مناوي : ناقشت بسويسرا تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام    والي الخرطوم يعلن تركيب كاميرات رقابة حديثة في المعابر الحدودية التي تربط الولاية بالولايات الاخرى    اختيار غير متوقع لمستقبل "الملك المصري"    حل لجنة المنطقة الشمالية بكوستي وتشكيل لجنة جديدة لإدارة مباريات الدرجة الثالثة    الجزيرة تكثف التحضيرات للاستحقاقات القادمة في دوري الدامر    السودان..مصدر حكومي يرد على تفاهم مثير مع الميليشيا    شاهد بالصورة والفيديو.. رجل سوداني يُدخل نفسه داخل "برميل" تفاعلاً مع أغنيات "الطمبور" والحاضرون يحملونه ويطوفون به ساحة الحفل    شاهد بالفيديو.. بفستان مثير المودل آية أفرو تنصح النساء بطريقة ساخرة: (الرجل مثل العصفور إذا مسكتي شديد بموت ولو فكيتي بطير والحل الوحيد تنتفي ريشه)    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    وجبة سمك تُنهي حياة 3 سودانيين بالقاهرة وتتسبب في إصابة 4 آخرين بحالة تسمم غذائى حاد    عاجل..بيان مهم للجيش في السودان    شاهد بالصورة والفيديو.. ظهور علم السودان على ظهر سيارة بأحد شوارع مدينة "غلاسكو" الأسكتلندية    وفاة داعية سوداني بارز    وزير الشباب ووالي الخرطوم يشرفان ختام الفعاليات الرياضية بالشقيلاب    كل ما تريد معرفته عن نزاعات الزمالك فى الفيفا وخطة النادى لحل الأزمة    تأجيل حفل شاكيرا فى الأهرامات من إبريل إلى نوفمبر 2026    إندونيسيا تصبح أول دولة في جنوب شرق آسيا تقيد وصول الأطفال لمواقع التواصل    شاهد بالفيديو.. ظهر معه في الصفوف الأمامية.. مواطن سوداني يكذب جنود المليشيا الذين زعموا اعتقالهم العميد محمد منصور قائد "الكرمك"    شاهد بالصورة والفيديو.. شاب سوداني يقتحم عقد قران "حبيبته" يشتبك من الحاضرين ويخطف "القسيمة" من المأذون ويمزقها    ماجد المصرى: الخلاف فى أولاد الراعى تجاوز المال إلى جوهر العلاقات الأسرية    جوجل توسّع الترجمة الحية إلى آيفون وآيباد    الدولار يرتفع وسط توترات الشرق الأوسط    هل يمكن علاج الكبد الدهنى؟.. دراسة جديدة تربط الوقاية بفيتامين ب3    شاهد بالصورة والفيديو.. رئيس المريخ السابق يفجر مفاجأة كبيرة بخصوص المحترف الجزائري المنضم للمنتخب السوداني ويعد بضم محترفين أفارقة لصقور الجديان    شاهد بالصورة والفيديو.. مشجعة الهلال الحسناء "سماحة" تطالب إدارة ناديها بتقديم "رشاوي" للحكام من أجل الفوز بالبطولة الأفريقية وتشكر "أبو عشرين"    مساعدات غذائية تصل آلاف المستفيدين بوادي حلفا عبر منظمة اضافة للمساعدات والكوارث والتنمية    بسبب ضعف الراتب.. وزير الثروة الحيوانية بالسودان يبحث عن عمل إضافي    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن الرسوم الجديدة في المعابر    محمد عبد الباسط يكتب: لهذا تحركت باكستان الآن للوساطة بين أمريكا وإيران    عمرو دياب يحيى حفلا غنائيا فى تركيا 2 أغسطس    السكوت على هذا الأمر لا يرضي الله ولا رسوله!!    دراسة : النشاط البدني مفتاح الوقاية من السكري رغم زيادة الوزن    ارتفاع أسعار الذهب في السودان    أحمد العوضي : بشكر جمهوري إنه عمره ما خذلني وصاحب الفضل فى نجاحي    دراسة تكشف ترابطا بين أمراض معدية وخطر الإصابة بالخرف    الخليج الضحية الكبرى: إيران وجهت 83% من هجماتها إليه… و17% فقط إلى إسرائيل    مهلة أخيرة للمخالفين: خيارات متعددة لمعالجة أوضاع التأشيرات المنتهية في السعودية    ضبط 2800 قندول بنقو بالجزيرة في عملية نوعية لمكافحة التهريب    ترامب يصدر أوامره ويكشف تطورات مثيرة مع إيران    هل مخالفة ترامب خلل في الكون؟!    الأمن يداهم مخزن يبيع الوقود المهرب لعصابات التنقيب عن الذهب    تراجع معدّل التضخّم في السودان    بادي يصدر مرسوم تنظيم أعمال التعدين التقليدي وضبط آليات التعدين بالنيل الأزرق    رئيس الأهلي مدني وابنه يتعرضان لحادث مروع    المباحث تنهي مغامرات شبكة إجرامية متخصصة في الإحتيال علي أصحاب المحلات التجارية عن طريق اشعارات تطبيق بنكك المزيفة    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    ضبط 238 كجم من "الآيس" وأسلحة بجانب نحاس بولاية البحر الاحمر    الشيخ بن زومة.. إلى جنة الخلد    أغلى علبة كعك في مصر تشعل مواقع التواصل    قيم الهلال المتوارثة يجب أن تبقى أبد الدهر    في زمن الضجيج.. القرآن بوصلة المعنى والسكينة    د.مزمل أبو القاسم يكتب: دموع الباز.. وزاهر! (2)    السودان.. الدفاع المدني يستعين ب"التوك توك"    صوت لا يغيب.. محمد رفعت ورحلة الآذان الخالد في رمضان    أجهزة الأمن السودانية تنهي مغامرات لص الصيدليات في عطبرة    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    شاهد بالفيديو.. الوطن يتعافى ويعود.. تزاحم مئات المصلين في صلاة التراويح بمسجد السيدة سنهوري بالخرطوم    السودان.. فكّ طلاسم"تبيدي للمجوهرات" في الخرطوم والتحقيقيات تفجّر مفاجأة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرسوب في مدرستي "الحاج آدم" و"سيد الخطيب"!!
نشر في المجهر السياسي يوم 19 - 01 - 2013

قال "الحاج آدم يوسف" نائب رئيس الجمهورية: (إن السودان بلد إسلامي 100% والما عاجبو يشوف ليهو بلد تاني) وجاء حديث الرجل الثالث في الدولة عشية (الاثنين) الماضي بقرية فداسي شمال مدينة ود مدني وفي ذات الليلة بثت قناة النيل الأزرق الحكومية إفادات للأستاذ "سيد الخطيب" مدير مركز الدراسات الإستراتيجية، قال فيه وهو يتحدث لبرنامج (حتى تكتمل الصورة): (واهم من يعتقد ويظن أن السودان بلد بهوية واحدة ودين واحد وثقافة واحدة)، وتابع "سيد الخطيب": (هناك بعض في المؤتمر الوطني في رؤوسهم أشياء خاطئة.. السودان متعدد ثقافياً ودينياً وعرقياً وأية محاولة لتوصيف البلاد بغير واقعها من شأن ذلك إثارة مشاكل بلادنا في غنى عنها).. انتهى حديث "سيد الخطيب"، ولكن د. "الحاج آدم يوسف" يضيف: (الدين سيتم تطبيقه في كل أوجه الحياة في السودان).
من حيث المواقع يعدّ د. "الحاج آدم يوسف" الرجل الثالث في الدولة، ورئيساً لأهم قطاع في الحزب، القطاع السياسي، بينما يقبع "سيد الخطيب" في وظيفة مدير لمعهد ما عاد يذكره الناس بحسنة أو سيئة ونهضت على أنقاضه معاهد بعدد الحصى كركائز المعرفة والتنوير المعرفي وأخريات من دون ذلك.. ولا يتسنم "سيد الخطيب" موقعاً في الحزب، بيد أنه فاعل جداً في ملف التفاوض ولاعب لم يستغنِ عنه المفاوضون في نيفاشا وأديس أبابا، وحتى اللحظة شكل وجوده رمزية لتيار داخل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية ينهض وينحسر.. يقوى ويضعف.. يقود أحياناً ويستتبع أحياناً أخرى.. فهل بين ما قاله "الحاج آدم" في فداسي وما أفصح عنه "سيد الخطيب" في قناة النيل الأزرق اختلاف مدارس في تيار واحد؟ أم تعبير عن أزمة رؤى داخل الحزب الواحد؟! أم خلاف منهجي؟ أم هي لعبة تبادل أدوار أجادها الإسلاميون قديماً في السودان؟ أم هي فروقات منهجية بين مدرسة تتعامل مع المشكلة الإسلامية في الإطار الذهني المجرد وأخرى تهدف لتغيير جوهر الإنسان ومحيطه الاجتماعي؟ وخير شاهد إثبات (فروقات) مدرسة "محمد إقبال" الذي لا يتكلم العربية ونشأ في بلاد سحقها الفقر وكسر عظمها الصراع بين الطوائف (الهند)، ومدرسة الشيخ "محمد عبده" الذي اهتم بعلم الكلام والمعاني أكثر من جوهر أسس التغيير!!
هل تحدث الدكتور "الحاج آدم يوسف" وذهنه يفيض بأفكار مدرسة "سيد قطب" التي عمادها المجانبة والمفاصلة والامتناع عن الآخر، بينما مدرسة "حسن البنا" التي ينهل منها "سيد الخطيب" هي مدرسة تزرع أرضاً وتنثر حباً وتسقى شجراً، كما يقول بذلك الدكتور "طارق البشرى" المفكر؟.. ويضع د. "طارق" فكر "قطب" في مواجهة "البنا" ويقول إن فكر "سيد قطب" يحفر خندقاً ويبني قلاعاً عالية الأسوار، بينما الشهيد "حسن البنا" ينشد في تلاميذه (كونوا عمليين لا جدليين)، ولكن رجل الدولة الثالث ورئيس القطاع السياسي في المؤتمر الوطني يتحدث في قرية "فداسي" بغير مطلوبات أهلها العملية من مياه لري مزارع القطن والفول والذرة في الجزيرة العطشى، ويثير بحديثه غباراً في الغرب والشرق ويذهب دون الاكتراث لخطورة ما يقوله على مستقبل بلاد للمسيحية فيها وجود وأثر عميق، وكذلك للوثنيين من عبدة (الكجرة) ومفردها (كجور) في جبال النوبة، وقد أثار الأقباط العالم بأسره في مصر وهم لا يتعدى إحصاؤهم ال(6%) من جملة سكان بلد تشتهر وتفخر وتباهي بأنها بلد الألف مئذنة ونشر الإسلام في ربوعها صحابة رسول الله "صلى الله عليه وسلم".. ورغم ذلك أقام (القبط) الدنيا ولم تقعد، وجعلوا من أنفسهم ترياقاً يبرر وجود الدولة العلمانية في مصر ويسعون لإقصاء الدين من الحياة العامة، لأن الغرب بسطوته ونفوذه يقف مع الأقلية القبطية في مصر.. وفي السودان للأقباط وجود في مدن الخرطوم ومدني وبورتسودان والأبيض، ولا يمكن تخييرهم بين الإذعان لمفاهيم الدولة الإسلامية (الثيوقراطية) لا الدولة المسلمة المنفتحة على الآخر، كالتي يدعو "سيد الخطيب" لإرساء قواعدها، وبين البحث لهم عن وطن بديل آخر.. كيف يبحث أحفاد "صالح ود عبد السيد" الشاعر الشهير بكنية (أبو صلاح) عن وطن آخر وهو الذي نشأ في حي المسالمة العريق ودرس في الخلاوى اللغة العربية والقرآن رغم عقيدته المسيحية، ولكنه شذب وجدان أهل السودان (بحلو) النغم وأعذبه، وربما تمايلت أغصان المؤتمر الوطني طرباً مع رائعته:
في جمالك عمنا ورسينا ولي شروط الهوى ما نسينا
في الغرام أصبحنا ومسينا يا نجوم السما آنسينا
يا مناظر لا تبعتينا لي شروك الغي المتينا
وشدا برائعته (قسم بي محبك البدري) كل السودان، كيف لا وهو من كتب (بدور القلعة وجوهرا)، وقد وحد الشعر الأمدرماني مشاعر أهل السودان ونسج وحدتهم القديمة.. كيف يبحث أحفاد "أبو صلاح" عن وطن جديد غير الذي ألفوه وألفهم قبل أن ينقسم إلى وطنين ولا يزال قابلاً لمزيد من التشظي إذا كانت مخرجات الأحاديث فيها مغالاة وشطط بإدعاء أن البلاد أصبحت إسلامية (100%).. وكثير ممن يذهبون إلى دعاوى تفرق ولا تجمع، لا يميزون بين الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة وأحكامها ولها اجتهادات في الاقتصاد والطب والعلوم الاجتماعية وفق أحكام الشريعة، وبين الدولة المسلمة التي يعيش في كنفها أغلبية مسلمة، ولكنها لا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية، ولم تجد تجربة السودان في الموروث الإسلامي ما يعين على إشاعة معرفة جديدة إلا بعض كتابات "أبو الأعلى المورودي" و"محمد باقر الصدر" و"علي شريعتي" الذين سكبوا حبراً غالياً على قراطيس، حالت الخلافات المذهبية بين المسلمين دون شيوعها.
{ ثقوب في المدرستين
الأستاذ "سيد الخطيب" حينما تحدث في قناة النيل الأزرق كان واعياً جداً بالزمان والمكان وإدراك عميق بالخصوصيات حتى أن أحد القيادات الشعبية في كردفان الأخ "أبو زيد عبد القادر" الشهير (بالبلك) وهو من المغرمين بأطروحات "الطيب مصطفى" ومنبر السلام العادل، ولكن سحره منطق "سيد الخطيب" في توصيف أزمة المنطقتين ولم يسبق ل"البلك" رؤية "الخطيب" أو الإصغاء إليه رغم حبه للإنقاذ وخاصة ولاتها فقال (الزول دا من دارفور).. ظن أن "سيد الخطيب" من أهل دارفور ولم يدر بخلده أن سياسياً من السودان النيلي يجهر برؤية متصالحة مع واقع التعدد الإثني والثقافي والديني في السودان، و"سيد الخطيب" يقول بجرأة يحسد عليها: (بعض الناس في المؤتمر الوطني والأحزاب الأخرى يظنون أن بذهاب الجنوب وانفصاله انتهت حقبة التعددية الثقافية والإثنية والعرقية).. ولكن الأمر ليس كذلك.. لا يزال هناك مسيحيون ولا دينيون لهم حقوق وعليهم واجبات، والواقع هو ما يعزز ما ذهب إليه "الخطيب" وليس الأمنيات والأشواق. وولاية الخرطوم التي يقف على إدارتها سياسي واقعي خرج من صلب الحركة الإسلامية ورشحته بعض الدوائر حتى لخلافة
"البشير" في مقبل الأيام، هو من (استنفر) أعضاء حكومته يوم الرابع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي (عيد الكريسماس) لزيارة الكنائس وتقديم التهاني للمسيحيين من الأقباط والنوبة والجاليات الأجنبية.. وكذلك مضى مولانا "أحمد محمد هارون" في جنوب كردفان حينما خاطب المصلين في الكنيسة بكادوقلي، وتلقى "صبحي فانوس" الأستاذ الجامعي والمحلل بالقنوات التلفزيوني التهاني من "علي عثمان محمد طه" النائب الأول لرئيس الجمهورية، وتوافد أبناء مدينة الأبيض بالخرطوم، مسلمون ومسيحيون، لتهنئة ابن عروس الرمال وعضو البرلمان وصاحب مصنع البوهيات الشهير.. فكيف يبحث هؤلاء عن وطن بديل آخر وقد ارتضوا العيش في كنف السودان وطنهم الأول والأخير؟! وقد احترم المسيحيون في السودان من الأقباط شعائر المسلمين كأغلبية، وحتى حادثة أحد منسوبي الطائفة القبطية تنصير قناة مسلمة اعتذر عنها كبير القساوسة.. وواقعية "سيد الخطيب" جعلته يضع الحل السياسي لقضية المنطقتين أولوية مقدمة على الخيار العسكري الذي ربما فرضته ظروف مؤقتة، ولكن بعضاً من الخطاب السياسي لدواعي التعبئة (يدين) الحرب السياسية في المنطقتين لجهل بطبيعة تلك المناطق، ويحضرني في هذا المقام لقاء عفوي في مدينة الدلنج التي تسمى بعروس الجبال في شهر أكتوبر الماضي بأحد المقاتلين من الهدندوة وجدته يحتسي (لبناً) بالقرب من سيدة من البقارة (مشلخة) كالشايقية في الزمان السحيق، فسألته عن الحرب، فقال إنها (حرب سياسية) بين أطراف سياسية خاضت الانتخابات (حمبك الخاسر) وحمل السلاح و(الحمبكة) هي الغضب والرفض غير الموضوعي.. ذلك المقاتل الذي ينتمي إلى مؤسسة قومية كالقوات المسلحة (أذكى) بكثير من بعض القادة السياسيين الذين يهرفون بما لا يعرفون، يتحدثون عن الصلاة في كاودة أو طروجي لإصباغ الصراع الديني على حرب سياسية في الأساس.. ومثل هذا الخطاب الذي يجعل من الحرب في جبال النوبة أو النيل الأزرق (دينية) بجهل حتى تكوين الجيش الشعبي في تلك المناطق الذي يطغى عليه المسلمون بما يفوق ال(80%).. وحينما (حاصرت) قوات الدفاع الشعبي والقوات المسلحة في صيف 1996م منطقة (تيمين) بالجبال الغربية وعسكرت في سفح الجبل، كانت تصغي في الصباح لصوت أذان الفجر ينبعث من القمة ينادي المسلمين للصلاة واحتدم الجدال هل يحق لنا قتال هؤلاء؟!
وفي كاودة التي يظن البعض أنها قلعة للمسيحية والتنصير، دعا خطيب مسجدها وحاكمها "كمال النور" الأستاذ "علي عثمان محمد طه" لتشييد المسجد ودعم الخلاوي بحفظة للقرآن، يدخلون الناس الإسلام، ويعلمونهم أمور دينهم.. هؤلاء أحياء الآن يرزقون لم تبتلعهم الأرض ولم (يتنصروا) ويعلنوا ردتهم عن الدين، رغم أن بعض من (أعميت) بصائرهم من قادة الحركة الشعبية ورموزها قد بدلوا أسماءهم بحجة واهية، أنها ذات دلالات مرتبطة بالثقافة العربية، وتلك (تزيدات) ومواقف مؤقتة بسبب صدمة الحرب، فقد بدل الصحافي "قمر دلمان" اسمه، وكذلك بدل وزير الصحة السابق "عبد الله تية" اسمه، ولم يجرؤ أحدهما على إعلان (تنصره) أو ردته عن الدين الإسلامي الحق.. ومن الأخطاء التي لم تستدركها الحركة الإسلامية والجبهة الإسلامية من قبل رفع الشريعة الإسلامية على (أسنة) العراك السياسي.. ومن المفارقات أن المكون المسيحي في الحركة الشعبية هو من يتحالف اليوم مع المؤتمر الوطني ممثلاً في تيار "تابيتا بطرس" و"دانيال كودي"، ومحاولة تقسيم الشارع العام لمعسكر الرحمن ومعسكر الشيطان.. والشريعة الإسلامية منذ إعلان "جعفر نميري" تطبيقها في خريف سبتمبر 1983م (خلدت) في التربة السودانية، وحتى الحركة الشعبية في مفاوضات نيفاشا لم تجرؤ على المطالبة بإلغاء الشريعة، بل جعلت للجنوب خصوصية وللعاصمة الخرطوم وضعية للمسيحيين تتيح لهم ممارسة حرياتهم بما لا يتعدى وينتهك حريات الأغلبية المسلمة، ولا يعدو الحديث عن الشريعة الإسلامية كونه استثماراً سياسياً للدين بغير تدبر.. وقد تختلف مدارس الفكر الإسلامي من السلفية إلى الإسلامية الحركية إلى الصوفية، ولكن الشريعة كقيم ومشروع حضاري متفق عليها.
{ الهويات القاتلة
في تسعينيات القرن الماضي أصدر المفكر والمثقف البروفيسور "فرانسيس دينق مجوك" كتابين محل تقدير قطاعات عريضة من المثقفين أولهما (حرب الرؤى)، وهي حزمة مقالات تنحت في صخر المشترك في الثقافات بين السودانيين ثم رواية (طائر الشؤم) التي أفسدت النسخة المترجمة مقاصد الكاتب لشيء في نفس المترجم الدكتور "عبد الله النعيم" الجمهوري الشهير.. وبدا "فرانسيس دينق" مزهواً بشخصية "إلياس" بطل الرواية وهو ضابط متقاعد دخل البرلمان وواجهته مصاعب من رئيس البرلمان "بركة" ليكتشف فيما بعد أن "بركة" هو شقيقه (المخطوف) من قِبل عرب المراحيل حينما كان طفلاً.. وروى "فرانسيس" في كتابه الآخر (حرب الرؤى) كيف هي (الفروقات) الثقافية والنظرة المتعالية لبعض الشماليين نحو شماليين آخرين مسلمين وعرب مثلهم.. كما هي الفروقات بين الجنوبي النيلي والجنوبي الاستوائي.. وروى "دينق" قصة زواج ناظر المسيرية "بابو نمر" من (آل المهدي) وكيف تعثر الزواج في بادئ الأمر.. تلك هي طبيعة مجتمع متعدد ثقافياً وفكرياً، والتعدد يعدّه البعض دلالة وهن وضعف، والمتجمعات المتعددة ثقافياً لها قابلية التمزق والانشطار، والمجتمعات المتجانسة تملك خصائص الوحدة والنهوض والمناعة من التصدع.. والتاريخ وتجارب العالم من حولنا تثبت خطل النظرية الأولى، وإلا فكيف نجحت دولة مثل الهند في إدارة التنوع بما جعل المسلمين (يرأسون) الدولة برضا البوذيين، ولا ينهض انفصال بنغلايش عن الدولة الباكستانية التي أسسها "محمد علي جناح" دليل فساد وفشل تعايش.. وحتى انقسام الجنوب السوداني وذهابه إلى سبيله لا علاقة بينه والتباين الثقافي أو الإثني، وقد لعب الاقتصاد وإغراء البترول دوراً في انفصال جوبا عن الخرطوم.. ولكن صراعات الهويات الذي مزق أوروبا الشرقية يجعل كل ذي عقل وفكر يسعى جهده للنأي بوطنه عن تلك المآزق والمحن.
ونختم بما جاء في كتاب "أمين معلوف" اللبناني والفرنسي الذي يقف على مفترق ثلاث هويات.. جاء في كتابه (الهويات القاتلة) الصادر عن (دار الفارابي) في الصفحة (20) واضعاً إصبعه على جرح البوسنة النازف: (تخيل مثلاً صربياً ومسلمة التقيا منذ عشرين عاماً في مقهى بمدينة سراييفو، فتحابا ثم تزوجا.. لن يتمكن الاثنان فقط من إدراك هويتهما كما يفعل زوجان صربيان أو مسلمان، فموقفهما من الإيمان ومن الوطن على حد سواء لن يبقى على حاله، وسوف يحمل كل منهما في أعماقه على الدوام الانتماءات التي ورثها.. ولنبقَ في سراييفو ولو من الناحية النظرية ولنراقب في الشارع رجلاً في الخمسين من العمر في أوائل 1980م، لو طلب من هذا الرجل تحديد هويته لأجاب على الفور أنا يوغسلافي. ولو تحدد السؤال لقال إنه في جمهورية البوسنة والهرسك الفيدرالية وإنه ينتمي عرضاً لعائلة مسلمة. ولو التقيت الرجل نفسه بعد اثني عشر عاماً حين كانت الحرب على أشدها لأجاب عفوياً وبعزم لا يلين أنا مسلم، وقد يرسل لحيته تطبيقاً لتعاليم الشريعة، ولأضاف على الفور إنه بوسني ولما ذكر مطلقاً جنسيته اليوغسلافية).
وقد أيقظت سنوات الصراعات بين الإسلاميين، القبلية والعنصرية، من مرقدها القديم، واليوم تمثل دارفور ضحية لانتهازية من يركبون من الدروب (أرخصها) لبلوغ غايات لجد تافهة!!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.