تماثل 73 من مصابي الكوليرا للشفاء بالنيل الأزرق    الشيوعي: لغة الإقصاء تقود للمربع الأول    قرقاش: حملة الإخوان ضد مصر فشلت    وزير سابق برئاسة الجمهورية ينفي علمه باستلام البشير مبلغ 25 مليون دولار    حركة تحرير السودان تتهم مجلس السيادة باستخدام ملف الأسرى للابتزاز    المهدي يدعو القوى (المدنية والمسلحة) إلى مراجعة المواقف والقرارات    مصفوفة لزيادة صادرات الحبوب الزيتية إلى (6) مليار دولار    توقعات بوصول إنتاج البلاد من الصمغ إلى 500 ألف طن    (نداء السودان) يجتمع في القاهرة لمناقشة عملية التحول الديمقراطي    اقتراح .. فوطننا يستحق الأجمل .. بقلم: د. مجدي إسحق    أردوغان: سنواجه بحزم كل من يعتبر نفسه صاحبا وحيدا لثروات شرق المتوسط    مواجهات في باريس والشرطة تعتقل 30 متظاهرا    الحرس الثوري: سنواصل إسقاط الطائرات المسيرة التي تنتهك مجال إيران الجوي    رابطة الصالحية وهمة (خارج وطن )! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبوأحمد    النوم تعال سكت الجهال واخرين!! .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    "سوا" الدوحة تحتفي بالمدنية .. بقلم: عواطف عبداللطيف    في مطولته: (سيمدون أيديهم لنقيِّدها) محمد المكي ابراهيم ينجز خطاباً شعرياً متقدماً .. بقلم: فضيلي جمّاع    تشكيلة الانتر المتوقعة لديربي الغضب    اعضاء جمعية الهلال يتقدمون بشكوى لشداد    المريخ يواصل تحضيراته في القلعه الحمراء    شركات النفط الصينية والهندية والماليزية تؤكد مواصلة عملها    بعثة طبية صينية تجري 100 عملية عيون مجاناً    تعزيزات أمنية بمحلية قريضة بعد هجوم على قسم الشرطة    مروي تشهد أطول ماراثون سوداني للتجديف و"الكانوي" في العالم    شركات النفط الصينية والهندية والماليزية تؤكد مواصلة عملها    (الكنداكة ) ولاء والتحدي ! .. بقلم: نجيب عبدالرحيم (أبوأحمد )    إضراب لاعبي المريخ يدخل يومه السادس    إعفاء عدد من القيادات في شركات النفط والغاز والمعادن    مقتل شاب طعناً بالسكين على يد شقيقه الأكبر بام درمان    شاهد اتهام يكشف معلومات مثيرة في قضية مقتل معلم خشم القربة                خارجياااااو !    البرهان يفتتح مجمع الكدرو لتصنيع اللحوم    مقتل مواطن على يد (5) نظاميين قاموا بتعذيبه في كسلا    "السعودية" : هجوم "أرامكو" بصواريخ دقيقة وطائرات مسيرة إيرانية    تشييع الفنان بن البادية في موكب مهيب بمسقط رأسه    رحيل صلاح بن البادية.. فنان تشرب "أخلاق القرية"    حكاية "عيساوي"    السعودية تعلن توقف 50% من إنتاج "أرامكو"    رئيس الوزراء السوداني يتوجه إلى القاهرة وتأجيل مفاجئ لرحلة باريس    الدعم السريع يضبط شبكة إجرامية تقوم بتهديد وإبتزاز المواطنين بالخرطوم    24 قتيلاً بتفجير قرب مجمع انتخابي بأفغانستان    شرطة القضارف تمنع عملية تهريب أسلحة لدولة مجاورة    بين غندور وساطع و(بني قحتان)!    حركة العدل و المساواة السودانية تنعي الفنان الأستاذ/ صلاح بن البادية    "المريخ" يفعِّل "اللائحة" لمواجهة إضراب اللاعبين    المتهمون في أحداث مجزرة الأبيض تسعة أشخاص    المفهوم الخاطئ للثورة والتغيير!    في أول حوار له .. عيساوي: ظلموني وأنا ما (كوز) ولستُ بقايا دولة عميقة    مطالبات بتفعيل قرار منع عبور (القلابات) للكباري    سينتصر حمدوك لا محالة بإذن الله .. بقلم: د. عبد الحكم عبد الهادي أحمد العجب    الدّين و الدولة ما بين السُلطة والتّسلط: الأجماع الشعبي وشرعية الإمام (1) .. بقلم: عبدالرحمن صالح احمد (ابو عفيف)    أعظم قوة متاحة للبشرية، من يحاول مصادرتها؟ ؟؟ بقلم: الريح عبد القادر محمد عثمان    العلم يقول كلمته في "زيت الحبة السوداء"    إنجاز طبي كبير.. أول عملية قلب بالروبوت "عن بُعد"    وزير الأوقاف الجديد يدعو اليهود السودانيين للعودة إلى البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الانقلابات العسكرية في السودان: الأسباب والدوافع
نشر في شبكة الشروق يوم 22 - 05 - 2011

تتناول الدراسة أسباب الانقلابات العسكرية في السودان وأنماط التدخل العسكري، وتبدأ بتقديم إطار نظري قد يسهم في تفسير الانقلابات العسكرية في السودان، وفرضية الورقة الرئيسة هي أن تدخل العسكريين في السلطة في السودان ما هو إلا امتداد للعملية السياسية بوسائل الإكراه.
محاور الدراسة
1- المقدمة
2- انقلاب 1958 وموقف السياسيين المدنيين
3- الحكومة المدنية 64 – 1969م
4- انقلاب مايو 1969
5- الحكومة المدنية 86 -1989م
6- مذكرة الجيش فبراير 1989م
7- انقلاب 30 يونيو 1989م
8- الطبيعة السياسية لتنظيمات الضباط
9- الخاتمة
المقدمة
ظل التدخل العسكري في السياسة السودانية ومنذ الانقلاب الأول في نوفمبر 1958 سمة ملازمة للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي. وقد عد ذلك الانقلاب الذي كان الأول في إفريقيا جنوب الصحراء، في حينه، مجافياً للتقاليد البريطانية التي أسس عليها الجيش السوداني ومنها استقى مهنيته وإدراكه للعلاقة مع المدنيين الذين يتربعون على سدة الحكم. وقد أرسى ذلك التدخل لعلاقة ظل فيها حكم العسكريين أمراً غالباً طوال فترة ما بعد الاستعمار. وقد فشى التدخل العسكري، كما هو معروف، في إفريقيا والعالم النامي، حتى غدا وقوع انقلاب في بلد مثل السودان ينظر إليه بحسبانه جزءاً طبيعياً من العملية السياسية. وأصبح تعاقب المدنيين والعسكريين على السلطة، فيما غدا يعرف بالباب الدوّار، النمط السائد في العمل السياسي في بلدان مثل السودان ونيجيريا وغانا.
ستقوم هذه الورقة بتناول أسباب الانقلابات العسكرية في السودان وأنماط التدخل العسكري. وتبدأ بتقديم إطار نظري قد يسهم في تفسير الانقلابات العسكرية في السودان. وفرضية الورقة الرئيسة هي أن تدخل العسكريين في السلطة في السودان ما هو إلا امتداد للعملية السياسية بوسائل الإكراه. أي أن الانقلاب العسكري خطط ودبّر له مدنيون بالاشتراك مع عسكريين موالين سياسياً، أو جاء بدعوة من مدنيين، وبذلك يكون الانقلاب جزءاً من العملية السياسية. لذا فإن هذه الفرضية لا تشترك في الرأي مع الباحثين في شأن الانقلابات العسكرية الذين يرون أن الدافع الأكبر للانقلاب يعود إما إلى طبيعة السمات التظيمية للمؤسسية العسكرية، وتشمل التسلسل الهرمي وطبيعة التدريب والانضباط التنظيمي. أو إلى حماية مصالح الجيش المؤسسية عندما يتهددها خطر تقليص الميزانية أو الإهمال أو وجود مليشيات منافسة، أو التدخل السياسي في شؤونه المهنية.
وكان هنتجنغتون قد أرسى نموذجاً تقوم على أساسه العلاقات العسكرية المدنية وهو درجة المهنية. فكلما كانت المؤسسة العسكرية مهنية في مهمتها، ابتعدت عن التدخل المباشر في السياسة. وكلما قلت مهنيتها، ازدادت تدخلاً في السلطة. وتكمن مهنية القوات المسلحة في تجويد مهمتها الأساسية وهي حماية البلاد من التهديد الخارجي، وهي ليست معنية بقضايا الأمن والسياسة الداخلية. وتتطلب الحروب الحديثة مهارات عسكرية عالية. هذه الرؤية التي قدّمها هنتجنغتون لم تعد تفسر العلاقات العسكرية المدنية في عدد من الدول وبخاصة أمريكا اللاتينية. وقد طرح استيبان مدخلاً آخر لتفسير حالات البرازيل والأرجنتين وبيرو من خلال مفهوم "المهنية الجديدة". ويقوم مفهوم استيبان على أن مهمة القوات المسلحة في تلك البلدان هي الأمن الداخلي وأن المهارات العسكرية المطلوبة في الضابط مرتبطة بالمهارات السياسية ولا تناقضها، كما تفترض المهنية التقليدية. كما أن مدى عمل المهنية العسكرية واسع ومتمدد. ويتركز أثر المهنية الجديدة في تسييس المؤسسة العسكرية.
أما بيلكن وسشاوفر فقد قدما نموذجاً يمكنه أن يرجّح وقوع انقلاب في ما أسمياه خطر الانقلاب. ويشير الخطر إلى الأبعاد الهيكلية طويلة المدى التي ترجح وقوع انقلاب وتشمل سمات حكومية ومجتمعية وعناصر من الثقافة السياسية والعلاقة التي تربط المجتمع بالحكومة. وتختلف الأبعاد الهيكلية عن المحفزات التي تسبق الانقلاب مثل الأزمات الاقتصادية وتدهور الأوضاع المعيشية والمهنية للعسكريين. ففي غياب الجوانب الهيكلية، لا يمكن للمحفزات وحدها أن تحدث انقلاباً. وقد ركّز بيلكن وسشاوفر لأسباب منهجية ونظرية على ثلاثة أبعاد هيكلية هي: قوة المجتمع المدني وشرعية الحكومة وتأثير الانقلابات السابقة. وفرّقا بين دوافع الانقلاب والفرص التي تدفع الانقلابيين لاستلام السلطة. والفرص وخطر الانقلاب ليسا بالضرورة متطابقين. فبينما يشير انعدام الفرص من جهة إلى احتمال ضعيف لحدوث انقلاب نتيجة لقوة المؤسسات المدنية ورسوخ حكم القانون وانتشار الحريات، نجد أن الفرص قد تنعدم، من جهة ثانية، بسبب قدرة النظام الحاكم التكتيكية على درء خطر الانقلاب بهيمنته على القوات المسلحة، وليس نتيجة عوامل هيكيلية.
من العرض النظري السابق تقوم فرضيات هذه الورقة وهي: أولاً؛ أن الانقلاب العسكري في السودان هو استمرار للعملية السياسية بوسائل أخرى بسبب عوامل هيكلية. وكان كلاوتزفيتز يرى أن الحرب استمرار للعمل السياسي بوسائل أخرى. وهذا يعني أن الدافع الرئيس للانقلاب ليس السمات التنظيمية للقوات المسلحة أو المظالم الشخصية للضباط، فهذه تشكّل فقط حافزاً مهيئاً للانقلاب.
ثانيا؛ أن توسّع المهام المهنية للقوات المسلحة - المهنية الجديدة- وحكم العسكريين المتطاول، بجانب تجييش الشعب في فترة الإنقاذ، قد قلل الهوة بين المدنيين والعسكريين، وجعل حالة تداول المدنيين والعسكريين على السلطة ينظر إليه بحسبانه جزءاً "طبيعياً" من العملية السياسية في السودان.
ثالثاً؛ عندما تزداد حالة الصراع والاستقطاب السياسي تتزايد فرص الانقلاب، كما تزداد للسبب ذاته فرص انهيار النظام العسكري عندما يكون العسكريون في السلطة. أي أن تزايد الاستقطاب والصراع السياسي يسهم في انهيار الأنظمة المدنية والعسكرية في السودان.
رابعا؛ أن قدرة النظام الحاكم التكتيكية في منع الانقلاب تجعل الاستقرار مرهوناً بتلك القدرة وليس بسبب السمات الهيكلية للدولة.
انقلاب 1958 وموقف السياسيين المدنيين
المتتبع للانقلابات العسكرية في السودان يلاحظ ارتباطها الوثيق بالسياسيين المدنيين. وترى هذه الورقة أن التسييس المتنامي للحياة العامة في السودان، مقروناً بسيطرة الحكومات المختلفة على مفاصل الاقتصاد والإعلام والثقافة، يجعل السيطرة على الحكومة مهماً. ويعني الخروج من الحكومة الخروج من درجة التأثير الأكبر الوحيد على الدولة. ففي أول انقلاب عسكري ناحج في إفريقيا جنوب الصحراء، تشير عدد من الدراسات إلى أن حزب الأمة كان منهمكاً في الإعداد وسط الجيش لانقلاب، وأن عبدالله خليل أقنع السيد عبدالرحمن المهدي بأن نجاح الانقلاب يؤدي إلى تنصيبه رئيساً لجمهورية السودان، لذا فقد طلب رئيس الوزراء عبدالله خليل من الفريق عبود استلام السلطة.
كما أن الفريق إبراهيم عبود ذكر للجنة التحقيق التي شكلت للتقصي في وقوع انفلاب 17 نوفمبر قائلاً: "قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبدالله خليل، وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثاً خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة". كانت الأوضاع السياسية تشير إلى أن مساعي التقريب بين الحزب الوطني الاتحادي وحزب الشعب الديموقراطي على وشك أن تنجح في تشكيل حكومة جديدة تقصي حزب الأمة بقيادة عبدالله خليل من الحكومة. لذا قرر عبدالله خليل التضحية بالنظام الديموقراطي قبل أن تعتلي السلطة الحكومة الجديدة.
جاء الانقلاب العسكري ليعصف بالآمال المعقودة على الديموقراطية الوليدة، ويشكل سابقة جديدة في العلاقات العسكرية المدنية في إفريقيا جنوب الصحراء. وكما أشار فيرست فإبراهيم عبود أحد أعمدة تقاليد المؤسسة البريطانية في السودان والعضو الرائد في المجلس الاستشاري والمجلس التشريعي والبرلمان، والذي تبوأ أرفع المناصب في فترتي الحكم الذاتي والاستقلال، قد استخدم جيشاً نشأ وترعرع على التقاليد البريطانية ليهدم كل النظام ومعه تقاليد الجيش البريطاني التي تؤكد على عدم تدخل الجيش في السياسة. جاء انقلاب نوفمبر 1958 ليشكّل الحلقة الأولى في ظاهرة "الباب الدوّار" أو تعاقب المدنيين والعسكريين في السلطة بالسودان.
أيّد السيّدان علي الميرغني وعبدالرحمن المهدي الانقلاب، الأمر الذي يشير إلى التوجه السياسي المحافظ لمنفذي الانقلاب. ووجد الانقلاب معارضة من الحزب الشيوعي. ففي 18 نوفمبر 1958 أصدر المكتب السياسي للحزب الشيوعي بياناً بعنوان 17 نوفمبر انقلاب رجعي، جاء في ذلك البيان ما يلي: إن الانقلاب الذي جرى صباح 17 نوفمبر لم يكن متجاوباً مع مطالب شعبنا ومصالحه، ولم تكن ثورة الجيش هي جزء من التحولات الوطنية الديمقراطية ضد تحكم الإقطاعيين والاستعماريين، بل كان، (أي الانقلاب)، تسليماً سلمياً للسلطة من يد عبدالله خليل لقيادة الجيش تماماً، كما فعل إسكندر ميرزا في الباكستان.
وكما ذكر تاج السر عثمان، فإن معارضة الحزب الشيوعي لانقلاب 17 نوفمبر جاءت لكونه انقلاباً رجعياً، ولم تنبع المعارضة من موقف مبدئي من أي انقلاب أو ديكتاتورية عسكرية تصادر الديمقراطية، سواء كانت رجعية أو تقدمية. كما أن الحزب لم يطرح موضوع استعادة الديمقراطية والحريات الأساسية، بعد وقوع الانقلاب مباشرة، ولكنه طرح برنامجاً يشجع أي انقلاب تقدمي يطيح بالمجموعة الرجعية التي نفّذت انقلاب 17 نوفمبر. لذا فإن "طبيعة الانقلاب هي التي تحدد الموقف منه: المعارضة إذا كان رجعياً، والتأييد (المشروط وغير المشروط) إذا كان وطنياً أو يسارياً. أي أن الحزب وقتها لم يبلور موقفاً نظرياً ومبدئياً متماسكاً للدفاع عن الديمقراطية ومعارضاً للتفكير الانقلابي من حيث المبدأ، سواء كان رجعياً أو تقدمياً".
معارضة الحزب الشيوعي لنظام عبود دفعت الشيوعيين للتحالف مع كل من يعادي ذلك النظام، ومن بين أولئك الضباط الأحرار. ومن ناحية أخرى يبدو أن الحزب خطط ليكون له وجود داخل الجيش، وذلك بهدف منع استخدام سلطات الجيش ضد الحزب.. وقد أفلح في بناء علاقات، تتفاوت درجة قوتها، مع عدد مقدر من الضباط والجنود، وقد كان هؤلاء الضباط هم المحور الذي تطوّر حوله تنظيم الضباط الأحرار والذي ضم كثيراً من الضباط الذين لم يكونوا على علم بعلاقة زملائهم بالحزب الشيوعي.
أما ما يلي الأخوان المسلمون، فقد اتجه الرشيد الطاهر بكر إلى العمل وسط الجيش لتغيير نظام عبود، بعد أن رفض مكتب الأخوان مقترحه بإنشاء مليشيا شعبية. وما عضّد الاهتمام بالعمل وسط الجيش، عند المراقب العام، أن أبا المكارم عبدالحي، حينما جاء إلى السودان في عام 1955، كان متأثراً بتجربة الأخوان المسلمين في مصر، واقترح الاهتمام بالمؤسسة العسكرية، والاستفادة من تجربة النظام الخاص في مصر. ونتيجة لذلك التحق بعض شباب الأخوان بالكلية الحربية. مضى الرشيد الطاهر في مشروع الانقلاب الذي كان مخططاً له في 9 نوفمبر 1959. لكن كشفت الخطة، وجرى اعتقال المخططين صباح يوم التنفيذ. يتضح من موقف الأخوان، وتخطيط المراقب العام لمحاولة انقلاب 1959، أن معارضتهم لنظام عبود لم تتأسس على إطاحته نظاماً ديموقراطياً، أو أنه موقف مبدئي ضد الانقلاب.
واجه نظام نوفمبر معارضة متنامية من القوى السياسية، فقد طالبت هذه القوى في مذكرتين للمجلس العسكري في نوفمبر 1959 ونوفمبر 1960 بإقامة انتخابات. قامت الحكومة على إثر ذلك باعتقال عدد من زعماء الأحزاب. وأصدرت الحكومة العسكرية في يونيو 1961 قانوناً حدت بموجبه نشاط النقابات. وفي الجنوب تطوت الأوضاع باتجاه حرب عصابات تقودها حركة الأنانيا في عام 1963. وأدى نقاش أوضاع الجنوب في جامعة الخرطوم إلى مظاهرات طلابية قتل فيها القرشي الذي كان شرارة ثورة أكتوبر التي أنهت الحكم العسكري.
الحكومة المدنية 64 – 1969م
عاد المدنيون للسلطة بعد انتخابات عام 1965، لكن نتائج الانتخابات غير الحاسمة دفعت الأحزاب إلى اللجوء إلى التحالفات، الأمر الذي أدى إلى قيام حكومات غير مستقرة (انظر جدول رقم (1) ). كما شهدت فترة الديموقراطية الثانية انشقاقات وتحالفات جديدة وإقصاء لقوى سياسية مثل الحزب الشيوعي.
جدول رقم (1) يوضح الحكومات المتعاقبة في السودان من ثورة أكتوبر 1964 وحتى انقلاب مايو 1969
المصدر: جمع الجدول بواسطة المؤلف من Beshir مصدر سابق، ص 217-226.
انقلاب مايو 1969
كانت الشهور التي سبقت انقلاب مايو 1969 مليئة بالمناورات والمكايدات السياسية المختلفة: تحركات من وراء الكواليس لفض تحالفات وبناء تحالفات جديدة من أجل الوصول إلى السلطة مع تجاهل لمشاكل البلاد. ولم يهتم السياسيون بمشاكل البلاد الاقتصادية وتنامي البطالة ونقص السلع الاستهلاكية والتمرد في جنوب البلاد. وجد مخططو الانقلاب أن محفزات الانقلاب السياسية والاجتماعية متوفرة، وأن الوقت ملائم لاستلام السلطة. ووضح بعد إعلان الحكومة أن توجه الانقلابيين السياسي يساري، فالغالبية العظمى من الوزراء الاثنين والعشرين الذين أعلنت أسماؤهم في صبيحة يوم الانقلاب إما شيوعيون أو رفقاؤهم، أو قوميون عرب، أو اشتراكيون.
تأسست العلاقة بين نظام مايو والحزب الشيوعي السوداني، في بداية عهد مايو، على تأمين مصالح للطرفين. فمن جانب الحزب فإن برنامج مايو يمكن أن يحد من نفوذ الأحزاب الطائفية والدينية التي سعت من قبل لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان. ومن جهة الضباط الأحرار، فقد كانوا في حاجة لتأييد الحزب الشيوعي لمجابهة القوى التقليدية المحافظة. وقد كان الحزب مفيداً بما لديه من شبكة فعّالة وسط الطلاب والعمّال والمهنيين في توفير الدعم للانقلاب في أيامه الأولى.
أما موقف الحزب فقد جاء في تقويم لانقلاب 25 مايو 1969 في أول خطاب داخلي أصدره الحزب بعد الانقلاب، وورد فيه ما يلي: ما جرى صباح هذا اليوم انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً قامت به قوى الجبهة الوطنية عن طريق قسمها المسلح. وأصبحت السلطة تتشكل من فئة البورجوازية الصغيرة. ويضيف: إذا استطاعت الطبقة الجديدة أن تقبض على زمام الأمور في القوات المسلحة وتبقي السلطة بين يديها، فإن ظروفاً جديدة تتهيأ بالنسبة لتطور الثورة الديمقراطية في إنجاز مهام التطور الوطني الديمقراطي وفتح آفاق الاشتراكية، ذلك التطور لن يتم إلا بمبادرة الجماهير وقيادة الجماهير العاملة. ولكيما ترتبط السلطة ارتباطاً عميقاً في الأهداف وفي النهج بالقوى الديمقراطية، لا بد للحزب الشيوعي من أن يلعب دوراً بارزاً في:
أولاً: دعم وحماية هذه السلطة أمام خطر الثورة المضادة.
ثانياً: أن يحتفظ بقدراته الإيجابية في نقد وكشف مناهج البرجوازية الصغيرة وتطلعاتها غير المؤسسة لنقل القيادة من يد الطبقة العاملة إلى يدها – فالبرجوازية الصغيرة ليس في استطاعتها السير بحركة الثورة الديمقراطية بطريقة متصلة.
وجد النظام الجديد دعماً من قوى اليسار، حيث خرجت مظاهرة تأييد للانقلاب في 2 يونيو في ميدان عبدالمنعم، ضمت قوى سياسية واتحادات ونقابات يسارية. باشر النظام مهامه بالسعي لإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية رئيسة، فأعلن تأميم عدد من المصارف والمؤسسات الخاصة، واعترف بألمانيا الشرقية، وأصدر بياناً حول مشكلة الجنوب في 6 يونيو مؤيداً حق الجنوبيين في الحكم الذاتي. وعيّن جوزيف قرنق وزيراً لشؤون الجنوب. كما صدر قانون الأراضي غير المسجلة الذي جعل كل الأراضي غير المسجلة ملكاً لحكومة السودان.
بدأ الخلاف يدب بين نظام مايو والحزب الشيوعي، فخارجياً عارض الحزب رغبة نميري في الالتحاق باتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وليبيا الذي أعلن في طرابلس في 27 ديسمبر 1969، وداخلياً رفض الحزب حل نفسه والاندماج في الاتحاد الاشتراكي المكون حديثاً. احتدم الخلاف بين الطرفين، الأمر الذي دفع نميري في 16 نوفمبر 1970 لإعفاء ثلاثة من أعضاء مجلس الثورة: اثنان من الشيوعيين، هما؛ بابكر النور عثمان وهاشم العطا، وحليفهما فاروق عثمان حمد الله. أُقصي الشيوعيون من المؤسسات الحكومية في الفترة بين فبراير ويوليو 1971، واعتقل عدد من قادتهم. في 19 يوليو نفّذ العسكريون المرتبطون بالحزب الشيوعي انقلاباً استولوا فيه على السلطة لمدة ثلاثة أيام. أعلن الانقلابيون عن تكوين الجبهة الديمقراطية الوطنية لتحل مكان الاتحاد الاشتراكي، والاعتماد على منظمات التحالف الديمقراطي التي تضم نقابات العمال الموالية للشيوعيين. لكن الانقلاب فشل بعودة نميري للسلطة في 21 يوليو، ونفّذ حكم الإعدام في الضباط الثلاثة المطرودين من مجلس الثورة مع عدد من قادة الحزب الشيوعي، من بينهم السكرتير العام للحزب؛ عبدالخالق محجوب.
بدأت المؤسسة العسكرية في توسيع نفوذها عبر إقامة مؤسسات اقتصادية فأنشأت المؤسسة الاقتصادية العسكرية التي أدارت أعمالاً اقتصادية متنوعة للقوات المسلحة امتد أثرها للمدنيين. استمرت أوضاع الحكومة المايوية متأرجحة في تحالفاتها مع القوى السياسية، لكن ظلت شخصية الرئيس نميري هي المحورية. وبدأ أداء النظام في التدني، مع ازدياد انعزاله تدريجياً. وتعرض لعدد من المحاولات الانقلابية الفاشلة، أهمها حركة حسن حسين في 1975، وحركة محمد نور سعد في 1976.
الحكومة المدنية 86 -1989م
وفي عام 1983 اندلعت مرة أخرى الحرب في الجنوب، الأمر الذي جعل القوات المسلحة تنخرط في قتال المتمردين، وقد كان لهذه الحرب تأثيرات سياسية كبيرة على النظام. انتهت عزلة النظام السياسية المتنامية بسقوطه في ذروة انتفاضة الرابع من أبريل عام 1985 واستلام الجيش للسلطة. وقال سوار الذهب إن قرار استلام السلطة اتخذ بإجماع قيادات الجيش، إثر زيارات قام بها لوحداتهم المختلفة. وقال إن الجميع تأكد لهم بأن نميري "بات لا يملك شعبية"، بعد الانتفاضة التي نظمت ضده، واستمرت من أواخر مارس وحتى أوائل أبريل. وذكر أن قرار إقصاء نميري، الذي كان في رحلة علاجية في الولايات المتحدة، كان من أجل "حقن دماء السودانيين ولمنع حدوث انقلاب عسكري من ضابط صغير في الجيش، كما يحدث في بلدان أفريقية".
التزم المجلس العسكري الذي نفّذ استلام السلطة برئاسة عبدالرحمن سوار الذهب بفترة زمنية استمرت سنة واحدة، وسلّمت السلطة لحكومة منتخبة. لم تسفر الانتخابات التي جرت في 1986 عن حزب أحرز أغلبية تمكّنه من تشكيل الحكومة بمفرده. لذا اتسمت الحكومات في فترة الديموقراطية الثالثة بعدم الاستقرار نسبة لطبيعتها التحالفية. (انظر الجدول رقم (2)). وشهدت تلك الفترة تسييساً واستقطاباً حاداً كانت أوضح مظاهره التطور الذي طرأ على العلاقة العسكرية المدنية في فترة حكم مدني، وهو استخدام الجيش للفيتو في مذكرته المشهورة في فبراير 1989.
جدول رقم (2) يوضح الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد في الفترة بين 1986 و1989م
المصدر: جمعت بواسطة المؤلف
مذكرة الجيش فبراير 1989
أصدر مائة وخمسون من ضباط الجيش بقيادة رئيس هيئة الأركان؛ الفريق فتحي أحمد، مذكرة طلبت من الحكومة التركيز على الموضوعات التالية:
أولاً: السياسة الخارجية وأثرها على القضايا الوطنية.
ثانياً: التدهور الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار.
ثالثاً: المليشيات والانفلات الأمني.
رابعاً: تفكك المجتمع السوداني وانتشار الفساد.
خامساً: تأثير الصراع المسلح في دارفور.
سادساً: توسيع الحكومة.
وقد أمهلت المذكرة الحكومة أسبوعاً لتنفيذ المطالب. وفي 28 فبراير أصدرت هيئة الأركان بياناً أكّدت فيه ما ورد في المذكرة. بناء على ورد في هذا البيان، اجتمع معظم زعماء الأحزاب وعدد من قادة النقابات ووقعوا في 10 مارس على برنامج من سبع نقاط لحكومة جديدة. اشتمل البرنامج على إعلان سلام. أرسلت هذه المنظمات مذكرة إلى رأس مجلس الدولة تطلب فيه استقالة الحكومة خلال 24 ساعة. في اليوم التالي وضعت هيئة الأركان مزيداً من الضغط، إذ أرسلت خطاباً لمجلس رأس الدولة تتساءل فيه عن الوضع السياسي. وفي 12 مارس قدم الوزراء استقالتهم.
تعد مذكرة الجيش نقطة تحوّل في العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية. فلأول مرة في تاريخ تلك العلاقة منذ الاستقلال، تقوم المؤسسة العسكرية باستخدام (فيتو) عبر خطاب رسمي، تطالب فيه بمطالب سياسية محددة. ونتيجة لمذكرة الجيش خرجت الجبهة الإسلامية القومية من الحكومة. درجت مؤسسات عسكرية في العالم الثالث في استخدام الفيتو في علاقتها بالسياسيين المدنيين، وخير مثال في هذا الصدد الجيش التركي. أما في السودان فقد اتخذت العلاقة، قبل المذكرة شكلين أساسيين: استلام السلطة أو العودة للثكنات.
انقلاب 30 يونيو 1989
جاء انقلاب 30 يونيو 1989 يحمل توجها آيديولوجياً إسلامياً بعد فترة من التمويه. وشكّل نجاح الانقلاب أول سابقة تتمكّن فيها حركة إسلامية معاصرة من استلام السلطة في بلدها عبر انقلاب عسكري.
كانت قيادة الحركة الإسلامية تخطط منذ فترة لمرحلة استلام السلطة والتمكين. ورأت القيادة أن الشهور القليلة التي سبقت ساعة الصفر في 30 يونيو شهدت من محفّزات الانقلاب ما يكفي لتهيئة الرأي العام لاستلام السلطة. ومن أمثلة المحفّزات التي سيقت مذكرة الجيش، والجو السياسي العام وما صاحبه من خطط بعض القوى السياسية لاستلام السلطة عبر انقلابات عسكرية. ورغم سكوت الإسلاميين ونفيهم لأية صلة بالانقلاب في سنواته الأولى، إلا أن انشقاق الإسلاميين قد دفع بعض القادة للحديث بوضوح عن ترتيبات الانقلاب وخططه. فقد كشف علي الحاج أن قرار الاستيلاء على السلطة "تم اتخاذه في مجلس الشورى وهو تضم 60 عضواً تقريباً وكل عضويته من المدنيين. هيئة الشورى هي التي أعطت الأمين العام حق تنفيذ القرار واختيار من يشاء في التنفيذ وليس بالضرورة إخطار هيئة الشورى بكل التفاصيل، نحن كنا جزءاً من القرار، وأنا أتحدث عن أصحاب القرار. العساكر كلهم لم يكونوا في دائرة اتخاذ القرار، بل كان عليهم تنفيذ القرار فقط. وأود أن أنبه إلى أن دائرة اتخاذ القرار كانت محدودة جداً". وقد عد حسن الترابي مخطط الانقلاب الرئيس أن ما حدث في ثلاثين يونيو هو خطيئة الإسلاميين.
كان أمر الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري مسكوتاً عنه في أدبيات الحركة الإسلامية. وجاء الحديث عن منهج الإصلاح منصباً بصورة أساسية على المفاضلة بين السياسة والثورة. وقد أشار الترابي إلى هذا النقاش على النحو التالي:
لئن برزت في هذه المرحلة قضية منهج الإصلاح بالسياسة أم بالثورة، فذلك أن ممارسة البناء والعمل الحزبي دعت إلى التساؤل عمّا إذا كانت الحركة تعوّل عليه في إصلاح المجتمع مسايسة وتدرّجاً. ولا يعني ذلك أن قيادة الحركة قد تحيّزت إلى ذلك المذهب السياسي، ولكن عناصرها أصبحت مشغولة بتلك القضية، ومن ثم بتقديرات جدوى العمل السياسي التنافسي في بسط قاعدة الإسلام، أو في تمكين نظامه.
كما أن المتتبع لمناهج العمل السياسي الواردة في كتاب الحركة الإسلامية في السودان المذكور أعلاه، يلاحظ أن ما ورد من مناهج ركّز على ما استخدمته الحركة في السابق، وبخاصة ما ورد عن المقاتلة عند الحديث عن منهج المجاهدة السياسية، وفيه إشارة إلى أعمال القتال التي شاركت فيها الحركة، وعلى وجه الخصوص أحداث 1976 بقيادة العميد محمد نور سعد وتبريرها. ولم ترد أية إشارة إلى الموقف من الانقلاب العسكري كوسيلة من وسائل التغيير السياسي.
كان من أهداف نظام الإنقاذ، وهو يجابه الحرب في الجنوب أن يكسر الحاجز بين العسكريين والمدنيين. وقد تجلى ذلك في مؤسسة الدفاع الشعبي التي انتشرت في الأحياء والمؤسسات. وتمكنت بذلك المليشيا الشعبية من المشاركة في القتال جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة. ونتيجة لذلك قلت الفجوة بين المدنيين والعسكريين. وما زاد في تضييق الفجوة تقديم الخدمات الصحية والتعليمية العسكرية للمدنيين.
الطبيعة السياسية لتنظيمات الضباط
يتضح الدور السياسي للضباط في طبيعة التنظيم الذي يجمع الضباط وأهدافه. والمتتبع لنشأة وتطور تنظيمات الضباط التي رتبت للانقلابات العسكرية في السودان يلاحظ أن الهم الوظيفي والمهني لم يكن الطاغي في أولويات القضايا التي تناقش، أو في البرامج التي طرحت مباشرة بعد استلام السلطة. وتظهر الأهمية السياسية لتنظيمات الضباط في انقلابي مايو 1969 ويونيو 1989، وهما الانقلابان اللذان حاولا إحداث تغييرات كبيرة في البنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في البلاد. فتنظيم الضباط الأحرار بدأ نشاطه في بداية الخمسينات عندما قام ضباط من قوة دفاع السودان، بعد أشهر من انقلاب 1952 في مصر، بتكوين تنظيم أسموه الضباط الأحرار استلهم من التجربة المصرية. خططت الحركة للقيام بانقلاب في 14 يونيو 1957 لكن الخطة كشفت واعتقل المتآمرون في 11 يونيو 1957. وعلى الرغم من فشل الانقلاب إلا أن التنظيم حافظ على وجوده، ولم تتمكن السلطات من كشف جميع أعضاء التنظيم. كان فشل الانقلاب الذي صاحب محاولة انقلاب العقيد علي حامد في نوفمبر 1959 وتنفيذ حكم الإعدام في خمسة من قادتها هو شهادة الوفاة لتنظيم الضباط الأحرار. عاد التنظيم بترتيب جديد وعضوية جديدة عدا جعفر نميري وفاروق حمدالله في بداية الستينات. ورمى التنظيم، هذه المرة، لإحداث تغيير أعمق في البنيات الاقتصادية والاجتماعية، وفي 1961 أصدر نشرة سرية تحت اسم "صوت القوات المسلحة" كانت تطبع في مطابع الحزب الشيوعي السرية وكانت تتداول قضايا الجيش التنظيمية والفنية إلى جانب القضايا الوطنية. كانت عملية التجنيد لتنظيم الضباط الأحرار تبدأ بطرح السؤال التالي للضابط المرشح: "هل تعتقد أن استقلال البلاد يتطلب التحرر الاقتصادي والتحرر السياسي؟"، وكان الذين يردون بالإيجاب هم الأقرب للتنظيم. وكما هو واضح من طريقة التجنيد فإن المعيار الأهم في الاستقطاب هو الموقف السياسي للضابط من الأوضاع العامة في البلاد. كما أن التسهيلات التي قدمها الحزب الشيوعي للتنظيم تؤكد أهمية البعد السياسي لتنظيم الضباط الأحرار.
الخاتمة
يتضح من التحليل السابق أن سمة العلاقة بين العسكريين والمدنيين في السودان تدرّجت على مدى ممتد من التهديد بالفيتو إلى محاولة الانقلاب الفاشلة إلى استلام السلطة ثم العودة إلى الثكنات. وفي كلا النمطين من الحكم: المدني والعسكري كانت الأزمات الحادة هي الحافز الرئيس في الإطاحة بالسلطة الحاكمة. وبرز دور السياسيين بحسبانه الأكبر في دفع العسكريين نحو استلام السلطة، وأدت المحفزات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية دوراً مهماً في إنجاح الاستلام. لكن يظل الخلل الهيكلي هو السبب الرئيس وراء الانقلاب العسكري، حيث لا يزال دور المجتمع المدني ضعيفاً، ولا تزال الحكومة تهيمن، بجانب هيمنتها السياسية، على مفاصل المجتمع الرئيسة الاقتصادية والإعلامية والثقافية، وأصبح استلام السلطة مباراة صفرية، بمعنى آخر نجد أن الطرف الخاسر يخرج صفر اليدين بخروجه من السلطة، أو فقدانه الأمل في الوصول إليها بصورة مشروعة. في هذه الحالة إذا لم يسع لاستلام السلطة، في ظل ضعف الجانب المدني، فإن انتظاره سيطول على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
أدى توسع الدور الأمني للقوات المسلحة بمشاركتها في حرب الجنوب وإنشاء وتمدد مؤسسة الدفاع الشعبي وتوسع الخدمات الصحية والتعليمية التي تقدمها مؤسسات أمنية إلى تقليل الفجوة بين المدنيين والعسكريين، الأمر الذي أثّر على إدراك المدنيين للدور السياسي للعسكريين ونظروا إلى هذا الدور باعتباره جزءاً من العملية السياسية. ولا يشير البقاء في السلطة لفترة طويلة، كما حدث في نظامي مايو والإنقاذ، إلى تغير في البعد الهيكلي، بل إلى قدرة النظامين التكتيكية في منع خطر الانقلاب من التحقق.
الهوامش
(1) Morris Janowitz, Military Institutions and Coercion in the Developing Nations. University of Chicago Press, 1977.
(2) Samuel Huntington, The Soldier and the State: The Theory and Politics of Civil-Military Relations. New York: Vintage Books. 1964.
(3)Alfred Stepan, Arguing Comparative Politics. Oxford: Oxford University Press. 2001. P.27.
(4) Aaron Belkin and Evan Schofer, “Toward a Structural Understanding of Coup Risk," Journal of Conflict Resolution. Vol. 47 No. 5, October 2003.
(5) إبراهيم محمد حاج موسى، التجربة الديموقراطية وتطور نظم الحكم في السودان، رسالة دكتوراه- جامعة القاهرة- 1970. ص. 202. ورد في: محمد عمر بشير، تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900-1969. بيروت: دار الجيل.1987.ص. 268.
(6)M.O. Beshir, Revolution and Nationalism in the Sudan. London: Rex Collings. p. 207.
(7)Ruth First, Power in Africa. New York: Pantheon. 1970. p. 230.
(8) تاج السر عثمان، الحزب الشيوعي السوداني وتجربتا انقلاب 25/مايو/1969 و19/يوليو/.1971.
موقع الحوار في الإنترنت 2008 / 10 / 22 :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?t=4&aid=150901
(9) تيم نبلوك، صراع السلطة والثروة في السودان. ترجمة الفاتح التيجاني ومحمد علي جادين. الخرطوم: دار عزة للنشر والتوزيع. 2007. ص. 230.
(10) حسن مكي محمد أحمد، حركة الأخوان المسلمين في السودان 1944-1969. الخرطوم: دار البلد للطباعة والنشر. الطبعة الرابعة 1998. ص. 60-61.
(11) Peter Bechtold, Politics in the Sudan. New York: Praeger1976. P. 256.
(12) محجوب عمر باشري، معالم الحركة الوطنية في السودان. بيروت: المكتبة الثقافية. 1996. ص. 538-539.
(13) نقلاً عن تاج السر عثمان، مصدر سابق.
(15) إسماعيل آدم، "سوار الذهب ل(الشرق الأوسط): ولاؤنا كان مطلقاً لنميري.. وعزلناه حقناً للدماء"، (الشرق الأوسط). العدد 11144، 2 يونيو 2009.
(الشرق الأوسط)، 22 فبراير 1989.
(16) صحيفة صدى الأحداث السودانية، علي الحاج في حوار فوق العادة مع سودانايل 11-11-2009.
http://www.sadaalahdas.com/news.php?action=show&id=3992
(17) المصدرالسابق.
(18) الترابي: انقلاب 30 يونيو "خطيئة" الإسلاميين، مركز أخبار السودان اليوم 6-11- 2009. http://www.sudantodayonline.com/news-action-show-id-2390.htm.
(19) حسن عبدالهp الترابي، الحركة الإسلامية في السودان: التطوّر والكسب والمنهج. الخرطوم: د.د.ن. 1410 ه. ص. 205.
(20) المصدر السابق، ص 214-215.
(21) تيم نبلوك، مصدر سابق، ص. 229.
(22) المصدر السابق، ص. 230-231.
المصدر:
مركز التنوير المعرفي.. الخرطوم
www.tanweer.sd
قدمت في ورشة (المؤثرات العسكرية على العملية السياسي في السودان)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.