الانتباهة: قرارات حاسمة من مركزيّ التغيير    أبرز عناوين الصحف السياسية السودانية الصادرة اليوم الاثنين الموافق 26 سبتمبر 2022م    جبريل: نريد شراكة هادئة مع العسكريين    وداد بابكر ل(القاضي): كل ما أملكه هدايا من زوجَي البشير    مقاومة الخرطوم تعلن مليونية"المشارح والمفقودين قسريًا"    د. الشفيع خضر سعيد يكتب: الجيش والسياسة في السودان    إضراب شامل للعاملين بالزراعة    حافظ يتعهّد بتوفير الخدمات البيطرية للمجمعات الرعوية    اختبار صعب للمريخ في كأس السودان اليوم    سيكافا يختار الشاعر عضوا بلجنة الانضباط وشعبان منسقا    حفل قرعة الدوري الممتاز مساء اليوم بالخرطوم    المرحلة تتطلب قفل أبواب الصراع الناعم !    السلطات في السودان تلقي القبض على متهم خطير    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأثنين" 26 سبتمبر 2022    المادحة والفنانة لكورة سودانية "نبوية الملاك " هنالك إقصاء لي من الشاشات …    تجار سوق الدمازين يدخلون في اضراب    مشروع لضبط المركبات الاجنبية داخل البلاد    البحرية تضبط قارب اجنبي به متفجرات قبالة شاطي سواكن    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة .. لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    هاجر سليمان تكتب: إلى القضاء العسكري وإلى شرطة أم درمان    بعد خطوة مجلس الإدارة الأخيرة..لجنة المسابقات تلغي"البرمجة"    الأمانة العامة ل"الشعبي.. تفاصيل اجتماع عاصف    الديون والركود يحاصران تجار الخرطوم    منصة الموروث الثقافي تعمل لاعطاء المجتمع قدرة التحكم لتوثيق الموروثات    قاضٍ بالمحكمة العليا: قاتل الشهيد حنفي يعلمه الله    شاهد بالفيديو.. بطريقة مضحكة نجم السوشيال ميديا "أدروب" يقلد الفنانة ياسمين كوستي في رقصاتها على أنغام أغنيتها (دقستي ليه يا بليدة)    شاهد بالفيديو.. وسط احتشادات كبيرة وحراسة أمنية غير مسبوقة..الفنانة السودانية إيمان الشريف تغني في الدوحة وتصعد المسرح على طريقة وزير الدفاع    شاهد بالفيديو.. الفنانة شهد أزهري تعود لإثارة الجدل على مواقع التواصل وتطلق (بخور الجن)    والي الخرطوم يوجه بإكمال محطة مياه الصالحة بعد توقف ل3 أعوام    بدأ الدورة التدريبية الأولى في إدارة المبيدات بجامعة الجزيرة    (35) حكماً في كورس (الفيفا) قبل بداية الدوري الممتاز    جبريل : الموازنة المقبلة من الموارد الذاتية وبلا قروض الخارجية    منى أبو زيد تكتب : في فضاء الاحتمال..!    (سودا) تنظم اليوم إجتماع الإسناد الفني لمونديال قطر    توقعات بوجود (200) من ضحايا الاختفاء القسري وسط جثث المشارح    اليوم التالي: مستور: إغلاق مصارف لفروعها لأسباب أمنية    تدشين الكتلة الثقافية القومية لرعاية المبدعين    مركز السودان للقلب يدشن أكبر حملة للكشف المبكر    انعقاد ورشة "دور التصوير الطبي في تطوير زراعة الكبد بالسودان"    عقب ظهوره بمكتب ملك بريطانيا.. ما قصة الصندوق الأحمر؟    برعاية الثقافة والفنون إنطلاق مسابقة عيسى الحلو للقصة القصيرة    أول تجربة نوم حقيقية في العالم تعتمد على عد الأغنام    "كارثة" في ليلة الزفاف.. العروس دفعت ثمناً غالياً    مصرع واصابة (9) اشخاص في تصادم بوكس مع بص سياحي بطريق الصادرات بارا    دراسة: شرب 4 أكواب من الشاي قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكري    إستئناف العمل بحقل بامبو للبترول بغرب كردفان    خروج محطة الإذاعة والتلفزيون بالنيل الأبيض عن الخدمة    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    أمر ملكي جديد في السعودية    ألمانيا تؤمم أكبر شركة غاز لضمان استمرار الإمدادات    بوتين يستدعي جزءًا من الاحتياط دفاعًا عن روسيا    وزير الصحة بكسلا: رصد حالة إصابة مؤكدة بجدري القرود    الشرطة تستعيد رضعيه مختطفه الي أحضان أسرتها    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (3)    الدولار الأميركي يقفز إلى أعلى مستوياته    خلال الوداع الأخير.. "سر" كسر العصا فوق نعش إليزابيث    الاستقامة حاجبة لذنوب الخلوة في الأسافير    بابكر فيصل يكتب: حول ميثاق اتحاد علماء المسلمين (2)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما تيسَّر مِنْ أقوالِ الشهودْ .. بقلم: عباس علي عبود
نشر في سودانيل يوم 14 - 10 - 2009


Abbas Aboud [[email protected]]
مسرحية من خمسة فصول
الشخصيات:
/ امرأةٌ في ثوبٍ أبيض
2/ الدرويش
3/ المعلمة
4/ الجوكر (رجلٌ في الخمسين)
5/ الطبيب (شابٌ في الثلاثين)
6/ الصبي
7/ مندوب الحكومة
■■■
الفصل الأول:
إظلام
يبدأ إيقاع النوبة خافتا،ً ثم يتواتر الإيقاع عالياً ورنين أخفاف النحاس. صوت جموعٍ تتأرجح في حلقات الذكر: حي قيوم.. الحي قيوم
دائرة من الضوء تسقط حول امرأة في ثوبٍ أبيض، واقفة عند منتصف الخشبة، تتطلع إلى الآفاق. وضعت السبابة والوسطى على صدغها والإبهام على خدها الأيمن غارقةً في تفكيرٍ عميق. مدَّت ذراعها إلى الأمام مشيرةً بكفها اليمنى إلى بداية الطريق، حيث يسقط شريط من الضوء يمتد إلى مقدمة الخشبة. عندها يدخل الدرويش بجلبابه المرقع باللون الأخضر، متأرجحاً ومردداً مع إيقاع النوبة ورنين أخفاف النحاس: حي.. الله حي
على الإيقاع المتواتر والرنين، يدور الدرويش حول المرأة متأرجحاً ومردداً: حي.. الله حي
يخرج من الجهة الأخرى
المرأة في صمتها المهيب تتوهج حولها أضواء باهرة. انداحت ببصرها إلى آفاقٍ رحيبة. مسحت شعرها بكفيها، وبأطراف أصابعها وضعت فوقه الثوب الأبيض.
نايٌ حزينٌ وصدى الإنشاد يدندن في البعيد..
□□□
الفصل الثاني:
إضاءة
أسفل يمين الخشبة مقاعد دراسية مهشمة وبجانبها كرسي مقلوب قرب حائطٍ متصدع، علقت عليه لافته قديمة مكتوب عليها: (( تعطلت الدراسة لحين إشعارٍ آخر))..
أسفل يسار الخشبة نقالة مقلوبة على حائطٍ متصدع مكتوبٌ عليه: (( سيعود المستشفى إلى العمل بعد الترميم )).. شقٌ في الحائط شطر كلمة المستشفى إلى نصفين.
الدرويش يتجول على ضفاف النهر صامتاً، منصتاً لعصافيرٍ تزقزق، بينما تتكسر أمواجٌ هينة تحت قدميه.
الدرويش: (يلتفت إلى الجمهور)
رأيتها..
نعم رأيتها،
على الضفاف حالمة
بالأمل الكبير
سمعت صوتها
يدوزن الحقول
رأيت نجمةً
في قبة السماء
ترسم الطريق
رأيت شعلة البريق
وموكب الصباح.
نعم رأيتها
على الضفاف حالمة
بالعشق والقبول
سمعتها تقول:
بداية الطريق من هنا
سمعت صوتها
يدوزن الحقول
رأيت نجمةً بتول.
(تدخل المعلمة باحثةً عن شخصٍ ما وعندما تلمح الدرويش تتوجه إليه)
المعلمة: سلامٌ عليك وأنت تجوب الضفاف
الدرويش: سلامٌ على المرسلين
سلامٌ على الحالمين بأرض السلام
المعلمة: سمعتك تناجيها..
الدرويش: رأيتها على الضفاف
المعلمة: لكنك لا تبوح باسمها
لا تذكر بلادها وأهلها!! (صمت)
حدِّثني عن رفاق طفولتها
عن طلعتها
(الدرويش يرسل بصره إلى الأفق متجولاً على الضفاف يطارد فكرةٍ هاربة)
الدرويش: عند الأصيل كانت الرياح توشوش الشجر، وزورقٌ يتهادى وسط النهر. رأيت طائراً عجيب، كأنه سحابةً ملونة. رأيت ذيله يدور، وعلى الضفاف نسوةٌ ينحن في حذر.. وعندها رأيتها، خاشعةً، في قلب وهج الحريق.. رأيت نجمة الطريق.
المعلمة: ومن هي؟
من أين أتت؟
ما اسمها ورسمها؟
الدرويش: رأيتها خاشعةً..
في قلب وهج الحريق
المعلمة: هل كنت وحدك؟
الدرويش: بلى
المعلمة: والمرأة التي..
الدرويش: كانت ترتل بصوتها الجميل
المعلمة: هل كنت نائماً؟
الدرويش: أظن إنني رأيتها في الصحو قبل المنام
المعلمة: متى؟
الدرويش: كانت خاشعةً،
في قلب وهج الحريق.
رأيت نجمة الطريق
المعلمة: ومن هي؟
الدرويش: سمعتها تقول: بداية الطريق من هنا..
سمعت صوتها يدوزن الحقول
رأيت نجمةً بتول.
(يخرج الدرويش ويدخل الجوكر متلفتاً حتى يجد المعلمة)
الجوكر: بحثت عنكِ في كل الأركان. طفلٌ صغير قال لي إنها على الضفاف تحدِّث الدرويش.
(ابتسمت المعلمة ثم صمتت)
المعلمة: سألته عن اسمها ورسمها
الجوكر: ومن هي؟
المعلمة: النجمة البتول
الجوكر يصمت محتاراً ومن ثم يغير اتجاه الكلام
الجوكر: حسناً، وكيف حال الدراسة؟
المعلمة: ما تزال معطلة، ألا تدري!؟
الجوكر: بلى.. ولكني اعتقدت أن معجزةً ما قد تغير الحال فجأةً
المعلمة: لقد ولى زمن المعجزات. تعال
(يتحركان إلى المقاعد المهشمة)
المعلمة: أنظر كومة المقاعد المكسورة تراكمت مع السنوات
الجوكر: أعرف رأيتها عدة مرات
المعلمة: لكن الكومة تكبر في كل المرات (تخطو إلى مقدمة الخشبة وتخاطب الجمهور) من يصدق!؟ فالمدرسة كادت أن تتحول إلى خرائب. كتبنا لوزير الولاية، ولوزير الخرطوم، ولم نحصد منهم سوى كلامٍ معسول. لا أحدٌ منهم أوفى بعهده، ولا تذكَّر ما كان يقول!! أعيتنا الحيلة والأمر يسوء
الجوكر: بذلنا جهداً فوق الطاقة. سافرت وفودنا مراراً، طرقنا أبواب الوالي، وأبواب الحاكم في الخرطوم، وحين عجزت حيلتنا رفعنا أمرنا إلى السماء.
المعلمة: (تخرج كتاباً من حقيبتها اليدوية) أنظروا إلى هذا الكتاب، في عصر التقنيات الرقمية يصنعون كتاباً مثل هذا. (ترفع الكتاب ثم تقلب الصفحات) الأوراق رهيفة، وحرف الكتابة ضعيفٌ وقبيح. أما الغلاف فيتطاير مع أول هبة ريح.
الجوكر: ما رأيك لنذهب إلى المستشفى لنتشاور مع الطبيب
المعلمة: هيا
(بجانب النقالة المقلوبة أستقبلهما الطبيب بحرارة ثم أشار إلى الحائط المتصدع)
الطبيب: أنظروا ماذا فعل بنا الحكام. فحتى هذه العبارة تحتاج إلى ترميم.. كلمة المستشفي المكتوبة منذ سنين انشطرت إلى نصفين!!
(صفق الجوكر بيديه استغراباً بينما كظمت المعلمة غيظها)
الطبيب: لا أملٌ في حكومة الخرطوم، فالبشر يتطاحنون من أجل لقمة العيش في الشمال والوسط، وفي الجنوب حدِّث ولا حرج. وفي الشرق غول الوباء يحصد البشر. (يصمت قليلاً):
وفي الغرب تدور
طاحونة الدماء
الظلم والغباء
في الغرب تفور
وتنفث الأحقاد سمومها
لتحصد القرى جحيمها
فمن يقول: إنَّ البلاد أوشكت على الهلاك (يصمت حائراً ثم يواصل) قل لنا يا رجل المهمات الصعبة. قل لنا بحق السماء، ماذا نفعل؟
الجوكر: الشيخ سينجدنا
الطبيب: مَنْ مِنْ الشيوخ!؟
الجوكر: (يضرب جبينه بباطن كفه اليمين) شيخ الطريق.. إنه الخلاص. كيف نسيت!! بالأمس حدثتني جارتنا. قالت إنها حَلِمتْ بالشيخ.. كان يصلي تحت الجميزات، ويجهر بالدعوات، لخلاص عباد الله المظلومين
(المعلمة تنصت بانتباه)
الطبيب: (منفعلاً) يا رجل الأوقات الصعبة، دعنا من تهويمك ومن تنغيمك للكلمات. ماذا نفعل وغول الأمراض يفترس الأكباد!؟
الجوكر: الشيخ لها.. الشيخ لها. فمن غيره سيدرأ عنا محن الحكام؟ كنا نعرف أن الشيخ سيظهر في الميقات لينقذ العباد. الشيخ لها، فالشيخ حتماً سيعود..
المعلمة: امرأة البقال تقول إنها حلمت بالشيخ، عبر النهر على مصلاةٍ من جلد الجاموس. وإنه حدَّثها عن غولٍ يتربص بالبلدة
الجوكر: هل تنكر أن الشيخ كفانا شر آفة الجراد؟
الطبيب: سمعت أحدهم يقول، وحينما سألته هل رأيت الشيخ بعينيك؟ صمت قليلاً ثم قال: سمعتهم يقولون
الجوكر: ومن أين جاء قولهم؟ هل يكذبون!؟
الطبيب: لربما..
الجوكر: لا تهزل فالشيخ حقيقة
الطبيب: لم يشهد أحدٌ بأنه أبصر الشيخ جهرةً، كلهم يقولون سمعنا
المعلمة: النسوة قلن إن الشيخ لا يظهر إلا في أوقات الشدة. حين تحاصر البلدة المخاوف والمحن
الطبيب: هل أبصرته مرةً على الأقل؟
الجوكر: (يخاطب الجمهور) كانوا أطفالاً، صبية على شط البلدة. هنالك عند النخلة، وكان الوقت أصيل. أربعة خامسهم طفلة، يتراشقون بالمياه والطفلة على الرمال تدندن بالألحان. لكن التمساح الغادر إنتاش صبياً فتراكضوا فزعاً يتصايحون.
في ذلك الأصيل حضر الشيخُ على عجلٍ، عبر النهر على مصلاةٍ من جلد الجاموس. تحت النخلة جلس يصلي، يرتل سوراً، يقرأ آيات. تجمع أهالي البلدة في حلقات.. لكن الشيخ ظل خاشعاً حتى غروب الشمس، حيث اصطفوا خلفه للصلاة ثم دعا لهم بالخير وقال: هذه شواطئكم أصبحت محروسة، لن يقترب التمساح من أحدٍ منكم.. ولبثوا في ورعٍ وخشوع حتى غاب الشفق الأحمر من أعلى السموات.
الطبيب: لكنهم أكدوا أن التمساح ظهر في المواسم الأخيرة
الجوكر: هراء
الطبيب: خطف العجلة وفر الصبية عراة، جابوا طرقات البلدة
الجوكر: هذا كلام امرأة خرقاء
الطبيب: عدد من أهالي البلدة شهد البقرة تخور حين اختطف التمساح العجل من جوارها وغاص به تحت الماء
(بين الرجلين تقف المعلمة حائرة)
الجوكر: (يسأل الجمهور) من منكم لا يذكر عام الجراد؟ حين مشى الشيخ على الضفاف. كادت أسراب الجراد أن تجتاح الحقول، والخوف يحاصرنا وظلمات المجهول. الخوف من أن تصبح كل حقول الزرع هشيم. كان الخطر الداهم يقترب حثيثاً..
سافرت الوفود إلى حكام الخرطوم. وعدوهم خيراً وقالوا سوف نرسل المختصين ليقرروا إن كان الخطر وشيكاً أم لا. وقالوا عليكم الانتظار لبعض الوقت لحين الفراغ من تجهيز فريق الفنيين، والعتاد والبنزين، وعدنا خائبين. وكل يومٍ بل كل ساعةٍ يأتينا خبرٌ يقين: الجراد الزاحف لا يترك وراءه إلا أرض جرداء. فالجوع يحاصر أهل الغرب، والخطر الداهم يزحف صوب ضفاف النهر..
ماذا نفعل.. صرخت امرأة: ماذا نفعل؟ ومن يحمي الزرع ويحمي الضرع من غول الآفات؟
اشتد الكرب وغطت آفاق الغرب سحبٌ سوداء، ثم اجتاحت أسراب الجراد سماء النهر، بينما الأهالي على الضفاف يحدقون إلى الخطر الداهم يلجمهم الذهول. وحين تجلى الشيخ على حافة المياه، تدافعت الجموع وهو على مصلاته يهمهم بالدعاء..
أمواج أزيز أجنحة الجراد تداهم الجموع المتحلقة حول الشيخ الجالس على الأرض المبتلة، غارقٌ في صلاةٍ عميقة، وعصاه بقربه ابتلت حافتها السفلى بالماء
- يا شيخنا
ابتهلت الصدور والحناجر
- يا شيخنا
أزيز أجنحة الجراد دوى، تصاعد هديراً كاد أن يصمَّ العقول
- يا شيخنا ماذا تقول؟
أشار بعضهم بأصابعه وقالوا سراً وقد تسربلوا بالذهول: لا وقت تبقى فالسرب الكاسح سوف يعبر فوق رؤوسكم لتصبح حقولكم كالصريم..
من وسط ذهولهم، وبريق الرعب في عيونهم نهض الشيخ، رفع عصاه عمودياً إلى كبد السموات. زاغت الأبصار وتحشرجت الصدور، وأزيز أجنحة الجراد يمضي إلى الحقول. صاح الشيخ فارتبكت العقول. قال باسم الله توكلنا.. مشى خطوات وعصاه تعامد السماء. قال باسم الله توكلنا والعصا تميل قليلاً صوب الشرق. لم يدرك أحدٌ أن الخطر الداهم سوف يزول. لكن الأسراب عبرت فوقهم سحابة سوداء وهم لا يدركون.. فتراكضنا فزعاً أملاً صوب الحقول..
لم يصدق أحد منا، لكن أسراب الجراد مضت في سبيلها. وقيل بعد حين إنها لاقت حتفها في البحر المالح
الطبيب: لم أفهم
الجوكر: لقد قلنا المفهوم
الطبيب: غير مفهوم
(يتواتر إيقاع النوبة ورنين أخفاف النحاس مع دخول الدرويش مهرولا. يتأرجح كأنه في حلقة ذكر ينغِّم الكلام)
الدرويش:
لو ما مفهوم ¹
ودي الخرطوم
لي حاكم القوم
قول ليه حمدان
راقد هلكان
في دار خمجان
(يتصاعد الإيقاع والرنين، يدور الدرويش في الوسط وقد التف حوله ثلاثتهم)
الدرويش: لو ما مفهوم
ودي الخرطوم
لي حاكم القوم
قول ليه حمدان
راقد هلكان
في دار خمجان
والنور مقطوع
والموية تزوع
والحر..
(يركض الدرويش في اتجاه الجمهور مرددا )
الحر مدد.. الحر
مدد.. مدد.. مدد
الحر..
(يبدأ الثلاثة في التأرجح يميناً ويساراً، ثم ينخرطون مع الدرويش كأنهم في حلقة ذكر)
الثلاثة: النور مقطوع
والموية تزوع
الدرويش: والحر مدد
(الإيقاع والرنين يدوزن الحركة)
الثلاثة: النور مقطوع
والموية تزوع
الدرويش: والحر مدد
مدد.. مدد، الحر مدد
(يدور الدرويش حول نفسه ويدور حوله جلبابه المرقع بالأخضر. يتصاعد الإيقاع والرنين والدوران وصوت الدرويش) حي.. الله حي
إظلام
□□□
الفصل الثالث:
إظلام
(صراخٌ وعويل وحمحمة خيول. أصوات حشودٍ تسعى حثيثاً هرباً من خطرٍ متربص)
إضاءة
(حبل غسيلٍ معلقة عليه عظام آدمية محترقة. المعلمة وسط الخشبة يداهمها الخوف بعد محادثة تلفونية. تخرج الحروف من فمها مرتعشة)..
المعلمة: بقروا بطن الطفل!!
كان باسماً، ينصت لغناء عصافيرٍ في الحقل. قتلوا الأم الثكلى؛ وطفلها الرضيع!! قفز حولها حصان جامح وانتاش رقبتها سيفٌ باتر. دحرجوا رأسها، خرَّبوا عشتها، ثم أشعلوا النيران في البيوت..
(تدور كالمعتوهة، خطواتها حائرة بين البقاء والخروج) قطعوا رقبتها، وخرَّبوا عشتها ثم أشعلوا النيران في البيوت.
الصبي: (يدخل مهرولاً، يتعثر مرتين ثم ينهض مرتبكاً وهو يصيح) الجنجويد.. الجنجَ ويد
(تلاطمت أصداء الحروف وعويلٌ وحمحمة خيول. يتلفت الصبي حوله وجلاً. يدخل الجوكر في خطواتٍ عجلى ومن الناحية الأخرى يدخل الطبيب)
الجوكر والطبيب: هل حقاً ما تقول؟
(في هذا الأثناء تكون المعلمة المترددة قد عادت إلى وسط الخشبة)
المعلمة: قتلوا امرأة حبلى كانت في الحقل وحيدة
الجوكر والطبيب: قتلوها!؟
الصبي: الجنجويد؟
الطبيب: في دارفور؟
الجوكر: امرأة غرباوية؟
المعلمة: لا بل امرأة حبلى غير بعيد عن مجرى النهر
الجوكر: هل زحفوا نحو الضفاف!؟
المعلمة: لا أدري
الطبيب: ومن أين أتتك الأخبار؟
المعلمة: عبر الهاتف.. وقيل أن فتى يركب دراجة نارية قال إنهم سيهاجمون البلدة
الصبي: وأنا سمعته، كان يتحدث تحت الجميزات
الجوكر: متى؟
الطبيب: هل حقاً ما يقولون!؟
المعلمة: لا أحد يدري.
الجوكر: وإذا هاجمونا فكيف سنحمي بلدتنا؟
(ينتحي الجوكر جانباً متحدثاً بالموبايل)
المعلمة: ورجال الجيش ماذا ينتظرون؟
الطبيب: لا يوجد جيشٌ في هذه البلاد
المعلمة: ومن يحميها؟
الجوكر: (عبر الموبايل) يحميها رب العباد
المعلمة: والحكومة؟
الطبيب: سلَّحت مليشيات الأمن ومليشياتٍ قبلية لتحمي نفسها
المعلمة: ومن يحمي هذه البلاد؟ أين الجيش؟
الطبيب: تركوه بلا عتادٍ، ولا تدريبٍ، ولا معنويات. فالأمر بيد مليشيات الأمن ومليشياتٍ قبلية. هكذا أراد الحكام ليحموا أنفسهم
المعلمة: مِنْ مَنْ؟
الطبيب: الأمر خطير
المعلمة: إذاً من يدرأ عنا خطر الجنجويد؟ هل نستغيث بجنود الأمم المتحدة، المنتشرين في البنادر والنجوع. القائلين إنهم جاءوا لنصرة السلام. فهل سيهبوا لنجدتنا إن وصلتهم استغاثتنا؟
الجوكر: (ينهي محادثته) قد يوافقون ثم يتقاعسون، فهل نخاطر بأرواحنا. ولماذا يخاطرون بأرواحهم من أجلنا؟ وجنود بلادنا ماذا يفعلون؟
الطبيب: جردوهم من السلاح والمهام!!
المعلمة: هل نلجأ لجنود الأمم المتحدة؟
الطبيب: إنهم يدافعون فقط عن أنفسهم..
المعلمة: يدافعون عن السلام كما يقولون
الطبيب: ماذا فعلوا حين احترقت أبيي، وتحولت إلى مدينة أشباح!؟
الجوكر: لزموا سكناتهم يترقبون!!
المعلمة: وأين الدول العظمى التي تتشدق ليل نهار بحقوق الإنسان؟
الجوكر: وهل يعلمون بأننا في خطر؟
الطبيب: نحن لم نتأكد بعد من صحة الأخبار. ربما كانت حيلةً من حكام الخرطوم!
المعلمة: وماذا يريدون؟
الطبيب: نشر الهلع وسط المواطنين
المعلمة: ولكن لماذا؟
الطبيب: هذا ديدنهم
الجوكر: الأمر خطير.. قل لنا أيها الصبي مَنْ مِنْ أهالي البلدة العقلاء سمع الفتى يتحدث؟
الصبي: تاجر العيش وزوجته، ورجلٌ يعمل في البنطون
الجوكر: ماذا نفعل فالأمر خطير؟
الطبيب: دعنا نتأكد ثم نعود
(يخرج ثلاثتهم وتبقى المعلمة وسط الخشبة تتحدث بالموبايل)
ناي حزين وكورال:
كان رضيعاً
ينصتُ لغناء عصافيرٍ في الحقل
كان رضيعاً في المهد
ضحكته صافية عذبة
ونسيم الصبح
يوشوش أوراق الشجر الأخضر
والأزهار
إخوته في الحقل
يتطلعون للسحاب والمطر
لم يدرك الخطر
كان رضيعاً في المهد
ينصت لهمس النسيم
الفراشات تحلق زاهية
والأرض عابقة بالوعد
ورائحة الدعاش تملأ الحقول
كان رضيعاً
لكن الرمح انتاشه غدراً
وأمه الثكلى تدحرج رأسها
خُرِّبتْ عشتها
وأحرقت البيوت.
كان رضيعاً
ينصت لغناء عصافيرٍ في الحقل
(بينما المعلمة ما تزال تتحدث بالموبايل يدخل الجوكر من ناحية والطبيب من الناحية الأخرى وكل منهما يتحدث بالموبايل ويجوبان الخشبة)
الطبيب: لا أسمعك جيِّداً. هل قلت إنهم أحرقوا ثلاث قرى؟
المعلمة: أحرقوا الرواكيب والحقول!؟
الجوكر: أحرقوها! لا حول ولا قوة إلا بالله
الطبيب: ومن شهد الحدث؟ سمعتهم يقولون؟ هل تأكدت من هذه الأخبار؟
الجوكر: الأخبار متواترة ومؤكدة؟ أسمعني، هل قابلت أحداً شهد الحرائق والدماء؟
المعلمة: لم ينج أحدٌ منهم احترقوا جميعهم!!
الجوكر: فهمت الكل يقولون
الطبيب: حاول أن تتأكد، هل يزحفون فعلاً صوب الضفاف؟
الجوكر: ومن أي اتجاه تأتيكم الأخبار؟
الطبيب: وهنا أيضاً تتطاير الأخبار في كل الاتجاهات، لكنها غير مؤكدة. ألا تعتقد إنها ربما كانت إشاعات؟
الجوكر: الأخبار متضاربة
المعلمة: الخوف يسيطر على العقول، فلا أحد يستطيع تمييز الحقيقة من الأقاويل
الطبيب: نعم هي فعلاً بلاد اللا معقول.. إذا تأكدت هذه المعلومات، أو تحصلت على معلومات جديدة فلا تتأخر في إيصالها لنا، فنحن في انتظارك. مع السلامة
(ينهي الطبيب المحادثة ويبدأ في محاولة أرقام جديدة بينما الجوكر والمعلمة ما يزالان يتحدثان بالموبايل)
الجوكر: نعم الأمر خطير، سنرسل وفداً إلى الخرطوم.. نعم الأمر خطيرٌ جداً
(ينهي الجوكر المحادثة ويحاول رقماً آخر ويحدث نفسه جهراً بينما الطبيب على الجانب الآخر يفعل مثله)
الجوكر: مشغول!!
الطبيب: مشغول
(يكرران المحاولة)
الطبيب: من يكلم؟
الجوكر: غير معقول حاولت كثيراً!!
( تتكرر المحاولات من كليهما دون جدوى. بينما تواصل المعلمة حديثها بالموبايل)
المعلمة: لا بد أن نفعل ذلك. نعم سنرسل وفداً إلى الخرطوم. نعم حتى لو كانت إشاعات. لا، لن نغامر بحياة أطفالنا وأهلنا.. لا، لابد من سفر الوفد إلى الخرطوم.. سنحاول جمع أهالي البلدة حالاً تحت ظلال الجميزات
(أخيراً يضع الطبيب الموبايل في جيبه ولا يلبث أن يرن)
الطبيب: ألو
الجوكر: أريدك حالاً
الطبيب: وأين أنت
الجوكر: تحت الجميزات
الطبيب: وأنا أيضاً
(يبصر كل منهما صاحبه فيضحكان ثم يتحركان نحو بعضهما)
الصبي: (يدخل مهرولاً وصائحاً) هل يأتون من هنا؟ أم من هناك؟ (يشير إلى جهات متعددة وفوراً يلتف حوله الجوكر والطبيب والمعلمة التي أنهت محادثتها)
ثلاثتهم: من تقصد؟
الصبي: الجنجويد
الجوكر: أهناك خبرٌ جديد؟
الصبي: سمعت رجلاً يحدث امرأة. قال إنهم يقتربون والأهالي لا يدرون
المعلمة: هل سمعته بنفسك؟
(الصبي يحني رأسه إيجابا)
الطبيب: أهو من رجال البلدة
الصبي: رجلٌ غريب
يدخل الدرويش: حي.. الله حي
الجوكر: ما قولك يا درويش فالبلدة حائرة وخائفة
المعلمة: هل هناك خطرٌ قادم؟
الدرويش: الخطر كامنٌ في الخرطوم
الطبيب: ومن أين سيأتينا؟
الدرويش: إن كان سيأتي، فمن الخرطوم
المعلمة: كيف؟ ومتى؟ وهل يعقل ما تقول!؟
الطبيب: قد يكون صادقاً فهذه بلاد اللا معقول
الجوكر: هذا قولٌ لا يقبله المنطق والعقل!!
المعلمة: وإذا صحَّ القول وجاء الخطر الداهم من هناك، فمن يحمينا من غول الخرطوم!؟
الدرويش: حي.. الله حي
الجوكر: وما قولك في أخبار الجنجويد
يتردد الصدى جن ج وييد
الدرويش: أحرقوا القرى والحقول والبذور. قتلوا أطفالاً وشيوخاً ونساء، وأحرقوا البتول
الجوكر: وهل البلدة في خطر؟ هل يقتربون من الضفاف؟
المعلمة: ومن يحمينا من شر الأعداء؟
الطبيب: وهل تعلم حقاً يا درويش؟
الدرويش: حدثني قطبٌ أعظم..
كنت أصلي
والنخلة تميس في الظلام
ومن بين الغمام
انبلج ضياءٌ أخضر.
كانت الضفاف ساكنةً
والنهر يمشي وئيداً
حين تجلي القطب الأعظم
كالأحلام
قال ستأتي، قلت بلى
قال ستأتي
سيِّبةً، بكراً..
تأتي
إمامٌ، حكمٌ، عدلٌ
تأتي
فقلت بلى، قلت بلى..
وكان الصبح يهفهف بالأنسام
الجوكر: حدثنا يا درويش من تقصد؟
المعلمة: ومتى تأتي؟
الطبيب: وهل تأتي؟
الثلاثة: (في صوتٍ واحد) ومن هي؟
الدرويش: المرأة الإنسان
إظلام
□□□
الفصل الرابع:
إضاءة
(مندوب الحكومة بيمينه عصا سوداء يمسك طرفها العلوي بكفه اليسرى، يلوح بها في الهواء، ثم يعود ليمسك بطرفها العلوي بكفه اليسرى. الجوكر ينصتُ مطرقاً إلى الأرض. المعلمة جانباً تتابع بعينيها بينما الطبيب يرفع كفيه متسائلاً)
المندوب: سمعتم قولي، فأنا رسول الخرطوم، أبلغتكم طلب الحكام، وفي انتظار إجابتكم..
الطبيب: ومَنْ نصَّبهم؟
المندوب: مَنْ تقصد؟
الطبيب: الحكام
المندوب: ألا تعلم!؟
الطبيب: ومَنْ يعلم!؟
المندوب: إنهم يحكمون وفقاً للدستور
الطبيب: إن كانوا لا يحمون ديار الناس، ولا دماءهم وأعراضهم فكيف يحكمون؟
المندوب: لا تسألني.. (يشير إلى الجوكر) أبلغتكم طلب الحكام وأنت مسؤول في هذه البلدة، فقرر في الحال
الجوكر: أنا لا أملك القرار. سنجمع الأهالي ونستشيرهم
المندوب: ألست مسؤولاً عن أرواح الناس؟
الجوكر: الكل مسؤول
الطبيب: الحكومة هي المسؤول الأول
(يرن الجرس فينتحي الجوكر جانباً متحدثاً بالموبايل)
المندوب: عليكم أولاً مبايعة الحكام
المعلمة: لم أفهم
المندوب: وبعدها يأتي الجنود لحمايتكم من شر الأعداء
الطبيب: ومن هم الأعداء؟
المندوب: ألا تعلم ما يجري في هذه البلاد؟ إنهم قادمون
الطبيب: وهل تعرفهم؟
المندوب: الكل يعرفهم.. أنا أنصحكم أن لا تتلكأوا في البيعة، فالأقدار مجهولة
الطبيب: لن نبايع الحكام
المندوب: وهل أنتم مستعدون لمواجهة المصير؟
الطبيب: عن ائ مصيرٍ تتحدث؟
المندوب: هل تجهل ما يتربص بكم؟
المعلمة: وأين رجال الجيش؟ فمن واجبهم حماية أرواح الناس
الطبيب: وماذا يفعل حكام الخرطوم!؟
المندوب: البيعة أولاً
المعلمة: وبعدها
المندوب: سيهرع جنود الحكومة لحماية البلدة والفرقان
الطبيب: هل تدرك ما تقول!؟
المندوب: نعم.. أجمعوا النساء والأعيان ولترفعوا أكفكم جميعكم لتبايعوا، وسأحمل بيعتكم إلى الخرطوم.. (يهمس للجوكر الذي ترك الموبايل وانضمَّ إليهم) البيعة أو الهلاك
(يخرج المندوب)
الطبيب: حتى الحكومات الظالمة من أهمَّ واجباتها حماية أرواح مواطنيها
المعلمة: ما يحيرني في هذا الأمر، كيف تترك الحكومة الجنجويد والغين في دماء الناس!؟
الطبيب: الحكومة والجنجويد وجهان لغدرٍ واحد
الجوكر: احذر.. فتيان الأمن يجوبون البلدة
الطبيب: أعرف
المعلمة: والبلدة تحتاجك في هذا الوقت العصيب
الطبيب: الصمت لن يجدي في الوقت العصيب
(يرن جرس الموبايل فيستمع الجوكر باهتمام بينما الطبيب والمعلمة يراقبانه في لهفةٍ وحذر وقد ارتسمت على وجهه علامات الخوف. أنهى المحادثة، تلفت حوله)
الجوكر: خبرٌ آخر مشؤوم
الطبيب: عن حكومة الخرطوم؟
الجوكر: بلى..(يعود للتلفت ثم يواصل في صوتٍ خافت) قيل أن حكاية الجنجويد لربما تكون إشاعة!!
الطبيب: ألم أقل لكم!؟
الجوكر: مهلاً لا تتعجل. قيل أن الحكومة روجت هذه الأخبار لإشاعة الرعب بين المواطنين، وحملهم على بيعتها مكرهين
الطبيب: انكشف السر إذن
الجوكر: لا تتعجل مهلك فالآتي أمَرْ
الطبيب: هل يضمر الحكام حماقة أكثر!؟
الجوكر: أكبر مما تتصور..(يتلفت ثم يواصل) الحكومة أعدت فرسانها وخيولها ورصاصها، فمن لا يبايع يجتاحه الخراب
المعلمة: هل تقصد أن الجنجويد في الخرطوم!؟
الجوكر: بلى
الطبيب: إذن فقد صدق الدرويش
الصبي: (يدخل راكضاً وصائحاً) الجنجويد قادمون.. اقتربوا من الضفاف
الجوكر والطبيب: هل حقاً ما تقول!؟
المعلمة: والجيش ورجال الشرطة؟
(يدخل المندوب متهكماً)
المندوب: الحكام يقولون سنرسل جيشاً يحمي بلدتكم على أن تعطونا البيعة خالصة لله
المعلمة: ألم تسمع بأنهم اقتربوا من الضفاف؟
(يبتسم المندوب)
الطبيب: هل روجتم الأخبار الكاذبة لإرهاب الناس؟
الجوكر: (يتحدث بالموبايل) لا صحة لهذه الأخبار، فمن أين تأتي؟
(ينضم الطبيب والمعلمة والمندوب يتحدثون بالموبايل ويجوبون الخشبة)
أصوات من الجمهور:
- هل حقاً إن الجنجويد قادمون؟
- مَنْ يدري؟
- وهل نغامر بأرواحنا؟
- قد يأتون من الخرطوم
- إذاً فلنبايع
- وكيف نبايع حكومة الظالمين؟
- بل سنبايع وإلا هلكت بلدتنا
- ولكن هل حقاً إنهم قادمون؟
- ومِنْ أين ينحدرون؟
المندوب: (يسأل المعلمة) هل ستبايعين؟
المعلمة: أنا مع قرار الأهالي
(يرفع المندوب سبابته محذراً ثم يخرج)
الجوكر: (يسأل الطبيب) هل ستبايعهم؟
الطبيب: كلا
الجوكر: هل ستقاتلهم وحدك؟ لا يوجد في البلدة مقاتلين ولا سلاح، فالرجال والشباب هاجروا إلى البنادر، وإلى بلاد واق ألواق.. ما حيلتنا، لا أحدٌ منا يجيد فنون الحرب، ولا أبجدياتها
المعلمة: قد تجوز البيعة درءاً للأخطار
الطبيب: ولكن هل حقاً إنهم قادمون؟
الجوكر: دعنا من جدالك العقيم. هيا لندعو الأهالي إلى النادي
المعلمة: بل لنجتمع تحت ظلال الجميزات
الطبيب: (يقفز ضارباً جبينه بباطن كفه اليمنى) والشيخ؟
المعلمة: النجدة يا أحباب الله، النجدة من كيد الأعداء
الجوكر: فلنبايع الحكام أولاً وبعدها نعود للدعاء، فالشيخ لن يتأخر عن نجدتنا
الطبيب: إن كان الشيخ سينجدنا فلماذا نبايع الحكام الظالمين!؟
الجوكر: ومن المسؤول عن أرواح الأطفال والنساء؟ أنت طبيب فهل تقبل سفك الدماء؟ من الخير أن نبايع الحكام أولاً، ثم نجهر بالدعاء (يخطو نحو مقدمة الخشبة ويبدأ في النداء) يا أهالي البلدة..
أصوات من الجمهور:
- لا لن نبايع الحكام
- هل ستحملون دماء الأطفال على رقابكم؟
- وهل ستقاتلون وحدكم؟
- فلنبايع الحكام أولاً
- ومتى يأتي الشيخ لنجدتنا؟
الجوكر: (يحدث نفسه جهراً) الآن أو لن نجد الوقت الكافي للهروب.. (يرفع يده مخاطباً الجمهور) يا أهالي البلدة هلموا الآن وفوراً فالأمر خطير. يا أهالي البلدة..
الطبيب: أمرك عجيب! هل نسيت إنك كنت تحدثنا عن كرامات الشيخ!؟ تشهد هذه الشجرة، وكل الضفاف. حتى طيور النهر سمعتك تقول: كان هنا يجلس على مصلاةٍ من جلد الجاموس، وحين أفاق من حضرته المقدسة، نهض واقفاً ومدَّ عصاه فعبرت أسراب الجراد إلى البحر المالح. هل نسيت حين تهدج صوتك وأنت تقول..
المعلمة: مهلاً.. هنالك خطرٌ داهم وعلينا أن نخضع للأمر الواقع. فمن يحمي بلدتنا من شر خيول الأعداء؟
الطبيب: مهلاً
(الجوكر يرفع يديه احتجاجاً بينما خمدت الكلمات على شفتي الطبيبة)
الطبيب: مهلاً فنحن لم نتفق
الجوكر: لا وقت للمراوغة
المعلمة: الوقت يداهمنا هيا وحد صوتك معنا
الجوكر: (يتوجه إلى الجمهور صائحاً) يا أهالي البلدة
الصبي: (يدخل راكضاً وصائحاً) الشيخ
(يلتفون حوله فينسل من وسط هم ويخاطب الجمهور)
الصبي: رأيتها.. (يضع سبابتيه تحت عينيه)
الطبيب: أين ومتى؟
الجوكر: هل رأيته بعمامته البيضاء؟ هل كان يصلي على الضفاف؟
المعلمة: هل جاء لنجدتنا؟
الصبي: رأيتها جالسة في خشوع ترتل آيات من سور القرآن
الطبيب: ومَنْ رأيت؟
الصبي: امرأةً في ثوبٍ أبيض
الجوكر: ماذا تقول؟
الصبي: رأيت شيخةً
المعلمة: مهلاً أيها الصبي. استرح قليلاً رتب أفكارك، هل كنت وحدك؟
الصبي: كان رعاة الضفاف يتجادلون، وحينما مررت بقربهم سمعت أحدهم يقول: جاءت لنجدتهم
المعلمة: والمرأة في الثوب الأبيض؟
الصبي: كانت غير بعيدة، تحت النخلة ترتل آيات
الجوكر: لا أفهم ما تقول!؟
الصبي: الشيخ امرأة
المعلمة: هل حقاً ما تقول!؟
الصبي: نعم رأيتها (يضع سبابتيه تحت عينيه)
الجوكر: ومن أدراك أيها الغلام. هذا محض هراء
الصبي: بل حقاً ما أقول. هكذا قال الرعاة، وقالت امرأة عجوز، وقال طفلٌ كان يلهو بالمياه
الطبيب: هل سمعتهم؟
الصبي: قال الرعاة وقالت امرأة عجوز
الجوكر: هل شهدوا شيخاً بعمامته البيضاء؟
الصبي: بل شهدوا امرأةً في ثوبٍ أبيض
الجوكر: (يتجول متعجباً) لعله صبي مخبول، أو أن عفريتاً تقمص صورته كي يعبث بالعقول. لعله..(يلتفت إلى الصبي صائحاً بينما الطبيب والمعلمة يتحدثان بالموبايل) هل رأيتها؟ عفواً هل رأيت شيخنا الجليل؟
صوتٌ من الجمهور:
شهدنا امرأة تقول
إن هجير الظلم الفادح
سوف يزول
فالشمس ستشرق بالعدل
وتخبو نيران الشر
يمرح أطفال البلدات
عصافير النهر
وفراشات الحقل
سمعنا امرأة في ثوب أبيض
الدرويش: (يدخل ويرد على الجمهور)
قرب النهر
وتحت النخلة
كان هنالك وهج بريق
سمعت صوتها ينادي
فقلت بلى..
رأيتها
تصلي على الضفاف
يضئ وجهها كنجمةٍ
فهل رأيتم البريق
يسيل من عيونها؟
وهل عرفتم الطريق؟
الطبيب والجوكر والمعلمة: ومن هي؟
الدرويش: المرأة الإنسان
إظلام
□□□
الفصل الخامس:
صوت ناي مترعٍ بالحنين
(امرأة في ثوبٍ أبيض في مقدمة الخشبة. أمامها إلى اليمين يقف الصبي ووراءها إلى اليسار الدرويش. خلف الدرويش بخطوتين تقف المعلمة مترددة بين الإقدام والإحجام. أسفل يمين الخشبة الجوكر والطبيب يرفعان أكفهما حيرةً. أسفل يسار الخشبة المندوب يهرب ببصره بعيداً)..
كورال من الجمهور:
حدثنا قال ستأتي:
من رئة الغابةْ
من فيض النهرِ
وشوق الرملِ
ستأتي
من جبلِ البركلْ
تأتي
من نسل أماني²
إماماٌ، عدلاً..
تأتي
من رحمِ الغابةِ
من سفرِ الرملِ
ساطعة الوعدِ
ناصعة المجدِ
حكماً، عدلاً..
تأتي
من مجد أماني
من فيض النهرِ
ستأتي..
إظلام
□□□
هوامش
1/ مشهد من مسرحية كتبت عام 1983
2/ الملكة أماني (كوش)
عباس علي عبود
السودان - النيل الأبيض
روائي وقاص.
كتب الشعر والمسرحية.
طقوس الرحيل: (رواية) الخرطوم ديسمبر 2005
صهيل الفجر الغامض: (مجموعة قصصية) الحضارة للنشر- القاهرة أبريل 2008
طقوس الرحيل: (الطبعة الثانية) الحضارة للنشر- القاهرة أبريل 2009 www.alhadara.com
مرافئ السراب: (رواية) تحت الطبع
قبسٌ من مدارات الحنين: (رواية) تحت الطبع
شظايا الأحلام: ديوان شعر - مخطوط
الدعاش: مسرحية كتبت في القاهرة، ونشرت في جريدة الخرطوم في مارس 1995. قدمها الطلاب السودانيون بمدينة أوديسا، على مسرح قصر الطلاب يوم السبت 11 نوفمبر 1995. تمت كتابتها مرة أخرى نقلاً عن الخشبة، ونشرت في جريدة الأيام يوم السبت 8 ديسمبر 2007.
ما تيسر من أقوال الشهود: مسرحية.. يونيو 2009


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.