ما إن تمعن النظر في الواقع السياسي السوداني وما يدور فيه من آراء وأفكار وطريقة للتعاطي مع ملفاته من قبل كافة القوي السياسية الحية والناشطة والفاعلة فإنك ستدرك بلا عناء وكثير اجتهاد ، أن حالة من الجمود تقعد بالمشهد عن إي حراك ايجابي حتي (المؤثرين) حار بهم التفكير أي سبيل يسلكون وأي نهج يتبعون، إن حالة الثبات تخيم علي الجميع بينما لا تزال ملفات علي ساحة الوطن لا تحتمل التأجيل وهي غاية من الاهمية تنتظر دورها من الجميع . قضايا مركزية عديدة تنتظر المشرع السوداني للبت فيها لكنها قضايا في ذات الوقت لاتحتمل المزايدات السياسية الضيقة وهي لاتعني حزبا بعينه بقدر ما تمثل هما وطنيا يعني الجميع ، لان المرحلة الحالية هي مرحلة دفع العديد من الاستحقاقات من عمر دولة السودان الحديثة لان هذه الاستحقاقات واجبة السداد ظلت مؤجلة منذ الاستقلال والقيام بها يعني الاستقرار والتنمية والسلام المستدام والتبادل السلمي للسلطة لكن التخندق عند المواقف السياسية والتمسك بالمكاسب الانية والادعاء بامتلاك الحظوة في الحل والعقد لايخدم قضايا الوطن الضيقة مثلما أنه لا يحقق في ذات الوقت الاهداف الذاتية ، فلا بد اذا من خلوص النوايا والصدق في التوجه لمرحلة هي الاخطر في تاريخ بلادنا . القضايا المركزية : القضية الاولي اتفاقية السلام الشامل (حق تقرير المصير) : لم تغفل اتفاقية السلام الشامل) CPA)القضايا المحورية لازمات السودان ولعله باتفاق الجميع من المراقبين والمهتمين بالشأن السوداني بأن هذه الاتفاقية تمثل فرصة لتقديم نموذج في المنطقة بل والعالم أجمع ليس من قبل طرفي الشراكة فحسب وإنما من كافة القوي السياسية ومنظمات المجتمع المدني وسائر شرائح المجتمع السوداني (إذ ا ان الاتفاقية ملك للجميع ) اذا كان هناك طرح جدي في التعاطي معها ويري العديد من المراقبين أن نهج الشراكة اثناء الفترة الانتقالة أهمل جوانب مهمة في النظرة الكلية للاتفاقية باعتبار أن الاتفاقية ستطبق علي الواقع السوداني بلا استثناء وبالتالي ما عادت ملكا للشريكين مثلما أنها لم تكن كذلك يوما ما ، ولذلك يعتقد البعض أن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية علي السوا لم يستثمرا المواقف المؤيدة للاتفاقية منذ التوقيع عليها من قبل القوي السياسية السودانية لاسيما (القوي المعارضة ) للمؤتمر الوطني في الشمال أو تلك التي تقول بثنائية الاتفاق وبالتالي أضاع الشريكان معا فرصة تأريخية قد لاتجود عجلة الزمان بها لأحد من بعد . بينما يرجع بعض المراقبين مواقف التأزم بين الطرفين في العديد من القضايا منذ بداية الشراكة الي أنه لم يكن امرا طبيعيا في توجهات الحركة الشعبية بل يذهبون الي أن الحركة الشعبية علي أعلي مستوياتها اتخذت موقفا استراتيجيا بالتوجه نحو تأسيس دولة جديدة في جنوب السودان بحلول أجل الاستفتاء بالرغم من ان الاتفاق يلزم الطرفين بجعل خيار الوحدة جاذبا والعمل لذلك ، فلم تكن بذلك معارك الحركة التي كانت تثيرها بانسحاب طاقمها الوزاري من الحكومة تارة وحول منطقة أبيي التي انتهت بقرارهئية التحكيم الدولي تارة اخري ،وصولا للاحداث بانسحاب نواب الحركة من المجلس الوطني (البرلمان) وانسحاب نوابها من جلسة مناقشة الميزانية في مجلس الوزراء والتضييق علي عناصر المؤتمر الوطني في الجنوب ومن قبل ذلك منع موظفي الحكومة الاتحادية من العمل في الجنوب ، بالاضافة الي تغيير كافة المناهج التعليمية في جميع المراحل والتوجه نحو المنهج اليوغندي بدلا عن المنهج القومي التعليمي المتبع في السودان وهوالامر الذي ينظر اليها المراقبون بانها سببا كافيا لمعرفة التوجه الاستراتيجي لموقف الحركة الشعبية من أمر الوحدة والانفصال ، وإلا فما هي مصلحة الحركة الشعبية التي تحكم ولايات الجنوب العشر بمفردها وتشارك في الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات تنفيذيا وتشريعيا وتأخذ 50% من البترول المنتج في الجنوب وإن لم تشارك في اي مرحلة من مراحله ، يقول المراقبون مامصلحة الحركة في خسارة كل ذلك و عدم انتهاج الحوارسبيلا لحل الملفات المتبقية سوي أن للحركة توجها أقرته وتسير عليه مهما كلفها ذلك ، أن اكبر دليل حسب المحللين علي أن للحركة قرارا إستراتيجيا هو خروج القائد الاول عن صمته وتوجييه لارادة الناخبين في الجنوب حين الاستفتاء اذا كانوا يريدون العيش احرارا في بلدهم أن يصوتوا لاستقلال جنوب السودان وهذا حديث ذو دلالة قوية ، وبالرغم من عدم التأكد من هذا التوجه علي وجه الدقة لكنه الشعور القوي والمرجح لدي أهل الحنوب الان ، ويخلص مراقبون الي أن كل الخلافات التي تتحدث عنها الحركة الشعبية ما هي الامعارك مفتعلة حين الوضع في الاعتبارالتوجه الاستراتيجي للحركة الشعبية وهو قيام دولة مستقلة في جنوب السودان وبالتالي فهي لا تبالي أن تخسر كل ما حققه لها اتفاق السلام الشامل من كسب في الشمال طالما أنها لن تساوم في توجهاتها الاستراتيجية فالتذهب الوزارات الاتحادية ومقاعد الهئية التشريعية القومية ووزارات الولايات وفرص المجالس التشريعية الولائية ومعتمديات المحليات والمفوضيات القومية واللجان السياسية العليا بين الطرفين فاليذهب كل ذلك في سبيل قيام الدولة . لكن اذا افترضنا جدلا عدم صحة ما يذهب اليه البعض من المراقبين في قراءة مواقف الحركة الشعبية والذهاب باتجاه أن ما خلص اليه الحال الان هو نتيجة (الشراكة المتشاكسة) وأن الامر كما تقول الحركة الشعبية أنها انسحبت من مؤسسات الدولة لعدم استجابة شريكها المؤتمر الوطني للايفاء بعدد من متطلبات اتفاقية السلام وهوما أثار حنقها وبالتالي ذهبت مغبونة للحديث في العلن عن توجهها للانفصال بعد أن كانت حريصة علي الوحدة الجاذبة وذلك لعدم تعاون شريكها في الاستجابة في تعديل واصدارعدد من القوانين، يقول عدد من المراقبين إن الحركة الشعبية إن كانت حريصة علي أمر الوحدة الوطنية كما تقول وتؤد أن تكذب القناعات التي بدأت تتشكل لدي الجميع بأن للحركة الشعبية توجها استراتيجيا نحو الانفصال فعليها أن تتوجه مع شريكها المؤتمر الوطني نحو الهئية التشريعية القومية (وهو أمر يستطيعه الشريكان) حسب نص الاتفاقية والدستور، لتعديل الاتفاقية فيما يتعلق بحق تقرير المصير بالاغلبية المطلوبة واقرار نص جديد يضمن الوحدة الوطنية ولا يترك مصير البلد ومصالح العباد للتجاذبات السياسية الضيقة وليس من المنطقي ولا المؤمل أن يرفض المؤتمر الوطني طرحا كهذا ، فان فعل الشريكان ذلك فانه سيكسبهما احترام الجميع علي الساحة السودانية من القوي السياسية وشرائح المجتمع السوداني كافة بل والاسرة الدولية باسرها ، إن اتفاقية السلام الشامل ليست كتابا مقدسا ، فان اراد الشريكان الخروج من الحلقة المفرقة فاليقرا الوحدة الوطنية بضمانات محددة وبشهود دوليين مثلما كان الاتفاق وبالتالي تعود الروح لاتفاقية السلام ويعود الامل للناس في وطن فيه متسع للجميع مثلما كان ، ولكن ان ذهب أهل الجنوب للاستفتاء بالروح التي تسود الان فان الانفصال لامحال أنه واقع ، بل إن البعض يقول انه عمليا قد وقع بالفعل وان الذي يجري الان ما هوالا أداء للواجب لبلوغ موعد الاستفتاء في التاسع من يناير من العام 2011 ، فيبقي علي الجميع تحمل المسوؤلية التاريخية قبل فوات الاوان. القضية الثانية : ملف دارفور: القضية المركزية الثانية هي قضية دارفور والتي شغلت السودان وقتا ليس بالقصير واتخذت مسارات سريعة وغريبة ظهر فيها البعد الدولي منذ الوهلة الاولي في العام 2003 ولايزال حراكها متفاعلا في جوانب سياسية وعدلية ويبقي التحدي في اتمام عملية سياسية شاملة تعيد الاستقرار للمنطقة ، ولكن المؤسف الان أن اللاعبين الدوليين وهم من أصبح ممسكا وموجها لمسارات القضية وليس ابناء السودان الذين أهم أعرف بقضيتهم من الغير الذي ينبغي ان يكون دوره ثانويا ، ولايات دارفور الان كما يتابع الجميع شهدت جملة من التغيرات الديمغرافية والاجتماعية نسبة لحركة النزوح والتشرد ولن يتم الاستقرار ما لم تتضافر جهود الجميع لاتمام ذلك ، ولا بد ومن الجلوس المباشر لتسوية القضايا المختلف عليها ، ولايجاد حل لقضية دارفور لابد من الجلوس بجدية ، وبكل بساطة لابد من التعامل بحذر مع اطارف اقليمية ودولية لعبت دورا في تعقيد الملف . القضية الثالثة : اكمال عملية التحول الديمقراطي وهي قضية مرتبطة بالقضيتين الاولي والثانية وهي قضية مركزية للمجتمع السياسي السوداني باسره وهي مضمنة في دستور السودان الانتقالي ، مثلما أنها ظلت مضمنة في كل الاتفاقيات التي تم التوصل اليها في السودان،السلام الشامل 2005 مع الحركة الشعبية، ابوجا 2006 بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور، اتفاق القاهرة 2006 بين الحكومة والتجمع الوطني الديمقراطي ، واتفاق شرق السودان في اكتوبر من العام 2006 في اسمرا ، مثلما أنها ظلت مضمنة في كل التفاهمات الثنائية بين القوي السياسية مثل مذكرات وتفاهمات حزب الامة القومي والمؤتمر الوطني من نداء الوطن الي التراضي الوطني ، الي ملتقيات الوفاق الوطني بين الاحزاب السياسية ، الي ملتقي أهل السودان وحتي مؤتمر جوبا الاخير، فهي بكل تاكيد قضية مركزية في الفكرالسياسي السوداني ،تنقل السودان باتمامها من الاستقطاب السياسي الحاد الي رحابت العمل الوطني المتنافس فكريا وسياسيا وتنقل الواقع الراهن من الانغلاق والتزمت الي الانفتاح والاستماع واتاحة الفرصة للاخر وفي ذلك عافية لجسد الوطن ومتنفس للافكارومقارعة للحجة بالحجة الابلغ والدليل بالدليل الاقوي والطرح بالطرح الاسمي ،وكما يقول الامام الشافعي (رأي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب ومن جاء باحسن مما قلنا قبلناه ) . خلاصة القول هنا أنه لابد من النظر لهذه القضايا مجتمعة في صعيد واحد لانها لاتحتمل التجزئة لان معالجة القضايا بشكل منفرد كثيرا ما اضر بالسودان فلا بد للجميع أن يتذكر دوما ان الملعب واحد لكنه يتسع للجميع . mamoun osman [[email protected]]