«الجمهورية الثانية» عبارة أطلقها على ما أذكر نائب رئيس الحزب الوطني الحاكم الأستاذ علي عثمان محمد طه منذ عدة شهور مضت وبُعيد انفصال الجنوب، عبارة غامضة لم يلحقها شرح ولم يصحبها تفصيل، وظل عديد من المسؤولين والكتاب والمراقبين «يضربون الرمل» ويقلبون وجوههم في السماء علهم يجدون جواباً شافياً لتساؤلاتهم الحيرى حول كيف تكون هذه «الجمهورية الثانية» وهل ستكون شيئاً آخر غير ما عهدوه من ذات الحزب ونفس الشخوص على مدى العقدين الماضيين، برغم ما شهده الحزب ذاته من انقسام و«مفاصلة»، أم أن العبارة تعني حراكاً جديداً في سبيل الإصلاح وقيادة التغيير، الذي طرقت أبوابه المعارضة السياسية المدنية عبر الحوارات المطولة نشداناً لتفادي غوائل التغيير العنيف الذي قد تكون تكاليفه أكبر مما يتحمله وطن كوطننا يُعاني من الهشاشة وضعف المناعة الموروثة والمكتسبة؟! ü الأسبوع الماضي كان مؤتمر القطاع السياسي لحزب المؤتمر الوطني، ورغم أنه لم يكن مؤتمراً عاماً يرسم ويُخطط ويُحدّد البرامج وينتخب القيادة، كان مؤتمراً مهماً واستثنائياً على كثرة المؤتمرات والاجتماعات التي يعقدها الحزب الحاكم. أهميته واستثنائيته نبعت من أنه تحول إلى «مناسبة» لطرح التساؤلات ولمحاولة إعادة النظر في مدى صحة ومواءمة المسيرة التي انتهجها الحكم منذ أن اعتلى عبر «الإنقلاب» السلطة قبل أكثر من عقدين. وبدا أن السؤال الأهم الذي ترتبت عليه جميع التساؤلات الأخرى ومحاولات الإنصات لوقع الخطى هو سؤال: ثم ماذا بعد؟ ماذا بعد انفصال الجنوب؟! وهل تكفي الإجابة البسيطة والتبسيطية التي طالما رددها البعض، في داخل الحزب وعلى هامشه الأكثر تطرفاً وتشدداً: «الحمد لله الذي أذهب عنّا الأذى وعافانا» وإننا الآن أصبحنا «أمة واحدة ذات قبلة واحدة بنسبة 98% «ولم يعد من معنى أو أهمية للحديث عن واقع «التنوع والتعدد» العرقي والثقافي والديني والنظام السياسي المستجيب لمثل ذلك الواقع «الذي مضى». ü لفتت نظر المراقبين الذين تابعوا وقائع مؤتمر القطاع السياسي لحزب المؤتمر الوطني كلمات وأوراق ثلاثة من المتحدثين الرئيسيين في ذلك المؤتمر هم بروفسير إبراهيم أحمد عمر ود. إسماعيل الحاج موسى والأستاذ ربيع حسن أحمد، وكان تركيز التقارير الصحفية أكثر وأوسع على كلمة بروفيسر إبراهيم التي جاءت في شكل تساؤلات صنّفها البعض في إطار «النقد الذاتي» ومحاولة لرسم خارطة طريق للإصلاح، فقد طالب الرجل من خلال تلك التساؤلات بمعرفة ماذا تم بشأن الحوار مع المعارضة، وما إذا تم بالصورة الصحيحة والمرجوة، مثلما تساءل عن نهج الحزب وجوهر برنامجه وطبعته وما إذا كان «حزباً رسالياً»؟ وعن مدى التزام الحزب بالشورى في عمله، واذا ما كان حزباً رسالياً فما هو المدى الذي بلغه والنّجاح الذي أدركه في تحقيق تلك الرسالة وفي إنجاز أهدافه ورؤاه السياسية، كما ذهب أكثر من ذلك في طلب «المراجعة الإصلاحية» لتحديد ما إذا كان ضرورياً تنحي «الساسة» عن الساحة وإفساح المجال للاقتصاديين في ظل طغيان قضية العدالة الاجتماعية على الأطروحات السياسية، قبل أن يدلف للتنظيم وليتساءل عما إذا كانت اجتماعات الحزب هي لقاءات شكلية تظاهرية أم للشورى الحقيقية. وطالب - حسب الصحف- بضرورة التعلُم من الأخطاء وتحديد نوع الديمقراطية التي سينتهجها الحزب، وسأل عما هو الجهاز التنفيذي المتحكم في الحزب هل هو المكتب القيادي أم مجلس الشورى أم المؤتمر العام تساؤلات البروفيسر هي محاولة لتفتيح أبواب النّقاش حول كل هذه القضايا وغيرها، لكنه لم يكن الوحيد في ذلك فقد كان إلى جانبه من أثاروا ذات القضايا، ولم يكتفوا بطرح التساؤلات بل ذهبوا أكثر من ذلك لتوجيه النقد المباشر لبعض ممارسات الحكم، ومنهم الأستاذ ربيع حسن أحمد، كما سنرى. ü فقد تحصلت على نص ورقتين من أوراق المؤتمر زودني بهما مشكوراً، رئيس تحرير هذه الصحيفة الأستاذ مصطفى أبو العزائم الذي حضر جانباً من اجتماعات المؤتمر، الأولى للأستاذ ربيع حسن أحمد، وربيع قيادي وكادر مرموق من كوادر الحركة الإسلامية وكان رئيساً للاتجاه الإسلامي ولاتحاد الطلاب في جامعة الخرطوم، وجاءت ورقته بعنوان «المؤتمر الوطني وقضايا المرحلة القادمة» والثانية للدكتور إسماعيل الحاج موسى أحد قادة تنظيم المؤتمر الاشتراكي بجامعة الخرطوم والذي شغل كذلك منصب رئيس اتحاد الطلاب أيضاً في لحظة توازن فارقة بين الاتجاه الإسلامي والجبهة الديمقراطية في جامعة الخرطوم في أواخر ستينيات القرن الماضي، كما شغل مسؤوليات ومناصب وزارية منها «الإعلام» في العهد المايوي قبل أن يلتحق أخيراً بالمؤتمر الوطني وليصبح من بين قادته في الدوائر التشريعية والحزبية، وكانت ورقته بعنوان «الجمهورية الثانية.. صورة النظام السياسي الجديد». ü ربيع حسن أحمد ركز في ورقته على انشطار السودان إلى دولتين واعتبرها من «السوابق القليلة» في عالمنا الحديث وشبهها بالحالة «الأثيوبية - الأريترية» أكثر مما جرى في دول البلقان وشرق أوروبا حيث كانت تلك الدول مكونات قومية ذات تاريخ واستقلال عن الدولة الأم في تاريخها القريب. ومسّ «بلطف» قضية الانفصال ومسؤوليته وعقابيله فقال: إن عملية انفصال الجنوب هي نتيجة «دفع جهات عدة»، وتمثل في مجملها «تحدياً سياسياً وثقافياً» للسودان وستظل آثار هذا الانفصال تؤثر في مقبل حياتنا وفي مستقبل السودان القريب والبعيد.. مما يستدعي «أن نعيد ترتيب أولوياتنا في السياسة».. وأشار إلى أنهم تواضعوا على أن يسموا المرحلة المقبلة في مسارنا السياسي «الجمهورية الثانية»، لكنه أوضح أن «العبرة ليست بالاسم» وإنما بما تأتي به من جديد في فكرنا وتوجهاتنا فيما نقرر من مباديء ورؤى استئناف الحياة في السودان «والصورة العملية، للذي نقوله، هو أننا أمام مهمة تاريخية تطالب بإعادة النظر في رؤانا الإستراتيجية لنخلص من بعد لوضع خطط للعمل تكون قد استوعبت الواقع الماثل واستوعبت التجربة ونظرت للمستقبل لتبين مواقع أقدامنا وتحديد اتجهات مسيرتنا». ü وبحكم التزامه السياسي يؤكد ربيع على القول: «المعلوم أن للإنقاذ مشروعاً متكاملاً للنهوض بالأمة السودانية إلى مرافيء التقدم والإزدهار وإلى تحقيق كل القيم التي نؤمن بها ونريد أن تكون الحياة انعكاساتها» وهذا يعني اضطراداً أن شعار «الجمهورية الثانية» المرفوع لن يكون إلا جزءاً من هذا المشروع - المشروع الحضاري - باعتباره «مشروعاً متكاملاً» وبالتالي هي تعديلات أو تصويبات في الإجراءات وكيفية التنفيذ والممارسة، أكثر منها تغييراً في المنهج أو «المشروع». ومن بين التحديات التي تواجه هذا المشروع - كما يرى الأستاذ ربيع - هو تحدي الوحدة والسلام. وبرغم أن للسودان درجة عالية من الترابط بين فئات مجتمعه التي تأخذ قيمها من الدين الإسلامي على حد قوله، إلا أننا نجد في المقابل نزعات قوية للقبلية والجهوية اشتدت مؤخراً وباتت واضحة في التعبير السياسي وفي المواقف والانتماءات المنظمة. ويرى في ذلك ظاهرة سلبية «تتطلب خطاباً سياسياً يبرز أن «مشروعنا» هو للإنسان السوداني أينما حلّ وبصرف النظر عن أي انتماء أصغر يجد فيه نفسه. (نواصل غداً إن شاء الله»