قرار لحكومة السودان بشأن معبر أدري    قيادي بحزب المؤتمر الوطني يحسم جدل مثير    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *هذا ما قاله لي وزير التعليم العالي والبحث العلمي ظهر اليوم*    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    والي الخرطوم يوجه وزارة التخطيط العمراني بتطبيق القوانين وتسريع إجراءات معاملات الأراضي    جهاز المخابرات العامة يدشن مبادرة العودة الطوعية للاجئين السودانيين من مصر    إكتمال فتح الطرق والشوارع الداخلية بمنطقة وسط الخرطوم    ارتفاع جديد في أسعار الوقود بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. رمى عليهم عبوة ناسفة وهرب.. جنود بالدعم السريع يضبطون مرتزق من جنوب السودان في وضع مخل مع سيدة داخل "راكوبة" بمدينة الفولة    شاهد بالفيديو.. فنان "ربابة" سوداني يثير تفاعل الجمهور بعد ترديده أغنياته الشهيرة (صورة وصوت) في حفل حاشد بالسعودية    الهلال يواجه أُماجوجو لتوسيع فارق الصدارة    شاهد بالفيديو.. داخل حرم إحدى المدارس.. والي النيل الأبيض ينفعل على وزير التربية والتعليم ويحظى بإشادة الجمهور: (لن أذهب حتى ينتهي البناء)    (أماجوجو والنقطة 54)    الأهلي يخسر من ساردية بدوري شندي    شاهد بالفيديو.. طبيب بمستشفى نيالا يشكو من انتهاكات أفراد الدعم السريع ويحكي قصة نجاته من القتل بعدما رفع أحدهم السلاح في وجهه    شراكة استراتيجية بين "الشباب والرياضة" و"الصناعة" لتمكين المبتكرين ودعم الإنتاج الشبابي    أزمة منشطات تشعل دوري أبطال إفريقيا.. الهلال السوداني يشكو نهضة بركان المغربي ل"الكاف"    برشلونة يتلقى دفعة معنوية قبل مواجهة أتلتيكو مدريد    من إيطاليا إلى بولندا.. سرقة 413 ألف قطعة شوكولاتة.. ما القصة؟    ترامب: إيران منحتنا 20 ناقلة نفط والشحن يبدأ غدًا    بوتين: روسيا مستعدة لاستضافة الألعاب الأولمبية في المستقبل    كريم عبد العزيز وفريق مطلوب عائليا يبحثون عن دولة أوروبية للتصوير الخارجى    شاهد بالصورة والفيديو.. الراقصة الحسناء "هاجر" تشعل حفل طمبور بفاصل من الرقص الاستعراضي والجمهور يتفاعل معها بطريقة هستيرية    أيهما أكثر فائدة القهوة أم عصير البرتقال صباحًا.. والكميات المناسبة    آلام الدورة ليست دائمًا طبيعية.. إشارات تكشف بطانة الرحم المهاجرة مبكرًا    فصيلة الدم تكشف احتمالية الإصابة بالسكري    السيسي للرئيس ترامب: لا أحد يمكنه وقف الحرب في المنطقة إلا أنت    "فيفا" يتّخذ موقفًا حازمًا بشأن مشاركة إيران في كأس العالم    مصر.. الدولار يقترب من 54 جنيها لأول مرة    نتفليكس تزيل الستار عن أول صورة لشخصية جو كينيدى الأب فى مسلسلها الجديد    سارة بركة: أحمد العوضى مجتهد بشكل كبير وبيحب شغله جدا    دار الأوبرا تحتفى بذكرى رحيل عبد الحليم حافظ بحفلين اليوم وغداً    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    طفح جلدي في رقبة الرئيس ترمب يثير تساؤلات حول صحته    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاعتقال التحفظي: من البدع الحادثة المنكرة


الشخ الأمين الحاج محمد احمد
من الأمور التي عمت بها البلوى، وكثرت منها الشكوى، وغفل عنها العلماء، ووجبت فيها المناصحة للحكام حبس واعتقال أعداد كبيرة من العلماء والدعاة وذوي الهيئات من المسلمين وإيداعهم السجون لسنين عديدة وأزمنة مديدة، من غير أن توجه لهم تهمة أو يقدموا إلى محاكمة، في ديار الإسلام والكفار، أخذاً بالظنة في بعض الأحيان، وتنفيذاً لما يطلبه الكفار وتعاوناً معهم، منهم من يحبس منفرداً لعدد من الأيام والشهور بل والسنين، وهذه لا تجيزها حتى القوانين الأرضية دعك عن الشريعة الإسلامية.
ومعلوم من دين الله ضرورة أن الحبس غير مشروع إلا للمجرمين والمبتدعة والزنادقة والمفسدين، وحاشا أن يكون العلماء وطلاب العلم والدعاة من هؤلاء.
لقد بين العلماء رحمهم الله المواضع التي يحل فيها حبس المسلم. قال الوزير ابن هبيرة الحنبلي رحمه الله: (الحبس غير مشروع إلا في مواضع:
أحدها: إذا سرق فقطعت يمينه، ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق: حبس ولم يقطع، (في إحدى الروايتين) [في مذهب أحمد]
الثاني: أمسك رجل رجلاً لآخر فقتله: حبس المُمْسِك حتى يموت، (في إحدى الروايتين أيضاً) [عن أحمد].
ما يراه الإمام كفَّا لفساد مفسد؛ لقوله تعالى: (وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ( [سورة صاد:38] وما يراه أبو حنيفة في قطاع الطريق، فإنه يحبسهم حتى يتوبوا، فأما الحبس على الدَّين وليس الدِّين فهو من الأمور المحدثة، وأول من حبس فيه شُريح القاضي.
وقضت السنة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان: أنه لا يحبس على الدَّين، ولكن يتلازم الخصمان .
فأما الحبس الذي هو الآن فإني لا أعرف أنه يجوز عند أحد من المسلمين. وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكنين من الوضوء والصلاة ، ويتأذون بذلك بحره وبرده. فهذا كله محدث. ولقد حرصت مراراً على فكه، فحال دونه ما قد اعتاده الناس منه، وأنا في إزالته حريص والله الموفق). [كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح للوزير عون الدين بن هبيرة الحنبلي المتوفى 560 ه ج1/38 39].
قلت: لقد أحدث وابتدع ما هو شر مما ذكر الوزير رحمه الله وأخس، حبس العلماء والدعاة وذوي الهيئات أخذاً بالظنة والأوهام والوشايات.
الأصل في شرعنا أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته لا العكس. وأنه لا يحل الأخذ بالظنة خاصة لمستوري الحال وذوي الهيئات من المسلمين. ورحم الله القائل: كم خسر الإسلام باغتيال الخليفتين الراشدين عمر وعليّ لعدم أخذهما بالظنة وكم ربح الإسلام ببقاء هذه القاعدة العظيمة.
أيها الحكام اقتدوا بالأخيار فإن التشبه بالرجال فلاح ونجاح
فعمر رضي الله عنه قال عن أبي لؤلؤة المجوسي لعنه الله ولعن من يمجده ويلقبه بأبي شجاع: لقد تهددني العلج، عندما قال له: لأصنعنَّ لك رحى يتكلم عنها من بالمشرق والمغرب. ومع ذلك لم يعتقله ولم يراقبه وهو من أصحاب الفراسات التي لا تكذب ومن المنبئين المُلْهَمِين.
وكذلك فعل أخوه الخليفة الراشد عليّ رضي الله عنه مع عبدالرحمن بن ملجم وقد ألمح إليه إلماحاً شبيها بالتصريح بقتله ومع ذلك لم يعتقله ولم يراقبه.
لقد أراد الله لهما الشهادة ليعلي درجاتهما ويرفع منزلتهما.
ينبغي لحكام المسلمين أن يقتدوا في ذلك بالخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا رسولنا وحثنا على التمسك بسنتهم. حيث قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور" الحديث.
وقال: "اقتدوا باللَّذين من بعدي" [الترمذي في المناقب وابن ماجه في المقدمة].
وبسيرة حكام السلف الأخيار نحو ما صدر عن معاوية وأبي جعفر المنصور رحمهما الله.
روى الحاكم في المستدرك: أن معاوية رضي الله عنه صعد المنبر يوم جمعة، فقال في خطبته: أيها الناس إن المال مالنا، والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية قال كذلك فلم يجبه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال كذلك: فقام إليه رجل فقال: كلا يا معاوية، ألا إنَّ المال مالنا، والفىء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بأسيافنا؛ فنزل معاوية وأرسل إلى الرجل فأدخل عليه، فقال القوم: هلك الرجل؛ ثم فتح معاوية الأبواب، فدخل عليه الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير! فقال معاوية: أيها الناس، إن هذا الرجل أحياني أحياه الله، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ستكون أئمة بعدي يقولون فلا يرد عليهم يتفاخمون في النار كما تتفاخم القردة"، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد شيئاً، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد عليَّ أحد، فقلت في نفسي: أنت من القوم، فتكلمت في الجمعة الثالثة فقام إليَّ هذا الرجل، فرد عليَّ فأحياني أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم؛ ثم أعطاه وأجازه. [رواه السيوطي في الجامع الصغير رقم: [4676] ورمز إليه بالحسن. ورواه ابن سبع في شفاء الصدور كذلك، والطبراني في معجمه الكبير والأوسط، ورواه الحافظ أبو يَعْلَى الموصلي ورجاله ثقات].
سئل الإمام أحمد رحمه الله: من أعلم مالك أو ابن أبي ذئب؟ قال: ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في بدنه، وأورع ورعاً، وأقوم بالحق من مالك عند السلطان، وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يمهله أن قال الحق.
قال له: الظلم فاشٍ ببابك، وأبو جعفر أبو جعفر!!
فوضع أبو جعفر يده على كتف ابن أبي ذئب قائلاً: لولا أنا أمنا الثغور لأسر هذا الكتف. فقال له ابن أبي ذئب: من كان قبلك كانوا يؤمنون الثغور ويعطون الناس عطاياهم. [طبقات الحنابلة لابن أبي يَعْلَى ج1/253].
وعندما سأل أبو جعفر ابن أبي ذئب عن عامله على المدينة جعفر بن سليمان، فعراه فقال العامل لأبي جعفر: سله عنك، فلما سأله عن نفسه قال له: ورَبِّ هذه البنية الكعبة إنك لجائر. فأمسك أحد الحرس بسيفه، فقال له أبو جعفر رحمه الله: دعه يا ابن اللخناء، ثم قال ابن أبي ذئب لأبي جعفر: والله إنى أنصح إليك من ابنيك.
قلت: لقد صدق ابن أبي ذئب في ذلك.
ألا رحم الله ابن أبي ذئب وأبا جعفر.
الحذر أيها الحكام من الاقتداء بالجبابرة الطغاة أو أن تحيوا سنتهم البغيضة وبدعتهم الخبيثة.
على الحكام ألا يقتدوا بالجبابرة والمتكبرين من الكفار وطغاة المسلمين أمثال عزيز مصر الذي سجن يوسف تسع سنوات أرضاءً لزوجه، وكالحجاج الطاغية والقذافي وأبي رُقَيْبَة وبن علي، وعبد الناصر، ومبارك، وحافظ الأسد وابنه عليهم من الله ما يستحقون.
قال الحافظ الكبير والمؤرخ القدير ابن كثير رحمه الله: (قال أبو عيسى الترمذي حدثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي حدثنا النضر بن شميل عن هشام بن حسان قال: احصوا ما قتل الحجاج صبراً فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً. قال الأصمعي: حدثنا أبو عاصم، عن عباد بن كثير، عن قحدم قال: أطلق سليمان ابن عبد الملك في غداة واحدة أحداً وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل :إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفاً، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابي وُجِد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول:
إذا نحن جاوزنا مدينة واسط خرينا وصلينا بغير حساب.
إلى أن قال: قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الامم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة، لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخس به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إليَّ عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدى إليَّ ما أدي إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف.
إلى أن قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنة الحجاج فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلي الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها، وكان لما سوى ذلك أضيع). [البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ج9/136].
فالحذر الحذر من الاستنان بسنة الحجاج من الأخذ بالظنة فهذا عمر بن عبد العزيز يحذر عامله من الاستنان به ولا ينبئك مثل خبير بصير.
أيها العلماء احذروا أن تكونوا أُكلتم يوم أُكِلَ الثور الأبيض، وأن تكونوا أُهنتم وذللتم يوم حبس العالم الفلاني: (اشفعوا تؤجروا)
قوام هذا الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم كما أخبرالصادق المصدوق فلا خير في العامة إن لم يقولوها، ولا خير في الحكام والأمراء إن لم يقبلوها. ورحم الله الإمام أحمد القائل: (إذا سكت العالم تقية، والجاهل لجهله فمن للحق؟!).
وينبغي للناصح ألا يعنف وللمنصوح ألا يستنكف ورحم الله الإمام المفخم والخلل المعظم، إمام أهل السنة والجماعة حين قال: لا نزال بخير ما كان في الناس من ينصح لنا، ومن قبل دعا عمر رضي الله عنه لمن نصحه قائلاً: رحم الله امرءاً أهدى إليَّ عيوبي.
أيها العلماء بادروا بالشفاعة الحسنة في إخوانكم المحبوسين المظلومين، وألحوا في ذلك، وكرروها سيما في أعتاب هذا الشهر الكريم الفضيل رمضان.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استهل شهر شعبان أكبوا على المصاحف فقرأوها، وأخذوا في زكاة أموالهم فقوا بها المسكين والضعيف على الصيام في شهر رمضان، ودعاالمسلمون مملوكيهم فحطوا عنهم ضرائب شهر رمضان، ودعت الولاة أهل السجون فمن كان عليه حد أقاموه عليه وإلا خلَّوا سبيلهم).
أيها العلماء عموماً والداخلون على الحكام ومتسنمي الوظائف الدستورية خصوصاً كيف يهدأ لكم بال، ويهنأ لكم عيش، وتقر لكم عين، ويغمض لكم جفن وإخوانكم قابعون في السجون؟ مضت على بعضهم الشهور والسنون من غير تهمة ولا محاكمة بله وبعضهم بلا تحقيق ولا مساءلة؟!
إذا كان الإمام أبو حنيفة رحمه الله شفع في جاره الذي كان يزعجه ليلاً عندما فقد ذلك الصوت المزعج وسأل عنه وعلم أنه محبوس سعى مباشرة لفك أسره.
جاء في (تاريخ بغداد) و (وفيات الأعيان) أن أبا حنيفة كان له جار إسكافي يعمل نهاره فإذا رجع إلى منزله ليلاً تعشى ثم شرب فإذا دب الشراب فيه أنشد:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وأبو حنيفة يسمع جلبته كل ليلة، وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسعس الشرطة منذ ليالٍ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكباً، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط؛ فَفُعِل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه، وقال له: ما حاجتك؟ فشفع في جاره، فقال الأمير: أطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة إلى يومناً هذا؛ فأطلقوهم أيضاً، فذهبوا.
وركب أبو حنيفة بغلته، وخرج الإسكافي معه يمشي وراءه، فقال له أبو حنيفة: يا فتى هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيراً عن حرمة الجوار،ثم تاب، ولم يعد إلى ما كان يفعل. [(تاريخ بغداد) ج13/362 363 و (وفيات الأعيان لابن خلِّكان) ج4/580 581].
أليس هؤلاء العلماء والدعاة أولى وأكثر حاجة للشفاعة من جار أبي حنيفة؟ فاشفعوا تؤجروا ولا تيأسوا وذكروا فإن الذكرى تنفع المؤمنين وتوقظ الغافلين.
أيها الحكام اتقوا الله في دينكم الذي تدينون به، وفي هؤلاء العلماء الذين هم أفضل أهل زمانكم، وفي رعاياكم، واعلموا أنكم عن كل ذلك راعون وعنهم يوم القيامة تسألون، واحذروا أن تأخذوا أحداً بالظنة واخشوا دعوة المظاليم فإنها ليست بينها وبين الله حجاب، ولها وقت تجاب:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما فعل الدعاء
جنود الليل لا تخطئ ولكن لها أجل وللأجل انقضاء
وأيقنوا أن ما أصاب بعض حكام دول الربيع العربي من الذل والهوان بعد تقدير الله عز وجل إنما هو ثمرة دعاء مظاليم كُثْر فالله يمهل ولا يهمل.
وتذكروا مقولة الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز: (إذا دعتك قدرتك لظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك ونفاد ما تأتي إليهم وبقاء ما يأتون إليك) [سير أعلام النبلاء ج5/131].
قال الأصمعي: قال يحيى بن خالد البرمكي عندما حلت بهم النكبة: (الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وفينا لمن بعدنا عبرة) [سير أعلام النبلاء للذهبي ج9/60].
وقال الذهبي: قيل: إن ولداً ليحيى قال له وهم في القيود: يا أبت بعد الأمر والنهي والأموال صرنا إلى هذا؟ قال: يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها لم يغفل الله عنها. مات يحيى مسجوناً بالرَّقة 190 ه [المصدر السابق ص60 61].
أيها الحكام اعلموا أن عدوكم هو عدو دينكم، فأعداؤكم الحقيقيون هم:
الكفار بمللهم المختلفة.
الشيعة سيما لحكام الخليج. والشيعة عازمون على تحرير مكة ودول الخليج من أيدي العرب والمسلمين لجعل هلالهم قمراً، لقد فرطتم في عراق العروبة والإسلام فالحذر أن تضيع منكم بلاد الشام وغيرها من البلدان.
المنافقون العلمانيون.
وأن العلماء وطلاب العلم والدعاة هم ردؤكم إذا جد الجد.
واعلموا والله إني لكم في هذا ناصح أمين، أكثر من أبنائكم ومستشاريكم من العلمانيين كما قال ابن أبي ذئب لأبي جعفر المنصور رحمهما الله.
فعجلوا بفك أسر المأسورين من العلماء وطلاب العلم والدعاة ومستوري الحال الذين لم تثبت ضدهم تهمة ولم يقترفوا جريرة، ولا تحرموا منهم أهليهم وذويهم وطلابهم، واستسمحوهم، وعوضوهم ما فقدوا.
اعلموا أن هؤلاء المحبوسين وإن خالفوكم في اجتهاد أن لهم عليكم رحماً وحقاً فلا تضيعوه، واحذروا الفجور في الخصومة فإن عاقبته وخيمة، وتفطنوا أن لا يكون عبدالله بن أبي ربيعة وكان وقتها مشركاً ولكنه كان عربياً ذا نخوة أرحم منكم بإخوانكم المسلمين عندما قال: لعمرو بن العاص وكان مشركاً كذلك عندما بعثتهما قريش للنجاشي ليرد المهاجرين فلم يستجب له النجاشي فقال لصاحبه عبد الله ابن أبي ربيعة: (والله لآتينه غداً، بما استأصل به خضراءهم ولأخبرنه أنهم يزعمون أن الهه الذي يعبد عيسى عبداً) فقال له: (لا تفعل فإنهم وإن كانوا خالفونا فإن لهم رحماً ولهم حقاً).
اللهم ألف بين قلوب المسلمين واهدهم سبل السلام وردنا إليك جميعاً حكاماً وعلماء وعامة رداً جميلاً. وهب مسيئنا لمحسننا وصلى الله وسلم وبارك على نبي الهدى وعلى آله وأصحابه ومن ارتضى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.