رشوة ب 12 ملياراً..إحباط محاولة كبرى في السودان    جائزة أشطر قحاتي.. للمطشِّش "في -شلّة- العُمي"!    في مخيم طينة: سودانيون يحلمون بالماء والخيمة    بعد تطوّرات حركة الطيران..السودان يتّجه لإجلاء رعاياه من اليمن برًا    سودانير تستأنف رحلاتها بعروض تشجيعية وامتيازات غير مسبوقة    السيسي: إنشاء الميليشيات الموازية يهدد الدول ويفكك مؤسساتها    البرهان يلتقي رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية    رسالة مبطنة لأندية السعودية.. بيع فينيسيوس لن يدر أرباحا لريال مدريد    السودان..مسيرة انتحارية تسفر عن قتلى    شاهد بالصورة.. شيخ الأمين يدعم حواره الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواج طليقته الحسناء "هند": (الذهب دهب)    شاهد بالصورة.. شيخ الأمين يدعم حواره الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواج طليقته الحسناء "هند": (الذهب دهب)    الشاي.. 6 فوائد صحية مذهلة    شاهد بالفيديو.. التيكتوكر الشهيرة "ماما كوكي" تلخص أحداث زواج طليقة مأمون سوار الدهب الحسناء وردة فعل الفنان (غرز شديدة)    شاهد بالصورة.. الصحفية عائشة الماجدي تسخر من "العليقي" بسبب تحفيزه لنجم مباراة صن داونز ب 200 دولار فقط: (النقطة بتاعتك تعبانة صراحة معقول دي الفنانات بنقطوا ليهم في حفلة جرتق زيها عشرة مرات)    بعد فرنسا.. أميركا تسجل تسمم عشرات الأطفال بحليب ملوث    فوائد مذهلة لتناول ملعقة عسل صباحيًا.. لن تصدق تأثيرها!    واقعية ريجي تُجبر صن داونز على التعادل في بريتوريا    تعادل الهلال مع صن داونز يشعل سباق الصدارة ويعيد ترتيب المجموعة الثالثة    الغفلاوي يجتمع بلاعبي الفريق المشارك في الدوري الممتاز ويؤكد أهمية مواصلة الانتصارات في المرحلة المقبلة    حياد الذئاب..!    السودان.. انهيار منجم ذهب    أبطال إفريقيا: الهلال السوداني يتفادى الخسارة أمام صن داونز    مجلس السيادة ينعى الإعلامي البروفيسور صلاح الدين الفاضل    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    بعد زيادة سعر الدولار الجمركي..غرفة المستوردين تطلق الإنذار    الخرطوم.. حملة أمنية تستهدف أوكارًا بشرق النيل    النموذج السعودي في الازدهار والتنمية والعلاقات المتوازنة، هو الأنسب لنا في السودان    انخفاض أسعار الذهب مع تراجع حدة التوتر الجيوسياسي    خطوة تشريعية في بريطانيا لحظر منصات التواصل على الأطفال    وسط حرب لا تنتهي.. 3 عقبات تواجه عودة كرة القدم إلى الخرطوم    السلطات تحبط محاولة تهريب لمناطق سيطرة الميليشيا    استعجلت الرحيل يا (هاشم جامع)    بعد أن طلب عبدالرحيم من حميدتي قتله!! السوباط في الخرطوم وماذا عن دقلو؟!    إبراهيم شقلاوي يكتب: مطار ود زايد: يدخل الخدمة مارس القادم    الاجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء يجيز الموازنة الطارئة للدولة للعام 2026    وصول مدير عام السكة حديد إلى أبوحمد لاستقبال قطار الصيانة وتأهيل خطوط السكة الحديد    انتهاء إعفاء الهواتف المستوردة من الرسوم في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    سماسرة سوق الذمم ومزادات القربى السياسية    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    إحباط تهريب أسلحة وذخائر في ولاية نهر النيل    بقى ليك بمبي    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    الشرطة الأمنية ولاية البحر الأحمر تضع حدا لنشاط متهم متخصص في تهريب أجهزة كشف الذهب وتضبط بحوزته (65) جهازا بمدينة بورتسودان    مدافع مضادة للطيران تعمل بالأشعة الحمراء وسط الخرطوم    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    ترامب للإيرانيين: واصلوا الاحتجاج.. المساعدة في الطريق إليكم    بَلقيس مَلكة الدِّرامَا السُّودانيّة    «تحشير بالحبر».. وادعاء بالتلاعب في سند صرف ب 2.2 مليون درهم    وطن النجوم    مستقبل اللغات في عالم متغير.. هل ستبقى العربية؟!    مصر.. سيدة تخفي "مفاجأة" في مكان حساس لتهريبها إلى الخليج    ترامب: فنزويلا ستمنح الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    الصحة الاتحادية تُشدد الرقابة بمطار بورتسودان لمواجهة خطر ماربورغ القادم من إثيوبيا    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ربيع ثورة اكتوبر: الإنجليز: زرق يحكمون سود (10-30) .. بقلم: د.عبد الله علي ابراهيم
نشر في سودانيل يوم 17 - 10 - 2011

(تصلني تعليقات غاية في الحرص على سلامة رواية أكتوبر من جهة الوقائع. فقد أيدني الأستاذ أحمد بابكر، الذي كتب رسالة جامعية حسنة عن ثورة أكتوبر، بغياب الشهيد القرشي عن الخرطوم ليومين في أكتوبر 1964. فقد جاء رفيق من المؤتمر الثانوية، حسب الرواية، إما يوم 18 أو 19 أكتوبر إلى غرفته بجامعة الخرطوم لياخذ بعض المنشورات منه. فوجده ترك له المنشورات مع زميله بالغرفة مع ورقة اعتذار بالغياب. وقال أحمد بابكر إن القرشي كان يوم 17 و18 بالفعل في قريته القراصة بالنيل الأبيض يحضر زواج أخته الصغرى. وواضح أن رفيق المؤتمر جاءه يوم 18.
أما صديقنا الرفيق المهندس محمد يوسف أحمد (فائق) والقطب الاتحادي المرموق فكتب يقول إن القرشي لم يستشهد لا بداخلية بحر الزراف كما قلت أنا ولا بداخلية السوباط كما ذكر كليف تومسون بل بداخلية الدندر الفارعة. وقد كنت رئيسها يوماً ما وسماها طالب أفريقي زائر ب"الهند الصينية" من فرط كثافة سكانها. والحق في الواضح مع فائق. فقد سكن مع القرشي في تلك الداخلية. بل واصيب في ذلك اليوم وفات عليّ إيراد اسمه ضمن الجرحي. وستصطدم رواية فائق على هذا مع الأستاذ شاموق القديمة في "الثورة الظافرة" التي فصّل مشهد استشهاد القرشي وقال إنه وقع في داخلية سوباط وودت لو سمح وقت فائق بأن يكتب عن تلك الليلة فقد ناشتها التخرصات والأقاويل).
صفوة المعارضة البرجوازية الصغيرة في الشمال مصابة في خيالها. وبئس المصاب. فقد طاش صوابها من فرط تعاقب الأنظمة المستبدة طيشاً طَلًّقت به المستقبل طلاق بينونة وترامت عند رسوم الماضي. فقد انتهت المواصلات عندها بالترام والتعليم ببخت الرضا والرغيف ببابا كوستا والفصاحة بالمحجوب وكرة القدم بجكسا والخدمة المدنية بالإنجليز. ويسمون هذا ب "الزمان الجميل" عياناً بياناً. وتشخيص ما تعاني منه هذه الصفوة سهل. فقد أنشبت فيها النوستالجيا حمانا الله وإياكم. وهي حالة ذهنية تنكفيء بها الجماعة على الماضي لأنها لم تعد تملك للحاضر القبيح دفعاً وتوارى عنها المستقبل فلا تملك للنفاذ إليه آلة من خيال أو ممارسة. فالمصاب بالنوستالجيا هو من ضرب خيمته عند الماضي. فهو لا يستلهم الماضي بل يؤلهه (والعياذ بالله) ويكتفي به فهو الغاية التي لن تتكرر والمأثرة التي انطوت. وكل من عليها فان.
ومع ذلك فالنوستالجيا نوع حميد وخبيث. فالحميد منه هو حس بالتاريخ لا مهرب منه لكل مشروع تاريخي. أما الخبيث فهو حمل كاذب. فعقيدة أهل خبائث النوستالجيا عندنا في أنه كان لنا ماض مشرق لن يتكرر وهم كبير. فلم يكن ماضينا مهما كان على الصورة الخاتمة التي صوروها لنا. فهم من فرط يأسهم يضفون عليه هالة من الوهم. وينقونه من أوشاب تاريخه المعطون في النزاع والخلاف ويسطحونه ليكون لوحة جميلة ممصمصة من نقش الواقع.
وصفوتنا الشمالية المعارضة ابتلاها الله بشر أنواع النوستالجيا. فكيف لا وهم على عقيدة جامعة مانعة من أن العهد الذهبي للخدمة المدنية كان في عهد الاستعمار. ومن رأيهم أن تلك الخدمة لم تقل "أحيا آ العافية" منذ ذلك التاريخ. وهذا تهافت عجيب. فالاستعمار بتعريفه ذاته لا ينتج خدمة مدنية. فالخدمة المدنية تفترض قيام جماعة من الموظفين بخدمة أمة من الناس شريطة أن تكون هذه الجماعة المخصوصة مساءلة أمام هذه الأمة مهما اشتطت في بروقراطيتها أو إذعانها للمستبدين من الحكام. والاستعمار براء من الخدمة المدنية. فالدولة الاستعمارية ليست حكومة في المعنى المصطلح عليه لتكون لديها خدمة مدنية. فالأصل في الحكومات أنها نشأت لإدارة جماعات من السكان بينما حكومة المستعمرين قد نشأت لإدارة رقعة جغرافية تستأثر بخير ظاهرها وباطنها. أما سكان هذه الرقعة فهم عبء. ولهذا لم يسلموا من الإبادة في الأمريكيتين واستراليا ونيو زيلنده والجنوب الأفريقي وغيرها لكي تخلو الأرض للغازي الذي جاء ليتملكها بآخرة. وعَبَّر سيسل رودس، الحاكم الإنجليزي لمستعمرة كيب تاون في جنوب أفريقيا، عن شبق المستعمرين للأرض دون الناس بقوله: "إنني أفضل أرض الأهالي عليهم".
وترتب علي غربة دولة المستعمرين عن رعاياها أنها ترفعت عن أن تتوطن بينهم كما تريد ذلك أي حكومة حاقة الاسم لنفسها بالغاً ما بلغت من الاستبداد. فالمستعمر الأوربي يعتزل الأهالي عنوة ليغرق في عوالمه الخاص. ووجدت أفضل تعبير عن نفور المستعمر عن الأهالي في ما كتبه السيد بيلي (1920) من المفتشين الإنجليز في السودان. فقال إنه وصحبه من الإنجليز كانوا ينفقون الليل في حفلات عشاء متلاحقة لا تكاد تنتهي ورقصها يسر قلوب صديقات وحسان. وأضاف أن الطبقة الحاكمة كانت تصحو صباحاً والسكرة بايتة معها وتتجه إلى مكاتبها لتدير شأن الرعية. وأضاف أن صلتنا بمرؤوسينا (الأجانب وشدد عليها في الأصل، وهم الأهالي السودانيون) تنتهي حين يحل وقت الغداء ولن نعاود كرة التعامل معهم إلا في صباح اليوم التالي. فيذهب البريطانيون إلى دورهم الهانئة على النيل بحدائقها المترعة بالسقيا وأشجارها الباسقات بينما يذهب مرؤوسونا الذين انزَقَلت بيوتهم عنا وقد تراصت بكآبة في ظهر المدينة الترابي. وزاد بيلي أنه قد يحدث أن نرتب لنجتمع بهم في مناسبات اجتماعية ولكن غالباً ما جاءت ماسخة أملاها الواجب وافتقرت إلى الخيال.
ومن أبلغ ما قرأته في وصف غربة حكومة الاستعمار قول أحدهم إنها دولة مٌفَكَسة (من fax) أي أنها صورة من أصل. والأصل هو الحكومة في حواضر الإمبريالية مثل لندن وإنجلترا ولشبون. فمرجع الحكومة في البلد المستعمر مثل السودان هو الحكومة الإنجليزية. فالإدارة الإنجليزية عندنا مكلفة من قبل حكومة الحاضرة الإمبريالية باستنزاف موارد البلد المستعمر ومٌحَرَج عليها ألا تضيع مال دافع الضرائب البريطاني في ما لاعائد منه رفعاً لعناء الأهالي أو شفقة بهم. ولهذا كان الجنوب السوداني خارج خارطة الاستثمار الإنجليزي جملة واحدة. فحتى التعليم فيه سندوه للإرساليات التي تريد التنصير قبل كل شيء. وتدير حكومة الحاضرة الإمبريالية مثل لندن مستعمراتها عن طريق وزارة المستعمرات وإن كان للسودان وضع مختلف لشراكة مصر في استعماره. ولكنه اختلاف أحمد وحاج أحمد. وعليه يصبح من الركاكة بمكان قول صرعى النوستالجيا بأنه كان للإنجليز خدمة مدنية مرموقة يذرفون عليها دموع التهافت.
ومن نتائج اعتزال دولة الإنجليز الاستعمارية المجتمع الذي تديره أنها اصبحت دولة بلا رابط وثيق خاص مع فئة دون فئة مما طبعها بقدر من الحيدة في تدافع السودانيين وظلم واحدهم للآخر. وربما أٌعجب الناس بالعدل الذي يتأتي من مثل هذه العزلة. ولكنه عدل ناشيء من تعالي الدولة على المجتمع وتساميها لا انشغالها به وتورطها فيه والسهر على خدمته. ومع ذلك كان للإنجليز تحالفات سياسية أملت عليهم التحيز لمن ارتبط من السودانيين بهم. وهي تحالفات عابرة يعقدها الإنجليز وسرعان ما يملونها لأنها غير قائمة على ميثاق ثقافي متين. فأقصى هم الدولة المستعمرة هو تأمين الرقعة الجغرافية التي استولت عليها من شغب الأهالي وحسدهم وهي مستعدة للتحالف مع الشيطان لهذه الغاية. وقد رأينا قصر حبل هذه التحالفات الإنجليزية مع قطاعات سياسية وثقافية سودانية. فقد تحالف الإنجليز مع علماء المشيخة الدينية في أول عهدهم ثم زقلوهم واستبدلوهم بزعماء الطوائف الدينية. وتحالفت مع الأفندية أولاً ثم ألقت بهم على قارعة الطريق حين تمردوا عليها في ثورة 1924 لتصطنع الإدارة الأهلية التي مكنت بها لزعماء القبائل. ثم انقلبت على السيد عبد الرحمن المهدي حين ألح على الحكم الذاتي من داخل الجمعية التشريعية في أوائل الخمسينات وأنشأت الحزب الجمهوري الاشتراكي بزعامة إبراهيم بدري وطائفة من زعماء القبائل المحسوبين على الأنصار. فالحكومة الاستعمارية لا توقر حلفاً. فما عقدت عهداً مع جماعة من الأهالي حتى نكثت عنه. فشاغل الأمن ووساوسه يجعلها تبدل الأحلاف كما يبدل المرء أحذيته. ومن رأي مؤرخ ضليع أن هذا الملل الاستعماري بالأحلاف هو بالضبط ما ذهب بريح المستعمرين. فقد جربت معظم الدوائر السودانية التعامل معهم ثقة منها بعهدهم لها ولم تجد منهم سوى الخذلان. وقَنِعت منهم ظاهراً وباطناً ففقد الاستعمار الظهير وسقط من عل في مزبلة التاريخ الشيوعية المعلومة.
هبطت صفوتنا المعارضة الشمالية إلى درك سخيف في نوستالجاها حتى "اخترعت" للاستعمار خدمة مدنية. وتولهوا بهم لأنها حوت خريجي أكسفورد وكمبريدج لا غيرهما. ومن يعصي لإكسفورد وكمبريدج أمرا! وطلاب الجامعتين مما يطلق عليه الإنجليز "الزرق" في سياق منافسات الطلاب الرياضية أو نحوه. يا سبحان الله. وماكان للاستعمار خدمة مدنية ولا ينبغي له حتى لو صب فيها سكر أكسفورد وعسل كمبريدج. فحتى الإنجليز سموا خدمتهم في السودان ب "قلم السودان" لو صحت الترجمة عن ""Sudan service واشتهرت في الحركة الوطنية بإسم حكومة المفتشين. والمعنى الأخير غاب عن الصفوة المعارضة الشمالية بينما الصيد المعرفي كله . .. في بطن هذا الفرا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.