هبوط أول رحلة دولية مباشرة للخطوط الجوية الكويتية بمطار الخرطوم    زيادة كبيرة في أسعار البنزين والجازولين في الخرطوم... والتسعيرة الجديدة تُربك السوق    تصاعد هجمات المسيّرات في دارفور... مخيم الحميدية أحدث المواقع المستهدفة    نساء يقتحمن وساطة الإيجارات في الخرطوم : اقتصاد ظلّ جديد يولد من قلب الحرب    ترامب يشرح تفاصيل "الانبطاح" في محاولة اغتياله ويؤكد: منفذ الهجوم كان مسيحيا مؤمنا    طرق صحية لشرب القهوة لتحقيق أقصى استفادة    علماء يكتشفون طريقة لتحويل قشور الفول السوداني لمواد كربونية شبيهة بالجرافين    "يد الرب" و"هدف القرن".. قصة أشهر هدفين في تاريخ كأس العالم    بقدمه وقلبه.. نور الشريف ظل مخلصًا للكرة والزمالك حتى رحيله    ياسمين صبرى بين فيلمين دفعة واحدة من كريم عبد العزيز لمعتصم النهار    جيمس سيفشوك : مايكل جاكسون كان أسوأ من جيفرى إبستين    نجوى إبراهيم "ماما نجوى" التى رسمت بهجة جيل الثمانينات.. عيد ميلادها    لماذا تصاب بجفاف العين بكثرة فى الصيف؟    نوبات الصداع النصفى فى الصيف.. 7 طرق بسيطة للوقاية    استهداف بالقصف المسير وسقوط قتلى في السودان    الشرطة في بورتسودان تصدر بيانًا بشأن عملية اقتحام    وزير سوداني يكشف عن ترتيبات وخطط..ماذا هناك؟    جولف السعودية تعلن افتتاح "فايف آيرون جولف" في الرياض    أرقام مؤهلة وميداليات متوزعة.. البيشي: انطلاقة قوية للبطولة العربية برادس    المعز عباس يقود اتحاد ألعاب القوى بالتذكية حتى 2030... جمعية عمومية ناجحة بحضور واسع وتأكيد على انطلاقة جديدة    5 غيابات عن برشلونة وريال مدريد في الكلاسيكو    سوداتل تعلن تحقيق أعلى دخل تشغيلي منذ التأسيس وأرباحًا صافية 117.5 مليون دولار لعام 2025    بي إس جي ضد البايرن.. عودة ثلاثي بطل فرنسا للتدريبات قبل القمة الأوروبية    علامات تنذر بتجفاف الجسم    شاهد الفيديو الذي خطف الأضواء ونال إعجاب المتابعين.. طلاب سودانيون يحملون أستاذهم على طريقة أصحاب البطولات ويحتفلون معه بشكل ملفت    شاهد.. "بقال" ينشر فيديو له أيام قيادته لجنود المليشيا بالخرطوم: (سيشهد التاريخ أن "الامكعوكات" عيال "الماهرية" كانوا يحرسوني ويفتحوا لي أبواب العربية)    السودان..قرار بحظر 46 سلعة    صبري محمد علي (العيكورة) يكتب: *النظام المصرفي هل ستضبطه (تاتشر) السودان آمنه ميرغني؟*    عاجل..مقتل 14 شخصًا في تحطّم طائرة قرب جوبا    شاهد.. في أول تصريح له بعد انضمامه للقوات المسلحة.. القائد النور قبة: (سنساعد الجيش في تطهير البلاد من الشفشافة والمرتزقة)    من الذروة إلى الجمود.. مطار نيالا يفقد نبضه الجوي    سوداتل تحقق صافي أرباح 117.5 مليون دولار لعام 2025 كأعلى دخل تشغيلي منذ التأسيس    لجنة أمن الخرطوم تكشف عن ازدياد معدلات عودة المواطنين للعاصمة بفضل استقرار الوضع الأمني وتحسن الخدمات    موسم الحجاج السودانيين الحالي يتطلب تدخلاً عاجلاً من الجهات السيادية في الدولة    أكبر هجوم منسق واغتيال وزير الدفاع.. ما الذي يحدث في مالي؟    متأثّرًا بجراحه..مقتل وزير الدفاع في مالي    اجتماع في الخرطوم لبحث إمداد الوقود    شاهد بالفيديو.. شيبة ضرار يسخر من منح النور قبة سيارة الرئيس: (أي زول جاي من المليشيا يمنحوه عربية والوقفوا مع الجيش يهمشوهم) ورانيا الخضر تعلق: (بحبو حب شديد)    نجاة ترامب من محاولة اغتيال    معماري سوداني يفوز بالجائزة الكبرى لجمعية المعماريين اليابانيين والسفارة بطوكيو تحتفي بإنجازه    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    مكافحة التهريب البحر الأحمر تُبيد (3.5) طناً من المخدرات    أطباء بلا حدود : علي ظهور الجمال والحمير … اللقاحات تصل جبل مرة    ترامب: سنمدد وقف إطلاق النار مع إيران حتى تقدم طهران مقترحاتها وتكتمل المفاوضات    الهلال «مدرسة» قبل أن يكون «نادياً رياضياً»    الدعيتر.. كان اللغة الثانية في البلاد    مصر.. قرار بشأن المنتقبات بعد تدخل شيخ الأزهر في عملية اختطاف هزت البلاد    موجة مرعبة.. حمى الضنك تتفشى في ولاية نهر النيل بالسودان    مكافحة التهريب بالبحر الأحمر تضبط 340 كيلو آيس و200 ألف حبة مخدرة فى عملية نوعية بالتعاون مع المخابرات العامة    السودان.. تفاصيل صادمة لاغتيال مواطن بدمٍ باردٍ    شرطة ولاية نهر النيل تضبط (53) جوالًا من النحاس المخبأ تحت شحنة فحم بمدينة شندي وتوقيف متهمين    الإمارات والبحرين توقعان اتفاقا لمقايضة الدرهم والدينار    السودان.. القبض على 4 ضباط    عثمان ميرغني يكتب: فساد.. الفساد..    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د.الشفيع خضر سعيد: السودان والبحث عن السلام
نشر في رماة الحدق يوم 30 - 09 - 2019

لن نمل تكرار حديثنا من أنه لا مجال لفشل محادثات السلام بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة، الجبهة الثورية والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، والمزمع انطلاقها منتصف تشرين الأول/اكتوبر القادم في جوبا عاصمة جمهورية جنوب السودان. فالفشل يعني انتكاسة حقيقية لثورة السودان المجيدة، ويعني ضرب الفترة الانتقالية في مقتل. وبصراحة، إذا ما كانت الإرادة المسيطرة حقا، عند كل الأطراف، هي الاستجابة لشعارات ثورتنا المجيدة، فليس هناك سوى اتجاه واحد يجب أن تسير فيه هذه المفاوضات، وهو اتجاه النجاح.
وكما كتبنا في مقالنا السابق، فإن أولى شروط نجاح هذه المحادثات هي ابتعادها عن المناورات التكتيكية، مثل تلك التي كانت تسود في المحادثات السابقة مع النظام البائد، خاصة وأن المحادثات هذه المرة لن تدور بين خصوم أعداء بل بين حلفاء شركاء وإن جلسوا على ضفتين. ولعل من أهم مقومات نجاح المحادثات هذه المرة، وفي نفس الوقت أسباب فشلها إذا لم تؤخذ بعين الاعتبار، هي إدراك الجميع بأن الثورة خلقت واقعا جديدا مختلفا عن الواقع السابق، ومواتيا أكثر منه لتحقيق السلام، خاصة وأن الحركات المسلحة شريك أساسي في إزكاء شعلة هذه الثورة المجيدة.
ونحن عندما نقول فشل المحادثات لا نعني فقط انفضاض جولاتها دون اتفاق بين الطرفين، وإنما نشير أيضا إلى مخاوفنا من ابتسارها واختزالها في مجرد اقتسام كراسي السلطة، الإتحادية والولائية، بعيدا عن حقوق وتطلعات شعبنا في مناطق النزاع والحروب. فمن البديهي أن معيار نجاح أي منبر تفاوضي ليس هو ما سيحققه هذا المنبر من مكاسب لأطراف التفاوض، وإنما في قدرته على فض حلقات الأزمة الوطنية لصالح الشعب السوداني. وإذا ما رجعنا بالذاكرة إلى المفاوضات والاتفاقات السابقة، سنلاحظ أنه رغم إقرار قطاعات واسعة من الشعب السوداني بأن قضيتها الأولى هي وقف الحرب، وأن ما تم في منابر الإيقاد وأبوجا والدوحة والشرق خطوة هامة في هذا الاتجاه، فإن بعض هذه القطاعات الواسعة ظل يتهم منبر الإيقاد بأنه لا يرى في السودان سوى الحكومة والحركة الشعبية، لذلك جاءت بروتوكولات ماشاكوس تعبيرا عن الرؤى السياسية لهذين الفصيلين، في حين القضايا الأخرى ذات الصبغة القومية الشاملة جاءت كناتج ثانوي لهذه الرؤى. وأن منابر أبوجا والدوحة والشرق لم تتناول قضية دارفور وقضية التهميش في شرق السودان وفق المنظور السياسي القومي، بل اختزل الأمر في اتفاق فوقي حول اقتسام كراسي السلطة.
وفي ذات الوجهة فإن البعض لخص اتفاق القاهرة بين التجمع والحكومة، رغم بنوده الثلاثة عشر التي تغطي معظم حلقات الأزمة السودانية، لخصها في أنها محاولة لزيادة نصيب أحزاب التجمع في كيكة السلطة! وغض النظر عن الاتفاق أو عدمه مع أي من هذه الرؤى، إلا أنها، في تقديري، تحتوي على بعض الجوانب الموضوعية التي ظلت تتوطد مع ازدياد تجاهل الدعوة إلى ضرورة التبني العملي لآليات الحل السياسي الشامل.
من ناحية أخرى، فإن المفاوضات، في كل تلك المنابر، كانت تحاط بسياج متين من التعتيم والسرية مما عمق الشعور بأنها ربما تسير وفق إرادة النخب السياسية وليس إرادة الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية، وأنها تخضع لضغوط أجنبية مختلفة ومتباينة المصالح وليس ضغوط وإرادة شعب السودان، وأن ما يتم من تقرير في ما يخص حاضر ومستقبل البلاد، لن يكتب له الاستمرار، ولن يكتسب الشرعية بحكم الواقع أو بوضع اليد، ناهيك عن الاستدامة، لأنه يتم من وراء ظهر الأغلبية الساحقة من شعب السودان. وهذا ما حدث تماما بعد توقيع تلك الاتفاقات، مؤكدا أننا لم نكن نتوهم أو يتملكنا شعور زائف، وإنما كان ذلك قراءة حقيقية لما هو متوقع. ومع ذلك، فإن حديثنا هذا لن يعمينا عن حقيقة أن المحصلة النهائية للتفاوض، في كل تلك المنابر، وبغض النظر عن درجة رضانا عن تفاصيلها، حققت على الأقل أربعة انتصارات رئيسية هي: أولا، وقف الحرب طويلة الأمد بين الجنوب والشمال، وإن لم تمنع تجددها، ولم تطو صفحتها في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور، ولم تنزع فتيل التوتر في البلاد.
ثانيا، شكلت الاتفاقات اختراقا قويا في جدار الشمولية، فاتحة كوة بشّرت، ولو على استحياء آنذاك، بإمكانية التحول الديمقراطي، وبتهيئة مناخ أفضل للصراع السياسي. ثالثا، لبت الاتفاقات، ولو جزئيا، بعض مطالب سكان مناطق التوتر. رابعا، التأكيد على فشل وهزيمة مشروع بناء الدولة السودانية على أساس آيديولوجي، أيا كانت هذه الآيديولوجية، أو على أساس تصور حزبي ضيق، أيا كان هذا الحزب.
صحيح أن المفاصل الرئيسية للأزمة في السودان تشمل: الديمقراطية، بما في ذلك قضية السلطة ونوع الحكم، والسلام، والتنمية، والوحدة في مقابل تفتت وتشرذم البلاد. ورغم أن ثنائية الحرب والسلام تعتبر الحلقة المحورية في هذه المفاصل، إلا أنها حلقة واحدة ضمن عدة حلقات أخرى. فالسلام وحده لن يشبع الجوعى ويكسي العرايا ويعالج المرضى. ووقف الحرب في الجنوب لم يوقفها في دارفور، ولم يمنع اندلاعها في كوردفان والنيل الأزرق، كمل لم ينزع فتيلها في باقي البلاد. ومن ناحية أخرى، وكل ذلك يؤكد أن الصراع السياسي في السودان ليس مجرد صراع حول السلطة بين المعارضة والحكومة، مثلما لا يمكن توهم حله بمجرد وقف القتال بين المتحاربين، أو بمجرد توقيع القوى المختلفة على ميثاق شامل!. ففي الحقيقة، هو صراع حول إعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة، قوامها تقنين التعدد الاثني والديني والثقافي، والنظام الديمقراطي التعددي المدني، والتنمية المتوازنة بين كل أطراف البلاد، وذلك في ظل نظام للحكم يحقق هذه الأهداف. وأعتقد أن هذا هو المدخل لتحقيق حلم كسر الحلقة الشريرة، وهو حلم لن يتحقق بضربة واحدة، وإنما عبر عدة مراحل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.