مفاجآت في ختام مجموعات الممتاز: الأمل عطبرة يهبط بعد 22 عاماً والفلاح يتأهل للنخبة    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    النفط يستقر وسط خسائر أسبوعية والذهب والفضة ينتعشان    "ميتا "تسجّل براءة اختراع لمحاكاة المستخدمين بعد وفاتهم    تطوير بطارية تُشحن خلال ثوانٍ وتصمد 12 ألف دورة    شاهد بالفيديو.. السياسي الراحل غازي سليمان: (لم أعد افرح لأن شعب السودان لم يفرح بعد وعلي الطلاق إبنتي "أم النصر" أرجل من 100 راجل)    شاهد بالصورة.. ظهرت بشعار أتلتيكو مدريد وهي تلوح بالرقم 4!! هل قصدت المذيعة السودانية سهام عمر السخرية من برشلونة بعد الهزيمة المذلة؟    بالصورة.. لأول مرة منذ 23 عام.. الأمل يودع الدوري السوداني الممتاز والحزن يخيم على عشاق كرة القدم بعطبرة    شاهد.. حسناء الفن السوداني "مونيكا" تشعل مواقع التواصل بجلسة تصوير جديدة    شاهد.. الفنان مأمون سوار الدهب بعد زواجه: (زارتني الملائكة)    اكتشاف مركبات "زائفة" تشعل نوبات الربو    دراسة: القراءة والكتابة تخفِّضان خطر الزهايمر 40%    طلاب شرق دارفور يسيرون قافلة وطنية إلى جنوب كردفان برعاية والي شرق دارفور    شاهد بالفيديو.. فنان سوداني يصل الخرطوم ويوثق لجمال وروعة صالة الوصول بالمطار ويدعو أبناء الوطن للعودة (البلد بتعمر بأهلها)    ترتيبات لإعادة تشغيل مصنع ألبان بركات وإنشاء مزرعة لتربية الماشية    من أرشيف كتابات الصحفية سهير عبدالرحيم : (هذا الصحفي كان يصلي خلف البشير من غير وضوء)    صحة الخرطوم وأطباء بلا حدود تناقشان رؤية التشغيل الكلي للقطاع الصحي بالولاية    تشغيل مصنع الاوكسجين بمستشفى الدبة المركزي    الشرطة المجتمعية بولاية سنار تدشّن قافلة دعم تكايا رمضان بولاية الخرطوم    سهير عبد الرحيم تكتب: مشاهداتي في جلسة مجلس السلم والأمن الأفريقي    النتيجة تؤهل النيل لدوري النخبة مينارتى يواصل إنتصاراته.. يفوز على الوحدة بثلاثية ويعزز صدارته للمجموعة الأولى    المريخ يبارك انتخاب رئيس إتحاد سيكافا وأعضاء اللجنة التنفيذية    مساعد قائد الجيش يكشف عن فساد وزير كبير    إبراهيم شقلاوي يكتب: مسرح ما بعد الحرب لدى يوسف عيدابي    شاهد بالفيديو.. على أنغام أغاني "الزنق".. لاعبو حي الوادي يحتفلون مع راعي الفريق ونائب رئيس إتحاد الكرة أسامة عطا المنان بمناسبة زواجه    وزارة المالية توقع إتفاق مع بنك التضامن الإسلامي لتقديم خدمة إيصالي    شاهد بالفيديو.. فتاة سودانية تبهر راغب علامة وأنغام بعد ترديدها أغنية هدى عربي في برنامج مسابقات والسلطانة تدعمها وتحتفي بها    ارتفاع في اسعار محصول الذرة واستقرار سعر السمسم بالقضارف أمس    إلغاء رحلة قطار إلى الخرطوم..إليكم تفاصيل    انطلاق دورة متخصصة لتطوير الأداء الرقمي برعاية وزير الشباب والرياضة    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    الإدارة العامة لشرطة تأمين التعدين تنفذ حملة منعية وكشفية لمكافحة التعدين العشوائي بولاية البحرالاحمر    هيئة مياه الخرطوم: تحصيل فاتورة المياه لا يشمل القطاع السكني حتى الآن    ارتفاع طفيف لأرباح زين السعودية إلى 604 ملايين في 2025    مسلسلات رمضان.. هل تقع أيتن عامر فى حب ياسر جلال فى مسلسل كلهم بيحبوا مودى    الدولار يواصل التراجع أمام الجنيه فى منتصف تعاملات اليوم    مسؤول سوداني يغادر إلى تركيا    السودان.. وزير الشباب والرياضة يصدر قرارًا    مجموعة الهلال السوداني.. صنداونز يقتنص التعادل ويبقي آمال التأهل في دوري الأبطال    أفراد من الشرطة يلقون القبض على السائق الخاص بالقائد الميداني لمليشيا الدعم السريع "جلحة" داخل "ركشة" بحي بري    هلال كوستي يدشن برامجه الثقافية بليلة ثقافية كبرى وتكريم رموز النادي والمجتمع    شاهد بالفيديو.. سرقة محل مجوهرات بشارع الوادي بأم درمان وقيمة المسروقات تقدر ب(ترليون) جنيه    محاولة أوكرانية جديدة لإفشال مفاوضات السلام بعيداً عن ارض المعركة    رفض الزوج شراء سجائر لها فقتلته.. جريمة زوجة مصرية تثير الجدل    حريق كبير في سوق شرق تشاد    رسالة أخيرة في بريد الرئيس البرهان قبل تمرد الحركات المسلحة الدارفورية    ترامب يحذر إيران: الوقت ينفد والهجوم القادم سيكون أشد    مباحث الخرطوم تعلن توجيه ضربة موجعة لمافيا السيارات..إليكم التفاصيل    تلفزيون السودان يستأنف البث المباشر من مقرّه الرئيسي    وزير الصحة: التبغ عدو الحاضر والمستقبل و فاتورته الصحية تفوق عائداته الضريبية    هل قتل السحر الأسود الإسرائيلي عبد الناصر؟.. كتاب جديد يكشف خفايا خطيرة في مصر    سباق اختراق الضاحية باكورة بطولات الاتحاد العربي لألعاب القوى    شركة اتصالات في السودان تعلن عن توقف خدمات    "مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ"!    أحمد الشاكر: انا أعجز عن شكر جميع الإخوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية    السودان..حصيلة صادمة بمرض شهير في ولايتين    إسحق أحمد فضل الله يكتب: (حديث نفس...)    "كرتي والكلاب".. ومأساة شعب!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التعددية الثقافية المثاقفة والاتصال .. بقلم: الدكتور الطيب حاج عطية
نشر في سودانيل يوم 09 - 08 - 2015

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
مثل عقد الستينات من القرن الماضي ربما ذروة مد التصدي لأدواء الاصطدام العنيف بالثقافة الغربية وما نتج عن ذلك من تراجع معرفي وفكري وثقافي. وما ارتجت المفاهيم التقليدية الراسخة مثل ما ارتجت على مدى التاريخ جراء مركب الاستعمار وطوفان ثقافته الكاسح. ولقد أغرقنا ذلك الطوفان ونحن مذهولون في هامشيتنا المركبة فنحن على أطراف عوالم الثقافة العربية الإسلامية من "ثغورها" ونحن على نطاق تلاقي الثقافات الأفريقية والعربية فنحن على حدودهما. توتر التداخل الشائك هذا ورجة الوافد العنيف وذهول المقيم وضياعه قادت مبدعي جيل الستينات في يقظتهم الأولى لصياغة مشروع حضاري تشكل عبره مشروعية وانتماء أدبهم وشعرهم وتؤطر الثقافة الثمرة لتلاقح الأفريقي والعربي. فكانت دعوة الأفروعربية وكشف النقاب عن إنسان سنار ومزجت الجغرافيا والبيئة الطبيعية في تجلياتها وتصالحت الغابة والصحراء. تجد كل ذلك في كتابات محمد عبد الحي والنور عثمان ومحمد المكي إبراهيم. وقد ظلت تلك المفاهيم المبسطة المسالمة محور جدل كثيف أبرز فرسانها رفضاً وقبولاً عبد الله علي إبراهيم وإبراهيم اسحق والشيخ حسن الترابي وغيرهم كثير. والأدبيات تعج بها الساحة، ولقد امتزج ذلك على نحو مواز مع الحوار الممتد المماثل عند مثقفي أفريقيا والعرب وبان على اتساعه فالثقافات الوطنية على اتساعي الزمان والمكان مهددة. ومفردات التداخل والتبادل والتلاقح والغزو والتعاطي والاندماج والتفاعل والتهديد والإزالة والبناء على ألسنة المثقفين وسنان أقلامهم. ذلك يوجب العودة كذلك لمصطلحي التثاقف والمثاقفة وقرينهما الاتصال.
التأثر المتبادل للثقافات استقرت مفاهيم التأثر والتبادل الثقافي على قواعد أولية مستندة على بحوث علمية قيمة أثراها تداخل علوم ومجالات بحث مختلفة عند مقرن الثقافة. فالباحثون في علوم اللغات والآداب والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الأديان وغيرهم أدلوا بدلوهم في سبر غور مفاهيم الثقافة وما اتصل بها من موضوعات ونظم مفاهيمية قاعدية وفرعية. وتنامي الوعي عند الأكاديميين بهذه التداخلية هو ما أوصلانا لدرجة معقولة من التواضع ورحابة ساحات التسامح المفهومي، وفي كلمة ليبرالية التعاطي والسعي إلى وقبول أساليب ومداخيل تقاليد بحث ومنهجية مستلة من نظم أكاديمية مغايرة. فموضوع تلاقي الثقافات، وتعايشها وتضادها والتأثرات المتبادلة بينها سلباً وإيجاباً، كانت موضوعاً للبحث في عديد العلوم، ونشأة البحوث المتداخلة جاءت من هذا. ولقد أتاحت فرص تلاقي العلوم عند مفاهيم ومصطلحات الثقافية منافذ وعرصات لجلاء الغموض وثراء من باب تعدد زوايا الرؤية وتدافع مناهج وأساليب البحث إلا أن من آثروا سلوك درب الآحادية العلمية واتبعوا نهج علم اللغات أو السوسيولوجي أو السايكلوجي أو غيرها منفرداً لم يروا من بنية فيل العميان إلا ما رأوه. ويعود فهمنا للصورة العجلى التي أعاد بها مفكرو الستينات اكتشاف أو إعادة ولادة إنسان سنار، ومن تبعهم من بعد في تبني فكرة الأفروعربية أو اندغام الغابة والصحراء هذا المنهج الأحادي الذي فيه مزيج الحلم والتمني والكيميائية المباشرة، ولادة "الأخاليط" والمركبات والأمزجة ومن عجب وبرغم الأمثلة المرئية البينة في بيئات قريبة على ضفتي مجرى الأفروعربية ظل حديث الأفروعربية واسطة جدلية تعددية ثقافات السودان فما بال مفكرين لم يتأسوا بحال الأوضاع الثقافية في أقطار المغرب العربي حيث عاد البربر في فورة غير مسبوقة ريدون ثقافته الأمازيغية لغة لهم وبمصر حيث الأقباط يذودون عن حصن إرثهم وفي أثيوبيا، حيث الدستور يمنح أمم أثيوبيا حقها في الانفصال إن شاءت وفي يوغندا وكينيا ولبنان وسوريا والعراق وموريتانيا، حقيقة في كل مكان جذوة التعدد والتنوع متقدة وناشطة وبرغم مقولة كارل ماركس القاطعة ونبوءت هالجازمة ما استطاعت أفاعيل الزمان والإنسان إطفاءها. والثقافات تعيش جنباً لجنب بالمعنى المكاني والإجرائي والافتراضي، فالصيرورة المادية أحالتها التقنيات الإلكترونية إلى ما شابه الوهم. وتتفاعل سلباً وإيجاباً. التفاعل ذاك هو التثاقف أو المثاقفة أو الرفض الثقافي وتنداح المصطلحات هنا حتى نهايات أطر ومحددات مفهومية تلتقي وتفترق وفق مجال الدراسة ومنبعها. فالتثاقف عملية التأثر المتبادل في سلمية سلباً وإيجاباً، أي أن محض التفاعل في مظهره الأولى هو تثاقف Culturation. والمثاقفة هي عملية الأخذ والعطاء والتبادل في سلمية وعن رضا ينجم عنها أن تأخذ، تضم، تتبني ثقافة معان، أطرا مفاهيمية، أساليب، ثمرات خلق فنية أو أدبية أو علمية، أو غير ذلك، ثقافة عن ثقافة. وقد لا يؤدي ذلك بالضرورة، أو أبداً، إلى بناء ثقافة مشتركة ثالثة أو إلى ذوبان ثقافة في أخرى. وما يؤخذ على مقولة "إنسان سنار" أنه بدأ كمنتج ثمرة طازجة خرجت من مخبز "محرقة" بوتقة أو ما تشاء وهي على أية حال ليست الإنسان الأول الأفريقي أو الوافد العربي، وهي مقولة محملة باحتمالات ذوبان ثقافة في الأخرى أو ابتلاعها بتغيير ملامحها حتى لا يكاد أهلها يعرفونها ولك في باب آخر في خلاسية خوزي ازنارو التي استعارها منه الشاعر المبدع محمد المكي إبراهيم أو قادم عبد الحي المبهم الذي لا يكاد يعرفه أحد، والذي يغني بلسان ويصلي بلسان أو بوهيمي المجذوب المرتدي لباس بدائي الأنثروبولوجيا الغربية النبيل خير مثل. ظن دعاة الافروعربية ظنين لا سبيل لإثباتهما على أي منهج بحثي علمي اتخذت ولا إلى تقديم مثال عيان مقنع في سيرورة التاريخ الممتد: أن ثمرات المثاقفة تقطف في أعقاب مسار زمني محسوس. أن أياً من طرفي المعادلة يمكن أن يتولى عبء صك أو إشادة الثقافة الثالثة الجديدة القديمة التي سينقل إليها خلاسيو الثقافة الجدد طوعاً. وما أظن النور أبكر حليف مكي في قرارهما التاريخي بداخل طوعاً أو كرهاً. فالمثاقفة Transculturation عملية اجتماعية فرعية ممتدة في المدى الزماني إذا توافرت أشراطها حققت التلاقح السلمي الطوعي والإيجابي. فما هي تلك المستلزمات والمقتضيات: منها قرب الثقافات، تماسهما المادي أو الافتراضي فما يحسن فرص التعرض Exposure المثمر. توافر إمكانيات الفهم والتفاهم وتنامي فرص إجلاء الغموض ومحاصرة سوء الفهم وإضاءة ظلمات الجهل وتبيان خطل الصور النمطية السالبة. معالجة الأغبان التاريخية المبررة التي تفور في الصدور وإماطة اللثام عن بوار مسلمات التحقير والإذلال والدونية من جانب وتفاهة دعاوى التعالي والغلبة من جانب آخر. السلمية، وتتأتى في حال السودان بإشاعة ثقافة السلام التي سنهيئ لها فرص الاستدامة إذا اتخذنا سبيل فض النزاع المنصف المتراضي عليه ولنا في اتفاق نيفاشا الباهر خير مثال. الاستعداد للتنازل والتسامح وقبول ما يصدر عن الآخر، على المستوى الثقافي. تفهم أنه ليست ثمة جماعة بشرية خلو من الثقافة. وأن ننفض عن أذهاننا مقولات الأنثروبولجيا الغربية عن الثقافات البدائية والثقافات الغالبة، فهذا كله مستل من ايدولوجيا الكولونيالية ورؤيتها للمجتمعات وللعالم وهي من توابع عمليات اختراق أنساقنا الفكرية والثقافية، هنا بمشروع متكامل ومركب طال منهجنا العقلي الفكري والمعرفي في صميمه، وخلخل المقومات النفسية وسار بالفنون والآداب والأذواق في خطط وطرائق أخرى. التبادلية الطوعية المتساوية التي لا تحول دون أي سبب بين أي من الأطراف وحقه بل وخيارها الحق في أن يأخذ ويسعى لأن يعطي في عملية التثاقف. أن مبدأ "الانتشار الثقافي" يجب أن يركز على ذات مفاهيم الطوعية والسلمية والتساوي في الاختيار وإتباع منهج الحقوق المستند على تعاقدية مرتضاة. أما عن الفرض الثقافي Acculturation فهو تلك العملية التي تسير على نقيض منهج المثاقفة وخطتها فهو قرين الغرض والإجبار وعدم التسامح والتعالي وإدعاء الغلبة وإنكار وازدراء موروث الآخر الثقافي، وهو المؤدي للموات والتأكسد والتخلف الثقافي. ولأن المفاهيم تنشأ وتبني في عقول البشر فإن العملية الاجتماعية المفصلية الأخرى المعروفة بالاتصال هي عماد عمليات التثاقف كافة والتأمل في معطيات عملية الاتصال الثقافي في ما يعني بأمر المثاقفة والغرض الثقافي سيضيء دياجير دروب وتعقيدات آليات التفاعل الثقافي السلبي والإيجابي.
الاتصال الثقافي والتثاقف إنه لمن نافلة القول إن نعيد القول "أن التعريفات هي مصدر ثراء وإفقار"، للدراسات الاجتماعية. ولقد اختلط حابل المفاهيم بنابله حين تناول لفظة ثقافة بالتعريف ذلك لأن التعريف الدارج بين الأكاديميين والمثقفين وافد من نسق مفاهيمي وإطار حضاري آخر، هو الإطار الغربي. وقد وفد إلى العالم العربي وأفريقيا ضمن حزمة الرؤى والمفاهيم التي جرعناها من قوارير علم الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وغيرها عندهم الجذر اللغوي لكلمة ثقافة هو الغرس أو الزراعة. ومن ثم تطور وأعيد تشكيله ليحمل بحزمة دلالات منها: من الزراعة أو عملية الزراعة على أي نحو كانت. أحداث التنمية البشرية من خلال التعليم وغيره. تتبع الأفكار وتذوق الفنون. إصلاح السلوك والذوق العام. التعرف على الفنون والإنسانيات. تبين القوالب الجمالية وتنمية القدرة على نشرها ونقلها عبر الزمان والمكان. فالفكرة المركزية للمفهوم تقوم على الغرس أو الزراعة في أرض خواء واستنبات الجديد فيها. وهذا المفهوم أتي لنا بالمبشرين يريدون نشر دينهم حيث لا دين. والاستعمار بشتى أشكاله يريد أن ينقلنا من حالة التخلف بل البدائية إلى بر أمان عالم الرقي التركي أو الأوربي، وأتي لنا بعلمه ومعرفته حيث يتوطن الجهل والجدب المعرفي جاءنا بأيديلوجياته وأنساقه الفكرية ولغاته وفنونه... دون أن يكون في كل ذلك فضاء لتفاوض أو اختيار أو تبادل أو اعتراف أو رؤية مبصرة، تماماً كما أردنا نحن أن نفعل بالثقافات الأخرى المتساكنة معنا في الوطن الواحد. في حين الجذر اللغوي لكلمة "ثقافة" في لغة الشمال العربية هو ثقف أي شذب أو قوم.. وهي تعني كذلك حذق وفهم وجود وضبط ما يحويه أو قام به وكذلك تعني ذكيا، فطنا ثابت المعرفة بما يحتاج إليه وتعني تهذيباً وتقويماً وتسوية من بعد إعوجاج وقد أخرجت جملة دلالات ومفاهيم من ما سلف ذكره، نأخذ منها: أن مضمون الثقافة لا يأتي لها من خارجها بل ينبع من الذات الإنسانية. وهو يعني الاجتهاد في التنقيب والبحث للظفر بمعاني الخير والعدل. إن المعرفة الحقة مرتبطة بما يحتاج البشر حقاً لا ظناً. إنها عملية دائبة دائمة متجددة. طالما أنه ليست ثمة معيارية ولا قياسية فالمجتمعات كلها لها ثقافاتها والناس جميعاً في الأمر سواء. من تضاد المفهومين جاء الانسياق للمفهوم الآخر ومن ثم اتخاذ ايدلوجية المستعمر المتوجهة صوب مفاهيم الغلبة والدونية وغرس الوافد مكان المتوطن. الاتصال والاتصال الثقافي يقوم على فكرة أن الرسالة (فكرة + شفرة + شكل) تنشأ مصدرها "المخزون الثقافي" للأفراد ولا تفهم إلا إذا توافر "إطار دلالي" مشترك بين من يتم بينهم الاتصال الثقافي أفراداً كانوا أو جماعات. وإذا لم تتفاوت رؤيتهم للعالم وإذا لم يزل الغموض وسوء الفهم وإذا لم تهيأ الظروف النفسية الملائمة وإذا لم تتوافر أجواء السلمية والتراضي والتسامح فلن يتم الاتصال الثقافي بالكفاءة المطلوبة وربما أدى ذلك إلى الرفض الثقافي. ونحن ندرج الفرض الثقافي والرفض الثقافي، كرد فعل له، ضمن المنظومة المؤدية للاختلاف وربما النزاع وهو كعنف هيكلي ربما قد يحدث، هيأ الأرضين المنطقية للعنف المادي فالدموي. والناس المقهورين ثقافياً يبنون مواقع وحوائط وأسواراً بينهم والثقافة المعتدية فهي وإن تحدثت إليهم فهم لا يسمعون. والتداخل والتعاطي السلمي الحميد يتأتي إذا توافرت له أشراط السلمية والتراضي وإذا بانت مكونات الاتصال الرئيسية والفرعية وأهمها في هذا المجال انقاص التشويش (Noise) إلى حدوده الدنيا واختيار الشفرة الملائمة والأفكار التي تعني المخاطب (Forms) المقبولة والمنطقية عند المتلقي. والاتصال الثقافي الحميد هو الذي يجتنب سبل الاتصال آحادي الاتجاه (Propaganda) ويتيح للأطراف فرص التبادل والمشاركة المفتوحة. فالإعلام الدائرة المشاركي هم من أهم أشراط المثاقفة والتبادل. الاتصال الأفقي يتم بين المجموعات المتجانسة المتشابهة، التي يربطها رابط ما.. النساء.. الأطفال.. المهنيون.. الرياضيون.. المزارعون إلى غير ذلك.. وتواتر التبادل المعرفي والثقافي قد يؤدي إلى خلق ثقافة فرعية ثالثة مرادفة للثقافتين.. هشة البنية في أغلب الأحيان وتضيع بين الأقدام في حال الاختلاف أو النزاع. ولأغراض غاية الانتقال التاريخي في السودان هناك حاجة لموالات أمر الاتصال الثقافي بالمدارسة والبحث وأفراد حيز لدراسات متعمقة تطرق أخرى وتنفذ من مداخل السوسيولوجي والسايكلوجي والإعلام والمعلومات وغيرها. والاتصال الثقافي حبل سري تبادلي.. تتراوح العمليات الدائمة فيه بين العفوية والتخطيط يمتاز بالاستمرارية ولا ترى له بداية ولا نهاية تتعدد فيها المصادر، وتتباين بين الأفراد والجماعات مرسلين ومتلقين. ويكون على كل أصناف الإعلام رصيفه (من منطقة إلى أخرى، جمعي، جماهيري) ويتم في إطار زماني وحيز مكاني.. ويتداخل بين مضامينه الموروث وما هو فيه التشكيل.. وما يستشرف مقبل الأزمان. وهو يتشكل وبيني حين وقوع حدث (Event) أو أحداث أحياناً دون خطة.. وحيناً ضمن ترتيب وتدبير، والمؤثرات من خلاله على مجمل عمليات التناقض والتضاد والتأثر والرفض والتبني والتعديل وغيرها. وقد تقود العملية للاختلاف فعدم الوفاق الثقافي وهو باب لشر وبيل. والاتصال الثقافي الكامل المبرأ من العيوب لا وجود له وكثير السلب يأتي من أبواب إفساد عملية التشويش للمعاني أو عدم كفاءة نظام التشفير المختار.. أو التخلف المهني من سوء البرمجة وعدم ملائمة أساليب التناول الإعلامي أو إتباع نهج الداعية الآحادي وغياب الحوار.. وكثير من هذا نراه ونسمعه في إعلامنا اليوم. وكم من الرسائل الخاطئة غير المسئولة تسببت في سد طرائق التفاهم والاعتدال. إن فرط التعددية في المحيط الثقافي، السودان (ليس بعد المجتمع) مهداً لأوضاع يعاق فيها الاتصال الثقافي الكفؤ فتكريس الخلاف إذا لم تحسن إدارته سيؤدي لا محالة للاختلاف ومن ثم النزاع فالعنف. فلا التعدد ولا التنوع الثقافي أو العرقي أو الديني أو اللغوي ولا تفاوت مستويات الناس بسبب النزاع ولا الاقتتال بل المشكلة تكمن دائماً في سوء إدارة التنوع والتعدد ولقد رأينا في التاريخ القريب كيف أن ذلك كان مصدر ثراء وبهجة لأمم عديدة. فباب المثاقفة هو إذا من مدخل الاتصال الثقافي، والنظرة الإستراتيجية والسياسات الثقافية والإعلامية والتعليم والأخرى هو عين الحكم ةوهو السبيل لتحقيق استدامة السلام الوليد وانتشاره.
خاتمة إن الاحتفاء بالمثاقفة لا يعني الترحيب ببضاعة التنميط والقولبة الكاسدة بل يعني دعم إمكانيات التفاهم المؤدي للتآخي والسلام الاجتماعي.. إن الحكمة تقتضي أن نقول أنه لا سبيل لبني آدم أن يعيشوا وهم رافلون في ترف ووفاق ووئام وسلام مثالي دائم فليس ذلك من صفات المجتمعات البشرية فالخلاف سنة إنسانية والنزاع مطلوب أحياناً.. والنفس البشرية تأبى الفوضى والنزاع الدائم والاقتتال. فالسبيل للوصول إلى هذه السكة الوسطى تأتي من خلال المثاقفة ومن خلال عقول الناس ففيها يتولد سوء الفهم وعدم الفهم المؤدي للنزاع. والاتصال الثقافي أحد مفاتيح دروب الوفاق والسلام الاجتماعي. إن الدعوة للوحدة الثقافية وهي ليست ممكنة تشيع التوتر المجتمعي فلا أحد يريد القولبة والتنميط والكل آمن ومطمئن ومرتاح وفخور بما عنده إلا أن جدلية السعي للمثاقفة والخوف وتوخي الحيطة والحذر عند الحديث عن الوحدة والهوية يمكن حسمه بأن نسعى للوحدة على مستوى المواطن ولندع كل الزهور تتفتح وتتداخل على المستوى الثقافي.
المراجع - نصر محمد عارف، الحضارة، الثقافة 1981م، المدنية، المعهد العالي للفكر الإسلامي، واشنطن. - عبد الله علي إبراهيم 1996م، الثقافة والديمقراطية في السودان، دار الأمين للنشر، الخرطوم. - روبرت دال 2000م، الديمقراطية، الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية، القاهرة. - د. حسين فهمي، قصة الأنثروبولوجيا، عالم المعرفة، الكويت 1980م. - د. الطاهر لبيب، سوسيولوجية الثقافة، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة 1987م. - مالك بن نبي، مشكلة الثقافة، دار الفكر، دمشق 1984م. - رالف لنتون، الأصول الحضارية للشخصية، دار اليقظة، بيروت، 1964م. نشرت في التعددية الثقافية الحرية والمواطنة دار سولو للنشر الخرطوم 2005م د. الطيب حاج عطية. كككككككك


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.