حركة/ جيش تحرير السودان لم نتلق دعوة من رئيس الوساطة السيد/ توت قلواك ولن نشارك في مفاوضات جوبا    تجمع المهنيين السودانيين: فلتُواجه تحركات فلول النظام البائد بالحزم المطلوب    حمدوك: عدد القوات السودانية العاملة في اليمن "تقلص من 15 ألفا إلى 5 آلاف"    قولوا شالوا المدرب!! .. بقلم: كمال الهدي    غياب الولاية ومحليات العاصمة .. بقلم: د. ابوبكر يوسف ابراهيم    برجاء لا تقرأ هذا المقال "برنامج 100 سؤال بقناة الهلال تصنُع واضمحلال" !! بقلم: د. عثمان الوجيه    الوطن ... وفاق الرماح الجميلة .. بقلم: د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد    سافرت /عدت : ترنيمة إلى محمد محمد خير .. بقلم: د. عبدالرحيم عبدالحليم محمد    البحرين بطلة لكأس الخليج لأول مرة في التاريخ    اجتماع لمجلس الوزراء لإجازة موازنة 2020    السودان يبدأ إجراءات العمرة لرعاياه بعد الحصول على استثناء سعودي بشأن التحويلات المالية    حمدوك يصل الخرطوم قادماً من واشنطن    تراجع غير مسبوق للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية    وزير المالية السوداني: أموال ضخمة نهبت وستعاد عاجلا او آجلا    وزيرة العمل تدشن نفرة الزكاة للخلاوى    "التربية" تلزم القطاع الخاص بفتح مراكز لتعليم الأميين    خبراء: توقيف عناصر "بوكو حرام" تهديد أمني خطير    بروفيسور ميرغني حمور في ذمة الله    وزيرة التعليم العالي توجه بتوفيق أوضاع الطلاب المشاركين في مواكب الثورة    في دور المجموعات بدوري أبطال أفريقيا: الهلال السوداني يخسر أمام الأهلي المصري بهدفين لهدف ويقيل مدربه    مُقتطف من كِتابي ريحة الموج والنوارس- من جُزئين عن دار عزّة للنشر    مدني يفتتح ورشة سياسة المنافسة ومنع الاحتكار بالخميس    توقيف إرهابيين من عناصر بوكو حرام وتسليمهم إلى تشاد    صراع ساخن على النقاط بين الفراعنة والأزرق .. فمن يكسب ؟ .. بقلم: نجيب عبدالرحيم أبو أحمد    التلاعب بسعر واوزان الخبز!! .. بقلم: د.ابوبكر يوسف ابراهيم    الناتو وساعة اختبار التضامن: "النعجة السوداء" في قِمَّة لندن.. ماكرون وأردوغان بدلاً عن ترامب! .. تحليل سياسي: د. عصام محجوب الماحي    تشكيلية سودانية تفوز بجائزة "الأمير كلاوس"    وزير الطاقة يكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    اتفاق سوداني امريكي على رفع التمثيل الدبلوماسي    اتفاق بين الخرطوم وواشنطن على رفع التمثيل الدبلوماسي    بنك السودان يسمح للمصارف بشراء واستخدام جميع حصائل الصادر    العطا: المنظومة العسكرية متماسكة ومتعاونة    أساتذة الترابي .. بقلم: الطيب النقر    تعلموا من الاستاذ محمود (1) الانسان بين التسيير والحرية .. بقلم: عصام جزولي    د. عقيل : وفاة أحمد الخير سببها التعذيب الشديد        الطاقة تكشف عن سياسة تشجيعية لمنتجي الذهب    والي الخرطوم يتفقد ضحايا حريق مصنع "السيراميك"    مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 130 في حريق شمال العاصمة السودانية    من يخلصنا من هذه الخرافات .. باسم الدين .. ؟؟ .. بقلم: حمد مدنى حمد    وفاة الفنان الشعبي المصري شعبان عبد الرحيم    حريق هائل في المنطقة الصناعية بحري يؤدي لوقوع اصابات    تدشين الحملة الجزئية لاستئصال شلل الاطفال بمعسكر ابوشوك            "دي كابريو" ينفي صلته بحرائق الأمازون    الحل في البل    مولد وراح على المريخ    الفلاح عطبرة.. تحدٍ جديد لنجوم المريخ    بعثة بلاتينيوم الزيمبابوي تصل الخرطوم لمواجهة الهلال    فرق فنية خارجية تشارك في بورتسودان عاصمة للثقافة    انفجار جسم غريب يؤدي لوفاة ثلاثة أطفال بمنطقة تنقاسي    والي كسلا يدعو للتكاتف للقضاء على حمى الضنك بالولاية    حملة تطعيم للحمى الصفراء بأمبدة    أنس فضل المولى.. إنّ الحياة من الممات قريب    وزير الثقافة يزور جناح محمود محمد طه ويبدي أسفه للحادثة التي تعرض لها    مولاَّنا نعمات.. وتعظيم سلام لنساء بلادي..    وزير الشؤون الدينية والأوقاف : الطرق الصوفية أرست التسامح وقيم المحبة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بدرالدين يوسف دفع الله السيمت


[b]المذكرة التفسيرية لعهد وميثاق الكتلة الثالثة
للسلام وحماية الحقوق الأساسية
بدرالدين يوسف دفع الله السيمت
(الجدول الأول)
الأزمة السودانية هي نصيب سكان السودان من الأزمة العالمية والأزمة العالمية ، هي أزمة جديدة، ليس للبشرية بها سابق عهد!!
الأزمة السودانية في حقيقتها، ما هي إلا صورة من ضمن صور الأشياء حولنا. ولذلك يستحيل فهمها فهما عميقا، ينفذ إلى جذورها دون أن نلقي نظرة مستأنية على صور الأشياء حولنا.
والعقلاء من الناس يدركون ، أن أزمة أي قطر من الأقطار، لا تعالج بمعزل عما يجري في العالم. ذلك أننا نعيش في قرية كوكبية متصلة المنافع، متداخلة المصالح، والمطلوب أن ينتجع أهل السودان ، من الحلول لمشاكلهم المعقدة، ما يسير منسجما ومصاقبا للطريق الذي في مواصلة السيرفيه يفتح الباب لحل مشاكل العالم.
إنه طريق المحبة والوحدة والسلام، ذلك الطريق غير المطروق الذي يبدأ بخطوة واحدة، صغيرة وضئيلة، ولكنها صحيحة وسليمة، ومأمونة العواقب.
لقد تم إعداد هذه المذكرة التفسيرية بدمج مقالين سبق أن تم نشرهما بصحيفة الراكوبة الإلكترونية، وقد كان أولهما بعنوان :" مدخل جديد على الأزمة السودانية" وثانيهما بعنوان: :" قيام كتلة ثالثة من أجل وقف سفك الدماء"
من هنا نشأت فكرة الكتلة الثالثة التي إقترحنا قيامها... لقد قمنا بتنسيق المقالين بإدخال القليل من الحذف والإضافة حسبما يقتضي حسن صياغة المذكرة التفسيرية.
إن مشكلتنا المستعصية على الحل، ليست في الأزمة السياسية، ولا الأزمة الإقتصادية، بل وليست في العنصر ولا في الدين، وإنما كل أولئك بعض مظاهرها.
إنها أزمة في عقلك، وفي عقلي، وفي ضميرك، وفي ضميري!! إنها أزمة وجود!! إنها نصيبنا من أزمة النوع البشري بأسره، وسوف نوضح تفصيل ذلك في موضعه من هذه المذكرة التفسيرية لعهد وميثاق الكتلة الثالثة للسلام وحماية الحقوق الأساسية، والذي لا نريد له أن يكون وعظا تقليديا، وإنما نريد له أن يكون مدخلا في بحث أصل المشكلة السودانية، وردها إلى أصلها الأصيل في مأساة الإنسان وبؤسه وضياعه، ثم إنتجاع الحل الصحيح الذي يقتضيه حكم الوقت الحاضر والذي هو في كلمة واحدة: ( السلام)
العهد الحاضر لم يخلق مشكلة الجنوب ولكنه أجج نيرانها
وعمق عداواتها، وحولها إلى حرب دينية عقائدية جاهلية
غني عن البيان، أن العهد الحاضر، لم يخلق مشكلة الجنوب، فهي مشكلة قديمة، متعددة الجوانب، وقد ساهم في تعقيد حبالها ، وتطاول عهدها، جميع نظم الحكم التي تعاقبت في البلاد، والتي عجزت عجزا بائنا، عن فهم الخلافات الدينية والثقافية والاجتماعية والإقتصادية والعرقية، بين أقاليم السودان المختلفة، وبصفة خاصة الإقليم الجنوبي.
ثم سارت تلك النظم، في طريق خاطئ، لم ينكر حق الجنوبيين، في الحكم الذاتي الإقليمي الفدرالي ، فحسب، وإنما لجأ إلى الإعتماد على السلاح، ومقابلة العنف بعنف أشد، على أيام العهد العسكري الأول (1958- 1964) .
بفضل قيام ثورة عاطفية شعبية، في أكتوبر 1964، بدأ السودانيون ينظرون بشئ من العمق إلى مسألة الجنوب، فتم عقد مؤتمر المائدة المستديرة في مارس 1965.
إلى مؤتمر المائدة المستديرة، ترجع فضيلة الإعتراف بأن القوة العسكرية ليست حلا لمشكلة إنسانية حيوية مثل مشكلة الجنوب، كما ترجع إليه أيضا فضيلة الإقرار بفشل تجارب الماضي... كذلك يحمد لذلك المؤتمر العظيم إدراكه للفوارق العرقية واللغوية والثقافية بين سكان الشمال وسكان الجنوب، ومحاولاته وضع حلول تسير في سبيل يختلف عن السبيل القديم.
إلا أن الأحزاب التي تعاقبت على السلطة، لم تسر علي هدي توصيات مؤتمر المائدة المستديرة، وإنما سارت في طريق متخبط ، وظلت تضرب ذات اليمين وذات الشمال، طيلة أيام الديمقراطية الثانية في الفترة فيما بين (1964- 1969)
بدخول العهد العسكري الثاني (1969- 1985) جرت محاولات للحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان في عام 1972، بإبرام إتفاقية أديس أبابا، إلا أن تلك الإتفاقية قد إنتهت إلى الفشل... ذلك الفشل الذي تمادى إلى إعلان النظام العسكري لقوانين سبتمبر، والتي شوهت وجه الدين الإسلامي الحنيف، ولم يكن ذلك النظام يبتغي من تطبيقه المزيف لمصطلح الحدود الشرعية، سوى التنكيل بالمعارضين السياسيين، وإذلال الشعب وإهانته بالجلد والقطع والبتر والقتل.
هذا الوضع المزري ، هدد الوحدة الوطنية، وأدى إلى الفشل النهائي لإتفاقية أديس أبابا، والتي تنكر لها ذلك النظام العسكري، ثم تمادى في التطبيق المزري الخاطئ، لماسمي بالحدود الشرعية هذا فضلا عن أن الإتفاقية نفسها، قد قصرت همها على الإقليم الجنوبي، ولم تمد بصرها إلى بقية الأقاليم (الشرقي والشمالي والغربي والأوسط)
ولم تكن الديمقراطية الثالثة (1985– 1989) أسعد حظا، من الديمقراطية الثانية، فقد بدت أعراض البؤس الثقافي والإفلاس الفكري، واضحة وجلية في مجتمعاتنا، فتجمعت عواصف الهوس الديني، وخلا الجو لفرسانها، فطلبوا الطعان وحدهم والنزال ... حتى قاموا بتدبير إنقلاب عسكري في يونيو 1989 صاروا به هم الحكام والقضاة والشرطة، وهم الأدباء والمفكرون الذين ينتهي عندهم رأي كل ذي رأي، وهم التجار والرأسماليون الذين يكنزون الذهب والفضة، وهم المالكون والمساهمون والمودعون فيما يسمى بالبنوك الإسلامية التي تتعامل بالربا أضعافا مضاعفة، بل بالسحت أيضا، ولكن تحت أسماء مستعارة من الأرشيف القديم لفقهاء السلطان، وتفصيل ذلك حاضر وعتيد.. بإختصار صاروا هم كل شئ، وصار الشعب كما مهملا وأغلبية صامتة.
ولا بد أن الناس في السودان، ما زالوا يذكرون كيف أن العهد الراهن، قد عقد مشكلة الجنوب، وأجج نيرانها، وأخرجها من محتواها القديم، بإعلانه الجهاد الإسلامي، على المواطنين البؤساء في جنوب السودان، وسوقه للأيفاع وللمراهقين، لموارد الهلاك.
تم سفك الدماء في غير رحمة، في ميادين الوغى المسماة بساحات الفداء، في أكبر بدعة دينية، عرفها تاريخ الإسلام ، بدعة زواج الحور العين في عرس الشهيد... وإننا لا نعلم أن ابتذال معاني الدين الرفيعة، قد تدنى إلى هذا الدرك، في إي وقت من الأوقات.
إنه أمر لا يخالف تعاليم الإسلام فحسب، وإنما يخالف كل الأعراف المعروفة، وكل مقتضيات الذوق السليم والحزن النبيل، في إحترام حرمة الموتى، وتقدير مشاعر ذويهم .
لقد تم كل هذا، في غفلة تامة، عن التطورات الهائلة، التي تجري في العالم حولنا، والتي تطلب فهما عميقا للإسلام ، يستوعب طاقاتها، ويلبي طموحات وأشواق الإنسانية المعاصرة، والتي هي أبدا في صيرورة وتسام.
إنها قرية كوكبية ليس للبشرية بها سابق عهد
لا بد من التوكيد على، أننا نعيش في مجتمع كوكبي، مترابط المصالح، تعمره بشرية واحدة، متحدة الأغراض، بدأت تثبت أقدامها في الطريق الصاعد نحو الوحدة، والعيش في سلام، وإن فرق بينها إختلاف الأديان والأعراق واللغات، والنعرات الوطنية، والحروب الإقليمية، والمستويات المتباينة في التعليم والتحضر، والصراعات بين "العندهم" و "الماعندهم" .
ومن المفارقات الأليمة، شديدة الوقع على النفوس، أن السودان قد كان يسير منذ وقت بعيد في الطريق المنحدر إلى مزالق الهمجية والحروب بدلا عن الطريق الصاعد نحو الوحدة والحرية والسلام .
وقد بلغت ذروة ذلك التردي في إعلان سلطة مايو لقوانين سبتمبر، وما صحبها من ظلام وهرج، وهوس ديني، هدد الوحدة الوطنية،وأهدر الحقوق الأساسية، ومهد إلى وقوع الإنقلاب العسكري الثالث في يونيو 1989، عن طريق التمويه والبطش والفتك، وإستغلال للدين لأغراض السياسة، مما جعل الأقوياء يقاومون بالسلاح ، والضعفاء يتملقون بالنفاق، وليس في أيهما خير، وإنما كان فيهما وبهما، سود العواقب، على الأخلاق السودانية، المعروفة بأصالتها ومستواها الراقي الرفيع.
وقد تم تتويج كل تخبط العهد الراهن بفصل الجنوب عن الشمال، والذي يجب أن تتحمل ما يسمى بالحركة الإسلامية، ومن ورائها مسئولو العهد الراهن وحدهم عواقبه الوخيمة... وهذا بالطبع لا يعفينا من المسئولية، إذ أننا جميعنا نتحمل مسئولية بقاء هذا العهد لأكثر من عشرين عاما... فكما تكونوا يولى عليكم، فما العهد الحاضر، في حقيقة الأمر، إلا حصاد جهلنا، وإلا ثمرة غفلتنا: " وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"
لقد أغفل الكثيرون منا ، الحاجة الماسة لتطوير شرائعنا، من أجل إستيعاب طاقات المجمتع الإنساني ... لقد أغفل الكثيرون منا اننا نعيش في قرية كوكبية!! وأيسر ما يطلب من سكان القرية، أن يتعايشوا في سلام وفي إتحاد ، إن لم نقل أن يعيشوا في سلام.. هذا الوضع الكوكبي جعل حاجة البشرية للسلام، حاجة حياة أو موت.
لهذا السبب العتيد، فإن أي حل لأية مشكلة إقليمية، يجب أن يكون على خط السلام!! ذلك الخط اللاحب، الذي بمواصلة السير فيه، نقف عل أعتاب مشارق النور، ومشارف الحرية، حيث يوجد حل مشاكل البشر جميعا، في العيش في محبة ومودة تتم فيهما وبهما ، رعاية رحم الإنسانية الواحد.
هذه الكرة الأرضية ، هي أرضنا جميعا، فمن رحم أمنا الأرض خلقنا ، وفيه نعود ومنه نخرج تارة أخرى، كما هو مقرر دينا وعقلا وعلما، ولكن الأهواء والمصالح الإقليمية والعقائدية ، منعت البشر، من النظرة الرحيبة الصحيحة، والتي كانت وماتزال تحتم علينا العيش في سلام، كان حتما على ربك مقضيا.
والسلام لا يجئ عن طريق الحرب، والمودة لا تجئ عن طريق العنف، لأن الغاية السامية السليمة، لا يتوسل إليها بالوسيلة الوضيعة الخاطئة، ففاقد الشئ لا يعطيه، وإنك لا تجني من الشوك العنب... وليس هناك وسيلة وضيعة وخاطئة ، أكثر من وسيلة الحرب، وسفك الإنسان لدم أخيه الإنسان.
نحن نعيش في قرية كوكبية ، ليس للبشرية بها سابق عهد، ولذلك فإن الحلول القديمة لا تجدي فتيلا، فلا بد من إنتهاج طريق جديد، طريق غير مطروق!! طريق المحبة، ونبذ العنف وإلى الأبد... وهذا لايتسنى لنا إلا بنظرة جديدة جريئة ثاقبة تنفذ إلى أصل الداء.
لماذا نقول إنها أزمة ليس للبشرية بها سابق عهد؟
أزمة جديدة ليس للبشرية بها سابق عهد
إن الأزمة الراهنة، علي التحقيق، أزمة جديدة، ليس للبشرية بها سابق عهد!! وسبب ذلك يرجع إلى اعتبارات عديدة، نجملها في ست مسائل :
أولها:
أن البشرية قد صارت قادرة على إفناء نفسها
إن البشرية اليوم قد صارت قادرة، علي إفناء نفسها، بل قد أضحت قادرة علي تدمير كل صور الحياة، علي ظهر هذا الكوكب الجميل، بما تمتلك من أسلحة رهيبة... ذرية، وكيمائية وبيولوجية... الخ
هذه الأسلحة الرهيبة يملكها إنسان، لا يختلف في حالته النفسية من إنسان الغابة البدائي، فهو ما زال قاسيا، شرسا، حقودا، منتقما!! ثم هو خداع، ختار ماكر!!
هذا الوضع، بهذه الصورة، هو أمر جديد تماما لم يتفق للبشرية عبر تأريخها الطويل.
وثانيها
إن القتل قد صار مبررا تبريرا كاملا ، أيدولوجيا وفكريا ، ودينيا ، وعقائديا ، وقوميا ، ووطنيا، وعرقيا
إن البشر عبر العصور، كانوا يفتكون ببعضهم بعضا، وكانوا يسفكون دماءهم، ويعللون ذلك بأسباب شتي، ولكن لم يتفق للبشر أن فلسفوا القتل، وبرروا سفك الدماء، تبريرا إيديولوجيا وعقائديا، انتظم الملايين، مثل ما اتفق لهم، في القرن الماضي، القرن العشرين.
كما هو معلوم فان العقيدة الشيوعية قد اجتاحت بحد السلاح، وبعنف لا يعرف الرحمة الصين وما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي، ومنظومة دول الكتلة الشرقية. كل ذلك القتل الذريع، كان مبررا تبريرا فكريا!! وقل مثل هذا في النازية، و الفاشية وما إليهما، من النظريات التي تبرر سفك الدماء، باسم العنصر، أو الحزب، أو الدولة.
ولا يظنن ظان أن الدول الغربية، تختلف عن هذا، حيث أن الاختلاف في المقدار فقط!! فالدول الغربية أيضا تؤمن بالعنف، وتبرره، وتجيش الجيوش، وتنفق علي أدوات الحرب أضعاف ما تنفق علي وسائل التعمير، بل إن الشكل الراهن لكل دولة، من الدول القائمة الآن، قد تشكل بحد السلاح.
واخيرا وجد العنف تبريرا دينيا علي يد الحركات الدينية المتطرفة، وخاصة الإسلامية منها حتى أننا نجد الناس، في مطلع القرن الحادي والعشرين، يمجدون سفك الدماء، ويحللون الانتحار، ويظنون أن ذلك سيورثهم جنات الخلد والنعيم!! وقد جاز هذا المنطق السطحي، ليس علي المراهقين والأيفاع، فحسب، وانما علي أناس يحسبون علي العلم والثقافة، من أساتذة جامعات، وأطباء وعلماء ورجال قانون!! وما أظن أن البشرية، قد تردت إلى هذا الدرك السحيق، في يوم من الأيام.
لعل أمثلنا طريقة يقول بالحرب الدفاعية، والحرب الوقائية، وإن محاربة الاحتلال، يبرر العنف، وهذا أيضا، ضلال بعيد!! لأن فكرة الحرب من حيث هي فكرة خاطئة، لاعتبارات كثيرة، منها أن المنتصر، إنما انتصر بسفك دم شقيقه، ودم شقيقته، بل بسفك دم أبيه ودم أمه!! إن الذي يكسب الحرب هو الخاسر، لأنه إنما كسبها بسفك دم أخيه، والى هذا المعنى الرفيع وردت الإشارة اللطيفة في القول المبارك: " فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله فأصبح من الخاسرين " سمي القاتل الذي كسب المعركة خاسرا!!
إننا قد ذهلنا عن هذه الحقيقة البسيطة ، لأن الأمد قد طال علينا، فقست قلوبنا، فنسينا أننا أبناء أب واحد وأم واحدة... ولقد زين لنا قتل أولادنا في ساحات الوغى، شركاؤنا من فلاسفتنا ومفكرينا: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم"
إن ايسر حجة ضد الحرب الدفاعية، هي إن الدفاع يقود إلى الهجوم، لأن الهجوم هو أحسن وسائل الدفاع، كما هو معلوم. هذا هو السر في أن حروبنا الدفاعية، عبر القرون، لم تؤد إلى وقف، الحرب وانما أدت إلى المزيد من الحروب، والمزيد من الإحن والضغائن!! وهذا هو السر في أن العارفين منا، لا يدافعون عن أنفسهم، ولا يدعون غيرهم يدافع عنهم!!
ألم يزجر المسيح بطرس، عندما هم بالدفاع عنه!! ألم يقل له: " من أخذ بالسيف، بالسيف يؤخذ " ألم يأمر النبي الكريم محمد أصحابه بعدم حراسته غداة نزل عليه القول المبارك: " والله يعصمك من الناس"
ولا يطعن في هذا التقرير ما سفك من دماء، في الجهاد الإسلامي على أيام النبي الكريم، لأن محمدا الحكيم، جهز أصحابه بجهازهم، ورد إليهم شريعتهم جزاء وفاقا، ثم أعتصم هو بالحق المبين، جالسا علي عريشه، متوكلا علي ربه، مغمدا سيفه في جفيره، غير هياب ولا وجل، معلنا في خطبة الوداع، نهاية مرحلة الجهاد بالسيف بقوله عليه السلام: "فإن ترخص أحد بقتال رسول الله، فقولوا له إن الله قد أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم" وهذا الإذن واضح في قوله: " فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"
والآن فإنه من حق الشعب السوداني أن يسأل حكامه: من أذن لهم بسفك دماء الأبرياء؟ وهل قتلهم مثل قتل الله؟ وهل رميهم مثل رمي رسول الله؟
إن تبرير القتل، تبريرا فكريا وعقائديا، ينظر له الفلاسفة والمفكرون، وأساتذة الجامعات ويساق فيه الناس، سوق السوام بالملايين، هو أمر ليس للبشرية به سابق عهد!!
وثالثها:
زيادة حجم الفجوة بين تطور العلم المادي وتخلف الفكرالديني ، زيادة إتسع فيها الخرق على الراتق
إن العلم المادي قد قفز قفزات هائلات، في القرن العشرين، وبصورة خاصة في العقدين، الأخيرين منه، وبالذات في مجال الكمبيوتر والتقنية الحديثة في المعلومات والاتصالات وعلوم الفضاء، وعلوم الأحياء، وما صحب ذلك من استكشاف أسرار الخلية الحية والجينات وفك رموزها، حتى أفضى ذلك إلى استنساخ الحيوانات العليا، وبات من الثابت نظريا، إمكانية استنساخ الإنسان نفسه، بل إن بعضهم زعم أن ذلك قد تم بالفعل. إن هذه التطورات المذهلة لم تكن، في الحسبان، قبل ربع قرن من الزمان، دع عنك القرن السابع الميلادي!!
إن هذه القفزة العملاقة، قد زادت، في حجم الفجوة الكبيرة، بين العلم المادي، والفكر الديني، والتي بدأت منذ يوم أثبت العلم كروية الأرض، ودورانها حول نفسها وحول الشمس، وما تلا ذلك من كشوفات علمية، بلغت ذروتها في تفتيت النواة المادية ذاتها!!
لقد استطاع العلم المادي، إبان الثلاثة قرون الماضية، أن يزلزل أركان العقائد الدينية التقليدية، ولكن العقائد استطاعت بصورة من الصور مجاراة التطور بالتنازل وتعديل المعتقدات تارة، وبالحيل الفقهية وتقليب الأمور تارة أخرى، فإذا أعيتها الحيلة لجأت أحيانا إلى الدبلوماسية وأنصاف الحلول، أو غفلت عما يجرى في أغلب الأحيان، وهذا هو عين ما حدث للفكر الديني طيلة القرون الثلاثة الماضية، حيث كان الفكر الديني غافلا يغط في ثبات عميق، معزولا عن تيار التطور، وحركة الحياة، في العلم والثقافة، وفي السياسة والاقتصاد والاجتماع...
ثم انتهي الغرب، إلى تحجيم دور الكنيسة وعزلها عن تيار الحياة، بعد أن ثبت دجل القائمين علي أمرها، وتهاوت كواكب ليلهم في محاكم التفتيش، وصكوك الغفران.
أما العالم الإسلامي فقد كان يعيش تمزقا وتخلفا فكريا، تحت قيادة الخلافة التركية، والتي يكفي أنها عرفت باسم " رجل أوربا المريض!! ".
من ناحية أخرى، فان الأديان الشرقية في الهند والشرق الأقصى لم تكن اسعد حالا حيث أنها ظلت مقيمة علي القديم. بمعني آخر فان جميع الأديان، كانت تنام في سبات عميق!!
إن الفجوة بين العلم والدين، لم تبلغ هذا المبلغ، في يوم من الأيام، وهذا أمر ليس للبشرية به سابق عهد.
ورابعها
ظهور الوجه السلبي للعلم، وتلويث البيئة، تلويثا ، لم يسبق له مثيل
لقد كان العلم المادي، خيرا وبركة، زادت به الحياة جمالا وبهاء، إلا أن محاسنه، قد عدتها العوادي.
لقد أفرزت المخلفات الصناعية، والنفايات النووية، قوي سالبة، ألحقت تلوثا للبيئة ليس للبشرية به سابق عهد.
شهد الناس في أخريات القرن العشرين، تدميرا هائلا لكثير من الغابات الجميلة، وإفسادا للمياه العذبة، وزحفا صحراويا ماحقا، وتهديدا لكثير من الأحياء البرية والمائية بالانقراض، بل انقرض بعضها.
لم يسلم من الأذى طبقات الجو العليا، مما أدي إلى خلل في مناخ وجغرافية الأرض، تمثل في الفيضانات، والزلازل، وارتفاع درجات حرارة الكوكب، فوق المعدلات المعهودة.
فوق هذا وذاك، اكتظت مدننا الجميلة، بالملايين من الفقراء، الذين يعيشون علي حواشيها، عيشة مذلة مهينة، في أكواخ بئيسة!! وقد تمخض كل أولئك عن أزمات صحية وتنظيمية، فضلا عما هو مشاهد من خلل اجتماعي رهيب، لا سيما في ما يعرف بدول العالم الثالث.
هذا التلوث البيئي، وما صحبه من كوارث، أمر جديد، كل الجدة، ليس للبشرية به سابق عهد .
وخامسها:
الأزمة المالية العالمية، كارثة لا أخت لها
لم يشهد العالم في تاريخه الطويل، أزمة مثل تلك الأزمة المالية التي نعيشها الآن، والتي باغتت العالم بصورة عنيفة ومفاجئة، إنهارت تحت ضرباتها ، حصون أسواق المال، مما كشف وهن النظام المالي العالمي، مؤرخا بذلك بداية الإنهيار الشامل للنظام الرأسمالي، بصورة غير مسبوقة، ومازال الناس والإقتصاديون يبحثون عن جبل يعصمهم من الماء.
وسادسها
إن ما سمي بالصحوة الإسلامية، هو مجرد كابوس مزعج لم تحلم البشرية بمثله في تاريخ نومها الطويل
ببزوغ شمس الحياة الحديثة في القرن العشرين، بات من المستحيل، استمرار نوم النائمين، فان إنفلاق الذرة قد أيقظ الحجر والمدر، دع عنك أهل الأديان!! فهب أهل الأديان، من جميع الملل والنحل، هبوا مذعورين، فظنها الكثيرون صحوة!! ولكنها لم تكن صحوة، وانما هو كابوس أحلام النائمين!! تمثل هذا الكابوس في عودة الغرب المسيحي، إلى مؤسساته التقليدية، مع تطلعات لتلقيحها بالديانات الشرقية، فازدهر مرة أخرى، الكثير مما سمي بالحركات الروحية، والتي زحمت آفاق الناس في القرن العشرين، ولكن سرعان ما تحول جلها إلى كهانة ودجل، و جمعيات وطوائف سرية، أودت بحياة بعض أعضائها، وأهدرت وقت الإنسانية الثمين دون طائل.
في غمار هذه الحيرة والقلق والاضطراب، برز ما سمي بالحركة الإسلامية، وقد ظن روادها الأولون، انهم قادرون علي رأب الصدع.
لم يكن الأمر بتلك البساطة، فقد استجدت مستجدات، ليس في السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، والعلم المادي فحسب، وانما في عقل الإنسان، وفي ضميره وفي وجدانه!! بل في كيانه الروحي، المتطلع إلى العالم الأسنى، حيث الحرية!! وحيث الحق!! وحيث الكمال!! وقد كانت الحركة التقليدية الإسلامية، عاطلة من كل أولئك!! وهي باعترافها ليس لها تجربة في مجال الروح، والمشاعر الدقيقة المستكنة في الأعماق... فهي كانت ولا تزال تنكر إمكانية لقاء الله للإنسان في الحياة الدنيا، وامكانية عروج الكائن البشرى في المراقي، واستمتاعه بحريته وفرديته المستقلة، وتنعمه في ملكوته، في مجد وبهاء، وفي استقلال مبرأ من التقليد!! بل إنها، علي طول المدى، ومنذ أيام المسيح، وأيام الحلاج، بل منذ أيام آزر والد إبراهيم الخليل، كانت تعتبر الإشراق الروحي ضربا من ضروب الإلحاد ، لا يعاقب عليه إلا بالقتل الذريع، صلبا ورجما، أو الإهمال إعراضا وهجرا!! لقد تدهور الفكر الإسلامي، حتى غدا علي أيدي الكثيرين وريثا شرعيا لآزر، ناحت أصنام العقائد والتصورات: " لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا " أليس هذا هو الأسلوب المفضل للكثيرين منا؟!
لا نريد هنا أن نشق علي الحركة الإسلامية، فنكلفها بما لا تستطيع، حيث أنها قد قصرت تقصيرا بائنا فيما تستطيع!! فهي لم تقم بدراسة التراث البشرى والتاريخ الإسلامي، بل لم تدرس أحكام الشريعة ذاتها، دراسة واعية، تفضي بها إلى إدراك، حاجات المجتمع الإنساني المعاصر في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
إذن نحن أمام، حركة تجهل جوهر الدين، كما تجهل حاجة العصر، ومع هذا فإنها تستطيع تحريك الملايين، من المتعلمين، ومن غير المتعلمين، وهي تستعين في ذلك، بوسائل الإعلام والدعاية الحديثة، وبجيش من خريجي الجامعات، بل من أساتيذها أيضا!! نحن هنا لا نتحدث عن حركة بعينها، وانما نتحدث، عن جميع الفرق الدينية التقليدية الإسلامية القائمة على القديم، دون إعادة نظر، ومن غير هدي، ولا كتاب منير، أعني من غير إشراق، ينير دروب الكتاب القديم... وعلى راس هذه الفرقة فرقة الحركة الإسلامية التي تحكم السودان اليوم، بطريقة لا هي علمانية ولا هي دينية، وإنما هي تخليط لا يستقيم، إتسم بالفساد الإداري والمالي وإستغلال نفوذ لأقصى الحدود.
لم يحدث في تاريخ البشرية الطويل أن واجه الناس، دعاة من غير تفويض من الله!! لقد كان كل الرسل السابقين، يقولون انهم مفوضون من عند الله، صدق الناس ذلك أم لم يصدقوه!! أما أن تمتلئ الدنيا، بآلاف وملايين الدعاة، بتفويض من عند أنفسهم، فهو أمر جديد كل الجدة.
ليس للبشرية، علي التحقيق، سابق عهد بمثل هذا الجهل المنظم النشيط،!! وليت الأمر قد وقف عند هذا الحد، فقد غمرت موجة الهوس الديني العالم الإسلامي، وسود ظلامها وجه البسيطة، ثم أخيرا لجأ الهوس الديني إلى سلاحه القديم...سلاح العنف والإرهاب، وأعلن الجهاد، فالجم كل لسان، وأسكت كل صوت، حتى غدا كثير من المفكرين اليساريين السابقين، مجرد أدوات تسبح بحمد القوى الرجعية.
ثم تطور الأمر فتمكن الإسلاميون من الاستيلاء على السلطة الزمنية في بعض البلدان، و التأثير على الشارع الإسلامي في كل أرجاء المعمورة، فباغتوا شعوبهم بعنف غير معهود، بدأ بالأيدي، والأسلحة البيضاء، والكراسي والسيخ ثم تطور إلى القنابل، والدبابات، والطائرات، فداسوا، بالحمية حمية الجاهلية، علي حقوق الإنسان، وسفكوا دماء الأبرياء، وأفسدوا في الأرض، ولكنهم ما شعروا بذلك: " ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون"
لقد غمر الهوس الديني السهول والوديان، حتى أثر على المستوى الفكري والثقافي للمتعلمين من أبناء المسلمين... إلا ترى أن عقولهم قد دهاها المحاق، ألا تري فهومهم، قد غدت سطحية !! اليست الكثرة الكثيرة فيهم عنصرية وسلفية؟ الا ترى المعارضة تحمل السلاح مثلها مثل الحكومة الباغية؟ من قاد المقاومة المسلحة في ليبيا؟ وأي قوى تقاوم الآن في سوريا وفي اليمن ؟
بالطبع نحن لا نريد بقاء تلك النظم الباغية، ولكن الحذق والحصافة يقتضيان أن نتأمل فيما حولنا ، قبل أن نقفز في الظلام... ألم يصوت المصريون والتونسيون بمحض إختيارهم لصالح القوى السلفية الممعنة في الرجعية من خلال إنتخابات حرة ومراقبة؟... هذه الأوضاع المؤسفة هي النتيجة الطبيعية للتدهور والخمول الذي أصاب العقل الجمعي الإسلامي... ألم يقل النبي الأمين: " كما تكونوا يولى عليكم" أليس هذا هو القانون الطبيعي؟ بلي هو.
لقد إستفحلت موجة الهوس الديني منذ تفجيرات 11سبتمبر، وما سبقه من مآسي... لهذا السبب قررت أمم المدنية الغربية، مواجهة العنف بالعنف، والإرهاب، بالإرهاب، فدخلت البشرية في نفق مظلم.
إن هذا الوضع، لو كتب له الاستمرار- لا قضي الله ولا قدر- فانه علي التحقيق، سوف يفضي، إلى تدمير العالم، فان الحرب الذرية إذا نشبت، فإنها لاتبقي ولا تذر!!
إن اللجوء إلى العنف، ليس خطأ، الدعوة الإسلامية السلفية وحدها، وانما هو أيضا خطأ الواعين من البشر الذين يرون مقاومة العنف بالعنف والنار بالمزيد من النار.
بكل أسف فإن البشرية قد اختارت المضي قدما، وبخطوات حثيثة في الطريق الخاطئ!! طريق الظلام، طريق الدمار والحرب.
إن العالم اليوم، وعلى الأخص سوداننا الحبيب،يقف علي حافة الهاوية، وعلي شفا حفرة من النار، وهو أمر ليس للبشرية به سابق عهد، ومن ثم ليس للسودان به سابق عهد.
حل الأزمة الراهنة يجب أن يكون حلا جذريا ليس للبشرية به سابق عهد
إذا كان ما قررناه صحيحا، وهو لابد أن يكون صحيحا - لأننا لم نقرر رأينا وإنما وصفنا الأمر الواقع- فان ذلك سيكون له أبعد المدى، في تغيير مسار حركة البشر، تغييرا جذريا وشاملا.
إن هذا يعني أن نضع الحلول القديمة جانبا، لأنها وضعت لزمان، غير زماننا، ولمشكلة غير مشكلتنا. يجب أن نقبل علي مواجهة التحدي، بأذهان مفتوحة، ومبرأة من غبار التاريخ، ثم نطرق طريقا، ما طرقه أحد قبلنا. إن مواجهة التحدي الجديد بالعقلية القديمة، لا يؤدي إلا إلى المزيد، من التعقيد والارتباك، والذي يتجسد عنفا وحربا.
هذ الذي يجري في السودان، هو عين ما يجري في بقية بلدان العالم، علي تفاوت في الحدة، وفقا لظروف كل بلد، وتبعا لطريقة معالجة سكانه للتحدي المطروح، علي مقدار ما اكتسبوه من حضارة وتمدين. إن أزمة السودان، لم يصنعها الساسة ولا قواد الجيوش، بل لم تصنعها الحركة الإسلامية، وان كانت الأخيرة قد أججت نيرانها، وزادت من تعقيدها، علي مر الأيام.
إن مشكلة السودان، هي مشكلة الكائن البشري، الذي هب من نومه مذعورا، يبحث عن نفسه، وعن حريته، وعن كماله، و يتطلع لانعتاقه من كل القيود. إن مشكلة السودان، هي مشكلة بؤس الإنسان المادي، وضياعه الروحي، وهو يتساءل في رغبة وفي رهبة: من أين جئنا؟ والي أين نحن مسوقون؟ وهل إلى خروج من سبيل؟
بل إن حديث السودانيين الطويل عن هويتهم، إنما هو بحث عن الحقيقة، أنهم يبحثون عن الله، ولكنهم لا يعلمون: " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" من حيث لايعلمون ، تشير إلى أن كل من لا يعلم فهو مستدرج!! أما سنستدرجهم، فإنها تعني نجعلهم يتصورون انهم يرتفعون في درجاتهم، وينفذون مشيئتهم، مع أنهم يرتفعون في درجاتنا، وينفذون مشيئتنا.
إن السلام هو الحل، وان مشكلة العالم لن تحل إلا إذا حل السلام في كل نفس بشرية، إن حل مشكلة السودان، في حل مشكلة البشرية، لأن مشكلة السودان هي مشكلة العالم.
وبالطبع فإننا لا نقصد أن ينتظر أهل السودان بأزمتهم، حتى تحل جميع أزمات العالم، ولكننا نعني، أن ينتجع أهل السودان، من الحلول، ما يسير منسجما ومصاقبا للطريق، الذي بمواصلة السير فيه، تتضح الرؤية، وينداح الطريق، المؤدي لحل مشكلة العالم.
هذا التغيير الجذري، لايتسنى لنا، إلا إذا طرحنا الماضي جانبا، ونظرنا إلى يومنا وغدنا ، بموضوعية ، وعيون مفتوحة، وعقول متقدة.
إن القرن العشرين شهد نهاية الدولة العنصرية المتعالية المتغطرسة، وشهد نهاية الدولة الأيدلوجية
المتسلطة المستبدة، فهل تشهد بواكير القرن الحادي والعشرين نهاية الدولة بشكلها الراهن؟
تمكنت الفرق الأصولية، بإختلاف مدارسها، المتدثر بلباس الوسطية منها، والذي ما زال قابعا في طالبانيته، من التأثير على الرأي العام في العالمين الإسلامي والعربي، حتى غدا مفكرونا سطحيين، يتحدثون عن كيفيات الحجاب، وشروط تطبيق الحدود، وكيفية معاملات الرجل لزوجاته الأربع، وأحكام اللحم الحلال، وجواز تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد، وتحليل الإنتحار بتفجير النفوس البريئة التي حرم الله قتلها ، إلى آخر تلك القائمة الطويلة من الجهالات، مما شوه صورة الإسلام في الغرب، تشويها عظيما ، يصعب جبر كسره.
ولا غرو في ذلك، فإن هذه الجماعات الأصولية ، ذات نسب عريق في الكبت والإرهاب، فهي سليلة فرق إسلامية قديمة عاثت في الأرض جهلا وفسادا، منذ فجر الإسلام ، ولا يحتاج العارف أن يفصل ذلك تفصيلا، فهو مبذول في مظانه ... كان كل ذلك عملا بالرأي، بعيدا عن مناهل الروح العذبة، ومنابع الخيرالثرة، المكنونة في بطون آيات القرآن الكريم، ولكن بكل أسف ، فقد ذاع كل ذلك الجهل باسم الشرع ،وتحت مظلة حاكمية الله، وسارت به الركبان.
ومن الجانب الآخر فقد إعتمد الملحدون، في تقرير كبريات حقائق الوجود،على نفس طريقة فقهاء الأديان، في الإعتماد على الرأي في فلسفاتهم ، فأوردوا البشرية موارد الذل والهوان خلف الأستار الحديدية، ومعسكرات الموت في الصقيع والجليد... وقد تم كل ذلك باسم الإشتراكية والسلام.
بفضل من الله ومنة، شهدت الإنسانية خلال القرن العشرين نهاية الدولة العنصرية المتعالية المتغطرسة ، بهزيمة النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية... ولقد كان ثمن تلك الهزيمة باهظا، جلب على البشرية أحزانا يعجز عنها الوصف، في الخوف والجوع، وفي نقص الأنفس والثمرات.
وبفضل من الله ومنة ، شهد الناس في القرن العشرين نهاية الدولة الأيدولوجية المتسلطة المستبدة، بهزيمة النظرية الماركسية ، هزيمة ساحقة في روسيا ومن لف لفها من منظومة دول الكتلة الشرقية، ومن حسن الفأل أنها قد كانت هزيمة من غير ثمن يذكر في الأنفس والثمرات، مقارنة إلى الأهوال الفظيعة، والخسائر الجسيمة ، التي تكبدتها البشرية، عند قيام الدول الشيوعية، والتي قامت على جثث الموتى، وعلى عويل الثكالى، ودموع اليتامى.
و لايظنن أحد ، أن النظرية الماركسية، ما زالت باقية في الصين... الصين اليوم دولة راسمالية غارقة في المضاربات، حتى أذنيها، ولن يمر وقت طويل، على بقاء هياكلها القديمة.
بهزيمة الدولة العنصرية المتعالية، وبهزيمة الدولة الأيدولوجية المتسلطة، فقد غابت شمس الأمم الجماعية، التي تمثل مرحلة حيوانية الإنسان، كما هو واضح من قوله: " وما من دابة في الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه، إلا أمم أمثالكم"
وإني كثير الرجاء، في أن تشهد بواكيرالقرن الحادي والعشرين، نهاية الدولة بمفهومها الراهن، والتي أظن اننا نعيش في أخريات أيامها، وقد دلنا على ذلك أزماتها المتلاحقة، ودبيب وهن الشيخوخة، في كثير من مفاصل عظامها.
لماذا لا يكون السودان الجديد بذرة شجرة الحرية والسلام وبداية جمهوريات المدن الحرة المتحدة مع المركز في شكل إدارات محلية؟
صاحب هذا القلم، كثير الرجاء في ان يتم الله نعمته، حتى يشهد الناس في بواكير القرن الحادي والعشرين، نهاية الدولة القومية الحديثة بشكلها الراهن... أعني الدولة القابضة المهيمنة، التي تنفق على أسلحة الدمار، اضعاف ما تنفق على مرافق التعمير، والتي تعاني من الخلل الإجتماعي والإقتصادي والفكري، والتي تساوم في الحرية وفي حقوق الإنسان من أجل مصالحها الخاصة،حتى إستطاع التقدميون والسلفيون، والمحافظون واللبراليون، ان يجروها إلى فظائع يندى لها الجبين، في الحروب المدمرة، في العراق، وفي لبنان ، وفي الصومال وفي أفغانستان، وما زالت بعض الدول تنتظر مصيرا قاتما جزئيا أو كليا، مباشرا، او غير مباشر، لولا أن يتدارك الله الناس بلطفه .
إن الإنسان الجديد، أعني الإنسان صاحب العقل الصافي والقلب السليم، لن يقبل العيش ، إلا في مدن حرة مستقلة ذات إدارات محلية فعالة، لا يعدو فيها دور الحكومة المركزية، دور المنسق والمنظم لشئون تلك إلإدارات.
جمهوريات المدن الحرة ، ذات الإدارات المحلية المستقلة، هو الوضع الأمثل الذي يخلف الأوضاع الحالية في الدول القومية، التي تضرب ذات اليمين ، وذات الشمال، وإني لأرجو أن يكون شمال السودان طليعة الدول التي تسير في هذا الإتجاه المستنير، وإني لأرجو أن تكون ولاية النيل الأزرق، هي الولاية التي يشرفها الله بوضع بذرة شجرة الحرية والسلام والإستقلال، ووضع أساس جمهوريات المدن الحرة، المتحدة مع المركز، في شكل إدارت محلية.
إن بعض مظاهر مثل هذه الجمهوريات، موجود في العالم الآن، وبالذات في العالم الغربي، ولكنه يحتاج إلى الكثير من الترشيد والتطوير... بالطبع فإن هذا لا يتم عفوا بمجرد الأماني، فلا بد من الفكرالخلاق المستقيم، والعمل الدؤوب المثابر، وهذا أمر لاينهض به إلا الإنسان الجديد.
حكم الوقت الحاضر يقتضي بروز السودان الجديد،
إن فصل الجنوب عن الشمال، يقتضي إعادة ترتيب ا
لبيت السوداني، وعلى أهل الشمال والوسط والغرب والشرق، أن يهبوا لإنقاذ ما تبقى من السودان... ومن خطل الرأي ، وقصور النظر، ان يظن ظان، ان الأمور ستسير كما كانت ، بعد فصل الجنوب، و كأن شيئا لم يحدث.
إن هناك الكثير من الأمور القانونية والإقتصادية والإجتماعية، تنتظر الدراسة والرأي، خصوصا أن العهد الحاضر، لم يضع أدنى إعتبار لترتيبات ما بعد إنفصال الجنوب.
إن الدعوة للسودان الجديد، هي دعوة مقبولة عند معظم السودانيين، إذا كانت تعني الدعوة لدولة مدنية، تقوم على الحقوق الأساسية وعلى المساواة بين مواطنيها... دولة تعترف حكومتها بالتعدد الإثني، والتنوع الفكري.. حكومة تعترف بالآخر، ولا تضيق بالأنماط المختلفة من البشر... حكومة رشيدة، لا تفرق بين المواطنين بسبب عقيدتهم.
السودان الجديد بهذا المعنى، هو دعوة يتطلبها حكم الوقت الحاضر، وهي دعوة تجد منا كل ترحيب وتأييد وتقدير، وأعتقد أنها تجد كل ترحيب وتقدير من كل عقلاء أهل السودان، نساء ورجالا، شيبا وشبابا، على إختلاف نحلهم ومللهم وأجناسهم... ولكننا نشدد على أن يكون أساس الدعوة السلام والمحبة، لا الحرب والبغضاء، لأن فاقد الشئ لا يعطيه.
وهذا بالطبع يستلزم ، أن يتحلى أهل السودان بالعفو والتسامح، والتسامي على جراح الماضي، ونبذ العنف، وإلى الأبد.
لا بد من ظهور ثقافة جديدة، ترتفع بها القيمة البشرية، مما سيتوجب إلغاء قوانين سبتمبر، وما فيها من تشريعات جائرة، مثل حد الردة الذي لا يعترف بحرية العقيدة، وكذلك حد السرقة وأخواته، وتفريعاته الواردة في قانون عقوبات السودان، والتشريعات الأخرى.
ولا بد في هذا المقام من الإشادة بالجزء الجنوبي من ولاية النيل الأزرق، والذي خرج عن طوق قوانين سبتمبر، وطبق أعرافه المحلية، مسجلا السبق على جميع الولايات الشمالية ، في الخروج عن بيت الطاعة ، لقوانين سبتمبر والتي هي أبعد شئ عن الإسلام.
إلا أن تلك المحاولة الرائدة قد تم إجهاضها بالحرب الدائرة اليوم، والتي نحن بسبيل العمل الجاد لوقفها وحقن دماء الأبرياء.
قوانين سبتمبر تزييف للإسلام
قوانين سبتمبر التي وضعها نفر قليل ، غير مؤهل لا في التشريع المدني، ولا في الثقافة الإسلامية، هي أكبر وثيقة تضليل رسمية، تحمل الشعب السوداني أعباءها،ردحا من الزمان.
جميع هذه التشريعات ، في حقيقتها تشريعات مرحلية، لاتقوم على اصول الإسلام الثوابت في تكريم الإنسان وإعزازه بالقيم الرفيعة... هي قطعا ليست تشريعات إسلامية، كما يروج البعض، وكما يتوهم البعض الآخر.
تسمية تشريعات القتل والصلب والرجم وقطع اليد والجلد بحدود الله، هو خطأ فادح نشأ من فهم خاطئ للإصطلاح المرحلي، الذي جاءت به السنة النبوية المطهرة ، في تسمية العقوبات البدنية الواردة في بعض آيات القرآن الكريم بالحدود.
لقد كانت تلك التسمية، ضربا من ضروب التنزل الشديد، المطوي في قوله عليه السلام: " نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم" وقد أراد الشارع الحكيم، بذلك التنزل معالجة بعض حالات الغلظة والتخلف في المجتمع القديم البدائي.
لقد وردت عبارة حدود الله، في القرآن الكريم أربع عشرة مرة في سور ( البقرة والنساء، والتوبة، والمجادلة والطلاق) دون ادنى إشارة إلى العقوبات المعروفة في مصطلح الحدود، والتي لم ترد إلا في بضع آيات في سورتي النور والمائدة، ولكل كلمة في ذلك المصطلح تأويلها، الذي يخرجها من معناها السطحي السائد فيما يسمى بالعالم الإسلامي.
مصطلح الحدود هو عبارة عن تشريعات مرحلية ، تميز بين العبيد والأحرار في بعض صورها مثل التمييز بين الحرة وغير الحرة في مقدار الجلد، بل إن القصاص في القتلى يقوم على التمييز بين قيمة الحر ، وقيمة العبد، كما هو واضح في قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر والعبد بالعبد"
فإذا كانت قوانين سبتمبر وأهل النظام الراهن يشرعون لقطع يد السارق بحجة ان ذلك مذكور في القرآن، فلماذا لم يشرعوا للرق المذكور في القرآن أيضا، وفي كتب المذاهب الأربعة ، وجميع كتب السلف؟ أم انه المكر والسياسة والخديعة؟
لماذا لم يشرعوا للجزية المذكورة في القرآن ايضا، بنص لا مرية فيه: " حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" لماذا لم يشرعوا لتنظيم تسري الجواري المذكور في قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أوماملكت إيمانهم ، فإنهم غير ملومين" واخواتها وهن كثر، نذكر منها على سبيل المثال ، لا الحصر قوله تعالى: " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، أو ماملكت أيمانكم".
بل على أي أساس من الشرع منح دستورهم غير المسلم الحق في أن يكون رئيسا لجمهوريتهم، يطبق بالنيابة عن المسلمين الشريعة الإسلامية، في دولتهم المزعومة؟
ولكن هذه الخدع لم تجز على سكان الإقليم الجنوبي ، الذين يقرأون ويفهمون اللغة العربية، ويعلمون وضع غير المسلمين في الدولة الإسلامية، كما أنهم يعلمون تفاصيل أحكام الجزية، بل إن بعضهم ، يعلم أن وثيقة المدينة، التي جعلها حكام العهد الراهن أساسا للعهد مع غير المسلمين، هي وثيقة منسوخة، بنسخ جميع عهود المشركين، بنزول سورة التوبة، سورة البراءة من جميع عهود المشركين!! وبالطبع فإن وثيقة المدينة، لم تفرض الجزية على اليهود، لأن حكم الجزية نزل بعد ذلك بسنوات عديدة.
مثل هذا المكر والخداع، هو الذي أدى إلى عدم ثقة الجنوبيين في عهود الشماليين...و لهذا السبب، ولغيره، سوف تظل الحركة الإسلامية هي المسئول الأول عن فصل الجنوب من الشمال، وقد قال الرئيس سلفا كير صراحة، إنه لا يقبل أن يعيش في دولة تجعله مواطنا من الدرجة الثانية... إن الدولة الراهنة، لا توفر الحرية للمفكرين الإسلاميين، فكيف حال أهل الأديان الأخرى؟
فيصل القول، إن العقوبات الحدية، والرق والجزية، وما إلى ذلك من تشريعات مقيدة للحريات الأساسية وللمساواة بين المواطنين، جميعها أحكام مرحلية، لأنها طرف من الشريعة المرحلية في الإسلام... شريعة الجهاد بالسيف، التي تبيح قتل المشركين، وتعذيبهم بأيدي المؤمنين... لذلك فإن مصطلح الحدود مقصود منه التعذيب: "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" ولهذا السبب، فإن الجلد يتم من غير رأفة: " ولاتأخذكم بهما رأفة"
مصطلح الحدود مقصود منه التنكيل كما هو واضح من قوله : " نكالا من الله" ومقصود منه الخزي: " ذلك لهم خزي في الدنيا" والمعنى اللغوي للخزي هو الذل والهوان.
يتضح من هذا أن التشريعات الحدودية ، بمعناها الإصطلاحي، والتي بنيت عليها قوانين سبتمبر، وعمق تطبيقها النظام الراهن، تقوم على إذلال الإنسان، وإهانته بالقطع والبتر والصلب والرجم والجلد، والتي ما هي إلا صور من صور العقوبات القديمة، والتي كان من ضمنها قطع الآذان ، وجدع الأنوف، وتوسيم من يقع في قبضتها بعلامات تبقى معه حتى مماته، وهذا أمر معروف عند كل من له أدنى إلمام بتاريخ القانون وفلسفة عقوباته.
كل هذه الممارسات البدائية تتناقض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع كل المبادئ الدستورية، فضلا عن أنها تتناقض مع أصل الإسلام الذي يقوم على تكريم الإنسان: " ولقد كرمنا بني آدم".
الإنسان الجديد أولا، والسودان الجديد ثانيا، والعالم الجديد ثالثا، والدنيا الجديدة رابعا
مع إيماننا بصحة الدعوة إلى سودان جديد، إلا أننا نرى أن البداية التي سار فيها الناس بمحاولة خلق سودان جديد، دون خلق إنسان جديد، هو وضع للعربة أمام الحصان، وهو وضع خطير، لاتحمد عواقبه، إذا إنفلت الزمام، لا قضى الله ولا قدر.
الفرد هو البداية، وهو حجر الزاوية لكل تقدم وتطور... الفرد هو أعظم رأسمال وأعظم إستثمار.. أنظر في جميع حقب التاريخ، تجد أن المجتمع لم يغيره ، إلا الأفراد.
بخلق الفرد صاحب العقل الصافي والقلب السليم، وبإشاعة هذا النموذج في الناس، يخلق السودان الجديد، على هدي قيم جديدة، يكون الفرد فيها الغاية وكل ما عداه وسيلة، بما في ذلك الدولة والمجتمع والقرآن والإسلام .
هذا الفرد هو كون قائم بذاته : " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين" ... هذا الفرد الواحد هو أنت ، وهوأنا، وهو كل شخص في هذا العالم، ولا تأتي الغيرية، إلا من عجزي ، ومن عجزك، ولم أر في عيوب الناس عيبا، كعجز القادرين على التمام.
إذن إستعيدوا الثقة بأنفسكم، يابني السودان، وجددوا الثقة في ربكم، يسمو السودان بكم ، ويرفع الله درجاته في مدارج الحق والحرية والكمال... فإن فعلتم يعلو ذكركم في العالمين، اليوم وليس غدا، وما ذلك على الله بعزيز،فإن الله لا يتعاظمه شئ.
أقولي قولي هذا، وليس غائبا عني، أن السودان ، في هذه الأيام يواجه، واقعا أليما، وتمزقا حادا، وإنشطارا قاسيا ، وهو يسير على حداء قادة ضلوا وأضلوا!!
فإذا إستطاع نفر قليل من السودانين بناء أنفسهم على لبنات الأفراد الأحرار، فقد ظهر السودان الجديد، مثل فلق الصباح، من وراء ظلام أحشاء التمزق : " إذا مزقتم كل ممزق، إنكم لفي خلق جديد" .
إذا وضع السودانيون نصب أعينهم ، الآية الكريمة التي صدرنا بها هذا المقال: " لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك" وطبقوها تطبيقا عمليا، آناء الليل وأطراف النهار، إرتفع كل من طبقها فجأة ، إلى قمة لم يسبق لها ضريب في تاريخ البشرية، وتحرر بذلك من إرث سفك الدماء، والذي هو سبب خروجنا من جنة السناء: " أتجعل فيها من يفسد فيها ، ويسفك الدماء"... بظهور مثل هؤلاء الأناسي الطيبين المتسامحين، يولد السودان الجديد.
بظهور السودان الجديد، يظهر العالم الجديد، الذي داعب خياله كل نبي، وكل ولي ، وكل مفكر، عبر العصور، لأن العالم الجديد هو الدنيا الجديدة، أو قل هو جنة الأرض: " الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض، نتبوأ من الجنة حيث نشاء"
قيام كتلة ثالثة من أجل وقف سفك الدماء وإدانة الحرب مهما كانت مبرراتها، ومهما كانت أنواعها
إن إستمرار الإنقاذ في تجييش أبناء شمال السودان تحت مليشيات الدفاع الشعبي وإصرار جبهة كاودا الثورية على المقاومة المسلحة فتح الباب على مصراعيه نحو تجديد الحرب الأهلية بصورة أشد قساوة وأعظم فظاعة... من أجل تجنيب البلاد ويلات الحرب وأحزانها، لابد من قيام كتلة ثالثة من جميع أبناء السودان وخصوصا المتضررين من الحرب في مناطق ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان كي يقف الجميع سدا منيعا بين حكومة الانقاذ والحركات المسلحة من أجل إنهاء الحرب تمهيدا لسودان جديد يسع الجميع... ونحن نرى أن ذلك لن يتم إلا بالحل العادل السلمي الذي ينهي المأساة، ويضع حدا للإبادة العرقية الجارية في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ولن يكون ذلك ميسورا إلا بتقسيم الولايتين، وإقامة الحكم الذاتي الأقليمي المدني الراشد، بسلطات واسعة، بعيدا عن هوس العقائديين، وبعيدا عن القوانين المهينة،التي لا هي علمانية ولا هي دينية!! ونكون بذلك قد حقنا الدماء، و خلقنا النموذج المثالي لبقية الولايات في الشمال والشرق والغرب.
حسن إدارة التنوع
لما كان السودان بلدا متنوع الأعراق والعناصر، متعدد الثقافات والتقاليد، متباين العقائد والطوائف ، فإن محاولة أي عنصر أو معتقد أو أيدولوجية أو طائفة، السيطرة على البلاد، وتوجيهها كلها تحت معتقد معين، أو طائفة واحدة، او حزب واحد، ستؤدي حتما إلى سفك الدماء والفساد والحرب الأهلية.
عدم ملاحظتنا لهذه الحقيقة البديهية، أو عدم إعطائها ما تستحق من إعتبار عند الذين يلاحظونها، هو السبب الرئيسي، الذي جعل مسيرة الشعب السوداني، منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي، مسيرة كثيرة الإ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.