الطاهر حجر يختتم زيارة تفقدية لولاية الجزيرة    سعر الدولار في السودان اليوم الأربعاء 17 أغسطس 2022 .. السوق الموازي    والد الطفل المُغتَصب يكشف الكثير ويتحسر على خروج الجاني    اقتصادي: السكة حديد البديل الامثل لحل مشكلة ارتفاع تكاليف النقل والمواصلات    انخفاض معدل التضخم في يوليو إلى 125%    وزير المعادن يؤكد متانة العلاقات الإقتصادية بين السودان والسعودية    العليقي: مشروعنا بالهلال يمتد لخمس سنوات ونستهدف المشاركة في السوبر الأفريقي    القنصل حازم مصطفى يكشف تفاصيل جديدة عن اختيار بحر دار لمباريات المريخ الأفريقية    جديد عالم الرياضة مع معتز الهادي    إتحاد تنس الطاولة يبدأ تفعيل البروتوكولات مع الدول الشقيقة    تحالف أهل الخرطوم يخاطب الوالي بشأن الأراضي التاريخية    وطن بطعم التراث في دار الخرطوم جنوب    ليالي وطنية باتحاد المهن الموسيقية بأمدرمان    شروط العضوية الجديدة لاتحاد المهن الموسيقية    منى أبو زيد تكتب : إنه التستوستيرون يا عزيزي..!    جبريل إبراهيم يؤكد وقوف الدولة مع المتضررين من السيول والأمطار بنهر النيل    "كبشور" قائد حيدوب النهود : سعيد كل السعادة كوني ضمن القائمة التي حققت الانجاز الكبير لحيدوب    في ختام مبادرة تحدي القراءة العربي الطالبة تاليا تتصدر المنافسة ووزير التربية يشيد بالمشاركين ويعد بالمساندة والدعم    المريخ السوداني يعلن موعد وصول المدرب التونسي    الحراك السياسي: تسرّب طبعة عملة ورقية جديدة من بنك السودان    الانتباهة: ارتّفاع جمارك السيارات    إيلون ماسك يغرد: سأشتري مانشستر يونايتد    شرطة الرياض تكشف لغز سرقة مركبة من أمام منزل صاحبها    تِرِك يكشف معلومات صادمة بشأن منكوبي فيضان القاش    عناوين الصحف السودانية السياسية الصادرة اليوم"الأربعاء" 17 أغسطس 2022    أمريكا تدعو إلى "الهدوء والصبر" في كينيا    (التوافق الوطني) وحلفاءها يقترحون على "الآلية الثلاثية" تجميع المبادرات    الجهاز الفني للبحارة يقف على التحضير لمعسكر الإعداد، و20 أغسطس ضربة البداية من كافوري    المنتخب الوطني يستهل تدريباته الاعدادية بالمغرب    تخفيض سعر الأسمنت    اتحاد الصاغة والتعدين يطلق (مبادرة وطنا) لدعم متضرري السيول والفيضانات    الفنانة ريماز ميرغني تروج لاغنيتها الجديدة عبر "تيك توك" …    ضبط (160 قندول حشيش بالنيل الابيض    7 أمور تجب معرفتها قبل شراء سيارة كهربائية    أكبر شركة في العالم تحدد نظام العمل الجديد لموظفيها بدءاً من سبتمبر    إذا ظهرت عليك هذه الأعراض.. فتش عن مستوى فيتامين D    مدرب السلامة بالدفاع المدني يؤكد أهمية السلامة للموظفين بأماكن عملهم    بوتين: أسلحتنا تفوق نظيراتها الأجنبية    شاهد بالفيديو.. مواطن سوداني يرد بقوة على أحد المطبلين للوالي في حضور الرئيس البرهان وجمع غفير من المواطنين (قول الصاح وما تكذب)    شاهد بالفيديو..قصة حقيقية حدثت بالخرطوم… فتاة سودانية "تشلب" شقيقتها وتتزوج من زوجها في السر    تقنين استهلاك الطاقة في مصانع صينية بسبب موجة الحر    صحة الخرطوم تمنع الإعلان عن منتجات الأدوية العشبية    شاهد بالفيديو.. أول ظهور للمطربة "ندى القلعة" بدون مكياج يدهش رواد التواصل الاجتماعي    هل تعلم ما هي أطعمة الدماغ الخمسة؟ إليك التفاصيل..    الصحة الخرطوم توجه بعدم الإعلان عن الأدوية والنباتات العشبية    علاج جيني جديد قد يمنع فقدان السمع الوراثي    وفد جديد من الكونغرس يزور تايوان    القبض على شبكة إجرامية متخصصة في ترويج الحبوب المخدرة (ترامادول)    صلاح الدين عووضة يكتب : وأنا!!    القبض على مجموعة مسلحة متهمة بسرقة منازل المواطنين بالخرطوم    الانتباهة: تفاصيل أخطر عملية نهب مسلّح بالخرطوم    أم محمد.. (ولدك يمين يكفينا كلنا مغفرة)!!    الرياض تستضيف المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون نوفمبر المقبل    الفاتح جبرا يكتب: خطبة الجمعة    د. توفيق حميد يكتب: هل مات أيمن الظواهري قبل قتله في أفغانستان؟    الرئيس السريلانكي السابق في تايلاند    حادثة "هاوية نهاية العالم" تثير ضجة في السعودية    الموفق من جعل له وديعة عند الله    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد جميل احمد يكتب "حتى إذا تلاشت الرؤى من خلفه وغابت المدينة"... وداعا الكابلي!
نشر في النيلين يوم 06 - 12 - 2021

قدرة الفن على نفخ الحياة في اللغة بالإبداع الشعري والغنائي، هي التي جعلت الإيطاليين يعمّدون الشاعر الإيطالي العظيم في العصور الوسطى دانتي ألييغيري، صاحب "الكوميديا الإلهية" أباً للغة إيطاليا الحديثة، جاعلين من لغة مدينته فلورنسا أمّاً وأصلاً للغتهم اليوم، وذلك اعترافاً وتكريماً للمجازات الشعرية العظيمة التي صنعها خيال دانتي في تلك اللغة، فكتب لها الخلود.
وإذا كان الشعراء: أمراء الكلام، كما قال الأصمعي، فإن المغنين هم صانعو خيال المرهف في الألحان الموسيقية (ملهمة الروح) لشعر الشعراء، ومجازاتهم العظيمة.
يوم أمس، رحل في الولايات المتحدة الأميركية أحد آباء وصانعي الوجدان الحديث للأغنية السودانية، الموسيقار الكبير عبد الكريم الكابلي، ابن شرق السودان ومدينة بورتسودان التي وُلد فيها عام 1932.
رحل الكابلي بعدما عاش حياته جملة إيقاع شجي ولحن مديد عطّر وجدان السودانيين لأكثر من نصف قرن بأغنيات لن يهزمها الدهر أبداً وإبداع باقٍ على مر الأيام.
قدراته العظيمة على إخراج اللحون من أعماق وعيه الباطن بحساسية مترفة في إبداع الأنغام، جعلت منه مطرباً شاملاً وباحثاً في التراث وشاعراً كذلك، لكن مجده العظيم الذي أُعطي له كان في تلك الألحان التي عاش بها مطرباً عظيماً وخاض بها تجريباً معززاً بالنجاحات في أطوار حياته المديدة، رحمه الله، إذ نشأ الفنان عبد الكريم الكابلي في بيت علم وأدب، فقد كان والده عبد العزيز الكابلي يترجم بعض مسرحيات شكسبير في عشرينيات القرن الماضي، ليتم أداؤها عبر التمثيل المسرحي في مدارس مدينة بورتسودان التي كانت مدينة واعدة بالحداثة والمعرفة.
وفي سياق بعث عظيم للأغنية السودانية الحديثة ابتدأ منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي في عام 1960، خرج الفنان عبد الكريم الكابلي بأغنيته الشهيرة "آسيا وأفريقيا" للشاعر اليساري تاج السر حسن، التي أُعجب بها الرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر أثناء زيارته إلى الخرطوم، إذ جسّدت الأغنية عبر لحنها الجميل تعبيراً عن نضال شعوب آسيا وأفريقيا للخروج من ربقة الاستعمار آنذاك.
وفي السياق ذاته العظيم لحقبة مجد الأغنية السودانية، آنذاك، جايل الكابلي عمالقة الأغنية الحديثة من أمثال الموسيقار محمد وردي ومحمد الأمين، إلا أنه شق طريقاً فريداً في الغناء، بدأ به ملحناً لعدد من الأغنيات، لكنه ما لبث بعدما غنى "آسيا وأفريقيا" أمام عبد الناصر في المسرح، أن أصبح مطرباً له بصمته وطابعه الخاص في كتاب الأغنية السودانية.
كان الكابلي يمثل في أدائه الفني والغنائي العظيم، مزيجاً من الوعي والإلهام، ومن التراث والحداثة، ومن الثقافة والفن، إذ راهن في تجربته الغنائية المديدة على الاضطلاع بإبداع غناء راقٍ انطبع بحس ثقافي مرهف، ومواكبة لتجريب جسور في كافة التحديات اللحنية والإيقاعية التي ظل يعالج بها الكابلي مزاجاً سودانياً خاصاً للغناء، ويعزف عزفاً منفرداً في تخت العروبة والأفريقانية، الذي تعيّن عليه أن يستلهم عبره هوية أغنية الوسط السوداني، أغنية الوطن والذاكرة، أغنية الفضاء العام والحس المشترك للسودانيين بين لسان عربي وإيقاع أفريقي، فأبدع ألحاناً شجية.
فمن ناحية كونه باحثاً في التراث، استخرج عبد الكريم الكابلي للذاكرة الشعبية السودانية أغنيات قديمة من تراث الوسط السوداني، خاطب بها وجداناً محلياً لكثيرين وأعاد تعريفاً وطنياً لتراث وسط السودان وعمّمه بالأداء اللحني الجميل ضمن مركزية تلك الأغنية. ومن ناحية ثانية، مارس الكابلي تحدياً "سَوْدَنَ" به كلاسيكيات التراث الشعري العربي في معماره الغنائي بفرادة عكست المزاج الخاص لعربية السودان في استنطاق الكلاسيكيات الشعرية العربية بإيقاعات أفريقية نافست المقامات: مثل أغنيات لكبار شعراء التراث العربي أمثال أبي فراس الحمداني في أغنيته: "أراك عصي الدمع" والمتنبي في أغنية "مالنا كلنا جَوٍ يا رسول"، كما تصدى الكابلي لتلحين الشعر العربي الفصيح في سياق كان يبرر به ترفاً ثقافياً جديداً في الأغنية السودانية، فغنى أغنية: "شذى زهر ولا زهر" للشاعر والأديب المصري الشهير عباس محمود العقاد، كما غنى لأمير الشعراء أحمد شوقي.
أما التجريب الأكثر حداثةً في المسار الغنائي الفصيح للكابلي، فكان عندما تصدى لتلحين أغنيات لشعراء الحداثة الشعرية في السودان ضمن نمط التفعيلة الشعري، كالقصيدة الشهيرة للشاعر السوداني محمد الفيتوري "معزوفة لدرويش متجول" (القصيدة التي حملت اسم ديوانه)، وقصيدة "ليلة المولد" للشاعر السوداني محمد المهدي المجذوب، التي خاض بها الكابلي عالماً صوفياً من الغناء (امتزج بتجربة ذاتية له في ممارسة التصوف طرفاً من حياته). وكم كان الكابلي عميقاً وموفقاً في اللحن المركب الذي وضعه لقصيدة "ليلة المولد" وأبياتها الفلسفية الخائضة في بحور التصوف الفلسفي (كان الشاعر محمد المهدي المجذوب من أتباع المفكر الصوفي محمود محمد طه)، لا سيما في المقطع الذي يقول فيه الشاعر المجذوب: "ونَضَا عنْ فِتْنَةِ الحُسْنِ الحِجَابَا ومضَى يُخْرِجَه زِيَّاً فَزِيَّا".
وعلى مدى 60 عاماً، صاغ الكابلي وجداناً فنياً بديعاً لمزاج عام مترف في الطبقة الوسطى السودانية وسكان المدن، لكن في الوقت ذاته، منح الآخرين قدرةً على الارتقاء مع فنه من مداخل غنائية لعيون التراث الشعبي في السودان، وخاض في فضاء عريض من الألحان العظيمة والأعمال الخالدة عبر أغنيات أصبحت اليوم من عيون الغناء السوداني الحديث، أغنيات ك"طائر الهوى"، "ضنين الوعد"، "في عز الليل"، "جمال تاجوج" والأخيرة استلهمها من تراث البجا بشرق السودان.
جسّد الكابلي في أغنياته خيالاً جسوراً ذا تطريب عالٍ وقوة إيقاعية مفتونة بألحان مترفة جيدة السبك عميقة المعاني ومجيدة في ثراء مفرداتها وصفائها الشعري، عبر صوته الذي ظل صافياً منغماً وفخيماً يندر أن يجود الزمان بمثله.
إلى جانب اثنين آخرين، هما الموسيقار محمد وردي، رحمه الله، والموسيقار محمد الأمين، حفظه الله، كان الفنان عبد الكريم الكابلي هرماً ثالثاً في كون الثلاثة هم أكثر الفنانين الذين صاغوا وجدان السودانيين عبر أغنيات ظلت باستمرار هوية لفرادة الغناء السوداني، وظلوا محافظين على مكانتهم في قمة هرم الأغنية السودانية الحديثة. والمفارقة الغريبة أن الفنانين الثلاثة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي (تزامناً مع انقلاب نظام البشير الإخواني عام 1989)، لم تصدر لهم أغنيات جديدة قرابة 30 عاماً – إلا في ما ندر – كما لو كان توقفهم ذاك مؤشراً إلى علاقة الفن بأزمة الحرية!
عاش الكابلي، رحمه الله، زمناً صاخباً وعمراً مديداً ناهز ال90 سنة ليبدع لنا إلى جانب فنه الغنائي العظيم، مساهمات أخرى في كتابة شعر بعض أغنياته، والتلحين لبعض كبار الفنانين السودانيين من مجايليه، إلى جانب التأليف الأكاديمي في مجال الموسيقى، كما كان سفيراً للأغنية السودانية في الخارج عبر إجادته اللغة الإنجليزية (فالكابلي عمل طرفاً من حياته مترجماً في المملكة العربية السعودية) وشرحه لبعض خصائص الغناء السوداني خلال الحفلات التي يحييها في الخارج.
واليوم ما أصدق المقطع الشعري في عنوان المقال الذي هو عبارة شعرية من قصيدة / أغنية "طائر الهوى" للشاعر محمد سعد دياب (التي غنّاها الكابلي ولحنها الموسيقار بشير عباس) على غياب الكابلي، ومن ثم الإيذان بغياب حالة مدنية للسودان توشك أن تغيب وتتلاشى عن حياة السودانيين التي استمر تجريفها 30 عاماً.
رحم الله الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي، فقد كان فناناً مثقفاً وباحثاً فنياً مجيداً وملحناً عبقرياً، ترك بصمةً لا تزول في سجل الغناء السوداني الخالد، ومضى!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.