفا على العكس من غير المتوقع ان يذهب كثيراً الي الشمال. الخطر ذو طبيعة مختلفة تماما. انه ينبعث من التأثير الذي ينتجه ظهور قوه محمديه منتصرة جاثمة قريب من حدودك، سيوقظ هذا السكان الذين تحكمهم. في كل المدن في مصر سوف يكون هناك شعور ان ما فعله المهدي قد يمكنهم فعله. وكما طرد الدخلاء والكفار يمكنهم عمل المثل. ليست بريطانيا وحدها التي يجب ان تواجه هذا الخطر. ان نجاح المهدي قد ايقظ مشاعر خطرة جداً في الجزيرة العربية وسوريا. لقد رفعت لافتات في دمشق تدعو المواطنين للثورة واخراج الاتراك. اذا سقط شرق السودان في قبضة المهدي، فأن القبائل العربية على جانبي البحر الاحمر سوف تحمل السلاح. وكدفاع عن النفس فأن الاتراك سيضطرون لعمل شئ لمواجهة الخطر الرهيب.لانه من المحتمل جدا اذا لم يفعل شئ ان يعاد فتح خطر الشرق بالكامل بسبب انتصار المهدي. اعلم ان هناك مقترح بتحصين وادي حلفا والاعداد هناك لصد هجمات المهدي. يمكنك ان تتحصن ضد الحمي ايضا. عدوى مثل هذه لا يمكن صدها بواسطة التحصينات والحاميات العسكرية. لكن كونها حقيقة وانها موجوده لا ينكره اي شخص لديه اتصال بمصر او الشرق عموما. في حال الدفاع عن النفس فأن سياسة الاخلاء لا يمكن تبريرها.
"فهنالك وجه آخر للمشكلة. لديك ستة الاف جندي في الخرطوم، ماذا ستفعل بهم؟ لديك حاميات في دارفور وبحر الغزال وغندكرو هل ستضحي بها؟ ليس لهم ذنب الا الولاء لقيادتهم. بسبب اخلاصهم ستتركهم لمصيرهم. تقول انه سيتم سحبهم الي وادي حلفا لكن غندكرو تبعد 1500 كلم عن الخرطوم والخرطوم تبعد 350 كلم عن وادي حلفا. كيف يمكنك تحريك 6000 رجل من الخرطوم – دعك عن المواقع الاخرى- وكل الاوربيين في تلك المدينة عبر الصحراء الي وادي حلفا؟ اين ستجد جمالا لتحملهم؟ هل المهدي سيعطيهم؟ حتى لو ارادوا النجاة بأرواحهم فأنه لن يُسمح للجنود بأخذ غطاء على ظهورهم. سيتم سلبهم الي جلودهم وحتى بعد ذلك ارواحهم قد لا يتم توفيرها. مهما تُقرر بشأن الانسحاب لا يمكنك ذلك لان الجيش لا يمكن ان يتحرك. اما ان تستسلم تماما للمهدي او تدافع عن الخرطوم برغم الاخطار.الخيار الاخير هو الوحيد الذي يجب الاخذ به. وهو ليس بالصعب جداً. قوات المهدي سوف تسقط وتتبعثر من تلقاء نفسها, لكن اذا في لحظة ذعر صدرت اوامر بالانسحاب من كامل شرق السودان ستوجه ضربه الي أمن مصر والسلام في الشرق, مما قد يكون له عواقب كارثية.
ان الشر الاعظم ليس في الخرطوم بل في القاهرة. ان الضعف في القاهرة هو الذي يسبب المشاكل في الخرطوم. لان العقيد البريطاني وليم هكس لم يتم دعمه بشكل جيد منذ البداية وتم الدفع به الي مهمة مستحيله بواسطة الرجال الذين رفضوا ان يقدموا له المدد في الوقت الذي كان يمكن توجيه ضربه حاسمه ، تمت التضحيه بغرب السودان. شرق السودان على كل حال يمكن انقاذه اذا وُضعت يد قوية على دفة القيادة في القاهره. كل شئ يعتمد على ذلك.
اذا سألت ماذا يجب عمله الان؟ سأجيب سلموا نوبار (نوبار باشا رئيس الوزراء المصري ) القيادة. نوبار هو الرجل الاقدر بين الوزراء المصريين. انه محصن ضد المؤامرات الخارجيه. وهو مدرك للوضع بالكامل. ضعه في القياده ومده بالغالي والرخيص: اطلق يده وأوضِح بجلاء انه لن يسمح بأي مؤامرات سواء من جهة توفيق او اعداء نوبار لن يسمح لهم ولو لحظة بالتدخل في خططه. ستجد ان الدعم الحيوي لنوبار سيقود الي تصادم مع الخديوي, اذا كان ذلك الملك يريد الخير لشعبه كما يزعم يجب عليه حماية ادارة نوبار من اي تدخل سواء كان مباشر او غير مباشر. نوبار يمكن الاعتماد عليه ، انا اضمن ذلك. انه لن يقبل بالوزارة ما لم يتأكد من انه سيجد طريقه لكن اذا استلم الوزارة فهو احسن ضمان لعملية اعادة النظام الي البلاد. خصوصا في حالة السودان. يجب ان نزر نوبار بعيداً عن اي ضغوط بخصوص اخلاء الخرطوم. لا توجد عجلة. الحاميات يمكنها ان تصمد في الوقت الحاضر. فليصمدوا حتى تبدأ الفرقة والتنافس القبلي يعطي اثره الطبيعي في معسكر المهدي. نوبار يجب ان يكون حراً في التعامل مع السودان بطريقته الخاصة. كيف سيتعامل مع السودان لا يمكن التنبأ ، لكن يمكن توقع انه سيُعيِن حاكم عام في الخرطوم بصلاحيات كامله ، ويدعمه بمبلغ اثنان مليون جنيه استرليني – مبلغ كبير ،لا شك ، لكن انفاق مبلغ كبير الآن افضل من صرفه في محاولات يائسة لتفادي تداعيات استسلام في وقت غير مناسب. السير صمويل بيكر الذي يملك الطاقة اللازمة والشخص الامثل للوظيفة قد يتم تعيينه حاكماً عاماً للسودان، وهو قد يأخذ معه أخاه كقائد عام.
يجب ايصال بلاغ الي اسماع كل السودانيين ، وينقش في الواح النحاس ان دستور دائم قد اقر للسودانيين بواسطته لن يسمح لأي تركي او شركسي بدخول المحافظات لينهب سكانها ويملأ جيوبه، وأنه لن يكون هناك محاولة تحرير فوري للعبيد. التحرير الفوري للعبيد تم منعه في بريطانيا في العام 1833 وهو لا يقل عنه في السودان اليوم. أي عمل في هذا الاتجاه يجب ان يكون تدريجيا بواسطة عملية المكاتبه. يمكن انشاء محاكم مختلطه، اذا رأى نوبار انها مناسبه، يتعاون فيها قضاة اوربيون مع قضاة محليين في ادارة القضاء. يمكن كذلك تعيين ضباط شرطة مع وضع معايير مناسبه لاقتلاع التعذيب المستشري في السجون.
"بخصوص دارفور، اظن ان نوبار غالبا ما يعيد وريث عرش سلطان دارفور. اذا تم دعمه من الحكومة وأعيد مع السير صمويل بيكر، لن يكون من الصعب عليه استعادة سلطة مملكة دارفور التي كانت في السابق واحدة من أفضل دول افريقيا حكماً. اما بالنسبه للحبشه (اثيوبيا الآن) يجب الا يغيب عن نظرنا التحذير القديم " لا تضع ثقتك في الامراء" ولا تعتمد على ملك الحبشه" خصوصا خارج بلاده.( زولا وبقوس) يمكن اخضاعهم له مع مدخولهما ، وحق الدخول المجاني عبر ميناء مصوع، لكنها ستكون غلطه ان نمنحه السيطره على مصوع ، سوف يخربها. ايضا يمكن ارسال بعثة الي (هرر) المقابله لعدن من اجل استكشاف الاوضاع هناك والنظر في المظالم فيها وكذلك في كلٍ من( بربره) و( زيلع). بهذه الوسائل وانتهاج سياسه ثابته ومستقره في مقر الرئاسة، سيكون من الممكن –لا اقول من السهل- اعادة بناء سلطة الخديوي فيما بين البحر الاحمر وسنار.
" فيم يخص ميزانية السودان من الخطأ ان تعتبر عبأ على الخزينة المصرية. سوف تتكلف مليونين لانقاذ الحاميات واخماد التمرد، لكن هذه تكلفه لا مناص من تحملها في كل الاحوال، اذا سلمت الحاميات الي المذبحة وتم اخلاء البلاد فأن الصرف سوف يتجاوز هذا المبلغ. في البداية ، الي ان تتعافي البلاد، يحتاج السودان الي 200 الف جنيه دعم سنوي من مصر. ذلك، في الواقع ، سيكون مؤقتاً. خلال سنوات حكمي السابقة ، لم يضف السودان اي اعباء الي الخزينة المصرية. المحافظات السيئة عدلت بالجيده الي ان تم الوصول الي توازن. السودان لن يكون ابداً مصدر دخل لمصر ولكنه لن يكون بند صرف. هذا العجز في الموازنة الذي حدث والكارثة التي حلت كلها متعلقه بسبب واحد هو سؤ الاداره الحكوميه.
" ان سبب الثوره في السودان هو سبب كل الثورات الشعبيه ضد الحكم التركي في اي مكان حدثت. لا احد يذهب الي محافظه تركيه ويرى نتائج نظام الباشبزق، الذي اثار مشاعر الغبن منذ وقت قريب في بلغاريا، يحتاج الي شرح لماذا ثار السودانيون ضد الخديوي. الاتراك والشركس والباشبزق (مليشيا متطوعين محليه) نهبوا وعذبوا الناس في السودان كما نهبوا وعذبوا الناس في شبه جزيرة البلقان. ان الكبت يولد الشعور بعدم الرضا وعدم رضا السكان يدفع السلطات الي توفير المزيد من العسكر وهذه الجيوش بدورها تؤدي الي زيادة في الانفاق التي يحاولون مقابلتها بزيادة الضرائب مما يعني المزيد من الشعور بعدم الرضا . وهكذا تمضي الامور في دائرة مظلمه حتى تبلغ ذروتها ، بعد عجز متراكم ، في شكل تمرد كارثي. بحيث ان الناس الذين دمغوا بالتمرد ، لن يحاول اي شخص يدري بالمعامله التي تعرضوا لها الانكار عليهم. لقد تم تجاهل صيحاتهم تماما في القاهره. وعندما يأئسوا استنجدوا بالطريقة الوحيده التي يمكنهم بها اسماع مظالمهم ، وبنفس المبدأ كما أحرق أبسلوم (ابن داؤد في العهد القديم) محصول يواب ( قائد في جيش داؤد ملك اسرائيل ويهودا ) ، تجمعوا حول المهدي الذي حرضهم على الثورة على اغلال الاتراك. انا متأكد انه من الخطأ الشديد ان نعتبر المهدي رجل دين بأي حال من الاحوال: انه يجسد الشعور العام بعدم الرضا. ان كل سوداني هو مشروع مهدي تماما مثلما ان اي مصري هو خميرة عرابي. انها ليست حركه دينية انها انفجار للاحباط. سبق وحذرت الخيديوي الراحل ثلاث مرات من انه لا يمكن الاستمرار في ادارة السودان بالطريقة التقليدية عندما تم تعييني حاكما عاما للسودان. خلال الثلاث سنوات التي توليت فيها زمام الامور في السودان لقنت الاهالي ان لهم حق في الوجود. لقد قدت حربا على الاتراك والشركس الذين أثقلوا على المواطنين. لقد علمتهم شئ عن معني الحرية والعادله، وعودتهم على مستوى من الحكم أرقي من ذلك الذي ألفوه في السابق. وبمجرد ما ذهبت عاد الاتراك والشركس بكل قوتهم ، وتم اعادة نظام الباشبزق القديم، موظفي القدامي تم اضطهادهم ، والسكان الذين بدأوا يقدرون شئ مثل حكومة محترمه تم ردهم الي نير حكم تركي من اسوأ ما يكون. فحصلت النتيجة الحتمية، وعليه يمكن القول ان بذرة التمرد تم وضعها في السنوات الثلاثة التي سمح لي فيها بحكم السودان على اسس غير تركيه.
" السودانيون اناس طيبون جدا، انهم يستحقون التفهم والتعاطف الصادق من كل الشعوب المتحضره. لقد تأقلمت معهم بشكل جيد، وانني لجد حزين لاحتمال رؤيتهم وقد سُلموا من جديد لسحقهم بواسطة جلاديهم الاتراك والشركس. في المستقبل، ان لم يكن هناك جهد للمحافظة على الحاميات الحاليه، فأن الاتراك حتماً ، بدافع سلامتهم الشخصية، سيحاولون سحقهم. انهم يستحقون مصير افضل من هذا. يجب الا يكون مستحيلا الوصول الى اتفاق معهم، يمنحهم عفواً عاماً عما مضى، ويضمن لهم حكمأً قويما في المستقبل. اذا تم هذا، واسندت الحكومة الي شخص صادق في كلمته، فأنه لا زال بالامكان اعادة الامور الي نصابها. بخصوص الاعتقاد بأنه لا يمكن الوصول الي اتفاق مع المهدي فأنني حتى الان اعتقد جازماً انه مجرد دميه يحركها الياس, صهر الزبير, أكبر مالك رقيق في الابيض وأنه اتخذ شعار دينيا ليعطي صبغة لدفاعه عن حقوق الناس.
" هناك موضوع واحد لا اظن ان هناك شخص يختلفه حوله. وهو عدم حكمة الاعلان عن رغبتنا الانسحاب من الخرطوم. حتى لو كنا مضطرين لذلك يجب الا نقول شئ عنه. اللحظة التي يُعرف فيها أننا خرجنا من اللعبه فأن كل الناس سوف يذهبون الي المهدي. كل الناس يعبدون الشمس الصاعده. صعوبات الانسحاب سوف تتزايد بشكل كبير،هذا، بالتاكيد اذا لم يصبح سحب قواتنا مستحيلا.
"الخديوي الراحل، الذي يعتبر واحد من اقدر وأسوأ الراجل الذين أُستخدموا في اوروبا ، ما كان ليقع في مثل هذا الخطأ. وتحت حكمه كانت الاحوال في مصر افضل منها اليوم. الان بالنسبه الي مصر يجب مراعاة ذات المبدأ الذي يجب مراعاته في السودان. دع اساساتك عريضة وقويه ، مبنية على رفاه ورضا الناس. حتى الان، في كل من مصر والسودان، بدلا من جعل البناء الاجتماعي مثل الهرم ، من حيث سعة قاعدته، قمنا بانشاء نصب يمكن ان يسقط بدفعة واحده. سلامتنا في مصر هي في عمل شئ لصالح الناس، يعني يجب تقليل الاعباء عليهم، انقذهم من الجشعين وخفض الصرف. تسعة اعشار الموظفين الاوربيين يمكن الاستغناء عنهم. بقية العشر من الموظفين الاكفاء ، يمكن الاحتفاظ بهم. لكن مهما تفعل يجب الا تكسر جيش السير ايفلين وود، انه مقدر للاعمال الجيده. أدعمه بقدر الامكان من فضلك لكن بالانجليز وليس بالشركس. ان الشركس في مصر اجانب مثلهم مثل الانجليز ومؤكد انهم ليسوا اكثر شعبيةً. اما بالنسبه للسكان الاوربيين فأعطهم تصريح بتكوين مجالس محلية، وتكوين كتائب من المتطوعين و تنظيم دفاعهم عن انفسهم. لم اسمع بعار اشد من الفرار من مصر في العام 1882م. يجب ان يأخذوا العبره من شنغهاي حيث المستوطنات الاوربيه تدير شئونها بنفسها وتدافع عن نفسها بنفسها. اتمني ان ارى مبعوث خاص ذو كفاءة عاليه- شخص مثل السيد و.ي. فورستر ، متحرراً كلياً من كل تقاليد السابقين، ومن مكتب وزارة الخارجيه، ومن المقيدات، يُرسل ليضع نوبار على السرج ويبعد الموظفين غير المهمين ويحذر الاشرار في المواقع العليا بأنه لن يسمح لهم بلعب اي خدع. اذا فعل هذا فأنه سوف يعطي ثقة في كل مكان، ولا أرى أي سبب يمنع من سحب آخر جندي بريطاني من مصر في مدة ستة أشهر.
" اتمنى" قال الجنرال غردون في النهايه، ان توضح انني لا احب نشر ارائي على الملأ. انا ارفض جدا قول اي شئ يحرج الحكومة في هذه الازمة الصعبة، لكن عندما ترجيتني شعرت بدافع عندما فكرت بالسودانيين المساكين الذين عرفتهم جيداً واحببتهم جداً، وفكرت انه لمرة واحدة ومن اجلهم يمكنني تجاوز قراري الذي اتخذته بترك هذه الامور، من غير تعليق مني، لتحكم فيها المشيئة العلوية التي لا تخطئ. انهم اناسٌ طيبون -السودانيون المساكين- واذا كان بوسعي عمل اي شئ من اجلهم فأنني سأكون في غاية السعادة. لكن ومع انني تحدثت اليك بمنتهى الصراحه، اكون شاكراً جدا لو تتكرم، عندما تنشر هذه الملحوظات، بجعل الامر مفهوما بجلاء انني لا اريد كسر قراري الذي اشرت اليه آنفاً مرة اخري.
"المصدر: ذا بنقوين بوك اوف انترفيوز"
ترجمة : محمد احمد عبدالله الجالي ( [email protected] ) - جده - فبراير 2011
Muhammad Abdullah [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.