كلنا أولتراس .. بقلم: كمال الهِدي    نداء الواجب الإنساني .. بقلم: نورالدين مدني    أسرة الطالب محمد الماحي تنفذ وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية أمس    تفاقم أزمة الخبز بودمدني و4 جنيهات للقطعة الواحدة    أكثر من 55 مليون يورو مساعدات إنسانية من الاتحاد الأوروبي للسودان    لجنة وزارية لحصر العربات الحكومية للمساهمة في نقل المواطنين    السعودية توافق بالمشاركة في كأس الخليج بقطر    تدابير لزيادة إنتاج القمح بالجزيرة    تدابير احترازية لتامين موسم الحصاد بشمال كردفان    توصية علمية بالتوسع في القمح بالولايات الشمالية    طلاب جامعة القضارف يتخوفون من تجميد العام الدراسي    وزير الدفاع: أسباب العقوبات الأممية زالت    مدني يخاطب ورشة عمل السياسة الوطنية للجودة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    حمدوك: لم نستجب لاستفزازات نظام الرئيس المعزول    تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها    قمة عنتيبي.. بانتظار المال    جعفر خضر: الدين والتربية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    زمن الحراك .. مساراته ومستقبله .. بقلم: عبد الله السناوي    الفساد الأب الشرعى للمقاومة .. بقلم: طه مدثر عبدالمولى    مرحباً بالمُصطفى يا مسهلا .. بقلم: جمال أحمد الحسن    الأمم المتحدة تتهم الأردن والإمارات وتركيا والسودان بانتهاك عقوبات ليبيا    وزير الري والموارد المائية:الاهتمام بالمواردالمائية    تنسيق للبحوث الزراعية مع إيكاردا لنقل تقنيات القمح    يا بن البادية ،، ﻋﺸنا ﻣﻌﺎﻙ أغاني ﺟﻤﻴﻠﺔ .. بقلم: حسن الجزولي    مشروع الجزيرة: الماضي الزاهر والحاضر البائس والمستقبل المجهول (2) .. بقلم: صلاح الباشا    التكتيك المفضوح .. بقلم: كمال الهِدي    أخلاق النجوم: غرفة الجودية وخيمة الطفل عند السادة السمانية .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم    الطيب صالح والسيرة النبوية .. بقلم: محمود الرحبي    أمريكا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    لجنة مقاومة الثورة الحارة 12 تضبط معملاً لتصنيع (الكريمات) داخل مخبز    جمال محمد إبراهيم يحيي ذكرى معاوية نور: (الأديب الذي أضاء هنيهة ثم انطفأ) .. بقلم: صلاح محمد علي    أميركا تدعو العراق إلى إجراء انتخابات مبكرة    اتهامات أممية ل(حميدتي) بمساندة قوات حفتر والجيش السوداني ينفي    شكاوى من دخول أزمة مياه "الأزهري" عامها الثاني    "أوكسفام": 52 مليوناً عدد "الجياع" بأفريقيا    الحكومة السودانية تعلن دعمها لاستقرار اليمن وترحب باتفاق الرياض    87 ملف تغول على ميادين بالخرطوم أمام القضاء    ترحيب دولي وعربي وخليجي واسع ب"اتفاق الرياض"    البرهان : السودان أطلق أول قمر صناعي لأغراض عسكرية واقتصادية    في ذمة الله محمد ورداني حمادة    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    والي الجزيرة يوجه باعتماد لجان للخدمات بالأحياء    معرض الخرطوم للكتاب يختتم فعالياته    ناشرون مصريون يقترحون إقامة معرض كتاب متجول    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير أسبق: سنعود للحكم ونرفض الاستهبال    ضبط كميات من المواد الغذائية الفاسدة بالقضارف    الشرطة تلقي القبض على منفذي جريمة مول الإحسان ببحري    فك طلاسم جريمة "مول الإحسان" والقبض على الجناة    مبادرات: استخدام الوسائط الحديثة في الطبابة لإنقاذ المرضي .. بقلم: إسماعيل آدم محمد زين    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    الحكم بإعدام نظامي قتل قائد منطقة الدويم العسكرية رمياً بالرصاص    تدوين بلاغات في تجاوزات بالمدينة الرياضية    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    عملية تجميل تحرم صينية من إغلاق عينيها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





المهدية والإسلاموية في السودان (1) .. عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
نشر في سودانيل يوم 17 - 08 - 2013


المهدية والإسلاموية في السودان (1)
Mahdism and Islamism in Sudan
Gabriel R. Warburgجبريل واربورج
عرض وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذا هو الجزء الأول من عرض وتلخيص لشذرات متفرقة ومختصرة من مقال عن " المهدية والإسلاموية في السودان للبروفيسور جبريل واربورج نشر في الدورية الأكاديمية "المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط" العدد 27 عام 1995م. ولد المؤلف – بحسب سيرته الذاتية المبذولة في الشبكة العنكبوتية - في برلين بألمانيا عام 1927م وهاجر مع عائلته وعمره سبعة سنوات إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (1961 – 1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، والتي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن "إدارة الحكم الثنائي في السودان بين عامي 1899 – 1916م". عمل بعد ذلك أستاذا في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م. نشر الكثير من المقالات المحكمة والكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى منها كتاب "تاريخ وادي النيل" و"إعادة الشريعة الإسلامية في السودان في عهد النميري" و"الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان"وكتاب آخر عنالطوائف الدينية في السودان والسياسة منذ عهد المهدية، وعدة مقالات عن الأخوان المسلمين وأنصار المهدي والحزب الشيوعي في السودان وموضوعات متفرقة أخرى.
***** ****** *******************
مقدمة المؤلف
في مقدمة ورقته تطرق البروفسيور واربورج إلى التاريخ الحديث للحركات الإسلامية في السودان والتي كان آخرها انقلاب 30 يونيو 1989م بقيادة عمر حسن أحمد البشير، وبوصاية من الجبهة القومية الإسلامية بزعامة الدكتور حسن الترابي. منذ أن أعلن محمد أحمد بن عبد الله عن مهديته في السودان في يونيو 1881م ظلت طائفتي الختمية والأنصار تتسيدان المشهد السياسي – الديني في البلاد. وحتى في أعوام الحكم الإستعماري (1899 – 1955م) ظلت المهدية تنمو وتنتشر رغم شكوك الحكم الإستعماري في المهدويين وميله نحو طائفة الختميةوزعيمها السيد/ علي الميرغني. وكانت هزيمة حزب الأمة (الجناح السياسي للأنصار) في أول انتخابات عام 1953م أمام الختمية وحلفائهم من العلمانيين والمتعلمين نكسة مؤقتة للأنصار، مثلها مثل تلك النكسة المؤقتة التي حدثت لهم عند تكوين تلك الحكومة التي أعقبت ثورة 21 أكتوبر 1964م، والتي كانت تضم جميع الأحزاب السياسية وتضم أيضا النقابات اليسارية التوجه. تمكن العلمانيون من تولي مقاليد الحكم مجددا عقب انقلاب مايو 1969موعاودوا الظهور حين تكونت حكومة تسيد مقاعدها الشيوعيون وحلفائهم (1969 – 1971م) أو التكنوقراطيون العلمانيون (1971 – 1977م). بعد ذلك تصالح نميري مع الصادق المهدي والترابي وبدأ من ذلك الحين "التوجه الإسلامي" في السودان يتخذ مسارا جديدا.
ذكر البروفسيور واربوج أنه لن يتعرض لطائفة الختمية في مقاله هذا رغم نفوذهم الديني – السياسي فهم – بحسب قوله- يتعاونون مع كل/ أي سلطة تحكم البلاد (خلا المهدويين)، ويقرر أيضا أن طائفة الختمية لم تقدم أبدا تصورا مستقلا لدولتها الإسلامية المنتظرة.
المهدية الجديدة وعودة ظهور الأنصار
تم تصفية دولة المهدية (1885 – 1898م) بدخول الجيش المصري – البريطاني لأمدرمان واعتقال قوادها ومراقبة أبناء الخليفة عبد الله وحظرقراءة "الراتب" وأدبيات المهدية الأخرى. بيد أنه في عام 1908م شرع عبد الرحمن المهدي في تجميع أنصاره كطريقة دينية،فبدأ ببناء مسجد له في أمدرمان بقرض ناله من الحكومة. سمح له من بعد ذلك بزراعة أراضي واسعة في الجزيرة أبا مما عزز موقفه كإمام للأنصار ولتأسيس مركز روحي وسياسي واقتصادي لحركته. سعى عبد الرحمن المهدي لتطمين الحكومة بالنأي عن المعارضينللحكومة والحركات المهدية التي ثارت عليها، ودمغها بأنها "غير إسلامية" وأكد على أن المهدية تؤيد "الوضع القائم" وأنه لا يجوز لأحد أن يعارضه. منحت الحكومة موافقتها على إعطاء غطاء قانوني للمهدية في عام 1915م (في غضون الحرب العالمية الأولى ضد الخلافة التركية) حين طاف عبد الرحمن المهدي على تجمعات أنصاره في أبا وغيرهاليحضهم على تأييد الحكم القائم واستقبلته جموع الأنصار مسلحة بالحراب والسيوف وهي تردد "اليوم أتى". يقول الصادق حفيد عبد الرحمن المهدي إن الحركات التاريخية لا تفلح إلا إذا نجحت أهدافها ورسالتها في الصمود مع مر السنوات. وهذا بالضبط ما حدث مع دعوة عبد الرحمن المهدي الجديدة، والتي بناها الرجل بصبر ومثابرة مجددا لدعوة المهدية. رغم أن الحكومة كانت قد حظرت رسميا على عبد الرحمن المهدي تكوين كيان جامع للأنصار، إلا أنه نجح بالفعل في تحقيق ذلك، فقد عين له وكلاء في مناطق نفوذه يجمعون منهم "الصدقات" ويوزعون عليهم "الراتب". ففي عام 1923م مثلا نجح في توزيع 5000 نسخة من راتبه على أتباعه، وكان يتردد على الجزيرة أبا سنويا ما بين 5000 – 15000 من الأنصارللعمل – تطوعا- في مشاريع الإمام الزراعية. كان للتردد والخلاف بين كبار رجال الحكومة الفضل في "التغاضي" عن تمدد حركة المهدية الجديدة.
مثلما نجحت دعوة محمد أحمد الدينية في تحرير السودان من الحكم الأجنبي وإقامة دولة إسلامية، نجح ولده عبد الرحمن في القرن العشرين في إقامة "المهدية الجديدة" التي غدت قوة سياسية لا يستهان بها، والتي ما أن حل عام 1955م حتى كان أنصارها هم الطائفة الدينيةالأولى في البلاد. كان هؤلاء الأنصار قوة ضاربة يستعين بهم حزب الأمة في تنفيذ مشاريعه وأجندته. فقد حدث في مارس من عام 1954م أن أحبط هؤلاء (بالقوة) مخططا للوحدة مع مصر، وقام نحو 7000 من هؤلاء الأنصار بمقاومة نظام عبود العسكري في ذكرىليلة مولد النبي محمد في يوليو من عام 1961م. قتل في تلك المواجهة 12 من الأنصار و8 من رجال الشرطة. قيل أن بعضهم عرض على الصديق المهدي إمام الأنصار في تلك الأيام الانقلاب على حكم عبود فأبى وقال: "لا أريد أن ألقى الله ويدي ملطخة بدماء المسلمين".
وفي سنوات حكم جعفر نميري الأولى منع الأنصار الجيش من دخول الجزيرة أبا والتي كان يتحصن بها إمامهم الهادي المهدي. ردت الحكومة (اليسارية وقتها) بقذف سكان الجزيرة بالطائرات يومي 22 و23 /3/1970 مما أسفر عن مقتل وإصابة الآلاف من السكان، وحدثت في أمدرمان صدامات أخرى أدت لقتل عدد من الأنصار ورجال الشرطة. يتذكر الأنصار ما فعله بهم جيش جعفر نميري في عام 1970م ويقارنون بينه وبين ما فعله بهم الجيش المصري – البريطاني في كرري عام 1898م (حين لقي نحو 10000 من الأنصار مصرعهم). حاول الصادق – مع حلفائه- الانقلاب العسكري على نميري أكثر من مرة. بعد سقوط نظام مايو في أبريل 1985م أعاد الأنصار (وحزب الأمة) تنظيم صفوفهم وغدوا أكبر حزب سياسي في البلاد له نحو مليونين من المؤيدين، ونجح ذلك الحزب برئاسة الصادق في انتخابات 1986م وصار رئيسا للوزارة (حتى يونيو 1989م).
الصادق المهدي
لخص البروفسيور واربرج السيرة الذاتية للصادق المهدي منذ أن كان طالبا (لفترة قصيرة) في كلية فيكتوريا بالإسكندرية ثم جامعة الخرطوم وأخيرا في كلية سانت جون بجامعة أكسفورد حيث درس الفلسفة والاقتصاد والسياسة. بدأ نجم الصادق في الصعود في عام 1961م عقب وفاة والده الصديق المهدي إمام الأنصار ورئيس حزب الأمة. وكما هي العادة، كان الصديق قد عين مجلسا للشورى قبل مدة قصيرة من وفاته لتحدد خليفته في إمامة الأنصار ورئاسة الحزب. قرر ذلك المجلس فصل إمامة الأنصار عن رئاسة حزب الأمة، ولعل السبب في ذلك هو أن الصادق كان في سن لا تسمح له بتولي إمامة الأنصار، ولأن تعليمه الغربي لم يكن ليؤهله لذلك المنصب على أية حال! وعين المجلس الهادي المهدي عم الصادق (وليس شقيقه كما ذكر البروفسيور خطأ) كإمام للأنصار وعين الصادق كرئيس لحزب الأمة (وردت تفاصيل ما جرى في تلك الأيام في أوساط الأنصار وحزب الأمة في رسالة للدكتوراه تقدم بها اندرو فينسنت لجامعة بنسلفانيا الأميريكية في عام 1988م). لم يكن الصادق قد بلغ الثلاثين من العمر ليترشح في انتخابات 1965مالبرلمانية لذا فقد رشح الهادي محمد أحمد المحجوب ليرأس الوزارة (وكان الهادي يفضل التعامل مع المحجوب أكثر من غيره). خلص الصراع بين الصادق وعمه الهادي إلى أن يتولى الصادق الوزراة في يوليو 1966م. تحالف الصادق في تلك الحكومة مع "جبهة الميثاق الإسلامي" بقيادة حسن الترابي، خاصة فيما يتعلق بتكوين لجنة الدستور. تواصل ذلك التحالف أيام معارضة حكم نميري حتى أتى عام 1977م حين تمت مصالحة "قومية" بين نميري ومعارضيه استمرت حتى عام 1983م، حين أصدر نميري قوانينه الإسلامية والتي أيدها الترابي وعارضها الصادق. تفرقت بالرجلين السبل من بعد ذلك إلى أن سقط نظام نميري وأتى الصادق مجددا كرئيس للوزراء فتحالف مرة أخرى مع الترابي والذي كان يقود جماعته هذه المرة تحت مسمى "الجبهة القومية الإسلامية" بين عامي 1986 – 1989م.
الدولة الإسلامية عند الأنصار
تعد طائفة "الأنصار" حركة إسلامية مجددة وناشطة" تسعى لجعل المسلمين يتبنون فكرتها عن "الدولة الإسلامية" عن طريق العمل السياسي وليس الروحي/ الصوفي. إنهم يعدون أنفسهم ممثلين للإسلام الحقيقي ويسعون لإقامة دولة إسلامية متزمتة / متطهرة (بيورتانية). يؤمن الصادق أن الإسلام في وضع يمكنه من أن يقدم الحلول لكل المشاكل ويوفرالمتطلبات المادية والروجية لكل الناس في عصرنا الحالي. يتطلب ذلك حسب رأي الصادق إعادة النظر في مجمل القوانين الإسلامية والنظر الدقيق في ما هو مدون في الكتب المقدسة (هكذا ورد في النص. الكاتب)، وما ورد عن أئمة السنةالأربعة، والتفكر في أوضاع المسلمين وواقعهم الحالي وفي الأنظمة غير الإسلامية الأخرى. يعتقد الصادق أن ذلك النظام القانوني الإسلامي المنقح سوف يجدد من مصداقية التشريع الإسلامي. يعتقد الرجل أيضا بأن أمر صياغة تلك القوانين الإسلامية صياغة عصرية يجب أن يسند للجامعات والعلماء الثقات وإلا فإن "الشريعة ستذوي ونكون قد تخلينا عن ما أسند لنا، ونفقد ثقة الناس".
يعتقد الصادق أنه يلزم لكل حكومة تزعم أنها إسلامية أن تقوم بتحقيق شرطين: أن تلتزم بمجموعة من المباديء العامة لتنظيم المجتمع سياسيا، وأن تلتزم بتطبيق التشريعات الإسلامية. يقول الصادق أيضا أن من بين ال 6000 آية في القرآن ليس هنالك أكثر من 245 آية تتناول التشريعات الإجتماعية، منها 70 آية تتناول الأحوال الشخصية، و70 آية تختص بالشئون المالية والمدنية، و30 آية متعلقة بالجرائم الجنائية ، و30 آية تختص بالأحكام القضائية والشهادة، و10 آيات تتناول الأمور الاقتصادية، و10 بالشئون الدستورية، و20 بالأمور الدولية. لذا فإن الإسلام – حسب رأيه –نظام حياة متكامل للمجتمع، به ما هو غير قابل للتعديل والتحوير (مثل الفرائض والحدود)، ومنه ما هو قابل للتغيير والتطوير.
يفرق الصادق بين نظرة الأخوان المسلمين للإسلام ونظرته هو له، فهو يرى أنهم يعتقدون في إمكانية إعادة صورة الإسلام (التقليدي) كما كان عليه الحال في عصور قديمة مضت... ويراهمكجماعة ذات منشأ أجنبي نبتت خارج السودان، بينما نشأت جماعة الأنصار في السودان وتضع ذلك في اعتبارها عند النظر في أمر تجديد الإسلام. كذلك يعد الصادق "الأخوان المسلمين" جماعة صفوية مهووسة (فقط) بالصراع ضد الشيوعيين، بينما الأنصار حركة جماعة شعبية تعتقد أن أهم ما يواجه السودانيين في الثمانينات هي مسائل الهوية والتحديث ومجاراة العصر، ولا يعتقد الصادق أن هنالك من هو مؤهل لتناول هذه الأمور غير الأنصار (لأنهم خليط من الفكر الصوفي والسني والشيعي)، فالشيوعيين وغيرهم من العلمانيين يريدون التحديث على حساب الهوية، والأخوان يفعلون العكس. يؤمن الصادق كذلك بأن الإسلام هو دين التوسط وكراهة التعصب، وهو يرفض وبشدة قيام حكم عسكري (حتى لو كان بصورة مؤقتة) حتى وإن كان يهدف لقيام حكم إسلامي.
برنامج الصادق المهدي للجنوب
نشر الصادق المهدي بين عامي 1985 – 1987م عددا من المقالات تدور كلها حول علاقة الإسلام مع الجنوب غير المسلم، وألقى باللوم في مقالاته علي السياسة البريطانية لإيقافها حركتي التعريب والأسلمة في الجنوب
الأخوان المسلمون
يزعم الأخوان المسلمون أنه يمثلون بديلا عصريا للإسلاميين التقليديين من أمثال الأنصار والختمية. بدأت تلك الجماعة في استقطاب الطلاب السودانيين في القاهرة في أربعينيات القرن الماضي، وأفلحوا في إنشاء فروع لهم في المدن السودانية بين عامي 1947 – 1949م، بيد أنهم منعوا من ممارسة أي نشاط علني قبل أن يعلنوا عن فك إرتباطهم بالإخوان المسلمين في مصر، والتي كانت تعد جماعة غير قانونية محظورة النشاط. أنشا الأخوان المسلمون بكلية غردون في عام 1947م منظمة اسموها "حركة التحرير الإسلامي" وتحاشوا بذلك الحظر القانوني على نشاطهم، وأتاح لهم ذلك العمل بحرية في حرم الكلية، خاصة في مجالة مكافحة الشيوعية. كان غالب المنضوين تحت جناح الأخوان المسلمين هم من المناطق النيلية بشمال السودان، وهذا مما سهل تبنيهم الايديلوجية الإسلامية العصرية دون أن يضطروا لقطع علاقاتهم مع عائلاتهم الختمية. ولم يشكل ذلك الولاء المزدوج أي إزعاج للختمية إذ أنهم لم يكونوا يعدون"الأخوان" منافسين حقيقيين جادين لهم.
في عام 1952م قويت العلاقة بين "حركة التحرير الإسلامي" والأخوان المسلمين في مصر بفضل وساطة صادق عبد الله عبد الماجد وبعض السودانيين الآخرين الموجودين حينها بمصر. ولكن مع حلول عام 1954م تم إنشاء تنظيم للأخوان المسلمين في السودان كان مراقبه العام هو الرشيد الطاهربكر والذي كان واحدا من الطلاب الذين يتمتعون بخصائص كرازمية وقيادية متفردة. نجح الرشيد في خلق علاقة مع "الضباط الأحرار" في مصر خاصة صلاح سالم، والذي أوكل له مجلس قيادة الثورة المصري التعامل مع كل ما له علاقةبالشأن السوداني، بيد أن تلك العلاقة انقطعت بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في أكتوبر من عام 1954م والتي أتهم الأخوان المسلمون بتدبيرها، وعلق نشاطهم وحوكمت قياداتهم. تظاهر أخوان السودان ضد عبد الناصر وانضموا للقوى التي كانت تنادي بإستقلال السودان عن دولتي الحكم الثنائي وعلى رأسها حزب الأمة / الأنصار. سرعان ما أنشقت حركة الأخوان المسلمين في السودان بعد ذلك إلى فصيلين: فصيل الذين كانوا يدعون لتربية المجتمع السوداني تربية إسلامية وروحية، وفصيل الذين كانوا يدعون أيضا لما يدعو له االفصيل الأول، ولكن في صحبة عمل راديكالي منظم. كان من أبرز قادة الفصيل الثاني حسن الترابي ومدثر عبد الرحيم، واللذان كانا قد إنضما لحركة الأخوان المسلمين وهما في مرحلة الطلب في جامعة الخرطوم في عام 1954م.
سمح انقلاب عبود العسكري في نوفمبر 1958م للإخوان المسلمين بممارسة نشاطهم في السودان كجمعية اسلامية دعوية، بيد أن نشرهم لمقال ناقد للحكومة في صحيفتهم "البلاغ" في يونيو من عام 1959م أدى لإيقاف صدور تلك الصحيفة وتعليق نشاطهم. وفي 9 نوفمبر من ذات العام قام الرشيد الطاهر (مخالفا قرارا صريحا من اللجنة التنفيذية لجماعته) بالتخطيط لقلب نظام عبود بمساعدة خلية سرية للأخوان المسلمين في داخل الجيش كان بشير محمد علي قد قام بتكوينها في بدايات خمسينيات القرن الماضي. وبإعتقال الرشيد الطاهر خسر الأخوان المسلمون قائدهم، خسروا أيضا بعضا من كوادرهم السرية في الجيش. لم تبدأ الجماعة في الإفاقة من تلك الصدمة إلا في عام 1964م حين عاد الترابي وبعض زملائه إلى السودان.
د. حسن عبد الله الترابي
ولد حسن الترابي في مدينة كسلا على الحدود السودانية – الإثيوبية في 1932م، وتلقى تعليما تقليديا على يد والده القاضي الشرعي، ثم أكمل المرحلة الثانوية والجامعية في كلية القانون بجامعة الخرطوم في عام 1955م. بعد ذلك نال ماجستيرا في القانون من جامعة لندن في عام 1957م وعاد للخرطوم لينتخب عضوا في اللجنة التنفيذية ل"حركة التحرير الإسلامي". قضى الترابي الأعوام بين 1959 - 1964م للتحضير لدرجة الدكتوراه في السوربون بفرنسا، وكان موضوع بحثه هو القانون الدستوري وهيمنة السلطة التنفيذية في حالات الطواريء. عاد الترابي للسودان قبيل اندلاع ثورة 21 أكتوبر 1964م المدنية ليعمل أستاذا بكلية القانون.اقترح التربي إعادة تنظيم الأخوان المسلمين بحيث يتحولوا لجماعة ضغط لاحزبية، إذ أنهم كانوا قد فشلوا في توسيع قاعدة عضويتهم خارج نطاق مؤسسات التعليم العالي، وكان كثير من المنتمين لهم أثناء فترة الطلب يهجرونهم ويؤبون لطوائفهم الدينية القديمة (التي غالبا ما تكون الختمية). كان الترابي يرى أن بمقدور جماعة الأخوان المسلمين الصفوية الطامحة لإقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة أن تمارس ضغوطا على طائفتي الأنصار والختمية لتأييد وتنفيذ تلك الطموحات في البرلمان، خاصة وأن السيدين علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي كانا قد أصدرا في مطلع عام 1957م بيانا مشتركا يطالبان فيه بأن يكون السودان جمهورية إسلامية مصدر تشريعها الرئيس هو الشريعة الإسلامية. أعطت وضعية الدكتور الترابي كأكاديمي دارس في الغرب وأستاذ ثم عميد لكلية القانون بجامعة الخرطوم لأفكار وطموحات الأخوان المسلمين كثيرا من الإحترام والهيبة والتي كانت مفقودة عند من سبقوه من قادة الأخوان المسلمين. قام الترابي مع مجموعة من أساتذة الجامعة بإقامة سلسلة من الندوات طالبوا فيها بتنحي الجيش عن السلطة وعودة الحكم المدني. كسب الترابي من تلك المواقف تأييد عدد مقدر من الطلاب الذين التفوا حولهكقائدأَلْمَعِيّ جديد. ارتبط دخول الترابي إذن لعالم السياسة الوطنية بسقوط حكومة إبراهيم عبود العسكرية، وبنى الرجل تكتيكاته السياسية، ومنذ أن كان ينشط في إتحاد الطلاب والجمعيات المهنية، على العداء للشيوعية. كان للشيوعيين والأخوان المسلمين قواسم مشتركة كثيرة إذ كانا يتنافسان على ذات الدوائر الانتخابية في أوساط المتعلمين، ويعارضان ذات الأحزاب الطائفية الرجعية. قام الترابي في عام 1965م بتكوين "جبهة الميثاق الإسلامي" من الأخوان المسلمين وأنصار السنة وبعض عناصر الطرق الصوفية وغيرهم من الإسلاميين. وفي مارس من ذات العام خاضت"جبهة الميثاق الإسلامي" انتخابات الجمعية التأسيسية (والتي قاطعها الختمية) ب 100 مرشح منهم 15 في دوائر الخريجيين بشعاراتتنادي بقيام دولة إسلامية وحل مشكلة الجنوب حلا سلميا وعمل إصلاحات إقتصادية. فازت جبهتهم ب 11 مقعد في الجمعية وبمقعدين في دوائر الخريجين كانت إحداهما من نصيب الترابي. فاز أيضا الرشيد الطاهر بكر القائد الإخواني في الخمسينيات بمقعد في تلك الجمعية بيد أنه إستقال من "جبهة الميثاق الإسلامي" في يوليو 1965م وانضم للحزب الإتحادي الديمقراطي، وبذاخلت الساحة من أي منافس قوي للترابي في قيادة "جبهة الميثاق الإسلامي". نجح الترابي في إقناع"جبهة الميثاق الإسلامي" بالتحالف مع الصادق المهدي من أجل عمل دستور إسلامي، وبعد نجاح الصادق في ترأس الحكومة في عام 1966م كافأ حلفائه في "جبهة الميثاق الإسلامي" بتفعيل عدة قوانين إسلامية وتعيين ثلاثة من أعضاء الجبهة في لجنة الدستور كان لهم كبير الأثر في نتائج عمل تلك اللجنة والتي فرغت من عملها في يناير من عام 1968م. وبعد سقوط حكومة الصادق في مايو 1967م تحالف الصادق مع "جبهة الميثاق الإسلامي" وحزب وليم دينق (سانو) من أجل الوقوف ضد حزب الأمة (جناح الهادي) والختمية. ظهر في انتخابات 1968م أن "جبهة الميثاق الإسلامي" قد تحالفت مع الجناح الخاسر إذ أن الصادق لم ينجح حتى في دائرته الانتخابية، ولم ينجح من 29 مرشحا من "جبهة الميثاق الإسلامي" إلا 5 نواب فقط. يمكن القول بأن النجاح النسبي الذي حققته "جبهة الميثاق الإسلامي" في انتخابات 1966م ربما كان سببه مقاطعة الختمية لتلك الانتخابات البرلمانية، إذ أنه ما أن كون الختمية (حزب الشعب الديمقراطي) والحزب الوطني الاتحادي حزبا موحدا هو "الاتحاد الديمقراطي" حتى خسرت "جبهة الميثاق الإسلامي" عددا كبيرا من المقاعد حصدها كلها حزب الآتحادي الديمقراطي.
badreldin ali [[email protected]]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.