(46) ألف مصاب بالايدز في السودان    سلطة الطيران المدني: لا اتجاه لإغلاق المطار أمام الحركة الجوية    النيابة العامة: تصدر توضيحا حول تصريحات جمعية محامون ضد التمييز    تعليق الدراسة بمراكز التدريب المهني    الصناعة تعلن بدء التشغيل التجريبي لمخابز "وادي النيل" التي تنتج 1500 جوال في اليوم    توني موريسون ... عملاقة الأدب وأيقونة الحريّة (2/2): تراجيديا الزمن الغابر في ولايات أمريكية لم تتحد بعد .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى    نعتذر منك سيدي: في رثاء الراحل الإمام الصادق المهدي .. بقلم: فريدة المبشر - دبي    في رثاء حمد الريح .. بقلم: تاج السر الملك    عملية إسرائيلية تقلب العجوز صبي والعجوز صبية !! .. بقلم: فيصل الدابي/المحامي    تجمع الحرفيين يكشف عن اختفاء أسهم مالية    رئيس مجلس السيادة يتلقى إتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية الأمريكي    الصحة تحذر من خطورة الموجة الثانية لجائحة كرونا    المجموعة السودانية للدفاع عن حقوق الانسان: بيان توضيحي حول الورشة المزمع اقامتها بعنوان السلام وحقوق الانسان    الكورونا فى السودان .. هل نحن متوكلون أم اغبياء؟! .. بقلم: د. عبدالله سيد احمد    المريخ يتعادل مع أوتوهو الكونغولي    المريخ يسعى لبداية قوية في دوري الأبطال    وفي التاريخ فكرة ومنهاج .. بقلم: عثمان جلال    أحداث لتتبصّر بها طريقنا الجديد .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – المملكة المتحدة    القوى السياسية وعدد من المؤسسات والافراد ينعون الامام الصادق المهدي    شخصيات في الخاطر (الراحلون): محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 10 يناير 2009) .. بقلم: د. حامد فضل الله / برلين    القوى السياسية تنعي الإمام الصادق المهدي    بروفسور ابراهيم زين ينعي ينعي عبد الله حسن زروق    ترامب يتراجع بعد بدء الاجهزة السرية بحث كيفيّة إخْراجه من البيتِ الأبيضِ !! .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي    لجنة التحقيق في إختفاء الأشخاص تقرر نبش المقابر الجماعية    موسى محمد الدود جبارة : مداخل ونقرشات علي حواف بيان اللجنة الاقتصادية للحزب الشيوعي السوداني    حملة لتوزيع غاز الطبخ في الميادين العامّة بولاية الخرطوم    خالد التيجاني النور يكتب :السلام المختطف    إحالة ملف متهم بقتل وكيل نيابة إلى الجنائية ببحري    اعتراف قضائي للمتهم الأول بقتل شاب    الغرامة لشاب ادين بتعاطي المخدرات    ترامب يهدد بتعليق عمل الكونغرس لإقرار التعيينات التي يريدها    كورونا في ألمانيا.. 2866 إصابة جديدة والعدد الكلي يتجاوز 130 ألف إصابة    حمد بن جاسم يكشف "الدروس المستفادة" من الوباء الذي يجتاح العالم    مدثر خيري:الاتحاد العام ليس الجهة التي تحدد بطلان جمعية المريخ    الكاردينال ينصح (الكوارتي) بخدمة اهله واسرته    الاتحاد السوداني يطبق الحظر الكلي    لجان مقاومة القطاع الاقتصادي تتمسك باقالة وزير المالية    تحديد (7) ساعات لتحرك المواطنين أثناء أيام حظر التجوال بالخرطوم    عبد الباري عطوان :ترامب يعيش أسوَأ أيّامه.. وجشعه الاقتصاديّ حوّله إلى مُهرِّجٍ    البدوي: زيادة الأجور للعاملين بنسبة (569%)    مشاركة المطرب...!    الناطق باسم الحكومة الفلسطينية: تسجيل 10 إصابات جديدة بكورونا    مجمع الفقة: لا تمنع صلاة الجماعة والجمعة إلا بوقف التجمعات    توتنهام يتدرب رغم الحظر    نصر الدين مفرح :نحن نتابع كل التّطوُّرات ولن نتوانى في منع إقامة صلوات الجماعة    أمير تاج السر:أيام العزلة    ردود أفعال قرار كاس تتواصل.. إشادات حمراء وحسرة زرقاء    «كاس» توجه ضربة ثانية للهلال وترفض شكواه حول النقاط المخصومة بأمر الفيفا    البرهان يتلقى برقية شكر من ملك البحرين    البرهان يعزي أسرة الراحل فضل الله محمد    5 ملايين درهم جائزة "الأول" في مسابقة "شاعر المليون"    ميناء بورتسودان يستقبل كميات من الجازولين    وزير الري يتعهد بتأهيل مشاريع الأيلولة بالشمالية    لجنة التحقيق في أحداث "الجنينة" تتلقى شكاوى المواطنين    برلمان العراق يصوت على إنهاء تواجد القوات الأجنبية    إيران تهدد بالرد على مقتل سليماني    الإعدام شنقاً ل (27) شخصاً في قضية المعلم أحمد الخير    حريق محدود بمبني قيادة القوات البرية للجيش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فشل الحكم الوطني مسئولية العسكر أم الأحزاب .. بقلم: النعمان حسن
نشر في سودانيل يوم 19 - 03 - 2013


ما جدوى الدستور اذا كان مصيره رهين ببيان رقم واحد
الحلقة -1
ستون عاما قضاها السودان مستقلا بعد تحرره من الاستعمار كما تقول المستندات الرسمية فى عهد (الحكم الوطنى) تبادل فيها الحكم العسكر والاحزاب السياسية مع التفاوت فى فترة حكم كل منهم كانت محصلتها حسرة على طرد الاستعماروسقوط ضحايا اضعاف من سقطوا فى عهده و معاناة لم يعرفها المواطن تحت حكم الانجليز.
وستون عاما مثلها بقيت فيها مصر تحت حكم العسكر منذ انقلاب يوليو 53 حتى ثورة الربيع فى 2012 وثلاثة واربعون عاما خضعت فيها ليبيا لحكم العسكر بانقلاب سبتمبر 1969 حتى ثورة الربيع فى 2012
الستون عاما من حكم العسكر فى مصر تبادل فيها الحكم ثلاثة هم جمال عبدالناصر بعد اقصاء محمد نجيب ثم انور السادات واخير محمد حسنى مبارك بعد اغتيال السادات اما فى ليبيا فلقد بقى العقيد القذافى طوال فترة الانقلاب لثلاثة واربعين عاما حتى ثورة الربيع
فلماذا كان الحال فى السودان خلال الستين عاما مختلفا عن حال مصر وليبيا حيث انه لم يشهد استقرارا سواء فى حكم العسكر او الاحزاب كما انه بقى متقلبا سياسيا بينما بقى الحكم فى مصر وليبيا مستقرا تحت قبضة العسكر لفترات طويلة قبل ان تنتفض عليهم شعوبها لضيقهم بالدكتاتورية بعد ان تحولت لبؤرة من الفساد؟ وبصرف النظرعن تباين الاراء والاحكام على طبيعة النظام فلقد وقفنا مشدوهين امام حديث ادلى به وزير النقل والمواصلات المصرى فى ندوة بالقاهرة فى منتصف الثمانينات ابدى فيه ما واجهه من مشكلات للتفاهم مع شقيقه وزير النقل والمواصلات فى السودان حيث اعلن انه خلال فترة توليه الوزارة تفاوض مع اربعة عشر وزيرا سودانيا تعاقبوا على الوزارة خلال توليه الوزارة المصرية التى امتدت لعشرة سنوات فقط وانه كلما التقى وزيرا عليه ان يعود معه لنقطة البداية ويفاجأ بانه غادر قبل ان يصل لنتائج نهائية معه .
فلقد تعاقب على الحكم في السودان خلال هذه الستين عاما ثلاثة انظمة حكم مدنية ومثلها عسكرية وكل منها كانت تعانى من الاحلال والابدال ليس فى المكونات الشخصية فحسب بل فى الرؤى السياسية فلماذا اختلف الحال بين السودان من جهة ومصر وليبيا من جهة ثانية حيث لم ينجح اى من العسكر او المدنيين فى ان يحقق استقرارا فى الحكم و ليصبح الحكم ان كان من العسكر مهددا بالثورة المدنية و بالانقلاب ان كان مدنيا الامر الذى افرز واقعا غريبا حيث يبقى هم الحكم سواء كان عسكريا او مدنيا كيف يبقى فى السلطة لليوم التالى وهو تحت رحمة التهديد للاطاحة به ليس كنظام فحسب بل تحت ظل نفس النظام بين اركانه التى تتحول لجبهات متصارعة مما ادى لعدم استقرار الحكم فى كلا الحالتين ولعل المفارقة الاكبر ان ايا منهم لم يسلم من الانقسام على نفسه وتمذق من داخله سواء كان حزبا او عسكر
فلقد انهار الحزب الوطنى الاتحادى الذى حقق اغلبية اول حكم وطنى وانشطر لحزبين افقداه اغلبيته كما انشطر حزب الامة بسبب الصراع على السلطة ثم توالت الانقسامات حتى اصبح كل منها مجموعة احزاب يصعب حصرها ولم يسلم الحزب الشيوعى من الانقسام اكثر من مرة وهكذاكان حال تنظيم الحركة الاسلامية بمسمايتها المتعددة اما حكم العسكر فلم يسلم اى حكم منهم من الحركات المسلحة المضادة والتى راح ضحيتها قيادات عسكرية ومدنية
لهذا كانت نتيجة الحكم الوطنى عسكريا كان ام مدنيا اهمال تام لقضايا الوطن والشعب لان كل من تعاقب على الحكم همه الاول كيف يبقى فى الحكم وبتكلفة بشرية و مادية اكبر تستنزف امكانات البلد فى حالة حكم العسكرحتى فقد الحكم الوطنى بكل انواعه ثقة الشعب حتى ساد الحكم بانواعه الهلع النفسى ان كان سيقى فى الحكم حتى الغد مدنيا كان ام عسكريا لهذا فان فترة الحكم الوطنى بنوعيها المدنى والعسكرى وقعت تحت داء الصراع من اجل السلطة او العودة اليها لمن نزعت منه ولتامين البقاء فيها لمن انتزعها لهذا كانت السمة الملازمة للحكم الوطنى انه بعيد عن هموم الشعب وتطلعاته واحتياجاته الضرورية التى تمتع بها وهو تحت الاستعمار قبل ان تتدهور على يدالحكم الوطنى ولكم هو موقف مؤسف ان يودع السودان الاستقرار بوداع المستعمر وان تتردى الخدمات فى كافة المجالات برحيل الانجليزبل وان تنتهى اهم المشروعات والبنيات الاساسية التى كانت دعامة الاقتصاد بانهيار مشروع الجزيرة والسكة حديد ووزارة الاشغال والنقل الميكانيكى والمخازن والمهمات ومؤسسات التعليم المجان المدعومة بالسكن والغزاء والاعانات المادية والعلاج المجانى مع وفرة الدواء (الصالح) وان تنتهى الخدمة المدنية التى ارسى لها الانجليز نظاما يضاهى السكة حديد فى دقة مواعيدها وعلى راسها النظام الحسابى المركزى لضبط الايرادات والمنصرفات حتى ان المصطلحات التى راجت مع الحكم الوطنى من المحسوبية والفساد والرشوة واستغلال النفوذ وغيرها لم تكن متداولة فى عهدالانجليز ولم تعرف الا تحت ظل الحكم الوطنى بشقيه وان تفاوتت نسبيا بين حكم واخر
وكم كان غريبا ان السودان فى عهد الاستعمار كان يديره تسعة محافظين مدعومين بعددمن ضباط المجالس وبتكلفة لا تصل مخصصات مسئول واحد من الكم الهائل من جهاز الدولة الذى يبلغ عشرات المئات فى الوظائف الدستورية.
.
هذا الواقع يطرح العديد من الاسئلة:
اولا لماذا اختلف الحال بين السودان ومصروليبيا ولم يعرف الاستقراروقد كان االسودان اسبق منهم فى معرفة حكم الديمقراطية ؟
ثانيا هل حكم العسكر هو طموح ومطامع قيادات عسكرية فى السلطة بحيث يعد خروجا عن دورهم القومى والوطنى للدور السياسى بكل تناقضاته ؟
ثالثا هل فشل الحكم الوطنى يرجع لفشل الاحزاب فى الالتزام بالديمقراطية مما ادى لانحراف المؤسسة العسكرية بعد ان حولتها الاحزاب طرفا فى الصراع الحزبى؟.
رابعا هل من الممكن ان تعود الامور لنصابها من اجل ان ترسى دعائم الحكم على المؤسسية الديمقراطية وتعودالقوات المسلحة لدورها الوطنى والقومى وكيف يتحقق ذلك؟
خامسا واذا لم يكن هذا ممكنا فما جدوى الحديث عن الدستور بل الدساتيراذا كانت رهينة بالبيان رقم واحد حتى اصبح السودان تحت حكم دستور غير مستقر او مشروع دستور لم يتحقق لرحيل النظام الحاكم قبل ان يكمل مشواره ويكفى ان السودان منذ عرف الحكم الوطنى لا يزال يبحث امر الدستور الذى يحكمه ولم يستقر به المقام على اى دستور.
سادسا لماذا كان عهد الانجليز اكثر استقرارا وامننا ورفاهية للمواطن ؟
فى تقديرى الخاص ان اختلاف الحال بين السودان ومصر وليبيا وبينه وبين فترة الاستعمار يرجع الى ان ماشهده السودان من انقلابات عسكرية كان فى حقيقته انحرافا سلوكيا من الاحزاب السياسية التى ورثت الحكم الوطنى بعد الاستقلال لانها لم تحقق للوطن ماهية الحكم الوطنى لافتقادها للبنية الديمقراطية وعدم احترامها للمؤسسية وقيم الديمقراطية حيث انها هى التى اقحمت القوات المسلحة لحسم صراعاتها بعيدا عن المؤسسية الديمقراطية وليس لمطامع العسكر فى الحكم كما كان الحال فى مصر وليبيا ولهذا اسباب موضوعية ساعود اليها فى حلقةخاصة .
لهذا اختلف الوضع فى مصر وليبيا عن السودان حيث لم يكن تدخل العسكر بسبب خلافات حزبية فكل من مصر وليبيا لم تعرفان حكم الاحزاب وانماشكل حكم العسكر الانتقال من انظمة ملكية لانظمة عسكرية لهذا كان الاستيلاء على الحكم طموح ومطامع من العسكر فى السلطة دون وجود اى ارث حزبى فى الحكم حيث ان كل من مصر وليبيا لم تعرفان حكم الديمقراطية قبل الانقلابات العسكرية رغم بعض المظاهر الشكلية فى مصرلحزب الوفدالذى كان جزءا من منظومة النطام الملكى وعهد الباشوات
.
لهذا لابد ان نعترف هنا بان العلة الحقيقية التى عانى منها السودان وسيظل يعانى منها انما تكمن فى الاحزاب السياسية بلا استثناء سواء كانت فى الحكم او المعارضة وليس فى الطموح العسكرى للاستيلاء على السلطة لرغبة فيها حيث ان السودان لم يعرف اى انقلاب وقف خلفه العسكر لمطامع فى الحكم دون ان يدفعهم لذلك حزب او فكر سياسى وانما ظلت كل الانقلابات التى شهدها السودان التى نجحت او فشلت كانت لدوافع سياسية حزبية تستهدف حسم القضايا الخلافية الحزبية بمنطق القوة وليس الالتزام بالديمقراطية ويرجع ذلك الى ان الحكم الوطنى انتقل مباشرة من الاستعمار لاحزاب سياسية كانت غريبة فى مخاضها حيث ولدت سفاحا لاب غير شرعى لانها لم تكن سودانية المولد والنشأة لهذا لا تعرف شرعية المؤسسية الديمقراطية وفاقدة للاستقلالية والارادة وتفتقد الثقافة الديمقراطية وحس الانتماء للوطن وليس السلطة والاشخاص حتى ان الاستقلال نفسه جاء تسوية وحلا وسطا جاءت به الصدفة بين نقيضين اصبح من المستحيل لهم ان يلتقيا لينقذ الاستقلال البلد من حرب اهلية كانت ستكون الاسبق من الصومال فى الحالة الكارثية
هكذا جاء الاستقلال ولم تكن هناك اى قوى سياسية بينها تدرك ماهيته وصاحبة رؤية سياسية فى امره بعد ان فقدت احزابه القوى الاجنبية التى كانت تقف خلف نشاتها ورعايتها بل وصياغة رؤيتها السياسية وتمويلها بعد ان انصرف عنهم الاب غير الشرعى(وكما يقول المثل فكوهم عكس الهواء لايعرفون اتجاه الريح).
فالاستقلال نفسه بمعناه الوطنى لم يكن مطروحا بين تيارين متنافسين حول تحقيق مصيرالسودان تحت عباءة مصر ام انجلترا حيث كان التنافس قاصرا بين طرفين متفقين على رهن السودان لجهات خارجية حيث ان الخلاف بينهما كان لمن يرهن السودان نفسه خارجيا حيث ان كلاهما متفقين على رهنه ويختلفان لمن يرهن لمصر فى وحدة وادى النيل كما ينادى الحزب الوطنى الاتحادى وطائفة الختمية ام للانجليز عبر التاج الملكى الذى كان يطمع فيه السيد عبدالرحمن المهدى تحت ملكة بريطانيا لهذا لم يستسلم الاخير لحكم الصندوق الانتخابى عندما حقق غريمه الموالى لمصرالاغلبية البرلمانية فى اول انتخابات حرة فرفض حزب الامة الانصياع لحكم الاغلبية واعد قواه للحيلولة دون رغبة الاغلبية بالقوة والسلاح الابيض الذى اشتهر به انصاره وقدموا نموذجا له فى ماعرفت بحوادث اول مارس التى اشهرت فى وجه حاكم مصر اللواء محمد نجيب لحظة وصوله السودان مهنئا بان حكمه سيمتد لوادى النيل بعد ان حقق حزبه الاغلبية ليصبح الطريق مسدوداوالحرب الاهلية مصيرية فكان الحل هو الاستقلال بالرغم من ان شعب السودان انتخب يومها الاغلبية التى تدعو لوحدة وادى النيل..
ويالها من مفارقات غريبة ارتبطت بها الاحداث التى عرفها السودان والتى يصعب وجود تفسير منطقى لها :
اولها ان حزب بيت المهدى والذى عرف تاريخيا بالعداء المستحكم بينه والانجليز والذى عرف تاريخيا انه كان فى حالة حرب راح ضحيتها الاف الانصاروقتل على يده حكام انجليز لكنه اصبح فجاة هو الحليف الاوحد للانجليز بسبب مطامع زعيم الطائفة ان يصبح ملكا للسودان تحت التاج البريطانى بينما زعيم طائفة الختمية السيد على الميرغنى كان مصنفا بانه رجل الانجليز الذين أنعمواعليه بلقب السير تقديرا لولائه اصبح الحليف الاول لمصر فكيف تم تبادل المواقع؟ .
ثانيا الحزب الوطنى الاتحادى الذى حقق الاغلبية البرلمانية لبرنامجه الوحدوى مع مصر تراجع عن البرنامج السياسيى الذى حقق له ثقة الناخبين دون ان يرجع للناخبين الذين انتخبوه كما تقتضى القيم الديمقراطية كما حدث لحزب العمال البريطانى والذى حقق الاغلبية البرلمانية التى اهلته للحكم ببرنامج يدعو للتاميم ولكنه لما تبين له انه لن يحقق البرنامج الذى انتخب بسببه فانه عاد للناخبين ليقولوا رايهم فى رؤيته الجديدة وعاد للسلطة بتفاهم مع الناخبين ومباركتهم التزاما منه بالقيم الديمقراطية
هكذا جاءت ضربة البداية لحزب الاغلبية الوطنى الاتحادى الذى انتخب من اجل وحدة وادى النيل ومع ذلك تراجع عنها دون ان يرجع للناخبين وهو موقف يتعارض مع القيم الديمقراطية مها كانت المبررات مشكلا بذلك انحرافا عن غرس القيم الديمقراطية ايا كانت المبررات والنتائج حتى لو كانت ثمرته الاستقلال ولكنه كان تصرفا عاديا لافتقار الاحزاب للثقافة الديمقراطية وقد اكد هذا مواقف اخرى مشابهة ففى ظاهرة تعد الاولى من نوعها ان تقدم احزاب سياسية على استغلال الاغلبية البرلمانية وتتكتل لتجهض الديمقراطية بحل حزب وطرد نوابه المنتخبين للبرلمان دون احترام لمن انتخبوهم والذين لهم نفس الحقوق الامر الذى اكدغياب الثقافة الديمقراطية عنهم فكيف تكون الديمقراطية اذا كانت الاغلبية تطرد الاقلية وجميعهم يتفقون انهم جاءوا الى البرلمان ممثلين للشعب فى دولة يفترض ان تحكمها مؤسسية ديمقراطية.
هذا هو واقع السودان عندما تولت الاحزاب السياسية الحكم الوطنى مجبرة وبعيدةعن الرعاة مصريين او انجليز والذى يؤكد ان الاحزاب السياسية لم تعرف ارث الديمقراطية فى تكوينها ولا تعرفه حتى اليوم كما فقدت مصادر تمويلها من الخارج بعد فكها الارتباط بالقوى الخارجية التى كانت تتقاسم السودان وتتولى امر تمويلها الامر الذى اوقعها تحت قبضة ممولين لمصالح خاصة لهذا كان من الطبيعى الا تحترم الديمقراطية فى المؤسسة الحزبية وان تقع تحت قبضة اصحاب المال فنشأت فاقدة للديمقراطية فكيف لها اذن ان تحترمها ارثا ديمقراطيا لحسم خلافاتها مع مخالفيها الراى سياسيا من الاحزاب التى يفترض ان تكون شريكة فى ارساء الحكم الوطنى الديمقراطى فالديمقراطية ثقافة لا تتجزأ لهذا اصبح كل هذا مفقودا مما افقد الحكم الوطنى مبررات وجوده و دعائم استقراره الديمقراطى حتى الان كما هو الحال فى اوربا حيث تشكل الثقافة والقناعات الديمقراطية اهم مقومات الاحزاب السياسية لهذا فاننا لم نشهد انقلابا عسكريا فى اوربا او نسمع بمحاولة فاشلة لان الحزب الذى تتفق عضويته فى الفكر والرؤى السياسية لا جدوى منه اذا لم يبنى على مؤسسة ديمقراطية ولا يمكن ان يحترمها لخصومه من الاحزاب الذين يشكلون نقيضا له كما هو الحال فى السودان عندما فاجأهم الاستقلال وهم على هذا الحال لا يتمتعون بارث الديمقراطية فكيف اذن لاحزابنا التى لم تعرف الديمقراطية فى مؤسساتنا الحزبية ان تحترمها وسيلة للحكم لهذا كان من الطبيعى ان تتحول المؤسسة العسكرية اداة حزبية لحسم الخلافات السياسية مدفوعة لهذا الموقف من القيادات الحزبية وليس لرغبة فى السلطة لتحل البدقية بديلا للسلاح الابيض الذى سبق واشهره حزب الامة.
فانقلاب نوفمبر الذى قضى على اول حكم وطنى بعد الاستقلال وزرع البذرة الفاسدة فى المؤسسة العسكرية والذى قام به الجنرالات من القيادة العليا للقوات المسلحة لم يكونوا هم الذين خططوا للاستيلاء على السلطة ولم يكن التفكير فى الانقلاب فى مخيلتهم بل كان استيلائهم على السلطة بامر رئيس حزب الامة الحاكم البكباشى عبدالله بك خليل رحمة الله عليه الذى صور لهم ان تدخلهم سيجنب البلد الفتنة وقد اكد هذا قائد الجيش والانقلاب نفسه الجنرال عبود رحمة الله عليه فى اعترافاته بهذا الحدث الذى غير مسار العمل الوطنى فى السودان ولعل رئيس جزب الامة فى موقفه هذا –حتى لا نظلمه- توجس شرا سيتهدد البلد وهو يسترجع سابقة حزب الامة الشهيرة التى عرفت بحوادث اول مارس االشهيرة والتى شهدت فيها البلاد القتل بالسلاح الابيض يوم كانت جماهير الانصار تتحرك بالاشارة وسقط فيها الضحايا لما اقدم حزب الامة للتعبير عن رفضه استقبال الحزب الوطنى الاتحادى حليفه اللواء محمد نجيب رئيس المجلس العسكرى المصرى عندما كان الحزب يتبنى الوحدة مع مصر او ما سميت وحدة وادى النيل وهو نفس ما حدث منه فيما عرفت بحوادث بيت المال لهذا(فعلها) رئيس حزب الامة المنتخب ديمقراطيا وسلمها بارادته الحرة للعسكر لما تيقن ان حزبه سيفقد الاغلبية النيابية التى جاءت به رئيسا لحكومة ديمقراطية الا انه ضاق بها وعجز عن الالتزام بحكمها لما افضت بحرمان حزبه من الحكم الذى تربع عليه عبر بوابتها سواء قام بذلك خوفا على امن البلد او لانه لم يقبل خسارة الحكم لخصومه الموالين لمصرالتى يعاديها حزبه بعد ان اصبح واضحا امامه ان حليفه فى الحكم حزب الشعب الديمقراطى الذى حقق له الاغلبية بعد انقسامه عن الحزب الوطنى الاتحادى قرر العودة لحزبه وكان حزب الشعب نفسه قد انشق عن الوطنى الاتحادى لما ضاق بالديمقراطية فى مواجهة الاغلبية التى تمتع بها الازهرى وجماعته من حزب الاشقاءحيث رفض الذين اسسوا حزب الشعب الموالى لطائفة الختمية الالتزام بحكم الديمقراطية فى الحزب الذى شاركوا فى تاسيسه فلم يقبل حزب الامة ان تفقده الاغلبية المنتخبة ديمقراطيا المشاركة فى الحكومة والكرسى الفاخر الذى يجلس عليه زعيمه رئيسا للوزارة مع ان الخلاف بين حزبى الامة والشعب الديمقراطى بل بين الطائفتين كان خلافا سياسيا حادا بين حزبه الموالى للغرب و يريد التحالف مع امريكا بقبول المعونة المشروطة والذى فجر وقتها قضية حلايب نكاية فى الحكومة المصرية وحليفه الذى كانت وجهته مصرالتى كانت يومها زعيمة الاتجاه المعادى للغرب فى المنطقة لهذا فهو رافض لاى ارتباط بامريكا وتصعيد العداء مع مصر وهو ما يؤكدان التحالف نفسه كان معيبا من البداية لما بين الطرفين من خلافات فى الرؤى السياسية حيث انهما نقيضان طائفيا وسياسيا لا يجمع بينهما اى موقف سياسي موحد منذ احترفت الطائفتان السياسة الرغبة فى السلطة فلقد كانا يختلفان حتى على استقلال السودان عندما كان حزب الامة يدعو لاستقلال يتوج فيه السيد عبدالرحمن ملكا تحت التاج البريطانى بينما يدعو قادة جزب الشعب لوحدة وادى النيل لهذا كان الدافع الذى جمع بين النقيضين الرغبة فى السلطة فى ذاتها وليس بسبب اى توافق سياسى يبرر التحالف بينهما لهذا عند مواجهة اول اختبار لهما فى موقف يفترض ان تحسمه الديمقراطية ان كانت هى اساس الحكم لم يصمد التحالف امام اول اختبار لها فانهار وكان قرار حزب الاقلية فى الشراكة فض التحالف والعودة لحزبه السابق لاسقاط الحكومة وكان خيار حزب الامة الخاسر الانتقام من الديمقراطية فامر رئيسه الضابط السابق فى القوات المسلجة القيادة العليا للجيش ان تستولى على الحكم ليحسم بهذه الخطوة الاحتكام للديمقراطية وليعلن بهذه الخطوة اقحام المؤسسة العسكرية فى الصراعات الحزبية .
كانت تلك الخطوة الاولى التى جعلت من القوات المسلحة الية لحسم الصراعات الحزبية على انقاض الحسم بالوسائل الديمقراطية والثابت انه قبل هذه الواقعة لم تكن هناك اى مخاوف من العسكر او اى مؤشرات للاستيلاء على الحكم ليصبح الجيش بعد هذه الواقعة الهاجس الاكبر على الحكم وليصبح اداة لحسم الصراعات الحزبية ولم تعد الديمقراطية قوام الحكم حتى فى الحكم المدنى القائم على احزاب سياسية تفتقد المؤسسية الديمقراطية فى بنيتها الداخلية ولا تحترمها فى خصومتها مع الاحزاب التى تخالفها الراى وفى الالتزام بها معيارا للحكم والامر هنا لايخلو من طرفة تؤكد غياب الديمقراطية فما من حزب حسم خلافاته عسكريا الا وكان رافعا شعار الديمقراطية واتخذ من وعوده بها للشعب مبررا للانقلاب وهكذا دخلت البلاد فى اكبر فرية ان تكون الانقلابات التى تجهض الديمقراطية يتصدر بيانها الاول ان تعد الشعب بالديمقراطية مع انها ستحكمه عسكريا بقوة البندقية
كان النتاج الطبيعى ان يفقد الحكم الديمقراطى وجوده موضوعا ويبقى شكلا ومظهرا زائفا وان تاتى كل الانقلابات ذات الطابع الحزبى سواء التى نجحت منها او فشلت كما هو حال الانقلاب اليسارى التوجه فى مايو69 والذى اعقبه اانقلاب 19 يوليو ثم الانقلاب العنصرى حسن حسين ليتبعه انقلاب 30يونيو 89 بعد ان ايقن الحزب الذى يطرح برنامجا اسلاميا وفق رؤيته ان الاغلبية البرلمانية ستطيح بقوانين النميرى الاسلامية فاشهر يومها حربه على الديمقراطية ليحول دون ان يصدر قرار الاغلبية لانه لا يتوافق مع رؤاه السياسية لتاتى خطوته امتدادا لصراعات حزبية خرجت عن دائرة الديمقراطية ولتصبح الية الحسم الحزبى للمؤسسة العسكرية التى لم تعد قومية وبين هذه الانقلابات الناجحة العديد من المحاولات الفاشلة ذهب ضحيتها المئات من ابناء الوطن من قيادات عسكرية ومدنية حزبية بعد ان اصبحت هذه الانقلابات الوسيلة الوحيدة لحسم الخلافات السياسية بعيدا عن الديمقراطية ومن هنا يتاكد فشل الحكم الوطنى بسبب غياب الحس الديمقراطى وليس فى مطامع العسكر فى السلطة وهوما تسال عنه الاحزاب السياسية بلا استثناء اما لماذا فشل الحكم الوطنى فى ان يرسى مؤسسية ديمقراطية للحكم فهذاموضوع الحلقة القادمة الحلقة الثانية .
alnoman hassan [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.